سيناريو يومي .. قصة قصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد عبده العباسي
    عضو الملتقى
    • 24-01-2010
    • 15

    سيناريو يومي .. قصة قصيرة

    سيناريو يومي..
    قصة قصيرة..
    =-=-=-=-
    كل صباح يأتي غلي المقهي مبكراً ، زائغ النظرات ينحني للأمام ، منهك القوي ، يضع بين شفتيه سيجارة ضامرة ، ذقنه غير الحليقة تثير الإشمئزاز وصدره يأتي بحشرجة بغيضة وهو يسعل بشدة ويبصق علي الأرض ...
    وزع نظراته في كل اتجاه ثم يبصق ، ولسانه الزالف لا يكف عن ترديد كلام مبهم ، ثم اطلق ضحكة هيستيرية ، تابعته عيون رواد المقهي وقد أفاق بعضهم من شد أنفاس دخان الأرجيلات الموزعة بالقرب منهم ، بادله حسان حواراً مدهشاً اتسم بالإستظراف والتهكم وسخر منه ..
    نظر له شزراً وراح يدور حول عصا جعل منها حصاناً جعل يمتطيه ، وصب جام لعناته فوق رؤوس الجالسين ..
    امتعض " كرامة" وأعلن هم غضبه ، ثم توعده ،سأل رجل قعيد وهو علي كرسيه المتجرك:
    ـ من أين جاء بهذه العافية ؟
    ثم سبه ..
    جاء ثانية ، اقتعد أحد الكراسي ووضع رجليه علي آخر مقابل له ، ينهره النادل وقدم له كوب شاي مجاني كالعادة ، لعق منه بطريقة منفرة ثم نظر إليّ وتسول سيجارة ، نفحته إياها مع علبة ثقاب ، وضع ساقاً فوق أخري في شكل مثير للشفقة والضحك في آن واحد ، وراح يشعلها ..
    في جلسته المتعالية كما وصفه موافي منحه عطية جنيهاً ورقياً ، تفحصه ملياً ثم هرش أنفه ، وحك قفاه ، ومسح علي وجهه ..
    ***
    ركله صاحب المقهي الذي جاء ممتطياً صهوة " مرسيدس" عتيقة ، وقال بصوته الجهير :
    ـ مش قلت سابق إن الواد ده مايدخلش هنا ثاني !!.
    يرد النادل :
    ـ مفهوم يامعلم ، والله .......
    يقسم علي أنه حاول منعه مراراً دون جدوي ..
    ـ هي كلمة ، مفهوم !!.وإلا أقطع عيشك ..
    جرجر النادل هزيمته ليعد النارجيلة للمعلم ، وقف " الواد" طريداً عند ناصية الشارع وسب المعلم الذي ينظر إليه في غيظ ، تطوع عزت :
    ـ أروح أضربه ..
    ـ خلاص ، كل واحد يشوف مصلحته ، طريق السلامة ..
    وجاء صوت " آيات الحمصاني " من الراديو يقدم برنامج طريق السلامة يصاحبه غناء نجاح سلام ، وانسل رواد المقهي كسالي واحداً بعد الآخر بينما تسلل " الواد " ثانية بعيداً عن نظرات المعلم الذي انزوي يسحب أنفاس نرجيلته المخصوصة المزينة بـ " شراشيب" ذهبية وامتلت بالماء المعطر ..

