[frame="13 98"]
لا تين ولا عنب زيـك ...!!
مقدمة ( بقلم يوسف أبوسالم )
مقدمة ( بقلم يوسف أبوسالم )
للطبقات الشعبية تقاليدها وعاداتها التي تسكن متراكمة في وجدانها الجمعي ، فتتناقلها الأجيال جيلا بعد جيل ، مطعمة بآثار الزمن ، ومجمل الظروف الإجتماعية والسياسية والإقتصادية ، التي أثرت بها فعمقتها حينا ، وبلورتها حينا آخر ، وأضافت وحذفت ما فرضه واقعها حسب متغيراته .
وتبرز هذه العادات والتقاليد من خلال ظواهر متعددة ، تعبر فيها تلك الطبقات عن مخزونها من تلك العادات لتظهر مكثفة عميقة الدلالة ، ضاربة في تاريخ لا تكتبه السلطة الرسمية ، بل تكتبه تلك الطبقات في أغانيها الشعبية ، وفي أفراحها وأتراحها ، وفي حلها وترحالها ، وفي مناسباتها الإجتماعية ، وكذلك في أسواقها الشعبية ، ونداءات الباعة فيه ، كل يروج لبضاعته ، مختصرا مواصفاتها بكلمات معبرة وصوت رخيم ، صقلته الحاجة والظروف الإقتصادية الصعبة ، وكمنت فيه مواهب لا تجد طريقها إلى معاهد الموسيقى لقلة الوعي وذات اليد ، وتقصير السلطة والباحثين عن اكتشافها ووضع قدمها على الطريق الصحيح ...
وفي كتابه الجميل الصادر عن دار الهلال
( سلسلة كتاب الهلال )
في يوليو 2004 العدد ( 643 ) والمعنون ب
( عن الكاريكاتير والأغاني والإذاعة )
يتناول الدكتور علي الراعي بعضا من هذه العادات والظواهر معتمدا في ذلك على مشاهداته الشخصية ومخزون خبرته ... وعلى كتاب الأديب الكبير يحي حقي ( ناس في الظل ) وهو آخر كتاب أصدره يحي حقي ثم اعتزل بعد ذلك .
وعلى رسالة بعث بها إليه اللواء أحمد العرنوسي عضو اتحاد الكتاب ، ومجموعة الأغاني الشرقية القديمة والحديثة والتي يسميها ( السفر الثمين ) وكان قد أهداه له صديقه عبد العزيز السريع الكاتب المسرحي الكويتي والمثقف الذي عمل جاهدا سنوات طويلة في خدمة الثقافة العربية عامة والكويتية خاصة ، وهذه المجموعة جمعها ورتبها وعلق على حواشيها حبيب زيدان ووصفها بأنها الكتاب الوحيد الذي يحوي بين دفتيه فنون الطرب جميعا من أدوار وطقاطيق وموشحات وألحان ومواويل وقصائد وأشعار وغيرها ، مرتبة على حروف المعجم ...وهذا الكتاب هو مجموعة مقالات كتبت في فترات مختلفة ، جمعتها دار الهلال ضمن سلسلة كتاب الهلال ، وقدم لها فاروق شوشة والذي يقول في نهاية مقدمته :-
( فلتكن هذه المقالات المختارة من بين كتاباته ( يقصد د.علي الراعي ) والمجموعة بين دفتي هذا الكتاب ، بعض ذكرة وعطره ، وبعض صوته الباقي فينا ، يحنو ويحرض ، يبتسم ويثير ، يتألم ويغني ، يداعب ويسخر ، وهو يجمعنا من حوله في كل الأحوال على محبة الخير والحق والجمال ، لأنه صوت علي الراعي عاشق الإبداع والجمال ) .
نورد هنا النص الأصلي للمقال المعنون
ب ( عندما ينادي الباعة بالصوت الرخيم ) :-
1- لا تين ولا عنب زيــك..!
يقول ( لا يزال نداء الباعة الجوالة ، على بضاعتهم بالصوت الرخيم ، قائما لم يندثر ..هذه هي أيام البلح الأمهات ، وفي حيّنا " الدقي " بائع عذب الصوت يدفع بعربته المزينة بسعف النخيل ، والمحملة بحبات البلح الأمهات الرشيقة الدقيقة الحجم ، يغني له البائع قائلا :-
" ولا تين ولا عنب زيك ...!"
والأصل في هذا النداء أن يغني البائع
" والله لا تين ولا عنب زيـك يا جميز
يا بتاع العلبة يا عسل " .
نعم كان للجميز سطوة أي سطوة قبل أن يختفي ، وتقطع أشجاره ويحرم الناس من فاكهة شعبية رخيصة وحلوة ومفيدة . ويقال أن الفراعنة كانوا يستخدمون الجميز غذاء ودواء معا ، ولكن التين كان الفاكهة الأوفر مالاً ، وقد لاحظ الشاعر القديم هذا التميز ، فجعله أساسا للتميز الطبقي بين الناس ، حيث قال :-
" للتين قوم وللجميز أقوام "
غير أن هذا التميز لم يمنع البائع من أن يتحدى التين ويؤكد أن لا التين ولا العنب يصلان إلى مرتبة الجميز . وفي الحق أن الأنواع الممتازة من الجميز التامة النضج الفائقة الحلاوة كانت تناطح التين عن جدارة ، بل لم يمن هناك مجتا للتفرقة بين التين والجميز أحيانا ، رغم رخص ثمن الأول وارتفاع ثمن الثاني ، ومهما يكن من أمر فقد كان للجميز ورثة حتى خمسينات هذا القرن ، حين اختفى فجأة من شوارع شبرا [1] – حيث كنت أسكن سنوات الدراسة الثانوية – بائع مهيب الطلعة عذب الصوت ، يملأ ثوبه النظيف بكل جدارة وينادب على الجميز وغيره من فاكهة الموسم ، في غناء عذب تطرب له الأذن ، وكان يسير في تؤدة وهو واثق بأن ما يقدمه من فاكهة يستحق أن ينظر إليه هذه النظرة الغنية ، التي تمثلت في ندائه .
كان هذا البائع فنانا ، وكانت الفاكهة موضوع فنه ، كان أقرب ما يكون إلى الممثل عبد الفتاح القصري[2] مع اتساق أكبر في الملامح ، وخلو من التطجين الذي كان القصري يفتعله ويستخدمه عنصرا منعناصر الكوميديا الشعبية ، أما البائع الفنان فلم يكن يحتاج غلى افتعال ..!!
كان خياله المشتعل عمدته في لفت الأنظار إلى جمهوره ، وكان هذا الخيال يوحي له بنداءات حافلة بالصور الفنية ، فإذا كان الموسم موسم العنب ، راح البائع يغني له على النحو التالي :-
والله سلامات م الغيبة يا عنب
زي بيض اليمام وأبيض يا عنب ...!
فالعنب كان مسافرا ، وقد عاد بعد أن أوحشتنا غيبته ، وحباته ليست بالحجم المعروف ، بل هي في حجم بيض اليمام ، وهي كذلك أبيض من هذا البيض ، وإذا كان الموسم موسم المشمش ، راح البائع الفنان يغني له
المشمش استوى وطاب
وطلب الأكالة يا حموي يا ناعم[3]
أو هكذا
الله عليك
يللي الهوى هزك
ورماك يا مشمش
وجعلك شربات يا حموي يا ناعم .....
مثل هذا الفنان صادفه يوما فنان الشعب سيد درويش[4] ، فسار وراءه فاطعا شارعا شارعا ، وحارة حارة حتى اتصل بسر اللحن الجميل الذي كان البائع يغني به على بضاعته ، ولم يهدأ الشيخ سيد عن المتابعة من سجل في داخل نفسه الفنانة هذا اللحن وأعمل فيه فنه هو وقدمه من بعد في أغنياته الخالدة عن البياعين .
