صخب الموانئ 10 .

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • م. زياد صيدم
    كاتب وقاص
    • 16-05-2007
    • 3505

    صخب الموانئ 10 .

    وصل سائق إبراهيم في العاشرة والنصف صباحا..كان الوقت ما زال مبكرا على موعدهم المقرر عند منتصف النهار.. حملت إليه أم سعد الشاي مع قطعة جاتوه، قبل انهماكها في تجهيز الأطفال، وإعداد الفطور للأسرة.
    - هل انتهيتِ من تجهيز نفسك بنيتي؟ للتو أنهيت اتصالى بالمدرسة لأخذ إذن بغيابك اليوم، وقد وافقت الإدارة مشكورة، فكوني مطمئنة حبيبتي سلوى.
    - نعم يا أبى أنا جاهزة، وسأقوم بمساعدة أم سعد بتجهيز اخوتى، ليتسنى لها تحضير الفطور على عجالة.
    بينما كان الأولاد يتناولون فطورهم، تحدثت سلوى إليهم بصفتها الأخت الكبيرة، مختلقة قصتها كما اتفقت مع أبيها، فأخبرتهم بأن أمنا عادت بالسلامة من سفرها أمس.. وقد نقلتها الوزارة إلى مركز للتعليم العالي لإكمال دراستها، وهى تنتظرهم اليوم حيث تقيم.. فرح الأطفال، واخذوا يتصايحون ماما..ماما.. والسعادة تغمر وجوههم، والبراءة على محياهم، تعلن تجلى الطفولة بكل صورها...

    كانت ليلة عصيبة على إبراهيم، فقد جابت أفكاره كل الاحتمالات، حتى شعر بصداع رهيب يضغط رأسه، كحمل ثقيل يتربع فوقها، صخب فظيع كأنه أجراس تدق في أعماق رأسه، فتناول مسكنا حتى استطاع المكوث مع حبيبته حنان، التي لعبت دورا كبيرا في حفظ توازنه، وتهدئته بمشاركتها في التخفيف عن قلقه، وحيرته وتعثر أفكاره.. فمنحته حنانها، وأفادته كثيرا في إعادة ترتيب أفكاره، حتى أحس بقربها منه أكثر، بل أصبحت بمثابة قطعة من جسده لا يستغنى عنها..لم يمكثا طويلا حتى طالبته مستأذنة الخروج من محادثتهما، حتى يتمكن من النوم باكرا ليأخذ قسطا اكبر من الراحة، فيستيقظ صباحا بأحسن حال، وأكثر تركيزا وثقة، ليتمكن من مواجهة أي طارئ، أو تداعيات قد تترتب على زيارتهم المقررة ظهر اليوم.

    وصل الجميع قبل الموعد بقليل، كان د. نصري في استقبالهم شخصيا عند وصولهم مدخل مبنى الإدارة، المرفق مباشرة بباقي الأقسام بواسطة ممر يغلق بباب خاص، لاستخدام الموظفين والأطباء، قبل أن يصطحبهم إلى داخل مكتبه. انزوت سلوى جانبا تسترق النظر إلى باب المكتب بعيون شاردة زائغة، لا تستقر على مقعدها، تنقل كفيها على وجنتيها تارة، وتضرب على ركبتيها المنتفضتين بعصبية لا إرادية تارة أخرى.. كان الطبيب يلاحظها باهتمام:
    - أنت سلوى بالتأكيد، لقد كلمني والدك عنك كثيرا، انه يفخر بثقافتك الواسعة، وبوعيك المتقدم، وتفوقك في دراستك، وحصولك على كثير من الجوائز المدرسية كما أعلمني .. قاطعته متلعثمة:
    - أريد أمي حالا ..أريد رؤيتها الآن يا دكتور، أرجوكم ..أتوسلكم.. وأجهشت ببكاء تتقطع له القلوب. سارع إبراهيم إلى ضمها، يقبل رأسها، يحوطها بذراعه، يهدئ من روعها، هامسا بكلمات بالكاد تخرج من فيه، حالا بنيتي.. سترون أمكم فورا، ملتفتا جهة الطبيب، ينتظر إشارته بالتحرك إلى حيث تقبع نجوى، فهي لا تعلم بهذه الزيارة مسبقا كما أرادها إجماع الأطباء، لأنها تندرج ضمن وسائل علاجية حديثة، يتبعونها في مثل هذه الحالات .

