الحزن في زمن التثليث.

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • الضيف حمراوي
    أديب وكاتب
    • 28-11-2008
    • 70

    الحزن في زمن التثليث.

    الحزن في زمن التثليث.
    وقف الشاب" البطل" يتمطى يمنة ويسرة ، دفع الفراش برجله فكوره في مكانه ، وانتصب واقفا ثم ضرب على صدره براحتيه و تطلع إلى زنديه ، ألقى نظرة على مؤخرته ليرى مدى بروزها عن بقية الجسد ،باعتبارها دليل الصحة وجودةالتغذية ، و بطاقة تبشر الأمة بأن الأحوال بخير ، ونادى أمه :
    يا العجوز؛ الفطور ،وتمدد منشرحا على الـأريكة فارجا رجليه فوق المائدة ، مادا ذراعيه كلا في اتجاه ، في انتظار الامتثال لطلباته.
    بعد برهه ، أخرج هاتفه النقال وأوصل خيوطا منه بأذنيه وتدفقت موسيقى الهرج نحو الجمجمة فاهتز الجسد دليلاعلى مرور التيار.
    نظر إليه الأب بحزن ، هز كتفيه ، علق المنجل في رقبته كأنه يريد قطعها من القفا إلى الحنجرة ، حمل كيسا فيه بعض اللبن ورغيفا وقليلا من الجبن، وانصرف نحو الحقل ، يتسلى بل يطرد الهم برؤية سنابله المتراقصة المائلة بأعناقها تستمع إلى موسيقى رجليه المباركتين تلثمان الأرض برفق وثقة.
    تناول الابن فطوره راقصا وهو يتفقد قرطيه المشنوقين فيأذنيه ، خرج إلى شارع الحي راقصا ينفث سحائب الدخان وراءه ،ثم ألقى بعقب السيجارة إلى الأرض، مرر يده على سلسة تتدلى من عنقه ثم وضعها كحلمة الثدي بين شفتيه ، تطلع حوله ، تفقد نوافذ الجيران و الجارات راقصا ، التحق به زميلاه تصايحوا تصافحوا .. وسار الموكب، قطعا، قطعا ، قطعا ،و العقول مزامير.
    بدأ الغوتي في حصد أطراف الحقل ليعده للحاصدة المنتظرةالتي مر على مطاردته لصاحبها وسائقها عدة أيام دون أن يحصل منهما على موعد بتاريخ محدد، ومر الوقت وازداد انتشار التعب في مفاصله، واستولى عليه الملل وتذكر البطل الراقص ،هدية السماء إليه ، ترى أين هو الآن ؟ وماذا يفعل ؟ الله اعلم ، الأكيدالوحيد أنه يرقص سواء أكان واقفا أو ممددا.
    يرقص طبعا ، وهو مشدود إلى خيوط الهاتف ، يكتب أبعاد البطولة ، متنقلا من حي إلى حي ، يجسد ملامحها تحت نظر الفتيات والعجائز الفضوليات المتطلعات من نوافذ المساكن والعمارات المتكدسة في فوضى ، المتلاصقة في تباغض تنفث من نوافذها : دي دي واه ، وان ، تو ، تري ، فيفالالجيري. والمياه الراكدة تتطايرمن الحفر ، ترش المحتفلين وتبعث روائحها للمواكب المتناوبة على الحي. تهاني للمارين.
    أي لغة هذه، وما معنى هذاالقول الساحر الذي أطار عقول الفتيان والفتيات والشبان والشابات ، بل قل الكهول والكهلات ، ووجد نفسه يهتف وان ، تو ، تري ، فيفا لالجيري واهتز لها جسده بدون خيوط، فوضع يده أسفل خاصرته ، وأمسك مضلته بيده الثانية ، ومدها نحو السماء ، وراح يرقص :
    ثلاث حركات من مؤخرته متباطئات ثم ثلاث سريعات متلاحمات، واستعذب الأمر فأعاد العملية مرة ومرتين وثلاث .
    -أعوذ بالله من الشيطان الرجيم .