يذكر يحي حقي[5] في ( كتابه ناس في الظل ) ، كيف كان راقدا في حضن الليل الرحيم الوديع الملـيء بالأسرار حين ارتفع إلى أذنه خلال العتمة والنسيم والهدوء ، صوت عفيٌّ رخيـم معا ينشد
" لا تين ولا عنب زيـك يا رطب "
قفز يحي حقي من فراشه أو كاد وصاح :- يارب ..! هذا مستحيل ..لا معقول ..غير ممكن ..، إن هذا الصوت بعينه ونطقه وجرسه ونبرته ولحنه ونغمته ، بتتابع تموجاته بين علو وانخفاض ..بين مط وإدغام .. سمعته بالليل وأنا صغير في حجرة عالية السقف في بيت من حجر وعروق خشب ، خمسون سنة وأكثر تمضي وهذا النداء هو هو باق ..خالد .. ليس لحنه ونغمته فحسب ، بل يكاد الكاتب يقول وصوت البائع أيضا ، كأنما كأنما ندبت مصر منذ وعيها ، رجلاً واحداً من أبنائها لبيع الرطب وأجازت له وحده تناسخ روحه عمرا بعد عمر .
قال يحي حقي في سره لبائع البلح :- خبرني بربك يا فتى ! من أي بلد أنت ..؟ من منوات أم من البساتين ..؟ من الذي ساقك إلي ..؟ لقد ألغى نداؤك خمسين سنة من عمري وردني بصدفة واحدة إلى طفولتي... يافتى .. جعلتني أتحسر لحبستي في هذه الحجرة في قلب المدينة ، اشتقت بسببك إلى النخيل والنخلة رمز بلدي في توحيدها وخيراتها ، من اللحاء مقاطف ، وليف للحبال ومن الجذع أسقف ، ومن الجريد أقفاص ، ومن الخوص طلوع القرافة ، ومن التمر غذاء محترم يقوى على شرائه الفقير ..!
ويفرق يحي حقي بين نداءات باعة الملوخية والفاصوليا والباذنجان والبصل والثوم والكرات والترمس والجرجير والبطاطا والقوطة[6] والنبق والتوت والجميز والمشمش والعنب والتين وأن هذه هي حاصلات مصرالأصيلة ، وهي نداءات منقوشة على الحجر ، أما المستحدثة منها كالجوافة والمانجو والفراولة فإنها لم تجد لها الملحن العبقري المجهول الذي يسلكها في الخالدين فالنداءات عليها أشبه بصفحة مكتوبة بأسلوب تقريري ، وسط كتاب يتلألأ بأسلوب فني يشبه الشعر .
وكلام يحي حقي عن المانجو والفراولة وافتقارهما إلى من يتغزل فيهما فنيا ويدللهما ويرسم لهما الصور الجميلة صحيح ، أما قوله أن الجوافة لم تجد من يتغنى بها فهو غير دقيق ، لقد عشت سنوات طفولتي الباكرة في الإسماعيلية ، بلد الجوافة والمانجو والشمام الإسماعيلاوي ، الذي اغتاله الكانتالوب فوجدت باعة الإسماعيلية يغنون للجوافة ويسمونها ( قلل الشربات ) ، وهي لفرط حلاوتها تسمى أيضا ( المربى ) ويظهر منها نوعان : الأول باطنه وردي والثاني أبيض .
أما الخضروات فقد كان ينادي عليها على أيامي بائع جهير الصوت ، لم يكن صوته حلوا لكن خياله كان نشيطا كان يجر عربة مليئة بالخضلر ، ويخلع على كل منها صفة مميزة :-
يا مجنونة يا طماطم ( لتقلب أسعارها )
حبشية يا ملوخية
( هكذا يدلل الملوخية وينسبها إلى أصل حبشي ، أما باعة القاهرة فيكتفون بنداء )
فلاحي يا ملوخية
ويصيح على البامية قائلا :
ضوافر الحمام يا بامية ( تعبيرا عن دقة حجمها مما يجعلها صالحة للطواجن والدقية ...الخ )
أما البطاطافكان لها بائع آخر يقطع الشوارع وهو يغني....
بنار الفرن بنار الفرن
سرقوا الجلة حموا بها الفرن
وكان الأطفال يتحلقون حوله ويمشون وراءه ويشترون منه طبعا ، وفي أواخر العشرينات ، كانت البطاطس شيئا مستحدثا ، لا يشتريها إلا ذو مال ، كان الممتاز منها يستورد من فرنسا ، ومن ثم أطلق عليها لقب ( الفرنساوية) ، وما زلت أسمع حتى اليوم بائعا يذرع أرض شارعنا وهو مصر على أن ما يقدمه لعملائه من بطاطس هو فرنسي ، يصيح بأعلى صوته
( فرنساوي يا بطاطس[7]
رغم أن مصر الآن أصبحت تصدر البطاطس إلى الخارج .
ومن فرط إعجاب أهل الإسماعيلية بهذا الصنف المستحدث ، أطلقوا على البطاطس المطبوخة بالطماطم إسم ( كهرمان ) ، لم يجدوا ما هو أكثر تمجيدا للبطاطس من تشبيهها بهذا الحجر الكريم وكنت إذا دخلت مطعما وطلبت طبقا من البطاطس المطبوخ ، صاح الجرسون بأعلى صوته : ( واحد كهرمان ) ...
قلت آنفا إنني لا أعرف السبب الذي يكمن وراء اختفاء الشمام الإسماعيلاوي[8] الفائق الحلاوة ، والذي كان إلى سنوات قريبة يغمر الأسواق ، ولماذا حل الكانتالوب محله ، ولم لم يستمر في البقاء إلى جوار الكانتالوب إذا كان لهذا الصنف المستورد أن يستمر ، ومانجو الإسماعيلية الفائقة الحلاوة والذي كان بعضها يطعم بالدوم فيكون لها طعم مميزة ، أين هي الآن ، والفراولة المصرية الصغيرة الحجم والفائقة الحلاوة ، لماذا حلت محلها الفراولة المتضخمة عديمة الطعم كأنها فشار ملون ..؟ والخيار المصري الدقيق الحجم الرشيق ، الذي كان لفرط حلاوته يؤكل على أنه فاكهة ( خيار القشة ) المشهور أين ذهب ..؟ ولماذا يغمر الأسواق خيار غليظ الجلد فاقد الطعم بعضه لا يصلح إلا علفا للبهائم ..؟ وأين ذهب التوت تلك الفاكهة الشعبية اللذيذة التي كنا ونحن صغار نتسلق أشجارها في عزبة بالإسماعيلية تسمى ( الدو ) ونروح نقطف ثمارها ما شاء لنا القطف بإذن من أصحاب الشجر ..؟ أين ذهب التوت بالله وقد كان دائما مصدر إلهام للملحنين والمغنين .
وللموسيقار زكريا أحمد لحن لطيف عن التوت ، قدمه في بداية حياته الفنية ، أما أغاني الأطفال فقد عرفت ألحانا عذبة يغنيها الصغار مثل :-
في أوان التوت...... نشرب شربات
ونلم التوت ...صبيان وبنات
وأغنية :- .
كان في واحدة ست........ عندها اتناشر بنت
في يوم قالولها ياماما ......ناكل توت يا ماما
اشترت لهم توت ..........كل واحدة توتة
توتة توتة توتة ...........خلصت الحدوتة
ويلاحظ يحي حقي أن الأجانب والأغراب وبخاصة منذ حملة نابليون ، هم الذبن اهتموا بتسجيل نداءات الباعة لفظا ولحنا ، وقد شعر بالخجل حين استمع إلى كثير من التسجيلات الفولكلورية في بيت واحد ( خواجة ) كان يقيم في مصر ، وكان بين هذه التسجيلات دقة طبلة من عازف أعمى ، إلى جانب نداءات الباعة طبعا ، وقد بحث يحي حقي عن هذا العازف الأعمى ، بحثا شديدا متصلا حتى وجده فأدخله بجلابيته وطاقيته إلى المسرح في إحدى الحفلات الرسمية وزعم أنه هو الذي اكنشفه .
