يوم العيد " قصة قصيرة"

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عبده العباسي
    عضو الملتقى
    • 24-01-2010
    • 15

    يوم العيد " قصة قصيرة"

    يوم العيد
    قصة قصيرة
    =-=-=-=-=-=
    علي الناصية تجد قهوة الجبالي ، كراسيها معدة لإستقبال الرواد ، وشارع ابراهيم توفيق يمتلئ بالحركة ، الناس في طريقهم لجامع علوان لأداء صلاة العيد ..
    بدأ أتوبيس عبد ربه والجزار ينفث دخانه معلناً مروره عبر شارع كسري ، اليوم أغلقت ورشة القطرجي أبوابها بمناسبة الإجازة ، وعند ناصية سوق العصر وقف وهبه منفرداً بطاولة وضع عليها أوراق " البخت " وراح يدخن ..
    هفهفت الأعلام والرايات وشرائط " السيلوفان " الملونة التي كانت ذات يوم أغلفة لكراسات المدارس ، جاء صوتها عبرالنافذة فصحا الولد ليلحق بالصلاة ، وليري الصباح الجديد بما يحمله من شمس مشرقة ، ورصيف نظيف ، وأرض مخططة كملعب كرة القدم يتأهب لقدوم اللأعبين ..
    ابتسم الولد وفرد ذراعيه بعد أن ظلتا طوال الليل تعانقان ملابس العيد الجديدة ، ثم تنهد وهو يترك النافذة..
    أدي الصلاة مثل أبيه وانطلق بجلبابه الأبيض وطاقيته المنقوشة تزدان عيناه بأهرامات من البطيخ الأخضر ، وتعلقت بـ " العجل" الذبيح الذي سالت منه الدماء عند حسونة الجزار ، وجاء صوت حنفي بائع الطراطير المذهبة لتشاكسها الشمس الحانية ، وظهرت أروي ومروة ولولو وسمر وعزة فتيات في عمر الزهور يرتدين فساتينهن الملونة وهن يتحلقن حول بائع الزمامير..
    فجأة احتكمت دائرة من البشر حول " بعزق الحاوي " الذي أتى من بلاد بعيدة كما أعلن وصدرعن حنجرته صوت غليظ وناعق مثل الغراب :
    ـ بدل مانشحت ، بدل مانسرق ، من أجل أن نربي العيال برزق حلال ..
    ونظر إلي امرأة صدرها يرضع طفلاً قذراً ، و" بعزق" يشوح بذراعيه في الهواء وهو عاري الصدر ، جسمه نحيل كصدر دجاجة سئمت الأكل ، شعر رأس أشعث وذقنه غير حليقة بطريقة تدعو للرثاء ..
    أعلن أنه يأكل قطعة من الزجاج ، ثم نفخ في شعلة بيده نشرت اللهيب ، وقال أنه سيقفز من الطوق المحفوف بالسكاكين وحوله كرات اللهب ، من يصدق ..
    تحسس الولد جيب جلبابه فلم يجد قرشاً فقرر الإنسحاب علي الفور لئلا تلاحقه نظرات " الحاوي بعزق" الذي سيرسل ولده " عطوة " ليلم الفلوس في طاقيته الممزقة ، وعلا صوته :
    ـ موسي نبي ، عيسي نبي ، محمد نبي ، وكل من له نبي يصلي عليه ..
    رددت الأفواه الصلاة علي المبعوث رحمة للعالمين ، وبدأ عطوة يلف في وسط الدائرة ويلتقط القروش الملقاة من النوافذ والشرفات ..
    ***
    تبادل الناس التهاني ، وبدأ ثلاثتهم الولد وأخته وأخيه في ارتداء ملابس العيد الجديدة ، ومع كل واحد منهم " العيدية" التي حصل عليها من الأعمام والأخوال والعمات والخالات ..
    شارع محمد علي كان رحباً وجميلاً للمرة الأولي ، ساروا والشمس قابعة في مكمن وراء سحب خفيفة وراحت تزدهر، وهذه "الفيللات " الجميلة للعاملين بهيئة القناة ولونها الرمادي الرائق وطرازها المعماري الفريد تخلب خيال الولد :
    ـ حين أكبر ساسكن في هذه الفيللا ..
    وأشار ، ردت أخته مباركة :
    ـ يارب ، أشوفك مهندس قد الدنيا ..