    وتطلع حوله ، واطمأن إذ وجد نفسه وحيدا مستورا ، فحمد الله على ستره ، وانكب على سنابل القمح يقمرها ، ويلقى بها وراءه، وهو يسأل : ماذاأصابك يا الغوتي؟ هل تريد أن تثبت أن ذاك الشبل من هذا الأسد ، ضحك ،ثم استوى واقفا وتطلع حوله ليتأكد أنه وحيد ، ولم ير أحد حركاته.
    وان ، تو ، تري فيفا لالجيري ، دي دي واه ، وصرخ الشيخ أخذت منه حافظة نقوده بالقوة عند مرور المحلة هاتفة محتفلة، وألقاه عفريت فيها لعفريت طوح به أرضا ، و تلقفته شياطين أخرى تحترف نسج خيوط سعادة الوهم في الشوارع المغلفة بشعارات مهلهلة ، عافها الابتذال ،جاءه كسيح تعقلت رجلاه فصار أكثر تريثا ، و تولى شأن الشيخ ينصحه بنسيان النقود ، والالتفات إلى الدماء التي تسيل من جسده ، وألا يكون متخلفا ، و أن يكون على شيء من التطور ؛ والتقدم؛ والإيمان، فالحفاظ على الأبدان قبل الحفاظ على الأديان ؛ والأموال ؛واللغات ؛ والحضارات.
    جاء المساء، فعاد الغوتي إلى البيت متعبا مرهقا ، وتمددعلى الأريكة دون أن يغتسل لعجزه عن ذلك .
    - لا تتصور أيها البطل أن طول العهد هو الذي أنساني بشاعة المستعمر، إنما الذي فعل ذلك هو أنت ، فالفضل يعود إليك وحدك ، دون سواك.
    لكن لمن أقول هذا الكلام؟ فأذناه مسدودتان باستمرار بخيطين تحثانه على الرقص ، بالإضافة إلى أن كلامي وأفكاري قديمة جدا ، صدئة ، مقززة، هذا على افتراض أنه سيعود قبل أن أنام وهو أمرمستبعد جدا.
    كان الغوتي ورغم أنه ممدود فوق الفراش ، إلا أنه قلق ،مضطرب ، يشعر أن كماشة رهيبة تمسك أسفل قفاه ، تقطع منبت أعصابه. في كل زاوية من جسده ، في كل زاوية من روحه أوجاع تعانقها أوجاع.
    قام من مكانه ، وضع رجله في خفيه ، وخرج يبحث عن محدث يسليه.
    وجد صديقة سمعان الذي أقبل نحوه ، فسلم عليه وسأله عن أحواله .
    كيف أنت و المعيشة ،والأيام، والزمن، يا عمي الغوتي؟.
    تنهد الغوتي عند ذكرالزمن وقال:
    - يا سمعان لو خلي بيني وبين الزمن لهان الأمر ،ولجعلته فرجة للقاصي والداني ،فقد عركته وعركني،فعرفته وعرفني ، ومازلنا نتصادم ،يحاول أن يرعبني ، يرهبني، يهد رجولتي ، ينظر في عيني شزرا ، يجعل فرائصي تتضعضع ،أنظر في عينيه بعينين من نار ، أدخل أنفي في حدقة بصره ، أسد نفسه ، يغضب ، أغضب ،يمسك بذراعي ويجذبني، أمسك بخصره ، استجمع قواي أحشدها ، أرفعه عن الأرض ، أستعد لأطوح به بعيدا فتنسحق عظامه إلى الأبد، لكن دائما وفي هذه اللحظة الحرجة من الصراع، يظهر بقربي ابني البطل الراقص، يمسكني من رجلي ؛ ويسحبه بعنف؛ فأقع أسفل الزمن ؛ ليجلس فوق صدري متشفيا.
    - إذن سمعت بخبره يا عمي الغوتي ، كنت أنوي أن أخبرك عنه ولكن ترددت.
    - ماذا وقع له؟.
    - إذن لم تسمع بخبره ،عذرا وقعت في ما كنت أحذر منه.
    - اخبرني ولا يهمك،أخبرني.
    - لقد رأيت الشرطة تلقي عليه القبض لأنهم يقولون أنه انتزع نقود شخص وسبب له عاهة بموسى حادة.
    - وهل كان يرقص؟
    نعم ويردد : وان ،تو ، تري ، فيفا لا لجيري.

    الضيف حمراوي 26/01/2010
    التعديل الأخير تم بواسطة الضيف حمراوي; الساعة 08-03-2010, 16:37.
يعمل...
X