ويطالب الفنان العذب يحي حقي بأن تسجل نداءات الباعة وأن بنظر إليها نظرة جادة حقا ، فهي في رأيه تقدم بالمجان وبغير عناء منا أو تأليف لجان أرقى لمعرض الأصوات ، ويتمنى أن يلحظها القائمون على الكونسرفاتوار ومعهد الموسيقى والإذاعة ، أن يصيخوا إليها السمع ، كأنهم في محكمة ينتظرون نطق القاضي بالحكم عليهم : براءة أو إدانة ، أن يتشمموها كالسلوقي أنفه فوق الحجر فهو واثق أن من بينها خامات تستحق الإستنقاذ والعناية بتربيتها .
ورغم أن يحي حقي كتب هذا الكلام قبل واحدة وثلاثين عاما ، ورغم أن الأصوات والنداءات العذبة قد تقلصت إلى حد كبير لكنني أقرر من واقع تجربتي أن بعض هذه الأصوات ما زال موجودا ، ففي شارعنا رجل فخم الصوت يصلح للغناء الأوبرالي ..! يبيع النعناع الأخضر وينادي علبه بصوت مهيب :-
( يا أبو الروايح يا نعناع ) ، ثم يصمت قليلا .......ويقول ( بلدي ..!!) .
وفي الشارع ذاته بائعة خس وجرجير تجوب الشوارع كل يوم بانتظام تحمل قفصا به قليل من الخس والجرجير وتنادي على بضاعتها بصوت قوي يجذب الإنتباه وهي الأخرى لا شك لديها في أنها تقوم بعمل هام يستحق أن تتابعه يوما بعد يوم ....دعوة يحي حقي إذن ما زالت قائمة وقابلة للإحتفاء والتنفيذ ..!
2- توم الخزين يا توم
توب الفرح يا توب
وفي رسالة بعث بها اللواء أحمد العرنوسي عضو اتحاد الكتاب ، إلى الدكتور علي الراعي إثر قراءته لمقاله عن أصوات الباعة ، والتي يضيف فيها معلومات إضافية حول نداءات الباعة وأثرها على الفن وتطويع الكثير منها بحيث أصبحت ألحانا شائعة يقول اللواء العرنوسي :- إن مثل هذه النداءات تشبه الأغاني الفولوكلورية التي تخرج من النبع نفسه وتواجه النسيان ، وقد سمعت في برنامج إذاعي أن مؤلفا للأغاني سمع بائع ثوم ينادي:-
توم الخزين يا توم ....
فأوحى إليه هذا النداء بأغنية....
توب الفرح يا توب ..!!
وما زلت أذكر عم شحات بائع الطعمية[9] الذي كان ينادي...
أم لحمة ياولاد
..اللي من غيطنا ياولاد
وتذكرت بائعة الفجل تنادي:
لوبيا يا فجل لوبيـــــا
اللي بلا اسنان ياكل فدان
..يابو العيال هات لك شيال
ثم يتطرق إلى تقاليد الزفاف في الريف المصري ، ويتذكر بعض الأغاني المصاحبة مثل :-
كتر خيرك يا دار أبويا
وكذلك :-
بنت الأكابر ويش تقولوا فيها
باعت حلقها واشترت راعيها
أو :- ....................
عالنسب يا غالي مين اللي دلك
خد الأصيلة وزيدها بالمال
وكذلك بعض أغاني الشباب في العرس :-
وفرش منديله عالرملة
والحلوة تجيلو عالرملة
وكذلك بعد إثبات عذرية العروس يغنون :-
والله يا بنت سترتينا
قولوا لابوها إن كان جيعان يتعشى
3- مجموعة الأغاني الشرقية القديمة والحديثة
يقول الدكتور الراعي :- دفعتني رسالة السيد اللواء إلى إعادة النظر في سفر ثمين أهدانيه منذ سنوات الصديق عبد العزيز السريع ، الكاتب المسرحي الكويتي والمثقف الذي عمل جاهدا سنوات طويلة في خدمة الثقافة العربية عامة ، والكويتية بوجه خاص ، وعنوان السفر هو
( مجموعة الأغاني الشرقية القديمة والحديثة )
جمعها ورتبها وعلق عللى حواشيها حبيب زيدان ، ووصفها بأنها الكتاب الوحيد الذي يحوي بين دفتيه فنون الطرب جميعا من :- أدوار ، وطقاطيق ، وموشحات ، وألحان ومواويل وقصائد وأشعار وغيرها ، مرتبة على حروف المعجم ، وبدخل في ذلك ما هو مأخوذ على الأسطوانات العربية وشائع بين عشاق الطرب والموسيقيين ، ومزين بصور كثيرة لمشاهير المغنين والمغنيات ، والملحنين والمطربين وغيرهم ، وقد تعمدت أن أورد وصف هذه المجموعة الفريدة ، بكل ما حوته من تفاصيل لألفت النظر إلى الجهود القيمة والمضنية التي يبذلها غيرنا للحفاظ على التراث المصري والعربي والشرقي عامة في الغناء والموسيقى ، وقلة ما نفعله نحن أصحاب القضية في هذا الصدد .
فرغم البداية الواعدة التي بدأها كل من :- عبد الحليم نويرة وحسين جنيد لتقديم الأغاني التراثية في ثوب جديد ، يجذب الأجيال المعاصرة ، ورغم ما أظهرته هذه الأجيال من حفاوة مؤثرة بهذه الجهود ، فقد فتر الإهتمام الفعال بالتراث الشرقي الجميل ، بعد رحيل كل من عبد الحليم نويرة وحسين جنيد ، وانزلقت العروض إلى رتابة واضحة ومعاناة خطيرة في التجديد .
وأعود فأقلب صفحات هذه المجموعة فأجد بين محتوياتها أغنيات تتغزل بالفاكهة والزهور ، وتحوي نبرات إصلاحية واضحة فلم تكن الأغنيات منفصلة عن واقع الحياة ، كما هي الآن ، سواء في لأغاني الكبار أو في هلوسات ما يسمى بالأغنيات الشبابية ، بل كانت تضرب في التربة المصرية بجذور قوية بعيدة الغور .
هذه أغنية كانت تقدم في أوائل القرن ، وهي تصف حالة امرأة تبيع الذرة المشوية تقول الأغنية :-
يا شوي العصاري يادرة
يا أكل الملوك والأمرا
الحزمة بمليم يا درة
الله على الدرة وعليه
شوي النهارده العصرية
الحزمة بمليم يا درة
وهذه أغنية عن الياسمين لحنها زكي مراد وتبدأ هكذا :-
يا بنت يا بتاعة الياسمين
ح تبيعي ياسمينك على مين
ياسميني مخصوص يا عنبة
لاجل الذوات والأفندية
عندي صحب بالتنتلة
وورد وياسمين وفلة
حلفت بالدين والملة
ما يشتريها إلا الحلوين
صدف وآمن بالذمة
لو اشتريت مني حزمة
وأخدت لك منها شمة
تبطلك شم الكوكايين...!!
وهذه طقطوقة كانت تغنيها منيرة المهدية :- [10]
مصر الجميلة ماأحلاكي
يا بخت اللي يكون في حماكي
واللي يعيش تحت سماكي
ويملا قلبه بهواكي
يبقى سعيد
عمره مديد
قلبه شديد
الله عليه
مصر الجميلة .....
وتتغنى منيرة المهدية ( بجودة الزبدة الفلاحي ) بهذه الطقطوقة أيضا :-
صابحة الزبدة بلدي الزبدة
فاطمة التيني أم الشيمي
جوزها بلبدة يبيع الزبدة
مش عيب يا صباح عيشة الفلاح
دا بمحراته ورا مراته
على عيشته تساعده وتصون عرضه
وقد لحن الموسيقار الكبير داود حسني أغنيات كثيرة في مدح الفواكه مثل :-
زغلول يا نونو يا بلح م العال
أهواك مسكر واتقلك بالمال
ومثل :- ..............
