:: البلبل الأرعن ... قصة سعدي صباح
السبت, 20 فبراير, 2010
البلبــــل الأرعـــــــن ...
القاص سعدي صباح / الجزائر
sebbah@maktoob.com
ذات عرس أدبي حضرته أنيق الكلمات ، ..أتي الحرف أكله من دبس قد منّت به القرائح ..فاكهة للشّتاء بعد حالة من التوتر والمعاناة ، وتهادوا قنّاص الكلمة من كل فجّ ..ترمي بهم النسمات ...تشردهم ..تناشدهم بهدم جدار القبيلة وسحق كل الأعراف ، ..يماشيهم ضحية من ضحايا الخليل بن أحمد الذي أغراه بأن يدعي النبوة في تجلياته التي لا إشراق لها ..ولا غروب .. لا سرح لها ولا لجام ، وانتوى أن يتخذ من بنات قريحته نورا تحف بها فراشات تشتهي الرقص على وهج القنديل ،هو يحب ثمراته التي جاءت من عرق جبينه...يجلها حد القداسة !، وهاهو على هامش العرس يتأبطها ضمن إصداره الجديد! ، الذي حوى قصائد طافحة بالجمال شاعرية سلسة عذبة ، موسومة ب "البلبل الأرعن " ولسوء حظه تنفس الصّباح بسبائخ قد كللت المراح ولحدت المناكب بحقل من الثلج !،وأخذت تعزف لحن غطرستها على البلور! إحتفاء بعصافيرتتغنى با لشتاء ، وحين غصّ منبرالغناء بالذين هم بحاجة إلى غناء وابتلعت القاعة المترامية كل من لب النداء ، انزوى بلبل بمناكب البهو بجلبابه المهترئ وبدلته الدرعاء المعفرة بالطبشوروحذاء عابس مرت عليه السّنون!وانتوى بيع الخزامى لأناس عشقوا الشوك بالفطرة ! ... غلطان في النّمرة يحلم أن يخرج بمصباح علاء !،.. البلبل تحت قطيع السّبائخ أكد العزم ليعرض زبدة إبداعه على البلاط غير عابئ بما تحدثه بنات القرّ والجليد!..بدأ يدندن في صمت لطرد البرد ،وبعود الثّقاب أحيا بقايا سجارة بعد موتها خبّأتها له ليلة البارحة ! ..جلس متربعا على كرتون المتاجر متخذا منها طنافس له ! تيمّن وتبّرك لمحق بعض التشاؤم...يمنّي نفسه وكانت النيات نجع الورى ، وبيدين مرتجفتين راح يُعَسْعس فيما على البلاط من تراب ارتوى بالندى !، ويسحق بعض الرّطوبة الجاثمة على البلاط ..اصطكت الأسنان وبدأت خيوط المخاط تعلن انحدارها على شفتيه وهو غير مكترث وكأنه يبتغي موته الزؤام ! ، بدأ يلتفت يمنة ويسرة علّه يرى من يشاطره ساعات الهزيمة التي جاءت عنوة في البلبل الغريد بالموج العارم من البرد و أسراب الصقيع !، ارتعدت فرائصه في لجة القرّ الشديد ..شق علية الجلوس ..فقد توازنه ... اندثرت آماله وتلاشت كذاك الجليد إزاء جدائل الشمس ! ، أراد التحدي ... اختار أن يقف في وجه الأزمة لكونه رجل من صنف النّخيل ، يعشق الأنواء وكالنّسر يبني مغناه في الّذرى وفي شماريخ الجبال..يكفر بالتّرعة و بالحضيض! ..يتعشق الزّرقة جوا وبرا مضاربه القمم العالية! ، لكنّه السّاعة بدأ يشعر بالإحباط ، أحاطته أشواك خيبته من كل مكان!، ودون سابق إنذار وجد نفسه صريع إبداعه، فهو السّاعة بخضم معج بطحالب الهزيمة ! ، وأحسّ انه تجنّى على نفسه في هذا النّهار الكاسح.. وبدأت الأسطوانة تردد له في النجوى شريطه منذ اللّيالي المقمرة التي طرق فيها بيت الخليل : " آه منذ ولوجي في عالم القنص وأنا على غيمة بعنان السّماء !لكن الآن أنا بصحراء قاحلة وكأنني أخفر الرفاق من وحوش الزمهرير ! " ...
