سيناريو يومي..
قصة قصيرة..
=-=-=-=-
كل صباح يأتي غلي المقهي مبكراً ، زائغ النظرات ينحني للأمام ، منهك القوي ، يضع بين شفتيه سيجارة ضامرة ، ذقنه غير الحليقة تثير الإشمئزاز وصدره يأتي بحشرجة بغيضة وهو يسعل بشدة ويبصق علي الأرض ...
وزع نظراته في كل اتجاه ثم يبصق ، ولسانه الزالف لا يكف عن ترديد كلام مبهم ، ثم اطلق ضحكة هيستيرية ، تابعته عيون رواد المقهي وقد أفاق بعضهم من شد أنفاس دخان الأرجيلات الموزعة بالقرب منهم ، بادله حسان حواراً مدهشاً اتسم بالإستظراف والتهكم وسخر منه ..
نظر له شزراً وراح يدور حول عصا جعل منها حصاناً جعل يمتطيه ، وصب جام لعناته فوق رؤوس الجالسين ..
امتعض " كرامة" وأعلن هم غضبه ، ثم توعده ،سأل رجل قعيد وهو علي كرسيه المتجرك:
ـ من أين جاء بهذه العافية ؟
ثم سبه ..
جاء ثانية ، اقتعد أحد الكراسي ووضع رجليه علي آخر مقابل له ، ينهره النادل وقدم له كوب شاي مجاني كالعادة ، لعق منه بطريقة منفرة ثم نظر إليّ وتسول سيجارة ، نفحته إياها مع علبة ثقاب ، وضع ساقاً فوق أخري في شكل مثير للشفقة والضحك في آن واحد ، وراح يشعلها ..
في جلسته المتعالية كما وصفه موافي منحه عطية جنيهاً ورقياً ، تفحصه ملياً ثم هرش أنفه ، وحك قفاه ، ومسح علي وجهه ..
***
ركله صاحب المقهي الذي جاء ممتطياً صهوة " مرسيدس" عتيقة ، وقال بصوته الجهير :
ـ مش قلت سابق إن الواد ده مايدخلش هنا ثاني !!.
يرد النادل :
ـ مفهوم يامعلم ، والله .......
يقسم علي أنه حاول منعه مراراً دون جدوي ..
ـ هي كلمة ، مفهوم !!.وإلا أقطع عيشك ..
جرجر النادل هزيمته ليعد النارجيلة للمعلم ، وقف " الواد" طريداً عند ناصية الشارع وسب المعلم الذي ينظر إليه في غيظ ، تطوع عزت :
ـ أروح أضربه ..
ـ خلاص ، كل واحد يشوف مصلحته ، طريق السلامة ..
وجاء صوت " آيات الحمصاني " من الراديو يقدم برنامج طريق السلامة يصاحبه غناء نجاح سلام ، وانسل رواد المقهي كسالي واحداً بعد الآخر بينما تسلل " الواد " ثانية بعيداً عن نظرات المعلم الذي انزوي يسحب أنفاس نرجيلته المخصوصة المزينة بـ " شراشيب" ذهبية وامتلت بالماء المعطر ..
مشي " الواد" حافي القدمين في زهو كالبهلوان علي رصيف مطلي باللونين الأبيض والأسود وغني " عزة جمالك إيه من غير ذليل يهواك" ورفرف بجناحيه كطائر متعثر ، مال يميناً وشمالاً وصوته الأجش ملأ الفراغ الذي بدأ في الإتساع بعد ذهاب السيارات الأجرة :
قال عطية :
ـياسمع الملوك .... ..
ولم يكمل ..
***
جاع " الواد " ، سطا عنوة علي طاولة عيش أمام مطعم " حلاوة" وجاء برغيف فارغ من أي حشو ولم يعترضه أحد ، ثم جعل يعرج في سيره حتي وصل إلي حيث جلس المعلم ، قال آمراً :
ـ هات بسطرمة ..