يا خوخ يا ناعم يا بو خدين
لونك يعجبني يا نور العين
ومثل :- ..............
يا حلاوة التوت وشرباته
بل إنه تعدى وصف الفواكه إلى التغني بأنواع السمك :
صيد العصاري يا سمك يا بني
تلعب في المية لعبك يعجبني
وبعيدا عن الفواكه والأحياء المائية تطرقت الأغنية في ذلك العهد( أول القرن العشرين ) لإلى موضوعات اجتماعية مختلفة مثل :-
يا شيخ العرب يا جودة
القطنة كلتها الدودة [11]
والبنات عوزة تتجوز
والجدعان نفسها مصدودة
وعن تعدد الزوجات :-
جوزي تجوز علي أربعة
وطلب البنت لأمها أن تبحث لها عن عريس :-
جوزيني يامة جدع قيافة
كامل المحاسن واللطافة
وعند بدء الحراك الإجتماعي الذي ادى إلى إعطاء المرأة نصيبا من الحرية ظهرت أغنيات مثل :-
يالله يابنات ندلع
نمشي في الشارع نتشخلع
نلبس فستان كمه قصير
وفي أربعينات هذا القرن ظلت الأغنيات ذات التوجه الشعبي تنتسب انتسابا واضحا للمجتمع ، وكان من أبرز فناني هذه الفترة ( عبد العزيز محمود )[12] الذي كان يردد أغنية في مدح البلح تقول :-
يا نخل بلحك بينقط سمن وسكر
والريف بيفرح ويزأطط لما تبدر
حياني يا بلح ..
زغلول يا رطب....
عيشه وشهد مكرر
وإلى جانب هذا وبفضل الإذاعة كان الموسيقار علي قراج يقدم أغنيلته الجميلة عن الورد وبقية الزهور ، مستغلا صوتا معبرا ، ظهر إذ ذاك وأعطى الفرصة للناس هو صوت الفنانة ( شافية ) ، كذلك انتقلت العدوى لعبد الوهاب الذي غنى من كلمات بشار الخوري عن أوان الورد وكذلك غنت ليلى مراد :-
( مين يشتري الورد مني )
وكل هذا كان يدفع بالأغنية من كليشية الحبيب المهاجر ، والمحب الغارق في الدموع ، غيرأن هذا التوجه لم يدم طويلا وعادت الأغنية إلى كليشية الحب والغدر والهجر ، معرضة عن هموم المجتمع ملتفتة إلى هموم الفرد وحده ومن ثم أعطيت الفرصة للأغنيات الملفقة التي تنسب للشباب ...!!
____________
وتبرز هذه العادات والتقاليد من خلال ظواهر متعددة ، تعبر فيها تلك الطبقات عن مخزونها من تلك العادات لتظهر مكثفة عميقة الدلالة ، ضاربة في تاريخ لا تكتبه السلطة الرسمية ، بل تكتبه تلك الطبقات في أغانيها الشعبية ، وفي أفراحها وأتراحها ، وفي حلها وترحالها ، وفي مناسباتها الإجتماعية ، وكذلك في أسواقها الشعبية ، ونداءات الباعة فيه ، كل يروج لبضاعته ، مختصرا مواصفاتها بكلمات معبرة وصوت رخيم ، صقلته الحاجة والظروف الإقتصادية الصعبة ، وكمنت فيه مواهب لا تجد طريقها إلى معاهد الموسيقى لقلة الوعي وذات اليد ، وتقصير السلطة والباحثين عن اكتشافها ووضع قدمها على الطريق الصحيح ...
وفي كتابه الجميل الصادر عن دار الهلال
( سلسلة كتاب الهلال )
في يوليو 2004 العدد ( 643 ) والمعنون ب
( عن الكاريكاتير والأغاني والإذاعة )
يتناول الدكتور علي الراعي بعضا من هذه العادات والظواهر معتمدا في ذلك على مشاهداته الشخصية ومخزون خبرته ... وعلى كتاب الأديب الكبير يحي حقي ( ناس في الظل ) وهو آخر كتاب أصدره يحي حقي ثم اعتزل بعد ذلك .
وعلى رسالة بعث بها إليه اللواء أحمد العرنوسي عضو اتحاد الكتاب ، ومجموعة الأغاني الشرقية القديمة والحديثة والتي يسميها ( السفر الثمين ) وكان قد أهداه له صديقه عبد العزيز السريع الكاتب المسرحي الكويتي والمثقف الذي عمل جاهدا سنوات طويلة في خدمة الثقافة العربية عامة والكويتية خاصة ، وهذه المجموعة جمعها ورتبها وعلق على حواشيها حبيب زيدان ووصفها بأنها الكتاب الوحيد الذي يحوي بين دفتيه فنون الطرب جميعا من أدوار وطقاطيق وموشحات وألحان ومواويل وقصائد وأشعار وغيرها ، مرتبة على حروف المعجم ...وهذا الكتاب هو مجموعة مقالات كتبت في فترات مختلفة ، جمعتها دار الهلال ضمن سلسلة كتاب الهلال ، وقدم لها فاروق شوشة والذي يقول في نهاية مقدمته :-
( فلتكن هذه المقالات المختارة من بين كتاباته ( يقصد د.علي الراعي ) والمجموعة بين دفتي هذا الكتاب ، بعض ذكرة وعطره ، وبعض صوته الباقي فينا ، يحنو ويحرض ، يبتسم ويثير ، يتألم ويغني ، يداعب ويسخر ، وهو يجمعنا من حوله في كل الأحوال على محبة الخير والحق والجمال ، لأنه صوت علي الراعي عاشق الإبداع والجمال ) .
نورد هنا النص الأصلي للمقال المعنون
ب ( عندما ينادي الباعة بالصوت الرخيم ) :-
1- لا تين ولا عنب زيــك..!
يقول ( لا يزال نداء الباعة الجوالة ، على بضاعتهم بالصوت الرخيم ، قائما لم يندثر ..هذه هي أيام البلح الأمهات ، وفي حيّنا " الدقي " بائع عذب الصوت يدفع بعربته المزينة بسعف النخيل ، والمحملة بحبات البلح الأمهات الرشيقة الدقيقة الحجم ، يغني له البائع قائلا :-
" ولا تين ولا عنب زيك ...!"
والأصل في هذا النداء أن يغني البائع
" والله لا تين ولا عنب زيـك يا جميز
يا بتاع العلبة يا عسل " .
نعم كان للجميز سطوة أي سطوة قبل أن يختفي ، وتقطع أشجاره ويحرم الناس من فاكهة شعبية رخيصة وحلوة ومفيدة . ويقال أن الفراعنة كانوا يستخدمون الجميز غذاء ودواء معا ، ولكن التين كان الفاكهة الأوفر مالاً ، وقد لاحظ الشاعر القديم هذا التميز ، فجعله أساسا للتميز الطبقي بين الناس ، حيث قال :-
" للتين قوم وللجميز أقوام "
غير أن هذا التميز لم يمنع البائع من أن يتحدى التين ويؤكد أن لا التين ولا العنب يصلان إلى مرتبة الجميز . وفي الحق أن الأنواع الممتازة من الجميز التامة النضج الفائقة الحلاوة كانت تناطح التين عن جدارة ، بل لم يمن هناك مجتا للتفرقة بين التين والجميز أحيانا ، رغم رخص ثمن الأول وارتفاع ثمن الثاني ، ومهما يكن من أمر فقد كان للجميز ورثة حتى خمسينات هذا القرن ، حين اختفى فجأة من شوارع شبرا [1] – حيث كنت أسكن سنوات الدراسة الثانوية – بائع مهيب الطلعة عذب الصوت ، يملأ ثوبه النظيف بكل جدارة وينادب على الجميز وغيره من فاكهة الموسم ، في غناء عذب تطرب له الأذن ، وكان يسير في تؤدة وهو واثق بأن ما يقدمه من فاكهة يستحق أن ينظر إليه هذه النظرة الغنية ، التي تمثلت في ندائه .