وبدأت من الداخل تتردد على مسمعه أغاني شبه حزينة !... شريط أسود جارح من اليوم الذي كشف فيه أبواب الرمل وإخوانه ،.. وتملّكته أحلام اليقظة ..تذكّر مديره حين كشّر في وجهه ودون تحية و ناوله ورقة الغياب.و حسم له ثلاثة أيام مقابل غيابه وتلاعبه ببراعم الناس ! ... ذكرته نفسه اللّوامة بعد انفراده بأيام طفولته وحبّه لفاطمة التي عشق المدينة من أجلها وتعلّم في الزاوية القريبة من مغناها القابع خلف أشجار الرمّان " المدرسة الحرة " ... يوم كان العشاء عيّاد والنّوم على الحلفاء والسنّاق!. هو غير نادم على الأيام لكنّه اللّحظة يتمنّى أن يتوقف الزمن حتى لا يعيش سنين الحرمان، وهو آسير ككل العنادل محنة الكتابة بحضرة متسلّطين يرفضونها بالمرة.. في زمن السكايب والمسنجر ... زمن خلاّن مكتوب والفيس بوك ... زمن النّاقد الرقمي الذي يقتنص القصيدة الحبلى بالكسور! كما يكشف عن بحرها الخالي التخوم وبرّها ! .. و يلعن الشّاعر بداخله هذا الزمن الذي حول كل الورى الى شعراء بل الى مشرفين يردعون أجود الكلمات وأهلها !،البلبل السّاعة أحس بالغثيان ..أحّس أنه يُجلَد بسيّاط من سلان إزاء هذه الكوابيس التي يريد التّخلص منها ... وينتظرعميلا وهمياً يريحه ويقتل شبح انتظاره لكن دون جدوى ! ، فيعود لكوابسه التي تطارده من جديد ! فيرى زوجته نصب عينيه غاضبة من إدمانه ولهثه وراء البريق!..زوجته التي تتملّكها الغيرة كلّما نزلت دعوته للمهرجان عليها كالصّاعقة ! وإنها من خلال بوحه المفرط صارت ترى العرس ليس بريئا واللّقاء بالأخريات ليس عابرا ! ... إنّـها إقامة بثلاث نجوم وغرف متلاحمة وعطر يسري وشذى ...مغسل وحمام وجلسات ليلية حميمية ينشطها الشيطان! وهي تدري جيّداً بمكائد ذاك اللّعين ... رغم أنَّها تضع في بلبلها كل الثقة لكنها البدوية تعرف الكثير عن قصة البنزين والنار !... ، مفاتن حواء جنّات والقلب لحمة خصوصا وأن التّحرر له طعم خاص وحكايات !، تذكّر مساء كان الى جانبها حين قال الشيخ العبيكان يخاطب النّساء :لا تقلن للعلماء أحبّك في الله لأن هذا يثير حفيظة الأزواج وعقّبت شبه مازحة ألا تقل يا بلبلي لشاعرة ما أحبّك في الشعر؟ وأردفت...حرام ..حرام يا ناس! ،هكذا كان البلبل يتنبّأ في النجوى مسافر سارح على البلاط ... أشباح جمّة معبأة من زمن بتلافيف دماغ على حافة الانفجار ..شبح ترك البيت وشؤون أطفاله يحيطه كاللّعنة!، .. التلاميذ الذين ينتظرونه بشغف في هذا اليوم المتغطرس!،خاصة عندما يشعر أنّه هو السبب في ضياع جيل بأكمله !،ويُحَدِّثُ نجواه متنبّئا أنهم يشوِّشون على زملائهم وزملائه الذين يمقتونه من أجل شعره الذي يمدح به أحيانا ويذمُّ به أحيانا أخرى حسب أهواء شيطانه الذي لا يعرف للذّنب معنى ! ، وأيقن اليوم وغدا أنه الشّخص الوحيد الذي يعيش الرعب والوساوس إلى أجل غير مسمى .. ! قرص آخر مضغوط يذكّره بالمرأة التي أتته بغير حب ..تذكرها حين تتحول الى نمرة مسعورة إذا ذكر شاعرة أو امتدح قصائدها !،.تذكّر حين عثر عليها وهي تمزِّق صوره ضمن شعراء وشواعرلآلئ في الجمال!، وهو يدري بأنّها تدري وأمثاله جميعا لا يتركون ذبابة أنثى إلا وكتبوا فيها أرقى السّنابل! ..