رمقني الضابط بأدب لم أتوقعه مطلقا وخصوصا بعد أن اقتحم الجنود البيت اقتحاما وحطموا الباب أو كادوا، وزادوا على ذلك أن اقتادوني مخفورا بطريقة أوحت لكل ِ متفرج ٍ وعابر سبيل بأنني في طريقي إلى ساحة الإعدام لا محالة!
عرفت كل شيء لكن متأخرا .. لو أخذت معي فرشاة أسناني وأدوات الحلاقة وملابسي الداخليّة، وأهم من كل ذلك الحجاب الذي يقيني كل شر ٍ ومكروه!!
قال بأدب جم ٍ جعلني أحسد أمه على إنجابها له :
- يُشرّفني أن أعتقلك!!
جاملته :
- ويشرفني أن أمنحك هذا الشرف!!
أين أمي لترى بعينها فداحة خطئها وخطأ نظريتها التي ما فتئت ترددها حتى واراها التراب بأنني إنسان نكرة لا قيمة ولا وزن ولا خلاق، أينها الآن لترى بعينها كيف أن ابنها بات يمنح الشرف للناس وإن شاء يسلبه منهم؟! .. تابعت قائلا بعد شطحة تفكير حاولت فيها استيعاب ما يجري:
- لكن هل تتفضل وتتحفني بمُسبب هذا الشرف الذي منحته لك؟!
قال بآليّة وكأنه يـُلقي بخبر ٍ عادي ٍ جدا :
- أنت متهم بإلقاء عقب سيجارة مشتعل عند مدخل ماخور، وبالتالي المسّ بأمن الدولة !!
- نسيت منفضة السجائر فاستعظت عنها بالشارع!!
- ظنها الجنود قنبلة!!
لفـّتني الحيرة وأطرقتُ للحظة ... سيجارة .. منفضة .. دولة .. ماخور .. قنبلة .. لا أجد سبيلا للربط بين هذه المعطيات الغريبة!
انتهت مدة التوقيف القانونيّة ... كل شيء هنا قانوني واللهم لا حسد .. يقولون دائما: هنا القانون .. هنا النظام .. هنا الوطن العربي حيث تحصل المعجزات، بل وتستطيع الأنظمة فيه أن تعاقب الإنسان حتى على نواياه وتكون في ذلك دوما على صواب؛ فكل من يُعتقل وإن وُضع على كرسي الكذب فسنجد ومن كل بد أن نيته ومقاصده ليست دائما بالبراءة من كل عيب، .. أما كيف تـُدرك الأنظمة ذلك فهذه هي المعجزة بذاتها، .. نعم هنا الوطن العربي وليس العالم الغربي المُغرق بفوضى العصور الوسطى وهرطقة ما يسمونها بالتكنولوجيا الكاذبة التي وصلت بهم إلى المريخ والقمر، بل والذي لا يعيش إلا على طريقة القطط في شباط!!
أخيرا وصلنا .. هناك شرطيّة بدينة ذهب طولها في عرضها، بل ولعلها تصلح لكل شيء إلا أن تكون شرطيّة، وهناك أيضا شيخ كبير حليق اللحية والشوارب وقد خضّب شعره بالسواد، تأملته جيدا .. كان يقطر نتانة وقبحا ً ولا يفتأ يتحسس وجهه المتآكل ويرنو بين فينة وأخرى إلى الشرطيّة البدينة ويمصمص شفتيه الغائرتين .. لم أندهش عندما علمت فيما بعد أنه كبير القضاة وأقدمهم!!
- هل تتقن الكلام؟!
- أظن ذلك !!
- أنت متهم بالعمل على تدمير الدولة!!
- تقصد الدولة أم الماخور؟!
صرخ القبيح وقال بلهجة عامية:
- احترم المحكمة وهيئة القضاة!!
تلفتُ حولي .. لم أرَ سواه هو والبدينة إضافة إلى بعض الحرس والجنود والتي توحي مناظرهم بأنهم في عالم ٍ آخر ٍ غير الذي نعيش فيه، .. تابع القاضي :
- هل تعترف بأنك مذنب؟!
نظرتُ إليه ِ وقد اعترتني الحيرة :
- لا مشكلة .. سأعترف لكن ما الذنب الذي تريدني أن أعترف به؟!
قال القاضي بنفاذ صبر ٍ استبنته من جحوظ عينيه ِ وإعراضه عن النظر إلى البدينة التي لا يكاد بصره يرتفع عنها:
- بمحاولة تفجير الماخور وبالتالي المس بأمن الدولة!!