رفسه المعلم فانطلق يعدو علي غير هدي ، فاصطدم بطاولة من يلعبون بالورق ، وسقطت عدة نرجيلات ، وانكسرت فناجين وأكواب ، وانفجر المعلم غاضباً وتمني لو لحق به ، لكنه تحسس كرشه المترهل ورأي في المرآة صورته الضخمة ، فجعل يتوعده :
ـ يا ويلك ، يا ظلام ليلك لو وقعت ف إيدي ..
" الواد" قهقه بشدة غير عابئ ثم أشعل سيجارة لا يعرف من أين جاء بها ، قال موافي :
ـ كان يحتفظ بها خلف أذنه ..
***
سب فتحي دون سبب ، صفعه فتحي علي قفاه ، ضحك وأتي علي سيرة فتحي وأخته " الباتعة" بكل سوء ، عاد فتحي لضربه ، جري " الواد" وزاد سبابه ، ثم ارتقي عربة يد ووقف علي سطحها يرقص ويرفرف بجناحيه ، قال موافي :
ـ حلاوتك ياست " تحية" ..
وثب " الواد" في إتقان رياضي ماهر ..
***
انصرف المعلم وراح " الواد " يودعه :
ـ باي باي .. مع السلامة ياويكا ..
ضحك المعلم ويكا وألقي من نافذة المرسيدس بجنيه كامل ، حمله " الواد" للمعلم :
ـ وقع منك ..
ـ هو لك ..
ـ يلزمني ورقة بـ " مئذنة" ..
ـ أوامرك ..
ومنحه الورقة المالية ، فحصها قائلاً :
ـ أياك تكون مضروبة ، أصل انا عارفك ..
ـ غور بقي يا " واد" جتها داهية القطارات ياما بتحدف علينا..
دس " الواد " الجنيهات العشرة ثم إنقض علي رغيف العيش ، وراح يفترش أرض الشارع بصور لمارلين مونرو وجينا لولو بريجيدا وصوفيا لورين وراح يحتضنها ، وأعاق سير السيارات والناس ، صاح :
ـ عشيقاتي ..
قال له موافي الذي ضحك بشدة :
ـ مفيش صنف من البلدي ، كله مستورد ..
ـ صنع أوربا وحياة أمك ..
ـ أمي ........
سخن الدم في عروق موافي فراح يسبه سباباً مقذعاً وركله عدة ركلات فتدحرج يميناً وشمالاً وموافي في شبه جنون ، كادت سيارة نقل أن تدهسه بعد أن انحرف سائقها من الشارع الكبير ..
***
عاد " الواد" يستأنف سعاله ومسح في " كم " قميصه المتسخ دماً سال من فمه ورشف من كوب ماء أمام جمعة ، تلون الماء ولم يعترض بل حن عليه وربت علي كتفه :
ـ ما تزعلش ..
ـ ولا يهمك ، دول بقر..
ونظر إلي صورة المعلم " ويكا" المعلقة في مدخل المقهي وإلي جوارها صورة لحصان عربي أصيل :
ـ الاثنين أخوات ..
وقهقه..قال جمعة :
ـ عيب بقي ..
ولكن" الواد " راح يخلع ملابسه حتي كاد أن يصبح عارياً ، ضمه عطية إلي صدره وتناول قميصاً من عند مغاوري وأمره أن يلبسه ، لم ينفذ الأمر ، راح يجري عليه مزاداً :
ـ ألا أونا ، ألا دو..ألا ثري ..
وقبض علي باقي حاجياته ، ورفع عقيرته :
ـ ناس تخاف ما تختشيش ..
وراح ينفث دخان سيجارة جديدة في الهواء ، وفمه الخالي من الأسنان يزداد إتساعاً ، وهو يتوعد الجميع :
ـ جاي لكم بكرة .. ماحدش يتأخر..
ــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد
قصة قصيرة..