البلبل المسكين يحاول للمرة الإنسلاخ من سراب المآسي .. وقد أدرك الآن مخازي اليوم، وقد كانت أيامه بعد ولوجه في بحر الرمل كلّها مخازي !،ثم يعود ويتساءل فهل من عميل أو عابر سبيل يقتني من كتبي أو حياء يقلِّب صفحاتي؟ ..حتى وإن يرمي بها على البلاط فذاك شأنه ... فما يهم الآن إنّني دون هقار وليس عندي الآن" ملِّيماً " ، هرع إلى الباب الكبير بسرعة البرق واستعار سجارة الهقار من حارس الحديقة ! ... أوقدها له .. أخذ نفسا عميقا فانفتحت عيناه الذّابلتان بعد أن تملّكه اليأس على قدوم رجل من أنيق الّرجال !... ببدلته الهاربة من السّماء وحذائه البنِّي والذّي لم ترَ عيناه مثله منذ فتحهما على البسيطة وربطة عنق مزركشة بزهر آيار !.. رنى ثم وقف في حيرة من أمره ! حدّق اليه ثم راح يتأمّل ماطرح على البلاط .. ، وقال برأفة : " صباحك أنيق ... واستطرد .. أنا يارجل اللحظة غاضب من تصرفك هذا حدّ الاستياء !،.. مالي أراك هكذا تحرس المكان في هذا الجو القارس منذ أن أشرق صبح الشّتاء ؟ ..فهل أنت تريد من وراء ذلك معاقبة نفسك يا صاحبي ؟ أم أنّك تريد أن تتسلّط على شاعر شاء له أن يتوارى بداخلك " ... قالها مازحا وأنهى الكلام! .. فأجابه مغمغماً وغصّة تصعدُ إلى حلقه : " فما ذنبي حين أسّوق إصداري وأبتاع منه علبة هقار أو جوارب تقيني شرّ ّالنهار ! ... فأنا هنا إلاّ لأبيع كتبي ليس إلا يا حكيم .." ، فتأمّل الرّجلُ الكتيبات المحتشمة الجاثمة على البلاط ! ثم بعفوية قال : " يبدو أنّكَ أنهيتها صاحبي ! أليس كذلك ؟" ... فأجاب البلبل بصوت فيه حشرجة : " هذا ما بحوزتي ! ... منذ الصّباح وأنا هنا تلسعني إبَر البرد ولا من تفضّل أو استفسر عن ثمن الكتاب ! " ، سكتَ الرجل هنيهة ثم سأله : " بربّك ما عدد الكتب ؟ " قالَ : " أربعة ! " .. وما ثمن الكتاب ؟أجاب الشاعر بسذاجة : " خمسون ديناراً ! " ... وأردفَ: " سجارة لو سمحت ! " ... ، هزَّ الّرجل رأسه و صفّر شبه ساخر! ... ثمّ أعطاه سجارة مالبورو وسأله أخيرا عن ثمن كل الكتب ؟ فأجابه بعد أن استنشق عطر المالبورو : مئتي دينار! فأدخل الرّجل يده إلى جيبه وأخرج قطعة المئتي دينار يسبقها العطرالباريسي .!.. أعطاها له وقبل أن يقدّم له مقابِلَها كتبه الكاسدة .. نصحه قائلا : " خُذْها مع كتبِكَ واُدخل إلى القاعة لقد أَمَاتك البرد الشّديد ! " ، لم يعقب ودلف الى القاعة كرمس يلحّد رفاة قريحته التي اعتكف على إنجابها الليالي الطوال ! وموسيقى الرّجل تتردَّد على مسمعه كالعتاب : " خذها مع كتبك وادخل لقد أماتك البرد " ... لم ينتش ولم يفرح البلبل وأحسّ أنه تعرى وصوت المتلظظ يماشيه كطعنة خنجر،دلف القاعة والرّفاق يلعلعون ويزمجرون بقاعة تتمنى الرّحيل ! أصيب بالدّوران وانتوى الانسلاخ عن الشّاعر من داخله وفاء منه لأعداء البيان ، وبدأ يستحضر عبارات السّب الحمراء ! ليشتم بلغة الخشب هذا السوق الذي يخلو من عملاء ... الزردة التي يريد على هامشها تعزيز الجنى الذي سقطت عليه أو راق الخريف وهوفي عز الربيع ،:وشك أنّه دجّال ...جلس في الخلف ليتجرع مرارة وطن يقتل الكلمة التي قد تتحول إلى رصاص .