انتابتني رغبة عارمة بالضحك، لكن توقعي للعواقب وأن القوم قد يديرون لي ظهر المـِجـَنّ ويلبسون جلد الذئب جعلتني ابتلع رغبتي الملحة بكاملها بلا أدنى أسف!!
تابع كبير القضاة :
- بصمتك هذا تـُقيم الحجة على نفسك وتـُؤكد جـُرمك!!
قلتُ بلا تردد:
- لو افترضنا أنني اعترفت ُ بهذه الجريمة التي لم أرتكبتها ماذا ستكون العواقب؟!
- ستتهم بالخيانة العظمى وهذه الجريمة عقوبتها الإعدام، وحكمها قطعي وغير قابل ٍ للنقض أو التمييز!!
- وإن أنكرت كل ذلك واتيتُ بالشهود على صدق كلامي؟!
- ستتهم بتكذيب الدولة وشهودها، وتكذيب المحقق وتسفيه المحكمة وكبير قضاتها، وهذه أدهى وأمرّ من سابقتها، وعقوبتها الإعدام بقطع الرأس، وحكمها كذلك قطعي وغير قابل للنقض أو التمييز!!
احترت في أمري ووجدتني دون أن أشعر أنتقل لمساومة القاضي ليس على براءتي بل على الطريقة المُثلى لتنفيذ حكم الإعدام دون ألم:
- لو قلت بالثانية هل تضمن لي أن يد السيّاف باترة وسريعة ولن تسبب لي أي ألم؟!
- جربناه في مواقف مشابهة .. لم تكن ملامح ضحاياه توحي بأي شعور ٍ بالألم !!
- وأين سيكون تنفيذ الحكم؟!
- هنا في ساحة المحكمة حتى نوفـّر عليك أي عناء نفسي يسبق عادة الحكم بالإعدام وبالذات قطع الراس!!
وجدتني ودون أن أشعر أشكر القاضي على رحمته ورأفته التي لم يحلم بها من كانوا قبلي ولن ينتظرها من سيأتون بعدي وأوافق على الحكم الثاني، ودون أن أشعر بأي عناء نفسي أو حتى أتهيأ لذلك وكما وعد القاضي وجدت الأنطاع تـُبسط في أرض المحكمة ومن ثم يأتون بالسياف، وما هي إلا ثوان ٍ عدة حتى وجدت نفسي في وسط النطع وقبل أن ألتفت للحركة الخفيفة ورائي كانت وخزة أقل من وخزة الدبوس وتحولت الدنيا بعدها إلى ظلام ٍ دامس!!!
طه خضر..
عرفت كل شيء لكن متأخرا .. لو أخذت معي فرشاة أسناني وأدوات الحلاقة وملابسي الداخليّة، وأهم من كل ذلك الحجاب الذي يقيني كل شر ٍ ومكروه!!
قال بأدب جم ٍ جعلني أحسد أمه على إنجابها له :
- يُشرّفني أن أعتقلك!!
جاملته :
- ويشرفني أن أمنحك هذا الشرف!!
أين أمي لترى بعينها فداحة خطئها وخطأ نظريتها التي ما فتئت ترددها حتى واراها التراب بأنني إنسان نكرة لا قيمة ولا وزن ولا خلاق، أينها الآن لترى بعينها كيف أن ابنها بات يمنح الشرف للناس وإن شاء يسلبه منهم؟! .. تابعت قائلا بعد شطحة تفكير حاولت فيها استيعاب ما يجري:
- لكن هل تتفضل وتتحفني بمُسبب هذا الشرف الذي منحته لك؟!
قال بآليّة وكأنه يـُلقي بخبر ٍ عادي ٍ جدا :
- أنت متهم بإلقاء عقب سيجارة مشتعل عند مدخل ماخور، وبالتالي المسّ بأمن الدولة !!
- نسيت منفضة السجائر فاستعظت عنها بالشارع!!
- ظنها الجنود قنبلة!!
لفـّتني الحيرة وأطرقتُ للحظة ... سيجارة .. منفضة .. دولة .. ماخور .. قنبلة .. لا أجد سبيلا للربط بين هذه المعطيات الغريبة!
انتهت مدة التوقيف القانونيّة ... كل شيء هنا قانوني واللهم لا حسد .. يقولون دائما: هنا القانون .. هنا النظام .. هنا الوطن العربي حيث تحصل المعجزات، بل وتستطيع الأنظمة فيه أن تعاقب الإنسان حتى على نواياه وتكون في ذلك دوما على صواب؛ فكل من يُعتقل وإن وُضع على كرسي الكذب فسنجد ومن كل بد أن نيته ومقاصده ليست دائما بالبراءة من كل عيب، .. أما كيف تـُدرك الأنظمة ذلك فهذه هي المعجزة بذاتها، .. نعم هنا الوطن العربي وليس العالم الغربي المُغرق بفوضى العصور الوسطى وهرطقة ما يسمونها بالتكنولوجيا الكاذبة التي وصلت بهم إلى المريخ والقمر، بل والذي لا يعيش إلا على طريقة القطط في شباط!!