=-=-=-=-
كل صباح يأتي غلي المقهي مبكراً ، زائغ النظرات ينحني للأمام ، منهك القوي ، يضع بين شفتيه سيجارة ضامرة ، ذقنه غير الحليقة تثير الإشمئزاز وصدره يأتي بحشرجة بغيضة وهو يسعل بشدة ويبصق علي الأرض ...
وزع نظراته في كل اتجاه ثم يبصق ، ولسانه الزالف لا يكف عن ترديد كلام مبهم ، ثم اطلق ضحكة هيستيرية ، تابعته عيون رواد المقهي وقد أفاق بعضهم من شد أنفاس دخان الأرجيلات الموزعة بالقرب منهم ، بادله حسان حواراً مدهشاً اتسم بالإستظراف والتهكم وسخر منه ..
نظر له شزراً وراح يدور حول عصا جعل منها حصاناً جعل يمتطيه ، وصب جام لعناته فوق رؤوس الجالسين ..
امتعض " كرامة" وأعلن هم غضبه ، ثم توعده ،سأل رجل قعيد وهو علي كرسيه المتجرك:
ـ من أين جاء بهذه العافية ؟
ثم سبه ..
جاء ثانية ، اقتعد أحد الكراسي ووضع رجليه علي آخر مقابل له ، ينهره النادل وقدم له كوب شاي مجاني كالعادة ، لعق منه بطريقة منفرة ثم نظر إليّ وتسول سيجارة ، نفحته إياها مع علبة ثقاب ، وضع ساقاً فوق أخري في شكل مثير للشفقة والضحك في آن واحد ، وراح يشعلها ..
في جلسته المتعالية كما وصفه موافي منحه عطية جنيهاً ورقياً ، تفحصه ملياً ثم هرش أنفه ، وحك قفاه ، ومسح علي وجهه ..
***
ركله صاحب المقهي الذي جاء ممتطياً صهوة " مرسيدس" عتيقة ، وقال بصوته الجهير :
ـ مش قلت سابق إن الواد ده مايدخلش هنا ثاني !!.
يرد النادل :
ـ مفهوم يامعلم ، والله .......
يقسم علي أنه حاول منعه مراراً دون جدوي ..
ـ هي كلمة ، مفهوم !!.وإلا أقطع عيشك ..
جرجر النادل هزيمته ليعد النارجيلة للمعلم ، وقف " الواد" طريداً عند ناصية الشارع وسب المعلم الذي ينظر إليه في غيظ ، تطوع عزت :
ـ أروح أضربه ..
ـ خلاص ، كل واحد يشوف مصلحته ، طريق السلامة ..
وجاء صوت " آيات الحمصاني " من الراديو يقدم برنامج طريق السلامة يصاحبه غناء نجاح سلام ، وانسل رواد المقهي كسالي واحداً بعد الآخر بينما تسلل " الواد " ثانية بعيداً عن نظرات المعلم الذي انزوي يسحب أنفاس نرجيلته المخصوصة المزينة بـ " شراشيب" ذهبية وامتلت بالماء المعطر ..
مشي " الواد" حافي القدمين في زهو كالبهلوان علي رصيف مطلي باللونين الأبيض والأسود وغني " عزة جمالك إيه من غير ذليل يهواك" ورفرف بجناحيه كطائر متعثر ، مال يميناً وشمالاً وصوته الأجش ملأ الفراغ الذي بدأ في الإتساع بعد ذهاب السيارات الأجرة :
قال عطية :
ـياسمع الملوك .... ..
ولم يكمل ..
***
جاع " الواد " ، سطا عنوة علي طاولة عيش أمام مطعم " حلاوة" وجاء برغيف فارغ من أي حشو ولم يعترضه أحد ، ثم جعل يعرج في سيره حتي وصل إلي حيث جلس المعلم ، قال آمراً :
ـ هات بسطرمة ..