سعدي صبّاح
www.sebbah.co.cc
السبت, 20 فبراير, 2010
البلبــــل الأرعـــــــن ...
القاص سعدي صباح / الجزائر
sebbah@maktoob.com
ذات عرس أدبي حضرته أنيق الكلمات ، ..أتي الحرف أكله من دبس قد منّت به القرائح ..فاكهة للشّتاء بعد حالة من التوتر والمعاناة ، وتهادوا قنّاص الكلمة من كل فجّ ..ترمي بهم النسمات ...تشردهم ..تناشدهم بهدم جدار القبيلة وسحق كل الأعراف ، ..يماشيهم ضحية من ضحايا الخليل بن أحمد الذي أغراه بأن يدعي النبوة في تجلياته التي لا إشراق لها ..ولا غروب .. لا سرح لها ولا لجام ، وانتوى أن يتخذ من بنات قريحته نورا تحف بها فراشات تشتهي الرقص على وهج القنديل ،هو يحب ثمراته التي جاءت من عرق جبينه...يجلها حد القداسة !، وهاهو على هامش العرس يتأبطها ضمن إصداره الجديد! ، الذي حوى قصائد طافحة بالجمال شاعرية سلسة عذبة ، موسومة ب "البلبل الأرعن " ولسوء حظه تنفس الصّباح بسبائخ قد كللت المراح ولحدت المناكب بحقل من الثلج !،وأخذت تعزف لحن غطرستها على البلور! إحتفاء بعصافيرتتغنى با لشتاء ، وحين غصّ منبرالغناء بالذين هم بحاجة إلى غناء وابتلعت القاعة المترامية كل من لب النداء ، انزوى بلبل بمناكب البهو بجلبابه المهترئ وبدلته الدرعاء المعفرة بالطبشوروحذاء عابس مرت عليه السّنون!وانتوى بيع الخزامى لأناس عشقوا الشوك بالفطرة ! ... غلطان في النّمرة يحلم أن يخرج بمصباح علاء !،.. البلبل تحت قطيع السّبائخ أكد العزم ليعرض زبدة إبداعه على البلاط غير عابئ بما تحدثه بنات القرّ والجليد!..بدأ يدندن في صمت لطرد البرد ،وبعود الثّقاب أحيا بقايا سجارة بعد موتها خبّأتها له ليلة البارحة ! ..جلس متربعا على كرتون المتاجر متخذا منها طنافس له ! تيمّن وتبّرك لمحق بعض التشاؤم...يمنّي نفسه وكانت النيات نجع الورى ، وبيدين مرتجفتين راح يُعَسْعس فيما على البلاط من تراب ارتوى بالندى !، ويسحق بعض الرّطوبة الجاثمة على البلاط ..اصطكت الأسنان وبدأت خيوط المخاط تعلن انحدارها على شفتيه وهو غير مكترث وكأنه يبتغي موته الزؤام ! ، بدأ يلتفت يمنة ويسرة علّه يرى من يشاطره ساعات الهزيمة التي جاءت عنوة في البلبل الغريد بالموج العارم من البرد و أسراب الصقيع !، ارتعدت فرائصه في لجة القرّ الشديد ..شق علية الجلوس ..فقد توازنه ... اندثرت آماله وتلاشت كذاك الجليد إزاء جدائل الشمس ! ، أراد التحدي ... اختار أن يقف في وجه الأزمة لكونه رجل من صنف النّخيل ، يعشق الأنواء وكالنّسر يبني مغناه في الّذرى وفي شماريخ الجبال..يكفر بالتّرعة و بالحضيض! ..يتعشق الزّرقة جوا وبرا مضاربه القمم العالية! ، لكنّه السّاعة بدأ يشعر بالإحباط ، أحاطته أشواك خيبته من كل مكان!، ودون سابق إنذار وجد نفسه صريع إبداعه، فهو السّاعة بخضم معج بطحالب الهزيمة ! ، وأحسّ انه تجنّى على نفسه في هذا النّهار الكاسح.. وبدأت الأسطوانة تردد له في النجوى شريطه منذ اللّيالي المقمرة التي طرق فيها بيت الخليل : " آه منذ ولوجي في عالم القنص وأنا على غيمة بعنان السّماء !لكن الآن أنا بصحراء قاحلة وكأنني أخفر الرفاق من وحوش الزمهرير ! " ...
