كانت ضحكاته العالية ، هى من أحاطتنا بالهستيريا ، فما توقعنا ، رغم اختلاف نوايانا ، أن تكون ردة فعله على هذه الشاكلة !
أنا بشكل خاص تصورت صمته على الأقل ، و بعض حزن ، نظرا لحساسيته المفرطة ،
أما هذه التي سبقتنا إلى هنا ، و فرضت سطوتها على الجميع ، كأنها أم للمكان ، و لنا أيضا ، فعلى أغلب ظني ، أنها كانت تنتظر أن ينهار نهائيا ، و ربما يبكى ، خاصة ، و المكان يعنى لديه الكثير ، فهو الوحيد المؤهل بيننا فنيا ، للاستمرار هنا ، و ما نحن سوى دخلاء ، جئنا هاهنا بحثا عن مكان للراحة ، و للاستجمام ، ومنه نستطيع أن نؤدي ونمارس مصالحنا الخاصة في وقت الدوام ، وكذا نشبع نهمنا بدروسنا الخصوصية ، و بشكل مكثف ، دون أن نضطر لطلب إجازة بدون مرتب كما يفعل زملاؤنا في التعليم الثانوي ، حتى بعد حمى ما يسمى بالكادر ، و ما أتاحه للكثيرين ، لكن متطلبات الحياة أقوى ، و أكبر ، خاصة و سقف الطموح يعلو .. و يعلو يوما بعد آخر ، وليته كان طموحا لقيمة تسود و ترقى ، لكنها لأشياء استهلاكية ، و بلا قيمة تذكر !!
لم تكن حجتنا مقنعة على أية حال ، لكنها أدت المهمة ، و خلصتنا منه ، و لم تعد تلك الشكوك التي تحيط بنا ، و تطارد غباءنا ، كلما صرخ كرعد يتساقط من قلب السماء
ثم يفزع ، صاعدا على خشبة المسرح ، وهو يؤدى بإتقان ، سواء كان إلقاء شعريا أم أداء مسرحيا ، فيلتف الصغار حوله فى حب ، يتحلقونه يلتهمون ما يأتى به ، يقلدونه كالقردة ، بينما نجلس صامتين كما المقاعد التى تحتوينا ، مدهوشين من إمكانياته ، وقدرته على تحويل الخوف إلى حب ، وفرح ، و الغث إلى قيمة ومنهج !!
بدأت المؤامرة مع أول الموسم ، أوحينا بحاجتنا إلى موجهين ، مع دس بعض تصرفاته ، و لو كانت حقيقية ، للموجه العام ، وفوق هذا غالينا في شحن نقمته عليه ، بنقل بعض حديث ، أو آراء أبداها فيه ، رغم علمنا أنهما أصدقاء ، و من قبل أن نكون هنا ، ومن قبل حتى أن نتعرف به – هو الموجه العام - !!
لم ننتظر كثيرا ، فقد أتى بموجهين حديثين ، لا يدركان الفرق بين مسرح ومذبح ، وهذا شائع ، على كل حال ..كان معنا فى استقباليهما ، و كم كانت فرحته كبيرة بهما ، كما هو عهده : من أي إدارة أنتما ؟
-من إدارة شمال
-أتحبان المسرح ؟
-مجرد وظيفة .. و السلام
-أهذا أول عملكما بالوظيفة ؟
- نعم .. كنا بوظيفة مدرس لغة عربية !
-من مدرس لغة عربية ، لموجه .. ؟!
-وادفع بالتي هي أحسن .. و قد دفعنا كثيرا !!
وأتى موجه ثالث ، يمت بقرابة حميمة للموجه العام ، و هنا كان القرار فى طريقه للتحرير ، و الطبع ، و التوزيع على إدارات المحافظة التعليمية !!
الآن حق لي الابتهاج ، و التنفس بملء رئتي ، فلن ينازعني فى رئاسة القسم ، حين يحال الرئيس الحالي بعد أقل من سنة إلى المعاش .
-لا تحزن صديقي ، ليس لنا أي ذنب .. إنه الكادر !
-و ما ذنب الكادر أيضا ؟
-حدد نصاب الموجه ، و حين قمنا بالتوزيع ، لم يكتمل نصابك !!
-لم يكتمل نصابي ، و خمس عشرة سنة حملت فيها أنصبة الجميع .. ما أمرها ؟!
رحت أحوم بردود بليدة لا قيمة لها ، و أنا أراه يحاصرني ، بل يحاصرنا تماما ، فجأة طلب المنشور الخاص بالتوزيع ، فتعلل رئيس القسم بضياعه .. هنا انتفض واقفا : آسف أن كنت معكم هنا ، اعطني ملفي !
خص كل منا بنظرة ، دار بها ، كأنه يطبع برأسه ، آخر مشهد في مسرحية هزلية ، و يؤكد أن أثره فينا باق ، ولو غادر المكان ، فضله علينا لن ينقطع بانصرافه .. تحرك خارجا ، ثم صفق الباب خلفه ، كأنه يبصق علينا جميعا !!
