
شكوى الحشاش الفصيح
[align=justify]
" مولاي . . لم يوف النيل فأتانا الغلاء وأعقبه الوباء والفناء "
" مولاي . . إنك تحكم رعية من الجياع . . علمهم الجــوع التغزل في الرغيف ".
" مولاي . . كذاب من قال لك إننا نأكل بذهبنا حشيشـــاً وبفضتنا حلاوة ".
" مولاي . . إن واقعنا مرير، وحتى الحلم أصبحنا نشتريه
بالذهب، ولو أكلنا حلوى الدنيا كلها لن يتغير طعم المرارة
في حلوقنا ".
[/align]
[align=justify]" مولاي . . لم يوف النيل فأتانا الغلاء وأعقبه الوباء والفناء "
" مولاي . . إنك تحكم رعية من الجياع . . علمهم الجــوع التغزل في الرغيف ".
" مولاي . . كذاب من قال لك إننا نأكل بذهبنا حشيشـــاً وبفضتنا حلاوة ".
" مولاي . . إن واقعنا مرير، وحتى الحلم أصبحنا نشتريه
بالذهب، ولو أكلنا حلوى الدنيا كلها لن يتغير طعم المرارة
في حلوقنا ".
[/align]
المكان مصر المحروسة المحمية وبالتحديد ميدان الرميلة([1]). الذي تطل عليه قلعة صلاح الدين من عل، وعلى الجانب المقابل تقف مدرسة السلطان حسن في شموخ لا يأبه بكر الأيام.. والزمان عصر المماليك المتخم بالعجائب والغرائب وبالتحديد عصر الملك الظاهر سيف الدين أبي سعيد جقمق([2]) العلائى الظاهري.
الميدان يموج بالبشر والحيوانات، وتختلط فيه كافة الأصوات، بينما شمس الظهيرة ترسل أشعتها اللاسعة على الجميع دون أن تفرق بين جماد أو حيوان أو إنسان. الكل مشغول بما هو فيه منهمك فيما يعانيه. فهذا مكدى يشرح لمن التفوا حوله معرفته بالكيمياء والمطالب والسيمياء وتمكنه في فن العزايم وقدرته على التغوير والكتابة على الشقف لذهاب ماء البير، ويدعى الحكم على ملوك الجان واستحضار أعيانهم كميططرون والشيصبان، وهذان أمردان كبشاهما يتناطحان وقد تجمع حولهما أطفال ورجال ونسوان، وقد حمى الوطيس بينما انشغل بعض المفسدين بالتدكيس، وشاب وعجوز يلحيا ديكين، والتف حولهما الناس في حلقة من صفين، وفي طرف الميدان حوي يخرج أفاعيه من السلال التي فيها هلاك النساء مع الرجال ما بين ناشر مثل الأسد الكاشر و صل هو الموت المطل ثم يعرض على الواقفين أحقاق الترياق، وعلى مقربة منه معاجيني يبيع بضاعته في أحقاق منها ما هو موضوع في الأجاجين والأطباق لمن يرغب في التلذذ مع النسوان، ويعلو صوت عشاب عطار يدعى أنه خليفة ديسقوريدس وسبط ابن البيطار العارف بالأصول والفروع والأوراق والأزهار، ومشعوذ ورفيقه وصندوقه وقد سحر أعين النظارة بما يأتيه من أعمال المهارة فهو يجعل التراب حنطة، والأترجة قطة ويثقب خد رفيقه ويخرج الحبال من ريقه، ثم ينزل من فمه المصران ويدر منه على وجه رفيقه أنواع الألوان. وفي ناحية ليست قاصية جلس منجم وأمامه كتابه وتخت الرمل وكرسيه واصطرلابه.. وأكثر قاصديه من النساء فلهن اعتقاد في هذه الأشياء، وهو يشرح لهن أن الله قد زين السماء الدنيا بالكواكب التي سيرها بين طالع وغارب، وخصها بالدلايل على أحوال الخلايق، وجعل سعودها ونحوسها مختلفة باختلاف الدرج والدقايق. وينتقل الناس بين حلقه سباع يعرض أسداً روضه ويجره بالسلاسل وهو في إحسان النظارة آمل، وبين حلقة فيال يأمر فيله أن يجثو ثم بطلب منه النهوض وتحية الكرام برفع الزلومة طالباً منهم ألا يتركوه ويده من عطاياهم محرومة، ثم إلى حلقة قراد يرقص قرده ويلعب نسناسه، والقراد يوقع على الدف وقد قصد امتاع كل متفرج وإيناسه، وتعالى صوت دباب يرقص دبة وهو ينقر على الدف ويقول أريني رقص الهوانم أيتها الشابة.
