الفصل الأول
مجرد مقدمة لا تفي بالغرض
1) مجرد مقدمة لا تفي بالغرض
ــــــــــــــــــــــــــــــــ
"حاسب.. حاسب.. حاسب.."
هكذا تناهت إلى أذنيه أصوات زاعقة نبهته لمصدر الخطر الكامن خلفه إذ كان على وشك الانحدار عن الطريق المرتفع عن مستوى الأرض جهة اليمين حال محاولته التراجع بسيارته للخلف ليضبطها على المسار المناسب لركنها في المكان المحدد على يسار الطريق.. فقد كان يقود السيارة بحالة من اللاوعي تنتابه كثيرا في الآونة الأخيرة، حتى باتت حركته أشبه بإنسان آلي، بعد ما مر به من ظروف قهرته وأذلت رجولته.
تلك كانت مقدمة الرواية التي أعدت صياغتها مرات عدة دون الوصول إلى حالة الرضا، ومع أني مازلت في مرحلة كتابة المقدمة والتي يبدو لي أنها عصية على النضج، فالفكرة ولدت داخلي منذ أكثر من عامين، الشخوص مواصفاتها محددة بدقة في ذهني، مسير الأحداث ومآلها كذا واضح كالشمس.. إلا أنني كلما هممت بكتابتها.. أبدأ في تسطير المقدمة وقبلما تنتهي أمحوها.. في كل المرات أخط نفس الحروف بذات الترتيب، وكأني أنسخ من مصدر ما أو كأني حفظتها قبلا في كتاب من كتب النصوص المدرسية، وليس أنني اخترعتها من مخيلتي.. يتراءى لي مشهد المقدمة .. هوهو كل مرة.. أصيغه على الورق.. أتوقف.. أمحوه.. فقط احتفظت بملف مدون عليه العنوان " على أبواب السجن" والذي حاولت كثيرا محوه أو نسف الموضوع من ذاكرتي إلا أن الفشل كان حليفي في كل مرة أردت التخلص فيها من الفكرة، دون أن أدري لذلك سببا، وكأنما قدري مختبئ في هذه الرواية.
تنوعت أسباب توقفي، فهي تارة بحثي الدائب عن أفضل كلمات تؤدي المعنى بإيجاز، وتارة بسبب منغصات خارجية تنفيني بعيدا عن جو الإلهام.. في كل مرة تجتاحني الفكرة.. لا تألو رفيقة عمري وحاملة همومي جهدا في معاونتي على إنجاز هذه الرواية.. تسارع بالهاء أطفالنا بعيدا عني، وأهيئ لنفسي جوا مناسبا للاندماج فيها، لأتعايش مع بطلي.. أحبس جسمي في الغرفة.. أحكم إغلاق النوافذ.. إضاءة خافتة فقط بقدر ما يمكنني من الكتابة.. أهجر المكتب والأريكة إلى ركن منزو في الغرفة.. أفترش البساط.. ألصق ظهري بالحائط لأستشعر برودة الجو الذي يعيشه رجل روايتي.. أكتشف أن الإضاءة قد تكون زائدة قليلا.. والبرودة أقل كثيرا مما ينبغي.. البيئة فخمة، بما لا يليق بمشاركة بطلي ظروفه.. وهكذا.. حتى يهجرني الإلهام.
في الأيام الماضية، احتلت كياني الحالة المزاجية المناسبة طوال الوقت، وعصفت بروحي أجواء مشجعة على تسطير الرواية.. راودتني فكرة مجنونة.. الارتحال نحو موقع الحدث أو ما يشبهه لتحقيق حالة التوحد الكلي لعلي أنجز ما أنا بصدده.
سألت عن الطرق المؤدية للسجون، بالطبع لا أقصد الطرق المؤدية لدخول السجون ولكنني أقصد كيفية الوصول لمواقعها.. من أجل الوصول لأفضل توصيف للمنطقة المحيطة بالسجن.. طفت بأماكن السجون المشهورة كليمان طره وأبو زعبل ووادي النطرون والقناطر.. طفت حولها جميعا مرات ومرات لعلي أكتشف موضعا مناسبا،
لكن مع شديد الأسف ولا واحد منها منحني موقعا جغرافيا ومكانيا يتوافق مع مقدمة روايتي والتي ألحت عليّ.. فكلها حولها طرق إسفلتية جيدة الرصف.. وكلها تعتبر طرقا آمنة ولا توجد؟ أي هوة بجوار أيا منها، وليس كمثل ما ارتأيته كمدخل لقصتي.. أخيرا دلني أحد الأعزاء عن طريق سجن يسمى "سجن القطا العمومي" قائلا: أعتقد أن هناك ستجد ضالتك المنشودة.
ومع أن شرحه للطريق طال واعتبرته بداية غير مشجعة إلا أن شيئا ما دفعني للاستكشاف، خاصة وأن معرفتي بكونه سجنا عموميا وليس ليمانا، يتوافق مع نوعية جريمة بطلي..