أنا بشكل خاص تصورت صمته على الأقل ، و بعض حزن ، نظرا لحساسيته المفرطة ،
أما هذه التي سبقتنا إلى هنا ، و فرضت سطوتها على الجميع ، كأنها أم للمكان ، و لنا أيضا ، فعلى أغلب ظني ، أنها كانت تنتظر أن ينهار نهائيا ، و ربما يبكى ، خاصة ، و المكان يعنى لديه الكثير ، فهو الوحيد المؤهل بيننا فنيا ، للاستمرار هنا ، و ما نحن سوى دخلاء ، جئنا هاهنا بحثا عن مكان للراحة ، و للاستجمام ، ومنه نستطيع أن نؤدي ونمارس مصالحنا الخاصة في وقت الدوام ، وكذا نشبع نهمنا بدروسنا الخصوصية ، و بشكل مكثف ، دون أن نضطر لطلب إجازة بدون مرتب كما يفعل زملاؤنا في التعليم الثانوي ، حتى بعد حمى ما يسمى بالكادر ، و ما أتاحه للكثيرين ، لكن متطلبات الحياة أقوى ، و أكبر ، خاصة و سقف الطموح يعلو .. و يعلو يوما بعد آخر ، وليته كان طموحا لقيمة تسود و ترقى ، لكنها لأشياء استهلاكية ، و بلا قيمة تذكر !!
لم تكن حجتنا مقنعة على أية حال ، لكنها أدت المهمة ، و خلصتنا منه ، و لم تعد تلك الشكوك التي تحيط بنا ، و تطارد غباءنا ، كلما صرخ كرعد يتساقط من قلب السماء
ثم يفزع ، صاعدا على خشبة المسرح ، وهو يؤدى بإتقان ، سواء كان إلقاء شعريا أم أداء مسرحيا ، فيلتف الصغار حوله فى حب ، يتحلقونه يلتهمون ما يأتى به ، يقلدونه كالقردة ، بينما نجلس صامتين كما المقاعد التى تحتوينا ، مدهوشين من إمكانياته ، وقدرته على تحويل الخوف إلى حب ، وفرح ، و الغث إلى قيمة ومنهج !!
بدأت المؤامرة مع أول الموسم ، أوحينا بحاجتنا إلى موجهين ، مع دس بعض تصرفاته ، و لو كانت حقيقية ، للموجه العام ، وفوق هذا غالينا في شحن نقمته عليه ، بنقل بعض حديث ، أو آراء أبداها فيه ، رغم علمنا أنهما أصدقاء ، و من قبل أن نكون هنا ، ومن قبل حتى أن نتعرف به – هو الموجه العام - !!
لم ننتظر كثيرا ، فقد أتى بموجهين حديثين ، لا يدركان الفرق بين مسرح ومذبح ، وهذا شائع ، على كل حال ..كان معنا فى استقباليهما ، و كم كانت فرحته كبيرة بهما ، كما هو عهده : من أي إدارة أنتما ؟
-من إدارة شمال
-أتحبان المسرح ؟
-مجرد وظيفة .. و السلام
-أهذا أول عملكما بالوظيفة ؟
- نعم .. كنا بوظيفة مدرس لغة عربية !
-من مدرس لغة عربية ، لموجه .. ؟!
-وادفع بالتي هي أحسن .. و قد دفعنا كثيرا !!
وأتى موجه ثالث ، يمت بقرابة حميمة للموجه العام ، و هنا كان القرار فى طريقه للتحرير ، و الطبع ، و التوزيع على إدارات المحافظة التعليمية !!
الآن حق لي الابتهاج ، و التنفس بملء رئتي ، فلن ينازعني فى رئاسة القسم ، حين يحال الرئيس الحالي بعد أقل من سنة إلى المعاش .
-لا تحزن صديقي ، ليس لنا أي ذنب .. إنه الكادر !
-و ما ذنب الكادر أيضا ؟
-حدد نصاب الموجه ، و حين قمنا بالتوزيع ، لم يكتمل نصابك !!
-لم يكتمل نصابي ، و خمس عشرة سنة حملت فيها أنصبة الجميع .. ما أمرها ؟!
رحت أحوم بردود بليدة لا قيمة لها ، و أنا أراه يحاصرني ، بل يحاصرنا تماما ، فجأة طلب المنشور الخاص بالتوزيع ، فتعلل رئيس القسم بضياعه .. هنا انتفض واقفا : آسف أن كنت معكم هنا ، اعطني ملفي !
خص كل منا بنظرة ، دار بها ، كأنه يطبع برأسه ، آخر مشهد في مسرحية هزلية ، و يؤكد أن أثره فينا باق ، ولو غادر المكان ، فضله علينا لن ينقطع بانصرافه .. تحرك خارجا ، ثم صفق الباب خلفه ، كأنه يبصق علينا جميعا !!
تعليق