كثيرة هي المفاهيم اللسانية و النقدية المتداولة في الحقل الثقافي العربي التي تحتاج قبل توظيفها و الاشتغال بها إلى دقة في التعريف حتى تصير مفهوما إجرائيا قابلا للتطبيق في الدراسات النقدية التطبيقية . من هذه المفاهيم مفهوم الأسلوبية بكل تفرعاته التعبيرية و الوظيفية و البنيوية والإحصائية ...
في هذا الإطار ارتأيت أن أحاول مقاربة بعض هذه المفاهيم وتقريبها إلى زوار بوابة النقد الأدبي في ملتقى الأدباء و المبدعين العرب معتمدا بشكل أساس على كتاب بيير جيرو الأسلوب والأسلوبية ، ترجمة منذر عياشي الصادر عن مركز الإنماء القومي.
1 ـ الأسلوبية والبلاغة : يرى بيير غيرو في كتابه الأسلوب والأسلوبية أن قواميس اللغة تقدم أكثر من عشرين تعريف لمصطلح الأسلوب أهمها يمتد من طريقة التعبيرعن الفكر إلى طريقة الحياة مرورا بالطريقة الخاصة لكاتب أو لفنان أو لجنس أدبي أو لعصر من العصور . إنه الخاصية اللغوية التي تميز كاتب أو شاعر من باقي الشعراء أو جنس أدبي من باقي الأجناس الأدبية أو اتجاه أدبي من باقي الاتجاهات أو عصر أدبي من باقي العصور .
وإذا حصرنا الأسلوبية في الفعل الكلامي دون باقي الأفعال ، فيراها بيير غيرو في كتابه أعلاه دراسة للتعبير اللساني . هذا التعريف على دقته يبقى تعريفا واسعا يطرح أكثر من إشكال ، فقد نظر بعض النقاد إلى الأسلوب الذي هو موضوع الأسلوبية بوصفه وجها من وجوه جماليات التعبير الأدبي . أي دون الالتفات إلى اللغة اليومية التي تهيمن عليها الوظيفة المرجعية التواصلية . أما بعضهم الآخر فقد حصر اهتمامه في الاختيار الواعي لأدوات التعبير . وبعضهم الثالث اهتم بالقوى الغامضة التي تكون اللغة في اللاشعور .
قبل ظهور الأسلوبية التي ارتبطت بالدراسات اللسانية القائمة على الدراسة الوصفية للغة ، كانت البلاغة هي سيدة الموقف في دراسة التعبير الأدبي و العلم الذي يغني النقد الإدبي ويثريه بالمفاهيم والمصطلحات . فلا نكاد نجد منهجا من مناهج الدراسات الأدبية لا يوظف المفاهيم البلاغية في مقارباته . وما يميز البلاغة عربية وغير عربية أنها ليست مجموعة من القواعد الجامدة كما أرادت لها المنظومات التعليمية والكتب المدرسية أن تكون . إنها تعبير عن ثقافة كاملة تحكمها رؤيا للعالم نابعة من تصور مجتمعات قديمة للحياة وتدبيرها . هذه الثقافة هي التي كانت سائدة قبل القرن الثامن عشر. ويمكن أن نصطلح عليها بالثقافة الجوهرية في مقابل ثقافة أخرى سادت بعد القرن الثامن عشر يمكن أن نصطلح عليها بالثقافة الوجودية والتي سادت معها الأسلوبية . فما الذي يميز الثقافة الجوهرية عن الثقافة الوجودية؟
كان العالم القديم ما قبل القرن الثامن عشر يعيش في عالم مخلوق مكتمل الماهية . فالأفكار و الأحاسيس و العلاقات بين الأفراد ( غزل مدح هجاء رثاء ...) موجودة منذ الأزل ومكتملة وخارج إرادة الفرد . ولا تشذ اللغة عن هذه الرؤيا فهي شيء معطى خلقه الله عز وجل وعلمه آدم و مهمة الشاعر أو الكاتب أن يضع الفكر في الشكل الملائم له.
انطلاقا من هذا التصور لا تكمن مهمة الأديب في التعبير عن تجربة فريدة للإنسان أو الكون ، تخصه وحده دون غيره ، فهو لا يقدم إلينا مغامراته الغرامية في الغزل ، وإنما يقدم لنا حبا مثاليا جوهريا ، وإذا أردنا الدقة في التعبير ، وحتى لا نتهم شعراءنا القدماء بعدم التعبير عن تجاربهم الفردانية الخاصة في نصوصهم الغزلية ، نقول : لا وجود لمسافة بين التجربة الفردانية التي يعيشها الشاعر و بين أنماط الحب المثالي التي يؤمن بها المجتمع ( الأنا الأعلى ) فمقاييس الجمال موحدة عند كل الشعراء لأنها مقاييس جوهرية لا تتغير ولا تتبدل ، وحينما يصف الشاعر محبوبته لا يصف امرأة واقعية لها جمالها ولها عيوبها أيضا ، وإنما يصف امرأة جوهرية كاملة مثالية تجمع كل مقاييس الجمال العربي (شعرأسود طويل ، و عنق طويل ، وحور في العين وبياض البشرة ....) و إذا تأملنا أيضا وصف امرئ القيس لفرسه نجده فرسا كاملا جمع كل مقاييس القوة و الفروسية والجمال المعروفة في الثقافة العربية . ألم يقل امرئ القيس :
وقد قامت البلاغة في بداية نشأتها بوصف كل القيم و الأفكار و أساليب التعبير عن هذه الأفكار ، وفي مراحل متأخرة علمنتها ووضعتها في شكل قوانين و جداول تختزل الثقافة القديمة ، فاهتم النقد بالقيم و اهتمت البلاغة التعليمية بالأساليب التي اختزلت في علوم البيان و المعاني والبديع .