    علي الرصيف ابتسم " عوض المصور" الذي ادعي أنه يعرف أباهم فقرر أن يلتقط لهم صورة بسعر مخفض ..
    وعوض ذو قامة طويلة ونظارة سميكة وشكل يدعو للرهبة كأنه فنان بوهيمي بشاربه الكث وذقته غير الحليقة وسترته التي خمد لونها منذ زمن أما قبعته فهي تشبه قبعات الأجانب ..
    امتثلوا لأوامره وهو يعدل من وقفتهم ، جلست الأخت علي كرسي في وقار ، وضعت ساقاً فوق أخري ، ووقف الولد وأخوه من ورائها ..
    وراح عوض إلي آلة التصوير ذات الأرجل الثلاثة وأشار بيده ووضع عينه علي فتحة صغيرة ومد يده داخل الصندوق عبر قماشة سوداء ..
    الولد ارتدي قميصاً من " الكاروهات " ورباط عنق حارت أمه في كيفية تعليقها حول رقبته مما استدعي الأمر اللجوء إلي أخ أكبر له دراية بحكم حياته العسكرية ..
    رباط العنق شكل حملاً ثقيلاً علي الصدر وخشي الولد أن يشده أحد أولئك الصبيان الأغبياء فتهدر الكرامة وتنشب معركة تسودها الركلات واللكمات ، لعن في سره الحظ الذي تسبب في تأخر " أحمد شريف" الترزي في إعداد الحلة الجديدة التي اشتري له الأب قماشها من محلات " سيمون آرزت"..

    قدم المصور الذي بان فمه شبه خاوٍ من الأسنان الصورة للأخت التي نفحته شلناً كاملاً غير منقوص ، قال :
    ـ تفضلي ياأميرة ..
    وكانت الأخت أميرة بالفعل تجلس بين نجمين بزغا في لمعة ، وراحت الأخت تحنو علي الصورة وتمسح علي لمعتها برفق ..

    رأي الولد الصورة وعاد للنظر ملياً فرأي نفسه وأخاه شامخين كأسدي قصر النيل ، وأخته تبدو مثل أميرات أسرة محمد علي ..

    ود الولد لو يقبض علي الصورة كي يحتفظ بها لنفسه إلا أن أخته أسرعت وخبأتها في صدرها
    قالت أمي :
    ـ أجمل من أبناء الأمراء ..
    ورفعت يديها للسماء بالدعاء ..
    ــــــــــــــــــــــــــ
    محمد عبده العباسي
    بورسعيد
    مصر
    التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 25-02-2010, 14:17.
  • أحمد أبوزيد
    أديب وكاتب
    • 23-02-2010
    • 1617

    #2
    أستاذنا الفاضل
    عيد سعيد و كل عام و أنتم بخير
    صورة رائعه رسمتها بكلماتك

    تحياتى
    التعديل الأخير تم بواسطة أحمد أبوزيد; الساعة 25-02-2010, 14:16.

    تعليق

    • ربيع عقب الباب
      مستشار أدبي
      طائر النورس
      • 29-07-2008
      • 25792

      #3
      " و ما علمتنا الأراجيح فى العيد إلا البكاء "
      كثير من ذكريات أهلتها فوق رأسى محمد ..
      و تلك المشاهد التى لا تغادر المخيلة مهما تعدت عليها السنون
      ومر الوقت ، إلا أنها تظل ناصعة ، فى بريقها الأول !!

      ربما ماتزال إلى يومنا هذا ، بعض من بقايا لهذه المشاهد
      و هذه العادات ، التى اعتادها الصغار
      فى يوم العيد .. كم أنت جميل محمد !!

      كاميراتك كانت تلاحق العيد هنا و هناك
      لم تتوقف .. بلها أحدثت الكثير من كوزات حية
      ومختلفة الكادر !!

      شكرا لك محمد صديقى ، برغم أن الدهشة كانت هى حركة الكاميرا
      و لم تكن عن عقدة ، وحل و خلافه !!

      محبتى
      sigpic

      تعليق

      • محمد عبده العباسي
        عضو الملتقى
        • 24-01-2010
        • 15

        #4
        رد

        الصديقان
        أحمد أبو زيد
        ربيع عقب الباب
        لكما التحية علي مروركما
        وشكراً علي كلماتكم الطيبة

        تعليق

        • إيمان الدرع
          نائب ملتقى القصة
          • 09-02-2010
          • 3576

          #5
          االأخ الغالي محمد عبده العباسي : من أمنياتي التي لم أحققّها بعد :زيارة مصر الحبيبة ، وهاقد زرتها عبر كلماتك التي أتت بانسيابيّة شديدةَ ،معبّرة بعفويّةٍ كشخوصها ، دمت أديباً رائعاً .تحيّاتي ...

          تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

          تعليق

          • محمد عبده العباسي
            عضو الملتقى
            • 24-01-2010
            • 15

            #6
            ترحيب

            الأستاذة إيمان الدرع
            مــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــر حباً بك في مصر
            وفي بورسعيد إن شئت
            وأنا أحب دائماً بيت شعر جميل يقول
            ياضيفنا لو جئتنا ، لوجدتنا نحن الضيوف وأنت رب المنزل
            غمرحبا بكل من يصل إلي وطنه الثاني..
            لك تحياتي علي القراءة وكل الترحيب بك.ز

            تعليق

            • إيمان الدرع
              نائب ملتقى القصة
              • 09-02-2010
              • 3576

              #7
              من ذاكرة عام 2010
              تحيّاتي أستاذ محمد عبده العباسي
              وكلّ عامٍ وأنتم بخيرٍ

              تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

              تعليق

              يعمل...
              X