أخيرا وصلنا .. هناك شرطيّة بدينة ذهب طولها في عرضها، بل ولعلها تصلح لكل شيء إلا أن تكون شرطيّة، وهناك أيضا شيخ كبير حليق اللحية والشوارب وقد خضّب شعره بالسواد، تأملته جيدا .. كان يقطر نتانة وقبحا ً ولا يفتأ يتحسس وجهه المتآكل ويرنو بين فينة وأخرى إلى الشرطيّة البدينة ويمصمص شفتيه الغائرتين .. لم أندهش عندما علمت فيما بعد أنه كبير القضاة وأقدمهم!!
- هل تتقن الكلام؟!
- أظن ذلك !!
- أنت متهم بالعمل على تدمير الدولة!!
- تقصد الدولة أم الماخور؟!
صرخ القبيح وقال بلهجة عامية:
- احترم المحكمة وهيئة القضاة!!
تلفتُ حولي .. لم أرَ سواه هو والبدينة إضافة إلى بعض الحرس والجنود والتي توحي مناظرهم بأنهم في عالم ٍ آخر ٍ غير الذي نعيش فيه، .. تابع القاضي :
- هل تعترف بأنك مذنب؟!
نظرتُ إليه ِ وقد اعترتني الحيرة :
- لا مشكلة .. سأعترف لكن ما الذنب الذي تريدني أن أعترف به؟!
قال القاضي بنفاذ صبر ٍ استبنته من جحوظ عينيه ِ وإعراضه عن النظر إلى البدينة التي لا يكاد بصره يرتفع عنها:
- بمحاولة تفجير الماخور وبالتالي المس بأمن الدولة!!
انتابتني رغبة عارمة بالضحك، لكن توقعي للعواقب وأن القوم قد يديرون لي ظهر المـِجـَنّ ويلبسون جلد الذئب جعلتني ابتلع رغبتي الملحة بكاملها بلا أدنى أسف!!
تابع كبير القضاة :
- بصمتك هذا تـُقيم الحجة على نفسك وتـُؤكد جـُرمك!!
قلتُ بلا تردد:
- لو افترضنا أنني اعترفت ُ بهذه الجريمة التي لم أرتكبتها ماذا ستكون العواقب؟!
- ستتهم بالخيانة العظمى وهذه الجريمة عقوبتها الإعدام، وحكمها قطعي وغير قابل ٍ للنقض أو التمييز!!
- وإن أنكرت كل ذلك واتيتُ بالشهود على صدق كلامي؟!
- ستتهم بتكذيب الدولة وشهودها، وتكذيب المحقق وتسفيه المحكمة وكبير قضاتها، وهذه أدهى وأمرّ من سابقتها، وعقوبتها الإعدام بقطع الرأس، وحكمها كذلك قطعي وغير قابل للنقض أو التمييز!!
احترت في أمري ووجدتني دون أن أشعر أنتقل لمساومة القاضي ليس على براءتي بل على الطريقة المُثلى لتنفيذ حكم الإعدام دون ألم:
- لو قلت بالثانية هل تضمن لي أن يد السيّاف باترة وسريعة ولن تسبب لي أي ألم؟!
- جربناه في مواقف مشابهة .. لم تكن ملامح ضحاياه توحي بأي شعور ٍ بالألم !!
- وأين سيكون تنفيذ الحكم؟!
- هنا في ساحة المحكمة حتى نوفـّر عليك أي عناء نفسي يسبق عادة الحكم بالإعدام وبالذات قطع الراس!!
وجدتني ودون أن أشعر أشكر القاضي على رحمته ورأفته التي لم يحلم بها من كانوا قبلي ولن ينتظرها من سيأتون بعدي وأوافق على الحكم الثاني، ودون أن أشعر بأي عناء نفسي أو حتى أتهيأ لذلك وكما وعد القاضي وجدت الأنطاع تـُبسط في أرض المحكمة ومن ثم يأتون بالسياف، وما هي إلا ثوان ٍ عدة حتى وجدت نفسي في وسط النطع وقبل أن ألتفت للحركة الخفيفة ورائي كانت وخزة أقل من وخزة الدبوس وتحولت الدنيا بعدها إلى ظلام ٍ دامس!!!
طه خضر..
تعليق