هل قلت جريمة بطلي؟.. لا عفوا فبطلي لم يرتكب أي جريمة أو خطيئة.. ومع هذا هو محبوس الآن في سجن القطا العمومي.. وأسرته واقفة على الباب طلبا للزيارة.. وهناك شخص آخر أوصلهم عند باب السجن وتوقف عند هذا الحد..
في كل الأحوال لم أتوان كثيرا عن المضي حثيثا إلى حيث أرشدني.. ومع بدايات صباح اليوم كنت في طريقي.
وعلى الرغم من أن الطريق يحتاج لالتفافات عدة وتغيير اتجاه أكثر من مرة إلا أني لم أضل.. فما أسهل أن تسأل عن السجن وتجد من يرشدك، حيث أن الطريق إليه يبدأ من قلب المزارع وحركة نقل المحاصيل نشطة جدا هناك.
من بُعد لمحت أبراج السجن عالية وأسواره.. البداية مشجعة.. فالطريق الضيق المتكسر المؤدي إليه يعلو عن الأرض الزراعية النائمة عن اليمين بمترين أو أكثر.. مما يشبه مقدمة روايتي.. وعن يساري هضبة رملية ترتفع بتدرج لأكثر من خمسة أمتار.. وعلى الطريق أثار رمال وزلط مما يدل على وجود محاجر في المنطقة.
كلما اقتربت من أسوار السجن؛ كلما تجسدت أمامي تلك المقدمة التي أرهقتني، أو كأنني كتبت هذه المقدمة خصيصا لهذا المكان بعينه بالحاسة السادسة؛ فالسجن جاثم بين الحقول بحيث تبدو أسواره وكأنها تعلو قليلا عن الطريق، مع أنها في الحقيقة غير ذلك بسبب انخفاض مستوى الأرض عن الطريق.
تدهمني المفاجآت واحدة تلو الأخرى، الأولى كانت أن يمين الطريق تحفه المخاطر وأسفله منحدر ينتهي بسور السجن، أما الثانية فكانت أنك لدخول مكان انتظار السيارات، وهو جزء ممهد من الهضبة المرتفعة عن يسار الطريق، عليك أن تستدير بسيارتك بحيث يصبح المنحدر خلفك مباشرة مما يعرضها لخطر محدق، ما لم يكن قائدها خبيرا بالمكان، وهو ما يتطابق مع مقدمة روايتي والتي يبدو أنني كتبتها تحت تأثير وحي ما، مما يخضع للميتافيزيقيات التي لا أعترف بها.
هول المفاجآت دفعني لإبطاء سرعة السيارة حتى كادت تصل للصفر، كلما اقتربت من أبواب السجن السوداء الواسعة المرتفعة، والمخصصة لدخول وخروج سيارات الترحيلات والأمن الضخمة، يليها مباشرة باب أسود صغير مخصص لدخول الأفراد الزائرين المصطفين في طابور طويل بحيث لا يمرر أكثر من شخص في المرة الواحدة. هذا الطابور يحدوه من الجانبين سور بارتفاع يقارب المتر، وكأن حبس أقرباءهم ليس كافيا كعقاب لما اقترفوه؛ بل عليهم أن يشاركوهم وينالوا عقوباتهم الخاصة، والتي تبدأ من قيظ الشمس المتنمرة فوق رؤوسهم تماما، وتستمر بفضح هوياتهم وسمات وجوههم الخجلى من تواجدهم في مكان كهذا أمام كل عابري الطريق.
تخطيت البوابة الرئيسية بتمهل فيما عيناي تهرولان يمينا ويسارا في محاولة ناجحة لجمع أكبر كم من التفاصيل اللازمة.. بطء السيارة ساعدني أيضا على تفرس وجوه المصطفين في الطابور ودراسة انفعالاتهم.. وإذ بي فجأة أتوقف تماما غير عابئ بحاجة السيارات القادمة من خلفي، وهو ما ليس من عاداتي، إلا أن المفاجأة الجديدة أذهلتني حد نسيان ما أنا بصدده وهو مجرد معاينة المكان..
نعم.. هم بشحمهم ولحمهم.. إنهما امرأتان وطفلان، تماما كما تخيلتهم، أو كما وددت لو كانوا. توقفت.. نظرت سريعا لليسار لعلي ألمح رجلي أيضا في سيارة أو بين السائقين.. بهرني إحساسي بتجسد قصتي وكأنما أشاهدها فيلما سينمائيا. إلا أن زمجرة أبواق السيارات القادمة من خلفي وتحركات لأفراد من حرس السجن دفعتني لرفع يدي خارجا من شباك السيارة معتذرا، متظاهرا بأن عطب مفاجئ أصابها، ومعاودا الحركة البطيئة آسفا في نفس الآن لنفيي خارجا، وكالمشدوه لصقت عيناي بوجوه أبطالي للمرة الأخيرة وتخطيت المشهد بضيق شديد.
وقبل نهاية سور السجن وما إن وجدت مكانا متسعا قليلا عن يمين الطريق إلا وتوقفت مأخوذا بحالة الإلهام وتناولت بضعة أوراق مما أحتفظ به عادة في السيارة وشرعت في الكتابة..
تعليق