وبدأت من الداخل تتردد على مسمعه أغاني شبه حزينة !... شريط أسود جارح من اليوم الذي كشف فيه أبواب الرمل وإخوانه ،.. وتملّكته أحلام اليقظة ..تذكّر مديره حين كشّر في وجهه ودون تحية و ناوله ورقة الغياب.و حسم له ثلاثة أيام مقابل غيابه وتلاعبه ببراعم الناس ! ... ذكرته نفسه اللّوامة بعد انفراده بأيام طفولته وحبّه لفاطمة التي عشق المدينة من أجلها وتعلّم في الزاوية القريبة من مغناها القابع خلف أشجار الرمّان " المدرسة الحرة " ... يوم كان العشاء عيّاد والنّوم على الحلفاء والسنّاق!. هو غير نادم على الأيام لكنّه اللّحظة يتمنّى أن يتوقف الزمن حتى لا يعيش سنين الحرمان، وهو آسير ككل العنادل محنة الكتابة بحضرة متسلّطين يرفضونها بالمرة.. في زمن السكايب والمسنجر ... زمن خلاّن مكتوب والفيس بوك ... زمن النّاقد الرقمي الذي يقتنص القصيدة الحبلى بالكسور! كما يكشف عن بحرها الخالي التخوم وبرّها ! .. و يلعن الشّاعر بداخله هذا الزمن الذي حول كل الورى الى شعراء بل الى مشرفين يردعون أجود الكلمات وأهلها !،البلبل السّاعة أحس بالغثيان ..أحّس أنه يُجلَد بسيّاط من سلان إزاء هذه الكوابيس التي يريد التّخلص منها ... وينتظرعميلا وهمياً يريحه ويقتل شبح انتظاره لكن دون جدوى ! ، فيعود لكوابسه التي تطارده من جديد ! فيرى زوجته نصب عينيه غاضبة من إدمانه ولهثه وراء البريق!..زوجته التي تتملّكها الغيرة كلّما نزلت دعوته للمهرجان عليها كالصّاعقة ! وإنها من خلال بوحه المفرط صارت ترى العرس ليس بريئا واللّقاء بالأخريات ليس عابرا ! ... إنّـها إقامة بثلاث نجوم وغرف متلاحمة وعطر يسري وشذى ...مغسل وحمام وجلسات ليلية حميمية ينشطها الشيطان! وهي تدري جيّداً بمكائد ذاك اللّعين ... رغم أنَّها تضع في بلبلها كل الثقة لكنها البدوية تعرف الكثير عن قصة البنزين والنار !... ، مفاتن حواء جنّات والقلب لحمة خصوصا وأن التّحرر له طعم خاص وحكايات !، تذكّر مساء كان الى جانبها حين قال الشيخ العبيكان يخاطب النّساء :لا تقلن للعلماء أحبّك في الله لأن هذا يثير حفيظة الأزواج وعقّبت شبه مازحة ألا تقل يا بلبلي لشاعرة ما أحبّك في الشعر؟ وأردفت...حرام ..حرام يا ناس! ،هكذا كان البلبل يتنبّأ في النجوى مسافر سارح على البلاط ... أشباح جمّة معبأة من زمن بتلافيف دماغ على حافة الانفجار ..شبح ترك البيت وشؤون أطفاله يحيطه كاللّعنة!، .. التلاميذ الذين ينتظرونه بشغف في هذا اليوم المتغطرس!،خاصة عندما يشعر أنّه هو السبب في ضياع جيل بأكمله !،ويُحَدِّثُ نجواه متنبّئا أنهم يشوِّشون على زملائهم وزملائه الذين يمقتونه من أجل شعره الذي يمدح به أحيانا ويذمُّ به أحيانا أخرى حسب أهواء شيطانه الذي لا يعرف للذّنب معنى ! ، وأيقن اليوم وغدا أنه الشّخص الوحيد الذي يعيش الرعب والوساوس إلى أجل غير مسمى .. ! قرص آخر مضغوط يذكّره بالمرأة التي أتته بغير حب ..تذكرها حين تتحول الى نمرة مسعورة إذا ذكر شاعرة أو امتدح قصائدها !،.تذكّر حين عثر عليها وهي تمزِّق صوره ضمن شعراء وشواعرلآلئ في الجمال!، وهو يدري بأنّها تدري وأمثاله جميعا لا يتركون ذبابة أنثى إلا وكتبوا فيها أرقى السّنابل! ..