    مشي " الواد" حافي القدمين في زهو كالبهلوان علي رصيف مطلي باللونين الأبيض والأسود وغني " عزة جمالك إيه من غير ذليل يهواك" ورفرف بجناحيه كطائر متعثر ، مال يميناً وشمالاً وصوته الأجش ملأ الفراغ الذي بدأ في الإتساع بعد ذهاب السيارات الأجرة :
    قال عطية :
    ـياسمع الملوك .... ..
    ولم يكمل ..
    ***
    جاع " الواد " ، سطا عنوة علي طاولة عيش أمام مطعم " حلاوة" وجاء برغيف فارغ من أي حشو ولم يعترضه أحد ، ثم جعل يعرج في سيره حتي وصل إلي حيث جلس المعلم ، قال آمراً :
    ـ هات بسطرمة ..
    رفسه المعلم فانطلق يعدو علي غير هدي ، فاصطدم بطاولة من يلعبون بالورق ، وسقطت عدة نرجيلات ، وانكسرت فناجين وأكواب ، وانفجر المعلم غاضباً وتمني لو لحق به ، لكنه تحسس كرشه المترهل ورأي في المرآة صورته الضخمة ، فجعل يتوعده :
    ـ يا ويلك ، يا ظلام ليلك لو وقعت ف إيدي ..
    " الواد" قهقه بشدة غير عابئ ثم أشعل سيجارة لا يعرف من أين جاء بها ، قال موافي :
    ـ كان يحتفظ بها خلف أذنه ..
    ***
    سب فتحي دون سبب ، صفعه فتحي علي قفاه ، ضحك وأتي علي سيرة فتحي وأخته " الباتعة" بكل سوء ، عاد فتحي لضربه ، جري " الواد" وزاد سبابه ، ثم ارتقي عربة يد ووقف علي سطحها يرقص ويرفرف بجناحيه ، قال موافي :
    ـ حلاوتك ياست " تحية" ..
    وثب " الواد" في إتقان رياضي ماهر ..
    ***
    انصرف المعلم وراح " الواد " يودعه :
    ـ باي باي .. مع السلامة ياويكا ..
    ضحك المعلم ويكا وألقي من نافذة المرسيدس بجنيه كامل ، حمله " الواد" للمعلم :
    ـ وقع منك ..
    ـ هو لك ..
    ـ يلزمني ورقة بـ " مئذنة" ..
    ـ أوامرك ..
    ومنحه الورقة المالية ، فحصها قائلاً :
    ـ أياك تكون مضروبة ، أصل انا عارفك ..
    ـ غور بقي يا " واد" جتها داهية القطارات ياما بتحدف علينا..
    دس " الواد " الجنيهات العشرة ثم إنقض علي رغيف العيش ، وراح يفترش أرض الشارع بصور لمارلين مونرو وجينا لولو بريجيدا وصوفيا لورين وراح يحتضنها ، وأعاق سير السيارات والناس ، صاح :
    ـ عشيقاتي ..
    قال له موافي الذي ضحك بشدة :
    ـ مفيش صنف من البلدي ، كله مستورد ..
    ـ صنع أوربا وحياة أمك ..
    ـ أمي ........
    سخن الدم في عروق موافي فراح يسبه سباباً مقذعاً وركله عدة ركلات فتدحرج يميناً وشمالاً وموافي في شبه جنون ، كادت سيارة نقل أن تدهسه بعد أن انحرف سائقها من الشارع الكبير ..
    ***
    عاد " الواد" يستأنف سعاله ومسح في " كم " قميصه المتسخ دماً سال من فمه ورشف من كوب ماء أمام جمعة ، تلون الماء ولم يعترض بل حن عليه وربت علي كتفه :
    ـ ما تزعلش ..
    ـ ولا يهمك ، دول بقر..
    ونظر إلي صورة المعلم " ويكا" المعلقة في مدخل المقهي وإلي جوارها صورة لحصان عربي أصيل :
    ـ الاثنين أخوات ..
    وقهقه..قال جمعة :
    ـ عيب بقي ..
    ولكن" الواد " راح يخلع ملابسه حتي كاد أن يصبح عارياً ، ضمه عطية إلي صدره وتناول قميصاً من عند مغاوري وأمره أن يلبسه ، لم ينفذ الأمر ، راح يجري عليه مزاداً :
    ـ ألا أونا ، ألا دو..ألا ثري ..
    وقبض علي باقي حاجياته ، ورفع عقيرته :
    ـ ناس تخاف ما تختشيش ..
    وراح ينفث دخان سيجارة جديدة في الهواء ، وفمه الخالي من الأسنان يزداد إتساعاً ، وهو يتوعد الجميع :
    ـ جاي لكم بكرة .. ماحدش يتأخر..
    ــــــــــــــــ
    محمد عبده العباسي
    بورسعيد
يعمل...
X