رفسه المعلم فانطلق يعدو علي غير هدي ، فاصطدم بطاولة من يلعبون بالورق ، وسقطت عدة نرجيلات ، وانكسرت فناجين وأكواب ، وانفجر المعلم غاضباً وتمني لو لحق به ، لكنه تحسس كرشه المترهل ورأي في المرآة صورته الضخمة ، فجعل يتوعده :
ـ يا ويلك ، يا ظلام ليلك لو وقعت ف إيدي ..
" الواد" قهقه بشدة غير عابئ ثم أشعل سيجارة لا يعرف من أين جاء بها ، قال موافي :
ـ كان يحتفظ بها خلف أذنه ..
***
سب فتحي دون سبب ، صفعه فتحي علي قفاه ، ضحك وأتي علي سيرة فتحي وأخته " الباتعة" بكل سوء ، عاد فتحي لضربه ، جري " الواد" وزاد سبابه ، ثم ارتقي عربة يد ووقف علي سطحها يرقص ويرفرف بجناحيه ، قال موافي :
ـ حلاوتك ياست " تحية" ..
وثب " الواد" في إتقان رياضي ماهر ..
***
انصرف المعلم وراح " الواد " يودعه :
ـ باي باي .. مع السلامة ياويكا ..
ضحك المعلم ويكا وألقي من نافذة المرسيدس بجنيه كامل ، حمله " الواد" للمعلم :
ـ وقع منك ..
ـ هو لك ..
ـ يلزمني ورقة بـ " مئذنة" ..
ـ أوامرك ..
ومنحه الورقة المالية ، فحصها قائلاً :
ـ أياك تكون مضروبة ، أصل انا عارفك ..
ـ غور بقي يا " واد" جتها داهية القطارات ياما بتحدف علينا..
دس " الواد " الجنيهات العشرة ثم إنقض علي رغيف العيش ، وراح يفترش أرض الشارع بصور لمارلين مونرو وجينا لولو بريجيدا وصوفيا لورين وراح يحتضنها ، وأعاق سير السيارات والناس ، صاح :
ـ عشيقاتي ..
قال له موافي الذي ضحك بشدة :
ـ مفيش صنف من البلدي ، كله مستورد ..
ـ صنع أوربا وحياة أمك ..
ـ أمي ........
سخن الدم في عروق موافي فراح يسبه سباباً مقذعاً وركله عدة ركلات فتدحرج يميناً وشمالاً وموافي في شبه جنون ، كادت سيارة نقل أن تدهسه بعد أن انحرف سائقها من الشارع الكبير ..
***
عاد " الواد" يستأنف سعاله ومسح في " كم " قميصه المتسخ دماً سال من فمه ورشف من كوب ماء أمام جمعة ، تلون الماء ولم يعترض بل حن عليه وربت علي كتفه :
ـ ما تزعلش ..
ـ ولا يهمك ، دول بقر..
ونظر إلي صورة المعلم " ويكا" المعلقة في مدخل المقهي وإلي جوارها صورة لحصان عربي أصيل :
ـ الاثنين أخوات ..
وقهقه..قال جمعة :
ـ عيب بقي ..
ولكن" الواد " راح يخلع ملابسه حتي كاد أن يصبح عارياً ، ضمه عطية إلي صدره وتناول قميصاً من عند مغاوري وأمره أن يلبسه ، لم ينفذ الأمر ، راح يجري عليه مزاداً :
ـ ألا أونا ، ألا دو..ألا ثري ..
وقبض علي باقي حاجياته ، ورفع عقيرته :
ـ ناس تخاف ما تختشيش ..
وراح ينفث دخان سيجارة جديدة في الهواء ، وفمه الخالي من الأسنان يزداد إتساعاً ، وهو يتوعد الجميع :
ـ جاي لكم بكرة .. ماحدش يتأخر..
ــــــــــــــــ
محمد عبده العباسي
بورسعيد