كان هذا البائع فنانا ، وكانت الفاكهة موضوع فنه ، كان أقرب ما يكون إلى الممثل عبد الفتاح القصري[2] مع اتساق أكبر في الملامح ، وخلو من التطجين الذي كان القصري يفتعله ويستخدمه عنصرا منعناصر الكوميديا الشعبية ، أما البائع الفنان فلم يكن يحتاج غلى افتعال ..!!
كان خياله المشتعل عمدته في لفت الأنظار إلى جمهوره ، وكان هذا الخيال يوحي له بنداءات حافلة بالصور الفنية ، فإذا كان الموسم موسم العنب ، راح البائع يغني له على النحو التالي :-
والله سلامات م الغيبة يا عنب
زي بيض اليمام وأبيض يا عنب ...!
فالعنب كان مسافرا ، وقد عاد بعد أن أوحشتنا غيبته ، وحباته ليست بالحجم المعروف ، بل هي في حجم بيض اليمام ، وهي كذلك أبيض من هذا البيض ، وإذا كان الموسم موسم المشمش ، راح البائع الفنان يغني له
المشمش استوى وطاب
وطلب الأكالة يا حموي يا ناعم[3]
أو هكذا
الله عليك
يللي الهوى هزك
ورماك يا مشمش
وجعلك شربات يا حموي يا ناعم .....
مثل هذا الفنان صادفه يوما فنان الشعب سيد درويش[4] ، فسار وراءه فاطعا شارعا شارعا ، وحارة حارة حتى اتصل بسر اللحن الجميل الذي كان البائع يغني به على بضاعته ، ولم يهدأ الشيخ سيد عن المتابعة من سجل في داخل نفسه الفنانة هذا اللحن وأعمل فيه فنه هو وقدمه من بعد في أغنياته الخالدة عن البياعين .
يذكر يحي حقي[5] في ( كتابه ناس في الظل ) ، كيف كان راقدا في حضن الليل الرحيم الوديع الملـيء بالأسرار حين ارتفع إلى أذنه خلال العتمة والنسيم والهدوء ، صوت عفيٌّ رخيـم معا ينشد
" لا تين ولا عنب زيـك يا رطب "
قفز يحي حقي من فراشه أو كاد وصاح :- يارب ..! هذا مستحيل ..لا معقول ..غير ممكن ..، إن هذا الصوت بعينه ونطقه وجرسه ونبرته ولحنه ونغمته ، بتتابع تموجاته بين علو وانخفاض ..بين مط وإدغام .. سمعته بالليل وأنا صغير في حجرة عالية السقف في بيت من حجر وعروق خشب ، خمسون سنة وأكثر تمضي وهذا النداء هو هو باق ..خالد .. ليس لحنه ونغمته فحسب ، بل يكاد الكاتب يقول وصوت البائع أيضا ، كأنما كأنما ندبت مصر منذ وعيها ، رجلاً واحداً من أبنائها لبيع الرطب وأجازت له وحده تناسخ روحه عمرا بعد عمر .
قال يحي حقي في سره لبائع البلح :- خبرني بربك يا فتى ! من أي بلد أنت ..؟ من منوات أم من البساتين ..؟ من الذي ساقك إلي ..؟ لقد ألغى نداؤك خمسين سنة من عمري وردني بصدفة واحدة إلى طفولتي... يافتى .. جعلتني أتحسر لحبستي في هذه الحجرة في قلب المدينة ، اشتقت بسببك إلى النخيل والنخلة رمز بلدي في توحيدها وخيراتها ، من اللحاء مقاطف ، وليف للحبال ومن الجذع أسقف ، ومن الجريد أقفاص ، ومن الخوص طلوع القرافة ، ومن التمر غذاء محترم يقوى على شرائه الفقير ..!
ويفرق يحي حقي بين نداءات باعة الملوخية والفاصوليا والباذنجان والبصل والثوم والكرات والترمس والجرجير والبطاطا والقوطة[6] والنبق والتوت والجميز والمشمش والعنب والتين وأن هذه هي حاصلات مصرالأصيلة ، وهي نداءات منقوشة على الحجر ، أما المستحدثة منها كالجوافة والمانجو والفراولة فإنها لم تجد لها الملحن العبقري المجهول الذي يسلكها في الخالدين فالنداءات عليها أشبه بصفحة مكتوبة بأسلوب تقريري ، وسط كتاب يتلألأ بأسلوب فني يشبه الشعر .
وكلام يحي حقي عن المانجو والفراولة وافتقارهما إلى من يتغزل فيهما فنيا ويدللهما ويرسم لهما الصور الجميلة صحيح ، أما قوله أن الجوافة لم تجد من يتغنى بها فهو غير دقيق ، لقد عشت سنوات طفولتي الباكرة في الإسماعيلية ، بلد الجوافة والمانجو والشمام الإسماعيلاوي ، الذي اغتاله الكانتالوب فوجدت باعة الإسماعيلية يغنون للجوافة ويسمونها ( قلل الشربات ) ، وهي لفرط حلاوتها تسمى أيضا ( المربى ) ويظهر منها نوعان : الأول باطنه وردي والثاني أبيض .
أما الخضروات فقد كان ينادي عليها على أيامي بائع جهير الصوت ، لم يكن صوته حلوا لكن خياله كان نشيطا كان يجر عربة مليئة بالخضلر ، ويخلع على كل منها صفة مميزة :-
يا مجنونة يا طماطم ( لتقلب أسعارها )
حبشية يا ملوخية
( هكذا يدلل الملوخية وينسبها إلى أصل حبشي ، أما باعة القاهرة فيكتفون بنداء )
فلاحي يا ملوخية
ويصيح على البامية قائلا :
ضوافر الحمام يا بامية ( تعبيرا عن دقة حجمها مما يجعلها صالحة للطواجن والدقية ...الخ )
أما البطاطافكان لها بائع آخر يقطع الشوارع وهو يغني....
بنار الفرن بنار الفرن
سرقوا الجلة حموا بها الفرن
وكان الأطفال يتحلقون حوله ويمشون وراءه ويشترون منه طبعا ، وفي أواخر العشرينات ، كانت البطاطس شيئا مستحدثا ، لا يشتريها إلا ذو مال ، كان الممتاز منها يستورد من فرنسا ، ومن ثم أطلق عليها لقب ( الفرنساوية) ، وما زلت أسمع حتى اليوم بائعا يذرع أرض شارعنا وهو مصر على أن ما يقدمه لعملائه من بطاطس هو فرنسي ، يصيح بأعلى صوته
( فرنساوي يا بطاطس[7]
رغم أن مصر الآن أصبحت تصدر البطاطس إلى الخارج .
ومن فرط إعجاب أهل الإسماعيلية بهذا الصنف المستحدث ، أطلقوا على البطاطس المطبوخة بالطماطم إسم ( كهرمان ) ، لم يجدوا ما هو أكثر تمجيدا للبطاطس من تشبيهها بهذا الحجر الكريم وكنت إذا دخلت مطعما وطلبت طبقا من البطاطس المطبوخ ، صاح الجرسون بأعلى صوته : ( واحد كهرمان ) ...
