المقامة الأدبية – مهداة إلى لصوص الأدب
حدثنا عدنان بن يوسف قال :
بعد جهد جهيد حصلت على ما أريد , فقد نجحت في امتحان الشهادة الثانوية , بعلامات قليلة شحيحة متدنية , رغم استعمال أساليب الغش والخديعة , ودفع الرشاوى لذوي النفوس الرقيعة , فالمكر عندي أجدى سلاح , والغش كان طريقي للنجاح .
وبما أن علاماتي قليلة متدنية , فقد منعت من الجامعات الحكومية , ولهذا هرعت إلى جامعة بيروت العربية , فهناك لا يسألون عن التفوق والعلامات , وإنما عن الدولارات والجنيهات , وكلما كان هناك سيولة , ويدفع المال والعمولة , يأتي النجاح بسهولة .
بعدها نلت الشهادة العليا بافتخار , وزينتها وعلقتها على الجدار , وبهذه المناسبة أقمت احتفالا كبيرا , دعوت له جمعا غفيرا , من أصحاب المناصب والمسئولين , والأعيان والمشايخ المبجلين , أكلوا الطعام حتى انتفخت البطون , وشربوا الشراب حتى جحظت العيون , بيد أن حديثهم كان ذو شجون , لأنهم بلقب أستاذ كانوا لي ينادون , بعد ذلك رجوتهم أن يساعدون , وبوظيفة محترمة لي يسعون , فأخبروني أن هناك مسابقة لانتقاء المدرسين الأكفاء , ونصحوا أن أتقدم لها دونما إبطاء , ففعلت هذا لأن ليس لي ند أو نظير , والمنصب العالي لابد أكون له جدير .
دخلت ذلك الامتحان اللعين , والذي كان رسوبي فيه مزري ومشين , فتبين أني اجهل العلوم الأدبية , ولا أعرف حتى الواجبات الدينية , ففي علم الجغرافيا , لا أعرف أمريكا من يوغوسلافيا , وكذلك علم التاريخ , فإنه أصعب من الصعود للمريخ , ويا لهول النحو والإعراب , فبيني وبينه ساتر وحجاب , أما قواعد الخط والإملاء , لا اعلم أي الهمزات تكتب على ألف أم على ياء .
بعد هذا الفشل الذريع , وما نتج عن الامتحان المريع , كتمت الأمر عن الجميع .
فقررت أن أكون بين الأدباء أديب , وأقنعت نفسي أن لي عقل نافذ لبيب , فهذه مهنة جليلة ومعتبرة , ومكانتي في المجتمع لابد محترمة .
فبدأت بكتابة فنون النثر, ثم ارتقيت إلى نظم قصائد الشعر, بدهاء وخبث ومكر , حيث سرقت الأفكار من كتّاب مشهورين , وسطوت على قصائد لشعراء مغمورين , وهكذا سارت الأمور , دونما تعب أو مشقة أو ثبور.
إلا أن دعيت للمشاركة في ندوة ثقافية , بمعونة الأصدقاء من الدوائر الحكومية , هنا اعتراني فرح وسرور, لأن الجمع كان مميز من الحضور, من الأدباء والمختصين , وأصحاب الروايات والدواوين , وكان بينهم رجلا اعرفه ويعرفني , وأخذ بنظراته المريبة يرمقني , فدعوت الله الستار المعين , أن يسترني من كمين هذا اللعين .
وما إن انتهيت من قراءة الأوراق , وقف الرجل موجها خطابه لي وللرفاق , وقال :
انه أمر عجيب , ومتى أصبحت يا هذا كاتبا أديب , فأنت لست من أصحاب الندوات والمنابر, وإنما سائسا للحمير أو سائقا للطنابر, وما أظنك إلا سارقا محتال , ومكانك الصحيح سوق الهال , بائعا للخضروات أو عاملا عتّال , فانك لا تعرف الجار من المجرور , ولا المرفوع من المنصوب والمكسور, بل انك لم تسمع ب "إن" وأخواتها , ولا "كان" وشقيقاتها , ولا الفعل الماضي والمضارع والأمر, ولا النعت أو المبتدأ والخبر.
لقد سرقت صدر البيت من الفيتوري , وعجزه من مهدي الجواهري , وتلك الفكرة من فدوى طوقان , والأسلوب من خليل جبران .
فبئسا لصنيعك الشنيع , يا سارقا يا لص يا وضيع .
ثم انشد هذه الأبيات :
"صن النفس واحملها على ما يزينها ........تعش سالما والقول فيك جميل"
وإذا سرقت نصوصا لست كاتبها .....تعش مذموما والقلب منك عليل
من يسرق المال قد تقطع أنامله .......من يسرق الشعر رجم وتنكيل
وسارق الشعر ملعونا كقابيل ...... يا قارض الشعر افخر أنت هابيل
بعدها خرجت من القاعة مطأطأ الرأس , لأنه أصابني منه شديد بأس , وهمت في الطرقات كالمجانين احدث النفس , وتمنيت أن أكون تحت التراب في رمس ......