وفي أسفل سور القلعة في أول الطريق الصاعد المؤدي إليها يقوم حانوت المعلم" صلاة على النبي " الذي يقدم لرواده الشربات والقرفة والزنجبيل والحلبة يحتسونها من أكواز نحاسية تلمع في الشمس، والمشبك الممسك المعطر والقطائف المحشوة بالفستق التي انتشلت من الزيت الذي يغلى لتغرق في السكر المعقود يأكلونها في زبادي الفخار المطلي وفي داخل الحانوت أريكتان من الخشب الخرط تستندان على جانبي الحانوت، ويعلو كل منهما نافذة تطل على الخارج، وتطل نافذة الجانب الأيمن على تكعيبة من الخشب البغدادلي تسلقت أعوادها شجرة لبلاب فكست جانبيها وسقفها بالأوراق الخضراء التي منحت الظل للجالسين على الأرائك الخشبية تحت التكعيبة، ولم تمنع رؤية ما يجري في الخارج من خلال فرجات الأعواد الخشبية. وتحت التكعيبة وعلى أحد الأرائك جلس " عنكب " واحد من الحرافيش الذين يملأون شوارع القاهرة وحاراتها ودروبها وأسواقها وهم كثر، " عنكب " ليس اسمه الحقيقي، ولكنه اسمه الذي ألصقه به الرفاق من الحرافيش بعد أن صار واحداً منهم، اسمه الذي سماه به أبوه " محب الدين "، كان أبوه خطاطاً ومذهباً ومزوقاً ووراقاً.. سلمه أبوه لفقيه الكتاب الذي علمه القراءة والكتابة ومبادئ الحساب، وحفظ أجزاء من القرآن، ثم تتلمذ على والده فتعلم فنون الخط والتذهيب والتزويق ودقائق الوراقة وتجارة الكتب، وأحب القراءة وكان يرجو والده إلا يسلم نسخة كتاب تم استنساخه لمن طلبها إلا بعد أن ينتهي من قراءتها، وكان أبوه فرحاً بإقبال ولده على العلم والقراءة فكان يطلب من المترددين عليه من العلماء الكبار الذين يأتون إليه بحثا عن كتاب أو لاستنساخ كتاب أن يقرأ ولده عليهم وأن يعطوه إجازة بأنه قرأ عليهم كتبهم أو كتب غيرهم، فجمع إجازات في الفقه والأدب والتاريخ والحديث والتصوف و. . و. . كانت الحياة هنيئة ولم يكن الزمان قد عبس له بعد، زوجه أبوه من ابنة صديق له، كانت حلوة الطبع بلسم للجراح وفي ابتسامتها دواء لأي شقاء، حلوة الصورة، بهية المنظر يغار منها بدر ليلة التمام، أنجبت له ولداً وبنتاً كانا قرة عينه، ولكن جاءت سنة "853هـ. "، ولم يوف النيل وغدر ومارس لعبته القذرة التي يحلو له من آن لآخر أن يلعبها مع أهل مصر، وقد حفظ أهل مصر أدوارها فهي تبدأ بعدم الوفاء فالقحط والغلاء، فالوباء والفناء، ويبدو أن النيل لا يكفيه ولا يرضيه ما يلقاه المصريون من جور الحكام وظلمهم، فيسلط عليهم الجوع فيأكلون بعضهم بعضاً وكأنه يسخر منهم قائلاً:
[/align]
قد كثر الجور فاعذروني
لما توقفت في الوفاء
[align=justify]
وفي هذه السنة فقد " محب الدين " أو " عنكب " كل شئ، فغر الوباء فاه والتهم أباه وأمه والزوجة والأخت التي كانوا يعدون لزفافها والولد والبنت قرة عينه، وتخرب البيت وتهدم، وكذلك الدكان في هجمات الجياع على أي مكان قد يجدون به طعاماً ولا وزن لأي اعتبار آخر عندهم، فقديماً قالوا : " الجوع كافر "..هام " محب الدين " على وجهه يقتات بما تصل إليه يده ويردد في أسي أثقل من جبل المقطم هذين البيتين :