قلت آنفا إنني لا أعرف السبب الذي يكمن وراء اختفاء الشمام الإسماعيلاوي[8] الفائق الحلاوة ، والذي كان إلى سنوات قريبة يغمر الأسواق ، ولماذا حل الكانتالوب محله ، ولم لم يستمر في البقاء إلى جوار الكانتالوب إذا كان لهذا الصنف المستورد أن يستمر ، ومانجو الإسماعيلية الفائقة الحلاوة والذي كان بعضها يطعم بالدوم فيكون لها طعم مميزة ، أين هي الآن ، والفراولة المصرية الصغيرة الحجم والفائقة الحلاوة ، لماذا حلت محلها الفراولة المتضخمة عديمة الطعم كأنها فشار ملون ..؟ والخيار المصري الدقيق الحجم الرشيق ، الذي كان لفرط حلاوته يؤكل على أنه فاكهة ( خيار القشة ) المشهور أين ذهب ..؟ ولماذا يغمر الأسواق خيار غليظ الجلد فاقد الطعم بعضه لا يصلح إلا علفا للبهائم ..؟ وأين ذهب التوت تلك الفاكهة الشعبية اللذيذة التي كنا ونحن صغار نتسلق أشجارها في عزبة بالإسماعيلية تسمى ( الدو ) ونروح نقطف ثمارها ما شاء لنا القطف بإذن من أصحاب الشجر ..؟ أين ذهب التوت بالله وقد كان دائما مصدر إلهام للملحنين والمغنين .
وللموسيقار زكريا أحمد لحن لطيف عن التوت ، قدمه في بداية حياته الفنية ، أما أغاني الأطفال فقد عرفت ألحانا عذبة يغنيها الصغار مثل :-
في أوان التوت...... نشرب شربات
ونلم التوت ...صبيان وبنات
وأغنية :- .
كان في واحدة ست........ عندها اتناشر بنت
في يوم قالولها ياماما ......ناكل توت يا ماما
اشترت لهم توت ..........كل واحدة توتة
توتة توتة توتة ...........خلصت الحدوتة
ويلاحظ يحي حقي أن الأجانب والأغراب وبخاصة منذ حملة نابليون ، هم الذبن اهتموا بتسجيل نداءات الباعة لفظا ولحنا ، وقد شعر بالخجل حين استمع إلى كثير من التسجيلات الفولكلورية في بيت واحد ( خواجة ) كان يقيم في مصر ، وكان بين هذه التسجيلات دقة طبلة من عازف أعمى ، إلى جانب نداءات الباعة طبعا ، وقد بحث يحي حقي عن هذا العازف الأعمى ، بحثا شديدا متصلا حتى وجده فأدخله بجلابيته وطاقيته إلى المسرح في إحدى الحفلات الرسمية وزعم أنه هو الذي اكنشفه .
ويطالب الفنان العذب يحي حقي بأن تسجل نداءات الباعة وأن بنظر إليها نظرة جادة حقا ، فهي في رأيه تقدم بالمجان وبغير عناء منا أو تأليف لجان أرقى لمعرض الأصوات ، ويتمنى أن يلحظها القائمون على الكونسرفاتوار ومعهد الموسيقى والإذاعة ، أن يصيخوا إليها السمع ، كأنهم في محكمة ينتظرون نطق القاضي بالحكم عليهم : براءة أو إدانة ، أن يتشمموها كالسلوقي أنفه فوق الحجر فهو واثق أن من بينها خامات تستحق الإستنقاذ والعناية بتربيتها .
ورغم أن يحي حقي كتب هذا الكلام قبل واحدة وثلاثين عاما ، ورغم أن الأصوات والنداءات العذبة قد تقلصت إلى حد كبير لكنني أقرر من واقع تجربتي أن بعض هذه الأصوات ما زال موجودا ، ففي شارعنا رجل فخم الصوت يصلح للغناء الأوبرالي ..! يبيع النعناع الأخضر وينادي علبه بصوت مهيب :-
( يا أبو الروايح يا نعناع ) ، ثم يصمت قليلا .......ويقول ( بلدي ..!!) .
وفي الشارع ذاته بائعة خس وجرجير تجوب الشوارع كل يوم بانتظام تحمل قفصا به قليل من الخس والجرجير وتنادي على بضاعتها بصوت قوي يجذب الإنتباه وهي الأخرى لا شك لديها في أنها تقوم بعمل هام يستحق أن تتابعه يوما بعد يوم ....دعوة يحي حقي إذن ما زالت قائمة وقابلة للإحتفاء والتنفيذ ..!
2- توم الخزين يا توم
توب الفرح يا توب
وفي رسالة بعث بها اللواء أحمد العرنوسي عضو اتحاد الكتاب ، إلى الدكتور علي الراعي إثر قراءته لمقاله عن أصوات الباعة ، والتي يضيف فيها معلومات إضافية حول نداءات الباعة وأثرها على الفن وتطويع الكثير منها بحيث أصبحت ألحانا شائعة يقول اللواء العرنوسي :- إن مثل هذه النداءات تشبه الأغاني الفولوكلورية التي تخرج من النبع نفسه وتواجه النسيان ، وقد سمعت في برنامج إذاعي أن مؤلفا للأغاني سمع بائع ثوم ينادي:-
توم الخزين يا توم ....
فأوحى إليه هذا النداء بأغنية....
توب الفرح يا توب ..!!
وما زلت أذكر عم شحات بائع الطعمية[9] الذي كان ينادي...
أم لحمة ياولاد
..اللي من غيطنا ياولاد
وتذكرت بائعة الفجل تنادي:
لوبيا يا فجل لوبيـــــا
اللي بلا اسنان ياكل فدان
..يابو العيال هات لك شيال
ثم يتطرق إلى تقاليد الزفاف في الريف المصري ، ويتذكر بعض الأغاني المصاحبة مثل :-
كتر خيرك يا دار أبويا
وكذلك :-
بنت الأكابر ويش تقولوا فيها
باعت حلقها واشترت راعيها
أو :- ....................
عالنسب يا غالي مين اللي دلك
خد الأصيلة وزيدها بالمال
وكذلك بعض أغاني الشباب في العرس :-
وفرش منديله عالرملة
والحلوة تجيلو عالرملة
وكذلك بعد إثبات عذرية العروس يغنون :-
والله يا بنت سترتينا
قولوا لابوها إن كان جيعان يتعشى
3- مجموعة الأغاني الشرقية القديمة والحديثة
يقول الدكتور الراعي :- دفعتني رسالة السيد اللواء إلى إعادة النظر في سفر ثمين أهدانيه منذ سنوات الصديق عبد العزيز السريع ، الكاتب المسرحي الكويتي والمثقف الذي عمل جاهدا سنوات طويلة في خدمة الثقافة العربية عامة ، والكويتية بوجه خاص ، وعنوان السفر هو
( مجموعة الأغاني الشرقية القديمة والحديثة )
جمعها ورتبها وعلق عللى حواشيها حبيب زيدان ، ووصفها بأنها الكتاب الوحيد الذي يحوي بين دفتيه فنون الطرب جميعا من :- أدوار ، وطقاطيق ، وموشحات ، وألحان ومواويل وقصائد وأشعار وغيرها ، مرتبة على حروف المعجم ، وبدخل في ذلك ما هو مأخوذ على الأسطوانات العربية وشائع بين عشاق الطرب والموسيقيين ، ومزين بصور كثيرة لمشاهير المغنين والمغنيات ، والملحنين والمطربين وغيرهم ، وقد تعمدت أن أورد وصف هذه المجموعة الفريدة ، بكل ما حوته من تفاصيل لألفت النظر إلى الجهود القيمة والمضنية التي يبذلها غيرنا للحفاظ على التراث المصري والعربي والشرقي عامة في الغناء والموسيقى ، وقلة ما نفعله نحن أصحاب القضية في هذا الصدد .
فرغم البداية الواعدة التي بدأها كل من :- عبد الحليم نويرة وحسين جنيد لتقديم الأغاني التراثية في ثوب جديد ، يجذب الأجيال المعاصرة ، ورغم ما أظهرته هذه الأجيال من حفاوة مؤثرة بهذه الجهود ، فقد فتر الإهتمام الفعال بالتراث الشرقي الجميل ، بعد رحيل كل من عبد الحليم نويرة وحسين جنيد ، وانزلقت العروض إلى رتابة واضحة ومعاناة خطيرة في التجديد .