ويؤكد هذا الرأي أن الشاعر العربي في الأندلس لما اختلط بأقوام أخرى لهم مقاييس جمالية أخرى وأحس بأن الواقع ليس مطلقا دئما ، وصف عشيقة غير عربية بأوصاف غير عربية ، فعيب عليه ذلك ، فقال :
في هذا الإطار ظهرت مفاهيم جديدة و أنساق منهجية جديدة قادرة على وصف اللغة المتجددة باستمرار ، سماها بعض النقاد البلاغة الجديدة و سماها غيرهم الأسلوبية . الاسمان معا لا يتعارضان ، إذ الأساس هو المفاهيم الإجرائية القادرة على وصف ما استجد من أساليب لسانية تعبر عن تجارب إنسانية معيشة . و أهم ما يميز هذه الرؤيا الجديدة أنها تنظر إلى العالم نظرة وجودية تؤمن بأسبقية الوجود على الماهية ، فلا تكتمل هوية الواقع إلا بانتهاء وجوده ، إذ تتجدد ماهيته كل يوم و بتجددها تتجدد لغة التعبير عنها .
يتبع : 2 الأسلوبية التعبيرية
في هذا الإطار ارتأيت أن أحاول مقاربة بعض هذه المفاهيم وتقريبها إلى زوار بوابة النقد الأدبي في ملتقى الأدباء و المبدعين العرب معتمدا بشكل أساس على كتاب بيير جيرو الأسلوب والأسلوبية ، ترجمة منذر عياشي الصادر عن مركز الإنماء القومي.
1 ـ الأسلوبية والبلاغة : يرى بيير غيرو في كتابه الأسلوب والأسلوبية أن قواميس اللغة تقدم أكثر من عشرين تعريف لمصطلح الأسلوب أهمها يمتد من طريقة التعبيرعن الفكر إلى طريقة الحياة مرورا بالطريقة الخاصة لكاتب أو لفنان أو لجنس أدبي أو لعصر من العصور . إنه الخاصية اللغوية التي تميز كاتب أو شاعر من باقي الشعراء أو جنس أدبي من باقي الأجناس الأدبية أو اتجاه أدبي من باقي الاتجاهات أو عصر أدبي من باقي العصور .
وإذا حصرنا الأسلوبية في الفعل الكلامي دون باقي الأفعال ، فيراها بيير غيرو في كتابه أعلاه دراسة للتعبير اللساني . هذا التعريف على دقته يبقى تعريفا واسعا يطرح أكثر من إشكال ، فقد نظر بعض النقاد إلى الأسلوب الذي هو موضوع الأسلوبية بوصفه وجها من وجوه جماليات التعبير الأدبي . أي دون الالتفات إلى اللغة اليومية التي تهيمن عليها الوظيفة المرجعية التواصلية . أما بعضهم الآخر فقد حصر اهتمامه في الاختيار الواعي لأدوات التعبير . وبعضهم الثالث اهتم بالقوى الغامضة التي تكون اللغة في اللاشعور .
قبل ظهور الأسلوبية التي ارتبطت بالدراسات اللسانية القائمة على الدراسة الوصفية للغة ، كانت البلاغة هي سيدة الموقف في دراسة التعبير الأدبي و العلم الذي يغني النقد الإدبي ويثريه بالمفاهيم والمصطلحات . فلا نكاد نجد منهجا من مناهج الدراسات الأدبية لا يوظف المفاهيم البلاغية في مقارباته . وما يميز البلاغة عربية وغير عربية أنها ليست مجموعة من القواعد الجامدة كما أرادت لها المنظومات التعليمية والكتب المدرسية أن تكون . إنها تعبير عن ثقافة كاملة تحكمها رؤيا للعالم نابعة من تصور مجتمعات قديمة للحياة وتدبيرها . هذه الثقافة هي التي كانت سائدة قبل القرن الثامن عشر. ويمكن أن نصطلح عليها بالثقافة الجوهرية في مقابل ثقافة أخرى سادت بعد القرن الثامن عشر يمكن أن نصطلح عليها بالثقافة الوجودية والتي سادت معها الأسلوبية . فما الذي يميز الثقافة الجوهرية عن الثقافة الوجودية؟
كان العالم القديم ما قبل القرن الثامن عشر يعيش في عالم مخلوق مكتمل الماهية . فالأفكار و الأحاسيس و العلاقات بين الأفراد ( غزل مدح هجاء رثاء ...) موجودة منذ الأزل ومكتملة وخارج إرادة الفرد . ولا تشذ اللغة عن هذه الرؤيا فهي شيء معطى خلقه الله عز وجل وعلمه آدم و مهمة الشاعر أو الكاتب أن يضع الفكر في الشكل الملائم له.