حدثنا عدنان بن يوسف قال :
بعد جهد جهيد حصلت على ما أريد , فقد نجحت في امتحان الشهادة الثانوية , بعلامات قليلة شحيحة متدنية , رغم استعمال أساليب الغش والخديعة , ودفع الرشاوى لذوي النفوس الرقيعة , فالمكر عندي أجدى سلاح , والغش كان طريقي للنجاح .
وبما أن علاماتي قليلة متدنية , فقد منعت من الجامعات الحكومية , ولهذا هرعت إلى جامعة بيروت العربية , فهناك لا يسألون عن التفوق والعلامات , وإنما عن الدولارات والجنيهات , وكلما كان هناك سيولة , ويدفع المال والعمولة , يأتي النجاح بسهولة .
بعدها نلت الشهادة العليا بافتخار , وزينتها وعلقتها على الجدار , وبهذه المناسبة أقمت احتفالا كبيرا , دعوت له جمعا غفيرا , من أصحاب المناصب والمسئولين , والأعيان والمشايخ المبجلين , أكلوا الطعام حتى انتفخت البطون , وشربوا الشراب حتى جحظت العيون , بيد أن حديثهم كان ذو شجون , لأنهم بلقب أستاذ كانوا لي ينادون , بعد ذلك رجوتهم أن يساعدون , وبوظيفة محترمة لي يسعون , فأخبروني أن هناك مسابقة لانتقاء المدرسين الأكفاء , ونصحوا أن أتقدم لها دونما إبطاء , ففعلت هذا لأن ليس لي ند أو نظير , والمنصب العالي لابد أكون له جدير .
دخلت ذلك الامتحان اللعين , والذي كان رسوبي فيه مزري ومشين , فتبين أني اجهل العلوم الأدبية , ولا أعرف حتى الواجبات الدينية , ففي علم الجغرافيا , لا أعرف أمريكا من يوغوسلافيا , وكذلك علم التاريخ , فإنه أصعب من الصعود للمريخ , ويا لهول النحو والإعراب , فبيني وبينه ساتر وحجاب , أما قواعد الخط والإملاء , لا اعلم أي الهمزات تكتب على ألف أم على ياء .
بعد هذا الفشل الذريع , وما نتج عن الامتحان المريع , كتمت الأمر عن الجميع .
فقررت أن أكون بين الأدباء أديب , وأقنعت نفسي أن لي عقل نافذ لبيب , فهذه مهنة جليلة ومعتبرة , ومكانتي في المجتمع لابد محترمة .
فبدأت بكتابة فنون النثر, ثم ارتقيت إلى نظم قصائد الشعر, بدهاء وخبث ومكر , حيث سرقت الأفكار من كتّاب مشهورين , وسطوت على قصائد لشعراء مغمورين , وهكذا سارت الأمور , دونما تعب أو مشقة أو ثبور.
إلا أن دعيت للمشاركة في ندوة ثقافية , بمعونة الأصدقاء من الدوائر الحكومية , هنا اعتراني فرح وسرور, لأن الجمع كان مميز من الحضور, من الأدباء والمختصين , وأصحاب الروايات والدواوين , وكان بينهم رجلا اعرفه ويعرفني , وأخذ بنظراته المريبة يرمقني , فدعوت الله الستار المعين , أن يسترني من كمين هذا اللعين .
وما إن انتهيت من قراءة الأوراق , وقف الرجل موجها خطابه لي وللرفاق , وقال :
انه أمر عجيب , ومتى أصبحت يا هذا كاتبا أديب , فأنت لست من أصحاب الندوات والمنابر, وإنما سائسا للحمير أو سائقا للطنابر, وما أظنك إلا سارقا محتال , ومكانك الصحيح سوق الهال , بائعا للخضروات أو عاملا عتّال , فانك لا تعرف الجار من المجرور , ولا المرفوع من المنصوب والمكسور, بل انك لم تسمع ب "إن" وأخواتها , ولا "كان" وشقيقاتها , ولا الفعل الماضي والمضارع والأمر, ولا النعت أو المبتدأ والخبر.
لقد سرقت صدر البيت من الفيتوري , وعجزه من مهدي الجواهري , وتلك الفكرة من فدوى طوقان , والأسلوب من خليل جبران .
فبئسا لصنيعك الشنيع , يا سارقا يا لص يا وضيع .
ثم انشد هذه الأبيات :
"صن النفس واحملها على ما يزينها ........تعش سالما والقول فيك جميل"
وإذا سرقت نصوصا لست كاتبها .....تعش مذموما والقلب منك عليل
من يسرق المال قد تقطع أنامله .......من يسرق الشعر رجم وتنكيل
وسارق الشعر ملعونا كقابيل ...... يا قارض الشعر افخر أنت هابيل
بعدها خرجت من القاعة مطأطأ الرأس , لأنه أصابني منه شديد بأس , وهمت في الطرقات كالمجانين احدث النفس , وتمنيت أن أكون تحت التراب في رمس ......
تعليق