وأعود فأقلب صفحات هذه المجموعة فأجد بين محتوياتها أغنيات تتغزل بالفاكهة والزهور ، وتحوي نبرات إصلاحية واضحة فلم تكن الأغنيات منفصلة عن واقع الحياة ، كما هي الآن ، سواء في لأغاني الكبار أو في هلوسات ما يسمى بالأغنيات الشبابية ، بل كانت تضرب في التربة المصرية بجذور قوية بعيدة الغور .
هذه أغنية كانت تقدم في أوائل القرن ، وهي تصف حالة امرأة تبيع الذرة المشوية تقول الأغنية :-
يا شوي العصاري يادرة
يا أكل الملوك والأمرا
الحزمة بمليم يا درة
الله على الدرة وعليه
شوي النهارده العصرية
الحزمة بمليم يا درة
وهذه أغنية عن الياسمين لحنها زكي مراد وتبدأ هكذا :-
يا بنت يا بتاعة الياسمين
ح تبيعي ياسمينك على مين
ياسميني مخصوص يا عنبة
لاجل الذوات والأفندية
عندي صحب بالتنتلة
وورد وياسمين وفلة
حلفت بالدين والملة
ما يشتريها إلا الحلوين
صدف وآمن بالذمة
لو اشتريت مني حزمة
وأخدت لك منها شمة
تبطلك شم الكوكايين...!!
وهذه طقطوقة كانت تغنيها منيرة المهدية :- [10]
مصر الجميلة ماأحلاكي
يا بخت اللي يكون في حماكي
واللي يعيش تحت سماكي
ويملا قلبه بهواكي
يبقى سعيد
عمره مديد
قلبه شديد
الله عليه
مصر الجميلة .....
وتتغنى منيرة المهدية ( بجودة الزبدة الفلاحي ) بهذه الطقطوقة أيضا :-
صابحة الزبدة بلدي الزبدة
فاطمة التيني أم الشيمي
جوزها بلبدة يبيع الزبدة
مش عيب يا صباح عيشة الفلاح
دا بمحراته ورا مراته
على عيشته تساعده وتصون عرضه
وقد لحن الموسيقار الكبير داود حسني أغنيات كثيرة في مدح الفواكه مثل :-
زغلول يا نونو يا بلح م العال
أهواك مسكر واتقلك بالمال
ومثل :- ..............
يا خوخ يا ناعم يا بو خدين
لونك يعجبني يا نور العين
ومثل :- ..............
يا حلاوة التوت وشرباته
بل إنه تعدى وصف الفواكه إلى التغني بأنواع السمك :
صيد العصاري يا سمك يا بني
تلعب في المية لعبك يعجبني
وبعيدا عن الفواكه والأحياء المائية تطرقت الأغنية في ذلك العهد( أول القرن العشرين ) لإلى موضوعات اجتماعية مختلفة مثل :-
يا شيخ العرب يا جودة
القطنة كلتها الدودة [11]
والبنات عوزة تتجوز
والجدعان نفسها مصدودة
وعن تعدد الزوجات :-
جوزي تجوز علي أربعة
وطلب البنت لأمها أن تبحث لها عن عريس :-
جوزيني يامة جدع قيافة
كامل المحاسن واللطافة
وعند بدء الحراك الإجتماعي الذي ادى إلى إعطاء المرأة نصيبا من الحرية ظهرت أغنيات مثل :-
يالله يابنات ندلع
نمشي في الشارع نتشخلع
نلبس فستان كمه قصير
وفي أربعينات هذا القرن ظلت الأغنيات ذات التوجه الشعبي تنتسب انتسابا واضحا للمجتمع ، وكان من أبرز فناني هذه الفترة ( عبد العزيز محمود )[12] الذي كان يردد أغنية في مدح البلح تقول :-
يا نخل بلحك بينقط سمن وسكر
والريف بيفرح ويزأطط لما تبدر
حياني يا بلح ..
زغلول يا رطب....
عيشه وشهد مكرر
وإلى جانب هذا وبفضل الإذاعة كان الموسيقار علي قراج يقدم أغنيلته الجميلة عن الورد وبقية الزهور ، مستغلا صوتا معبرا ، ظهر إذ ذاك وأعطى الفرصة للناس هو صوت الفنانة ( شافية ) ، كذلك انتقلت العدوى لعبد الوهاب الذي غنى من كلمات بشار الخوري عن أوان الورد وكذلك غنت ليلى مراد :-
( مين يشتري الورد مني )
وكل هذا كان يدفع بالأغنية من كليشية الحبيب المهاجر ، والمحب الغارق في الدموع ، غيرأن هذا التوجه لم يدم طويلا وعادت الأغنية إلى كليشية الحب والغدر والهجر ، معرضة عن هموم المجتمع ملتفتة إلى هموم الفرد وحده ومن ثم أعطيت الفرصة للأغنيات الملفقة التي تنسب للشباب ...!!
____________
تعقيب ...( يوسف أبوسالم ) ..
لا يتطرق الدكتور علي الراعي في كتابه إلى نداءات الباعة في الوطن العربي ، وأجد أن الموضوع بحاجة إلى عقد دراسة مقارنة بين نداءات الباعة في الوطن العربي ، ذلك أنه في كل قطر عربي تتنوع مثل هذه النداءات وتتعدد ، ومثلما اكتشف يحي حقي والراعي أصواتا جميلة إلى الحد الذي يقول عن أحدها أنه يصلح للغناء الأوبرالي ، سيكتشف الباحث في الوطن العربي أصواتا جميلة أيضا ، ونداءات لاتختلف في مضامينها عن النداءات في مصر أو غيرها من الأقطار العربية ، ولكن الإختلاف سيبرز في اللهجة المحلية لكل قطر ، وفي علاقة النداء بالموروث الشعبي وما استقر في الوجدان الجمعي المحلي من فولوكلور وأغاني شعبية ، وكذلك من مظاهر الإختلاف علاقة النداء ببعض العادات الشعبية لكل قطر ، ونوع السلعة المتوفرة غي هذا القطر ولا تتوفر في غيره مثلا .
ويقتصر بحث الدكتور الراعي إلى حد ما على نداءات الباعة المتعلقة بالخضار والفواكه والزهور ... لكن نداءات الباعة متنوعة إلى الحد الذي يجعلها تشمل سلعا كثيرة ...
فهناك نداءات لباعة الخردة
ومصلحي الأدوات المنزلية
والذين يشترون الأثاث المستعمل
وغيرهم كثير .....
أما أغاني الأعراس الشعبية ...
التي لم يتوسع فيها ..فسيجد الباحث تنوعا كبيرا فيها يشمل اللحظات الأولى لإعداد العروس وحمامها وحنائها وإعداد العريس وحمامه وزفّته وكذلك تمتد لتشمل لاحقا الأغاني الشعبية المصاحبة للمولود الأول ومرور الأسبوع الأول على ميلاده وفطامه وطهره بعد ذلك ...ومن طريف القول في الأردن وفي مدينة إربد أن أغنية شعبية شهيرة انطلقت كالنار في الهشيم كانت تغنى ( عند مراسيم الطهور ) تقول :
طهروا يا شلبي
وناولوا لأمه
يا دموع الغالية
نزلت على كمـه
وشلبي هذا هو اسم المطهر ذاته الذي لا يزال أحفاده إلى اليوم يمارسون هذه المهنة ، لكن الأغنية انتشرت لتشمل أنحاء كثيرة في الأردن .
ومنها أيضا ترويدة[13]
سبّلْ عيونُهْ
ومدْ ايدُو
يِحَنّونُهْ
وشْ هالغزال
الذي راحوا يصيدونُهْ
ومن جهة أخرى ليس في مصر وحدها ، أصبحت الأغاني تركز على الشأن الفردي وتنسى الهم الجماعي ولكن على مستوى الوطن العربي ذلك أن مجمل الظروف الإجتماعية والسياسية المحلية والعربية والعالمية التي كان لها تأثير في هذا التراجع لا تختلف كثيرا بين بلد عربي وآخر بل تكاد تتطابق في أغلب الأحيان .