انطلاقا من هذا التصور لا تكمن مهمة الأديب في التعبير عن تجربة فريدة للإنسان أو الكون ، تخصه وحده دون غيره ، فهو لا يقدم إلينا مغامراته الغرامية في الغزل ، وإنما يقدم لنا حبا مثاليا جوهريا ، وإذا أردنا الدقة في التعبير ، وحتى لا نتهم شعراءنا القدماء بعدم التعبير عن تجاربهم الفردانية الخاصة في نصوصهم الغزلية ، نقول : لا وجود لمسافة بين التجربة الفردانية التي يعيشها الشاعر و بين أنماط الحب المثالي التي يؤمن بها المجتمع ( الأنا الأعلى ) فمقاييس الجمال موحدة عند كل الشعراء لأنها مقاييس جوهرية لا تتغير ولا تتبدل ، وحينما يصف الشاعر محبوبته لا يصف امرأة واقعية لها جمالها ولها عيوبها أيضا ، وإنما يصف امرأة جوهرية كاملة مثالية تجمع كل مقاييس الجمال العربي (شعرأسود طويل ، و عنق طويل ، وحور في العين وبياض البشرة ....) و إذا تأملنا أيضا وصف امرئ القيس لفرسه نجده فرسا كاملا جمع كل مقاييس القوة و الفروسية والجمال المعروفة في الثقافة العربية . ألم يقل امرئ القيس :
له أيطلا ظبي وساقا نعامة
و إرخاء سرحان وتقريب تتفل
فأصبغ على فرسه كل ما تتميز به حيوانات الصحراء ليجعله فرسا كاملا .
و لا يختلف المدح و الهجاء والرثاء ... عن الوصف والغزل ، فلكل فن أفكاره ومقاييسه التي ينبغي التمسك بها إذا أراد الشاعر أن يصنف نصه ضمن روائع الشعر العربي . فكل شيء قد قيل ، والشاعر المتأخر ليس له إلا أن يبدع ضمن نظام عقلي و أخلاقي وجمالي جوهري ثابت .و إرخاء سرحان وتقريب تتفل
فأصبغ على فرسه كل ما تتميز به حيوانات الصحراء ليجعله فرسا كاملا .
وقد قامت البلاغة في بداية نشأتها بوصف كل القيم و الأفكار و أساليب التعبير عن هذه الأفكار ، وفي مراحل متأخرة علمنتها ووضعتها في شكل قوانين و جداول تختزل الثقافة القديمة ، فاهتم النقد بالقيم و اهتمت البلاغة التعليمية بالأساليب التي اختزلت في علوم البيان و المعاني والبديع .
ويؤكد هذا الرأي أن الشاعر العربي في الأندلس لما اختلط بأقوام أخرى لهم مقاييس جمالية أخرى وأحس بأن الواقع ليس مطلقا دئما ، وصف عشيقة غير عربية بأوصاف غير عربية ، فعيب عليه ذلك ، فقال :
يعيبونها عندي بشقرة شعرها
فقلت لهم هذا الذي زانها عندي
ومع بداية العصور الحديثة لم يعد الناس ينظرون إلى الواقع بوصفه واقعا مطلقا ، بل صار خلقا متجددا لتجارب متجددة .فالتجربة المعيشة هي التي تحدد هوية الواقع وتتحقق من صدقه . وفي كل مرة نعيد إبداع العالم ، نعيد في الآن نفسه إبداع اللغة . ولأن البلاغة حصرت نفسها في قوانينها وجداولها التي تصف العالم الجوهري المكتمل ، فإن هذه القوانين والجداول ستصير عاجزة عن وصف لغة جديدة لم تُنظر لها قديما لأنها لم تكن موجودة . وبذلك ستفقد البلاغة حقوقها المنهجية أو تتخلى عن قوانينها وجداولها لتتطور بتطور اللغة و إبداعاتها . فقلت لهم هذا الذي زانها عندي
في هذا الإطار ظهرت مفاهيم جديدة و أنساق منهجية جديدة قادرة على وصف اللغة المتجددة باستمرار ، سماها بعض النقاد البلاغة الجديدة و سماها غيرهم الأسلوبية . الاسمان معا لا يتعارضان ، إذ الأساس هو المفاهيم الإجرائية القادرة على وصف ما استجد من أساليب لسانية تعبر عن تجارب إنسانية معيشة . و أهم ما يميز هذه الرؤيا الجديدة أنها تنظر إلى العالم نظرة وجودية تؤمن بأسبقية الوجود على الماهية ، فلا تكتمل هوية الواقع إلا بانتهاء وجوده ، إذ تتجدد ماهيته كل يوم و بتجددها تتجدد لغة التعبير عنها .
يتبع : 2 الأسلوبية التعبيرية
تعليق