البلبل المسكين يحاول للمرة الإنسلاخ من سراب المآسي .. وقد أدرك الآن مخازي اليوم، وقد كانت أيامه بعد ولوجه في بحر الرمل كلّها مخازي !،ثم يعود ويتساءل فهل من عميل أو عابر سبيل يقتني من كتبي أو حياء يقلِّب صفحاتي؟ ..حتى وإن يرمي بها على البلاط فذاك شأنه ... فما يهم الآن إنّني دون هقار وليس عندي الآن" ملِّيماً " ، هرع إلى الباب الكبير بسرعة البرق واستعار سجارة الهقار من حارس الحديقة ! ... أوقدها له .. أخذ نفسا عميقا فانفتحت عيناه الذّابلتان بعد أن تملّكه اليأس على قدوم رجل من أنيق الّرجال !... ببدلته الهاربة من السّماء وحذائه البنِّي والذّي لم ترَ عيناه مثله منذ فتحهما على البسيطة وربطة عنق مزركشة بزهر آيار !.. رنى ثم وقف في حيرة من أمره ! حدّق اليه ثم راح يتأمّل ماطرح على البلاط .. ، وقال برأفة : " صباحك أنيق ... واستطرد .. أنا يارجل اللحظة غاضب من تصرفك هذا حدّ الاستياء !،.. مالي أراك هكذا تحرس المكان في هذا الجو القارس منذ أن أشرق صبح الشّتاء ؟ ..فهل أنت تريد من وراء ذلك معاقبة نفسك يا صاحبي ؟ أم أنّك تريد أن تتسلّط على شاعر شاء له أن يتوارى بداخلك " ... قالها مازحا وأنهى الكلام! .. فأجابه مغمغماً وغصّة تصعدُ إلى حلقه : " فما ذنبي حين أسّوق إصداري وأبتاع منه علبة هقار أو جوارب تقيني شرّ ّالنهار ! ... فأنا هنا إلاّ لأبيع كتبي ليس إلا يا حكيم .." ، فتأمّل الرّجلُ الكتيبات المحتشمة الجاثمة على البلاط ! ثم بعفوية قال : " يبدو أنّكَ أنهيتها صاحبي ! أليس كذلك ؟" ... فأجاب البلبل بصوت فيه حشرجة : " هذا ما بحوزتي ! ... منذ الصّباح وأنا هنا تلسعني إبَر البرد ولا من تفضّل أو استفسر عن ثمن الكتاب ! " ، سكتَ الرجل هنيهة ثم سأله : " بربّك ما عدد الكتب ؟ " قالَ : " أربعة ! " .. وما ثمن الكتاب ؟أجاب الشاعر بسذاجة : " خمسون ديناراً ! " ... وأردفَ: " سجارة لو سمحت ! " ... ، هزَّ الّرجل رأسه و صفّر شبه ساخر! ... ثمّ أعطاه سجارة مالبورو وسأله أخيرا عن ثمن كل الكتب ؟ فأجابه بعد أن استنشق عطر المالبورو : مئتي دينار! فأدخل الرّجل يده إلى جيبه وأخرج قطعة المئتي دينار يسبقها العطرالباريسي .!.. أعطاها له وقبل أن يقدّم له مقابِلَها كتبه الكاسدة .. نصحه قائلا : " خُذْها مع كتبِكَ واُدخل إلى القاعة لقد أَمَاتك البرد الشّديد ! " ، لم يعقب ودلف الى القاعة كرمس يلحّد رفاة قريحته التي اعتكف على إنجابها الليالي الطوال ! وموسيقى الرّجل تتردَّد على مسمعه كالعتاب : " خذها مع كتبك وادخل لقد أماتك البرد " ... لم ينتش ولم يفرح البلبل وأحسّ أنه تعرى وصوت المتلظظ يماشيه كطعنة خنجر،دلف القاعة والرّفاق يلعلعون ويزمجرون بقاعة تتمنى الرّحيل ! أصيب بالدّوران وانتوى الانسلاخ عن الشّاعر من داخله وفاء منه لأعداء البيان ، وبدأ يستحضر عبارات السّب الحمراء ! ليشتم بلغة الخشب هذا السوق الذي يخلو من عملاء ... الزردة التي يريد على هامشها تعزيز الجنى الذي سقطت عليه أو راق الخريف وهوفي عز الربيع ،:وشك أنّه دجّال ...جلس في الخلف ليتجرع مرارة وطن يقتل الكلمة التي قد تتحول إلى رصاص .
سعدي صبّاح
www.sebbah.co.cc
تعليق