المبني للمجهول
... ثم إنهم لم يتوقفوا منذ بزوغ ضوء فجر ذلك اليوم عن السير على أقدامهم في هذه الربوع المقفرة من الناس، المترامية الأطراف، ولم تمسك الشمس مذ أشرقت عن الأخذ بنواصيهم والأقدام، وهم ينتقلون في مسيرهم من سهل إلى جبل، ومن جبل إلى سهل، وليس معهم سوى بعض الماء وقليل من الزاد، ثم لم يكن لهم بد من الإستعانة بتجاذب أطراف الحديث على طول المسير ومشقته ...
وعندما أخذ منهم التعب كل مأخذ، وجفت حلوقهم من شدة العطش، غاب بينهم الحديث ولم يتبق منه غير شهيق لهم خافت وزفير باهت، فثقل عليهم حمل أجسادهم، وزادهم ثقل أمتعتهم رهقا، تراكم على ما يشكونه من نصب شديد ...
فجأة لاح لهم من بعيد بناء غشاه السراب وعبث بملامحه، ومن شدة نأيه عنهم وبعد المسافة الفاصلة بينهم وبينه، لم يتمكنوا من تبين معالمه، ولم يظفروا بأي وصف من أوصافه، لكنهم استبشروا خيرا، وحثوا أنفسهم على طي المسافة، بقدر ما بعث بعضهم بعضا على الإسراع في السير نحو ذلك البناء المجهول ...
قال أحدهم: قد يكون البناء مسكنا لجواد كريم، فننزل فيه ضيوفا عليه معززين مكرمين، وأردف الثاني: ربما يكون نزلا للمسافرين وعابري السبيل، وليته يكون كذلك حتى نستريح فيه قليلا من وعثاء السفر ومشقة السير الطويل، وحتى نبيت فيه الليلة إلى صباح الغد، قبل أن نستأنف المسير، وقال الثالث: لا أظنه إلا بناء مهجورا ارتحل عنه أهله منذ زمن، ومهما يكن حاله، فلا أرى لنا بديلا عنه الساعة، ولا خيار لنا سواه، وكل ما أرجوه هو أن نعثر فيه على بعض الماء والزاد ...
ساروا، وساروا ثم ساروا حتى ضاقت أقدامهم بالنعال، ونفرت نعالهم من الأقدام، ولما وصلوا البناء لم يجدوه مسكن جواد كريم، ولا نزلا للمسافر وعابر السبيل، ولا حتى بناء مهجورا، بل وجدوه ...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
aghanime@hotmail.com
... ثم إنهم لم يتوقفوا منذ بزوغ ضوء فجر ذلك اليوم عن السير على أقدامهم في هذه الربوع المقفرة من الناس، المترامية الأطراف، ولم تمسك الشمس مذ أشرقت عن الأخذ بنواصيهم والأقدام، وهم ينتقلون في مسيرهم من سهل إلى جبل، ومن جبل إلى سهل، وليس معهم سوى بعض الماء وقليل من الزاد، ثم لم يكن لهم بد من الإستعانة بتجاذب أطراف الحديث على طول المسير ومشقته ...
وعندما أخذ منهم التعب كل مأخذ، وجفت حلوقهم من شدة العطش، غاب بينهم الحديث ولم يتبق منه غير شهيق لهم خافت وزفير باهت، فثقل عليهم حمل أجسادهم، وزادهم ثقل أمتعتهم رهقا، تراكم على ما يشكونه من نصب شديد ...
فجأة لاح لهم من بعيد بناء غشاه السراب وعبث بملامحه، ومن شدة نأيه عنهم وبعد المسافة الفاصلة بينهم وبينه، لم يتمكنوا من تبين معالمه، ولم يظفروا بأي وصف من أوصافه، لكنهم استبشروا خيرا، وحثوا أنفسهم على طي المسافة، بقدر ما بعث بعضهم بعضا على الإسراع في السير نحو ذلك البناء المجهول ...
قال أحدهم: قد يكون البناء مسكنا لجواد كريم، فننزل فيه ضيوفا عليه معززين مكرمين، وأردف الثاني: ربما يكون نزلا للمسافرين وعابري السبيل، وليته يكون كذلك حتى نستريح فيه قليلا من وعثاء السفر ومشقة السير الطويل، وحتى نبيت فيه الليلة إلى صباح الغد، قبل أن نستأنف المسير، وقال الثالث: لا أظنه إلا بناء مهجورا ارتحل عنه أهله منذ زمن، ومهما يكن حاله، فلا أرى لنا بديلا عنه الساعة، ولا خيار لنا سواه، وكل ما أرجوه هو أن نعثر فيه على بعض الماء والزاد ...
ساروا، وساروا ثم ساروا حتى ضاقت أقدامهم بالنعال، ونفرت نعالهم من الأقدام، ولما وصلوا البناء لم يجدوه مسكن جواد كريم، ولا نزلا للمسافر وعابر السبيل، ولا حتى بناء مهجورا، بل وجدوه ...
د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
aghanime@hotmail.com
تعليق