إشراقات السّديم
تهجّيتني ، واقتحمتِ تخومي
وأدركـتِني ، حين كنتُ هناك
على مقعد في الحديقة ،
أحضن موج الفراغ .
أراكِ ، كأن لا نهار، سواكِ
على تمتمات أصابعك المرمريّة
أرفو طيـوف ظلاليَ بالأرجوان
أموت وأحيا ، ألملمني من رمادي
أحاورك كي تقولي ،
أحاورُ لؤلؤة جارحة ..
أحاول هذا السّراب /.. الخراب / الخواء الهباء ،
أحاول هذا الضّياء /.. الصّفاء / الجلال/ البهاء ،
أعدّ لتيهي قلاعا ،
لأدخل في السّلسبيل الجميل .
أقول :
تعالي إلى أوّل الماء
تعالي إلى أوّل الطين ،
كي نبدأ الخلق توّا
فإنّا هنا منذ ألف وألفٍ
وإنّا هنا منذ صفر،
وإنّا خلقنا لعهد مؤجّل
وإنّ السّحاب الذي بيننا ،
ليس غير نشيـج من الشّهوات .
أحاورك كي تقولي ،
وألبس هذا الغموض الكثيف ، أقولُ :
خذينـي إلى وطن آخر غير تيهي
كي أراني على صورتي ،
واضحًا كمرايا النّهار .
ولا تأخذيني إلى وطني ،
- وطني غامض كالمجاز -
خذيني إلى قلق الرّيـح
إلى بهجة الموت ،
إلى غفوة السّـكر ،
إلى مثل هذا البكاء الجميل خذيني ؛
ولا تشربي من مدام كرومي
فهذي الغيوب مقامي ،
وهذي السدوم كشوفي
وهذا أنا ،.. بين نور، ونار
تجلـّيتُ لي ،
تجلّيتُ حتّى كأنّي اِعتراني الإله ،
وأدركـتُني سابحا في غيومي :
هاهنا في السّديم البعيد، ولدتُ
رقصتُ ، حلمتُ بغير الذي فيه كنتُ
عشقتُ ،
سموتُ ،
وتهتُ ..
على هذه الرّيـح سرتُ ،
عشقتُ .. وعشتُ ..
.. وبعدُ ؟ .. وقبلُ ؟
ثم عدتُ إلى أوّل العهد بي ،
حلمتُ ،
سموتُ ،
وطرتُ ..
دنوتُ من الموت
ثم وقعتُ على آخري .
سنحيا معا فوق هذا السّديـم ، تقولُ، ]
نسيـرُ يدا بيد ، عاريـيـن ، إلى ملكوتِ
الغياب نسيرُ، ونركض في جسد الضوء ،
في دهشة الريـح ، نركضُ في الماء ..
وفي الماء نطفئ رغبتنا ونموتُ .]
وأنهض من عدمي فاترًا ، هاتِفا :
كيف علـّمتني كلّ هذا ؟
كيف أحيـيْـتني ، ورميتني
" وما رميتِ إذ رميتِ "
أحاورك كي تقولي ،
وأعلم أنّك فوضى ومعنى
على شكل موت ، وموت .
[وحين اللـّقاءَ يكون تُهيّء مجلسنا في المساء
تُعدّ لنا كالنّبيذ من القهوة المشتهاة ..
تقولُ :
شدَّ أوتار حنجرتي يا غريبُ
فكَّ صدري من الأسر، أَوْ حُكَّ
ظهري على مهلٍ يا نديمي ،
أو إن شئتَ مرّر على جسدي موجة
القمح ، أو شهقة المستحيل .]
شفيفًا يعود حضورك حينا ...
كسّر كغيبٍ ، كطير ،
وبهجة خيل ، ورقصة نجم ،
فنمضي معا فوق لوح السّماء نطيرُ
أنا في سمائك ليل ، وأنت دليلي ..
تمرُّ فصول علينا ،
فنتلو حديثا بعيدا عن الحبّ والأمنيات
تقوليــن لي :
إلى أقصى هذا الغموض نسيرُ ؟
إلى أقصى هذا القديمِ ؟...
فكيف سأشرح لغزا جميلا، أقولُ ..
حزينا يعود حضورك حينا ،
إليكِ أعودُ لئلاّ أعود إلى عدمي
ومحتفلا بنقائي ،
أخرجُ منكِ ،
لئلاّ أرى في غدي ظلّ أمسي .
ولكنّني أرتديك ذهولا ،
جنونا ، وشوقا
كأنّكِ كلّ المتاع ،
طقوس جلالي ،
صلاتي ، وموتي...
أنا رعشة الرّوح فيكِ
أنا خالق ، والمشيئة أنتِ ،
وطينك طوعٌ لخلقي .
تعليق