[/align]
إذا صفا الدهر يوماً
إلى التكدر يرجــع
فليعتبر من يشاهد
لمصرع بعد مصرع
[align=justify]
وإذا ما قادته قدماه إلى خرائب البيت أو الدكان، مرت بخياله صور الماضي الهنيء وذكريات السرور ولكنها تومض للحظات أقصر من أن تعد فتفيض دموعه، ويمشي محاذراً أن يتعثر في جثة من الجثث الملقاة دون أن تجد من يدفنها، فالموت يحصد كل يوم عشرة آلاف نفس، ويعول " محب الدين " وينهنه قائلاً :
[/align]
نبكي على مصر وسكانها
قد خربت أركانها العامـرة
وأصبحت بالذل مقهورة
من بعد ما كانت هي القاهرة
[align=justify]
وفي مرة أثناء جولانه اليومي الذى لا ينقطع وجد نفسه أمام رجل ضخم بارز العضلات مشوه الخلقة بيده سيف ومعه امرأة ترتدي ثوباً مهلهلاً يكشف من جسدها ما يجب أن يستر، وهي جميلة وأن اختفي حسنها تحت ركام الوسخ والقذارة، وألهمته غريزته أن الرجل يفكر في قتله وربما أكله هو والمرأة، غزاه الرعب وشله عن الحركة وأحس بقلبه بنبض بعنف، وأنه على وشك الإنفجار، وفجأة مرق حمار بينهم وهو ينهق، فجرى الرجل الضخم تتبعه المرأة خلف الحمار، وبلا وعي التقط عوداً من الحديد من الأرض وجرى خلفهما.
تعاون ثلاثتهم على الإمساك بالحمار وذبحه وسلخه، وأوقدوا ناراً بعد أن كسروا أخشاب مشربية أحد المنازل المهجورة، وتناول " محب الدين " لأول مرة وجبة من الشواء منذ أن دهم الوباء المدينة وتركه وحيداً شريداً، وبعد أن اكتفوا من الآكل، تم التعارف بينهم، فالرجل الضخم يدعى " البغل " وهو عيار وواحد من جماعات الشطار، أما المرأة فاسمها " نرجس " وهي من بنات الخطا والهوى، هامت على وجهها بعد أن فتك الطاعون بضامنة الأغاني التي كانت تقيم في بيتها وبكل من فيه من قحاب وقوادين، سألها " محب الدين " برغبة حقيقية في الفهم عن معنى " ضامنة الأغاني " فنظرت إليه باستغراب، ولكنها واصلت الكلام ضناً بضياع فرصة التسلي بالحديث ولو كان ذا شجون وسط أطلال البيت الخرب الذي جلسوا فيه، وقد مالت رأس " البغل " وعلا شخيره مبدداً السكون الذي خيم على المكان فشرحت له أن " ضامنة الأغاني " هي التي تأخذ المال من النساء البغايا والمغنيات والراقصات، وتدفعه إلى السلطان نظير إسباغ الحماية على الخانات وبيوت البغاء ومن يقمن فيها من الخواطي، فلا يتعرض لهن الوالي ولا أحد من أعوانه، فأسماؤهن منزلة عند الضامنة، وبيوتهن محمية، ولو خرجت أجل امرأة في مصر تريد البغاء ونزلت اسمها عند " الضامنة " وقامت بما يلزمها لما قدر أكبر أهل مصر على منعها من عمل الفاحشة، ومن أراد أن يعمل فرحاً لابد من مال تأخذه " الضامنة "، ومن عمل فرحاً بأغان أو نفس امرأته من غير إذن " الضامنة " والدفع لها حل به بلاء لا يوصف، امتقع وجه " محب الدين " وأحس بقهر يعتصر قلبه بيد فولاذية، فبكي وعلا نحيبه وشرق بدموعه، فذعرت المرأة وارتدت للخلف فخبطت " البغل " الذي اعتدل مدهوشاً، فلما رأي " محب الدين " ينتحب سأله وهو يقهقه قهقهة ذات جرس شيطاني : " ما الذي جرى يا عنكب هل حاولت المرأة اغتصابك؟ ".