    استأذن دكتور نصري الجميع، باصطحاب إبراهيم لبعض الوقت إلى مكتب مجاور، حيث كان مساعديه بانتظارهما، تاركا سكرتيرته معهم، وقد احضر المراسل عصير البرتقال، وقطع من البسكويت كما أراد ورغب الأطفال ...
    - باش مهندس إبراهيم، سنطلعك الآن على خلاصة التقرير، الذي رصد حالة نجوى منذ البداية ..كان الحديث للدكتور نصري، وهو يلوح ممسكا بملف وقد امتلآ بالأوراق، وأضاف متابعا : سأحاول تلخيص الوضع سريعا، لتكن على علم مسبق، حتى لا نصاب جميعا بخيبة أمل من هذا اللقاء المعد اليوم.
    - هل تلاشى الأمل بشفاء نجوى في وقت منظور؟ أرجوك دكتور، لخص لي الحالة باختصار شديد، فلا يمكن ترك الأولاد طويلا، وسلوى حساسة جدا، واخشي أن يدب في قلبها الوسواس والخوف، فتنهار من فرط لهفتها للقاء أمها، فالانتظار الآن لا يمكن تخيله بالنسبة لها..
    - هذا صحيح، لن نطيل عليهم، إليك خلاصة التقرير:
    باش مهندس، أنت تعلم بان مجتمعاتنا الحديثة مليئة بالمرض النفسي/ العصبي، وقد بدأنا هنا بعمل فحوصات فيزيولوجية عامة، ثم فحوصات للغدد الصماء وما شابه.. و بحثنا عن مسببات العقدة النفسية التي تجتاحها حتى تملكتها، وهيمنت على عقلها، أي عن أسباب الصراع الانفعالي داخل عقل نجوى، وعن مكونات أسباب اللاتلاؤم مع البيئة.. وحالتها وصلت إلى أعراض حالة الهلع، أو الخوف من كل شيء يحيط بها ..من الأسواق والأماكن الواسعة المزدحمة، وثبت بالمتابعة أنها بقيت ملازمة للمنزل وعدم مغادرته.. أو لغرفتها هنا دون طلب مغادرتها ! وهذه حالة متقدمة من الاكتئاب، ومن أعراض المرض نفسه.. حيث تم الكشف عن مورثات المرض في عائلتها، وثبت لدينا وجوده بالتدقيق والفحص.. وهنا تسببت العوامل الوراثية في انتقاله من جيل لآخر، وبدأ مع نجوى مع وفاة والديها بفترات وجيزة، عندما كانت في سن العشرين.. بشكل غير مرئي للأسف، فان الحالة شديدة التعقيد والخطورة، لأنها تطورت إلى انفصام تام في شخصيتها، يسبب لها آلامًا اشد وطأة من الآلام البدنية، وقد لا تقل عنها حدة ومدة أو عمقًا ودوامًا، بل إنها معرضة للانتقال إلى المرض العقلي بمعنى الجنون.. فمحاولتها الأخيرة للانتحار، كانت خير دليل على ما رصدناه من تطور للحالة.. ويبقى وجه الله وحكمته أولا وأخيرا.
    اغرورقت عيناه بالدموع، فأجهش بالبكاء.. بعد اطلاعه على ملخص مرير، افقده الرجاء بشفاء منظور لزوجته الحبيبة، وأم عياله، لكنه تماسك، فما زال هناك بصيص أمل في الخطوة القادمة، مطالبا سرعة العودة إلى أطفاله .. فكان ما أراد.