كذلك اختفت الأغاني التي تروج للهم العربي أو الأمل العربي أو الوحدة العربية ، وأصبح كل قطر عربي يغني على ليلاه ، وأكثر من ذلك فإن الأغنية الوطنية المحلية تكاد تندثر لطغيان أغاني الفضائيات وكليباتها الجنسية ، حتى أغاني الحب والهجر التي يشكو منها الراعي تكاد تختفي لصالح أغاني تبدأ بالتلميح الجنسي وتنتهي في كثير من الأحيان بالتصريح به ...!!
إعداد وتبويب :- يوسف أبوسالم
ملاحظة :- المقدمة والتعقيب والتبويب والعنونة
والهوامش وترقيمها من إعداد يوسف أبوسالم
الهوامش
[1]- حي شعبي قديم في مصر
[2]- ممثل مصري كوميدي قديم
[3]- نسبة إلى مدينة حماة في سوريا لاشتهارها بأجود أنواع المشمش
[4]- فنان وملحن مصري قديم - كان له الدور الأكبر في تطوير الأغنية المصرية والعربية
وربما يكون الوحيد الذي التزم بالأغاني التي تلمس هموم الشعب وخصوصا الفئات الشعبية والحرفية
وأطلق عليه فنان الشعب وتوفي في الثلاثينات من عمره ( 31 ) عاما تاركا تراثا عاش ويعيش معظم الفنانين من بعده
[5]- كاتب ومفكر وأديب مصري واقعي من أبرز رواياته ( قنديل أم هاشم )
[6] - هي البندورة في لهجة بلاد الشام
[7]- البطاطس هي البطاطا في لهجة بلاد الشام
[8]-- نسبة إلى مدينة الإسماعيلية المصرية
[9]- هي الفلافل في بلاد الشام وتصنع في مصر من الفول بينما تصنع
من الحمص في بلاد الشام .
[10]- أشهر مطربة مصرية قبيل عصر أم أكلثوم تعامل معها معظم الملحنين القدماء
كأبو العلا محمد ومحمد الفصبجي وغيرهم
[11]- ويعني حقول القطن التي تشتهر بها مصر
[12]- مطرب مصري قديم
[13]- الترويدة هي أغنية شعبية كانت تغنى ليلة حناء العروس والعريس
ثم تحولت لتغنى وراء نعش الشهيد باعتباره عريسا
[/frame]
لا يتطرق الدكتور علي الراعي في كتابه إلى نداءات الباعة في الوطن العربي ، وأجد أن الموضوع بحاجة إلى عقد دراسة مقارنة بين نداءات الباعة في الوطن العربي ، ذلك أنه في كل قطر عربي تتنوع مثل هذه النداءات وتتعدد ، ومثلما اكتشف يحي حقي والراعي أصواتا جميلة إلى الحد الذي يقول عن أحدها أنه يصلح للغناء الأوبرالي ، سيكتشف الباحث في الوطن العربي أصواتا جميلة أيضا ، ونداءات لاتختلف في مضامينها عن النداءات في مصر أو غيرها من الأقطار العربية ، ولكن الإختلاف سيبرز في اللهجة المحلية لكل قطر ، وفي علاقة النداء بالموروث الشعبي وما استقر في الوجدان الجمعي المحلي من فولوكلور وأغاني شعبية ، وكذلك من مظاهر الإختلاف علاقة النداء ببعض العادات الشعبية لكل قطر ، ونوع السلعة المتوفرة غي هذا القطر ولا تتوفر في غيره مثلا .
ويقتصر بحث الدكتور الراعي إلى حد ما على نداءات الباعة المتعلقة بالخضار والفواكه والزهور ... لكن نداءات الباعة متنوعة إلى الحد الذي يجعلها تشمل سلعا كثيرة ...
فهناك نداءات لباعة الخردة
ومصلحي الأدوات المنزلية
والذين يشترون الأثاث المستعمل
وغيرهم كثير .....
أما أغاني الأعراس الشعبية ...
التي لم يتوسع فيها ..فسيجد الباحث تنوعا كبيرا فيها يشمل اللحظات الأولى لإعداد العروس وحمامها وحنائها وإعداد العريس وحمامه وزفّته وكذلك تمتد لتشمل لاحقا الأغاني الشعبية المصاحبة للمولود الأول ومرور الأسبوع الأول على ميلاده وفطامه وطهره بعد ذلك ...ومن طريف القول في الأردن وفي مدينة إربد أن أغنية شعبية شهيرة انطلقت كالنار في الهشيم كانت تغنى ( عند مراسيم الطهور ) تقول :
طهروا يا شلبي
وناولوا لأمه
يا دموع الغالية
نزلت على كمـه
وشلبي هذا هو اسم المطهر ذاته الذي لا يزال أحفاده إلى اليوم يمارسون هذه المهنة ، لكن الأغنية انتشرت لتشمل أنحاء كثيرة في الأردن .
ومنها أيضا ترويدة[13]
سبّلْ عيونُهْ
ومدْ ايدُو
يِحَنّونُهْ
وشْ هالغزال
الذي راحوا يصيدونُهْ
ومن جهة أخرى ليس في مصر وحدها ، أصبحت الأغاني تركز على الشأن الفردي وتنسى الهم الجماعي ولكن على مستوى الوطن العربي ذلك أن مجمل الظروف الإجتماعية والسياسية المحلية والعربية والعالمية التي كان لها تأثير في هذا التراجع لا تختلف كثيرا بين بلد عربي وآخر بل تكاد تتطابق في أغلب الأحيان .
كذلك اختفت الأغاني التي تروج للهم العربي أو الأمل العربي أو الوحدة العربية ، وأصبح كل قطر عربي يغني على ليلاه ، وأكثر من ذلك فإن الأغنية الوطنية المحلية تكاد تندثر لطغيان أغاني الفضائيات وكليباتها الجنسية ، حتى أغاني الحب والهجر التي يشكو منها الراعي تكاد تختفي لصالح أغاني تبدأ بالتلميح الجنسي وتنتهي في كثير من الأحيان بالتصريح به ...!!
إعداد وتبويب :- يوسف أبوسالم
ملاحظة :- المقدمة والتعقيب والتبويب والعنونة
والهوامش وترقيمها من إعداد يوسف أبوسالم
الهوامش
[1]- حي شعبي قديم في مصر
[2]- ممثل مصري كوميدي قديم
[3]- نسبة إلى مدينة حماة في سوريا لاشتهارها بأجود أنواع المشمش
[4]- فنان وملحن مصري قديم - كان له الدور الأكبر في تطوير الأغنية المصرية والعربية
وربما يكون الوحيد الذي التزم بالأغاني التي تلمس هموم الشعب وخصوصا الفئات الشعبية والحرفية
وأطلق عليه فنان الشعب وتوفي في الثلاثينات من عمره ( 31 ) عاما تاركا تراثا عاش ويعيش معظم الفنانين من بعده
[5]- كاتب ومفكر وأديب مصري واقعي من أبرز رواياته ( قنديل أم هاشم )
[6] - هي البندورة في لهجة بلاد الشام
[7]- البطاطس هي البطاطا في لهجة بلاد الشام
[8]-- نسبة إلى مدينة الإسماعيلية المصرية
[9]- هي الفلافل في بلاد الشام وتصنع في مصر من الفول بينما تصنع
من الحمص في بلاد الشام .
[10]- أشهر مطربة مصرية قبيل عصر أم أكلثوم تعامل معها معظم الملحنين القدماء
كأبو العلا محمد ومحمد الفصبجي وغيرهم
[11]- ويعني حقول القطن التي تشتهر بها مصر
[12]- مطرب مصري قديم
[13]- الترويدة هي أغنية شعبية كانت تغنى ليلة حناء العروس والعريس
ثم تحولت لتغنى وراء نعش الشهيد باعتباره عريسا