ومن تلك اللحظة لصق به اسم " عنكب " وضاع اسم محب الدين مع أشياء كثيرة أخرى ضاعت منه، تمطى " البغل " وتثائب ثم دس يده في صدره وأخرج كيساً من الجلد فتحه، وأخرج قليلاً مما فيه، أعطى للمرأة بعضاً مما فيه وضعته في فمها وأخذت تمضغه، ونظر إلى " محب الدين " الذي كف عن البكاء وقال له : " تعال يا عنكب وخذ هذا.. إنه دواء لأحزانك سينسيك همومك وآلامك ويجعلك تحس إنك سلطان زمانك، ولكن أريدك أن تستفه وتطيل مضغه " وقدم له قسماً وضعه " محب " في فمه وأخذ في مضغه فوجد مذاقه سكرياً وميز طعم السمسم، وكلما واصل المضغ أحس بخدر لذيذ يسرى في جسده المتعب المنهوك. نظر " البغل " إليه ورأى علامات الخدر تظهر على وجهه وفي ارتخاء جسده فقال له : " إنها المعنبرة الخضراء التي تكف يد الهموم عنك.. إنها أوراق الحشيش الخضراء جففتها قليلاً ثم حمصتها وفركتها باليد، وخلطت بها قليلاً من السمسم المقشور وسكر ".. ضاع صوت " البغل " ولم يعد " محب " يسمعه وإن كان لا يزال جالساً أمامه، واستغرب عنكب إذ رأي " البغل " بغلاً حقيقياً، ولكنه يرتدى جلباباً ويمسك بطبلة تصدر عنها إيقاعات مفرحة مثيرة دون أن يدق عليها، وسمع أنغام عود وناي ومزمار وشبابة وآلات العزف الأخرى، واندهش إذ لم ير العازفين عليها، ولكن الأنغام ملأت المكان الذي تحول بقدرة قادر إلى قاعة فخيمة أخذ يجيل نظره في سقفها المزخرف بالألوان والذهب وأرضيتها الرخامية الملونة وما فيها من مربعات ومدورات وزخارف على شكل دالات، سمع خرير ماء فنظر ناحية الصوت فرأي نافورة بهية يتصاعد الماء من أفواه أسود رخامية على حافة حوضها مقعية ثم يسقط في الحوض، ومن باب في آخر القاعة دلفت " نرجس " تسبقها روائح زكية تنعش الفؤاد وتحرك الإحساس، وقد زينت شعرها بماسات براقة، وأحاطت معصميها بأساور من ذهب، وهي ترتدى غلالة حمراء شفافة تكشف كنوز جسدها الذي في بياض الفضة، وأخذت ترقص وتدور وتهز نهديها وتحرك ردفيها، وكلما زادت سرعة الإيقاعات زادت هي سرعة فيما تأتيه من حركات، وأخذت تدور وتدور، ومن شدة الدوران انفصل واحد من نهديها وارتفع في الهواء كفقاعة الصابون، وتابعه " محب " بناظريه واندهش إذ لم يجد سقفاً ووجد النجوم تطل عليه وكذلك القم، وواصل النهد صعوده ناحية النجوم، وتبعه ردف فساق . . . . صرخ عنكب " نرجس لا تتركيني هنا وحدي ".. وسبح صاعداً في الهواء محاولاً اللحاق بالأشلاء، وتجمعت بعض النجوم حوله، وأخذن يعابثنه ويلعبن معه وترددت ضحكاتهم رائقة صافية في جنبات الفضاء، ومضى الوقت، ثم بسم القمر وقال له " تعال يا ولدي كفي لعباً إنك متعب، ضع رأسك على حجري ونم وعيني ساهرة تحرسك "، وحمله فيض الحنان في كلام القمر على الإذعان، فوضع رأسه على حجره وأغمض عينيه راضياً سعيداً.
[/align]
[align=justify]
([1]) اسم الساحة التي تشمل اليوم ميدان صلاح الدين وميدان السيدة عائشة وكان بها الميدان السلطاني أو ميدان القلعة الذي كان يسمي قره ميدان أي الميدان الأسود. وكان في الجزء الشمالي سوق الخيل تجاه مدرسة السلطان حسن وتعرف الرميلة اليوم بالمنشية ويعرف الميدان بميدان صلاح الدين.
([2]) سلطان مصر من المماليك الجراكسة، توفي 1453م، كان أتابك الجيش واختاره السلطان برسباي وصياً على ولده.
[/align]
تعليق