    تقدم الجميع بخطى حثيثة نحو غرفة نجوى، كانت سلوى والأطفال يتسابقون بخطواتهم، يتهامسون فرحين بلقاء أمهم المرتقب، فقد مرت شهور طويلة على غيابها..يتقدمهم د. نصري ومساعديه من الأخصائيين المشرفين على حالتها، لرصد كل ما يدور، وما قد يحدث لتسجيل ردة فعلها وطبيعة تصرفاتها، ليتسنى لهم الاستفادة لاحقا بتطوير وسائل العلاج ورفع كفاءته، إن لم تحدث ردة فعل ايجابية، تكون بداية شفاء لها كما يتمنون ويرجون حدوثه.. فالجميع كان على أمل ورجاء من رحمة الله.
    توقف الجميع، مع توقف خطوات الأطباء أمام باب غرفتها رقم: 22، كان يعلمه إبراهيم جيدا في زياراته.. هنا احتضن أولاده بذراعيه هامسا: هنا تقيم ماما حتى تنهى دراستها أحبائي.. فأومأت برأسها سلوى تصديقا لما أخبرتهم به صباح هذا اليوم...
    - من الطارق؟ ردت نجوى على دقات تعرفها، وقد اعتادت عليها ..
    - مفاجأة .. نحن حبيبتي، أجابها إبراهيم من خلف ظهر الأولاد، اللذين اندفعوا مهللين يتصارخون: ماما..ماما، يتزاحمون أيهما يصل أولا إلى حضن أمه.. كانت سلوى بعيون الحيرة، وشغف اللقاء وحرمان الأم، تندفع خلف الأطفال مباشرة، ترتقب بادرة الاشتياق من أمها لتأخذها في أحضانها، تمسد شعرها، تقبلها، تضمها إلى صدرها، كانت تريد دفء وحنان الأم الذي تتوق إليه بعد طول غياب... بينما اتخذ الأطباء ناحية ليست بالبعيدة، يرقبون اللقاء بكل حيثياته، ويسجلون ملاحظاتهم.
    - يتبع –
    إلى اللقاء
    أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
    http://zsaidam.maktoobblog.com
  • إيمان عامر
    أديب وكاتب
    • 03-05-2008
    • 1087

    #2
    تحياتي بعطر الزهور

    المبدع المتميز والمتألق
    زياد صيدم
    ما أصعب الألم النفسي أستاذي
    كنت هنا متألق في سرد أحداث المرض النفسي وحالة الاكتئاب التي تصيب المريض وتؤدي به إلى الانتحار في اى لحظة
    دمت متميز سرد مشوق ورائع
    نحن متابعين في شغف
    كون بخير دائما
    لك ارق تحياتي
    "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

    تعليق

    • آمنه الياسين
      أديب وكاتب
      • 25-10-2008
      • 2017

      #3
      حجز مقعد ومن ثم اعود للرد

      خالص تقديري

      ر
      ووو
      ح

      تعليق

      • م. زياد صيدم
        كاتب وقاص
        • 16-05-2007
        • 3505

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة إيمان عامر مشاهدة المشاركة
        المبدع المتميز والمتألق
        زياد صيدم
        ما أصعب الألم النفسي أستاذي
        كنت هنا متألق في سرد أحداث المرض النفسي وحالة الاكتئاب التي تصيب المريض وتؤدي به إلى الانتحار في اى لحظة
        دمت متميز سرد مشوق ورائع
        نحن متابعين في شغف
        كون بخير دائما
        لك ارق تحياتي
        ========================

        ** الراقية الاديبة ايمان..........

        شاكر لك هذه القراءة وهذا المرور الراقى..

        نعم هو صخب على اكثر من محور يواجه البطل..

        يسعدنى متابعتك للحلقات..

        تحايا عبقة بالرياحين..............
        أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
        http://zsaidam.maktoobblog.com

        تعليق

        • م. زياد صيدم
          كاتب وقاص
          • 16-05-2007
          • 3505

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة آمنه الياسين مشاهدة المشاركة
          حجز مقعد ومن ثم اعود للرد

          خالص تقديري

          ر
          ووو
          ح
          ========================

          ** الاديبة الراقية والمتميزة امنه........

          ويسعدنى دوما مرورك العبق وقراءتك الراقية..

          تحايا عبقة بالرياحين...................
          أقدارنا لنا مكتوبة ! ومنها ما نصنعه بأيدينا ؟
          http://zsaidam.maktoobblog.com

          تعليق

          يعمل...
          X