محاكمة
بقلم: علوشي عثمان
بقلم: علوشي عثمان
في زنزانة تنبعث منها رائحة الموت النتنة كان السجين يجلس القرفصاء في إحدى زواياها محملا بسيل من التساؤلات. لا يعرف أين هو بالضبط..ومن جاء به إلى هذا المكان، وحتى سبب وجوده في الزنزانة.
أرغمته زنزانته المعزولة على نسيان التاريخ بأكمله..بما في ذلك اليوم والساعة. إنها عازل للزمن، وقاتل كاتم للألم.
في فترة ما لا يمكن تحديدها، فتح باب الزنزانة الحديدي مصدرا صوتا متكاسلا ولد خصيصا للإعلان عن قدوم السجان الشبح. أطلت منه جثة ضخمة لا ملامح لها. أسرت له بكلمات آمرة:
ـ حضر نفسك للمحاكمة.
جملة رنانة، تمنى في داخله لو أن زنزانته امتصتها ولم تترك لها أثرا. تراءت له كمستنقع زيت أسود لطخ مادته الرمادية. كيف سيحضر نفسه للمحاكمة. بل، عن أي محاكمة تحدث السجان الشبح؟ وما الجريمة التي ارتكبها حتى يقدم للمحاكمة؟
...
وفي قاعة ظلماء كانت ملامح هيئة محكمة متوارية خلف منصة عريضة. لم يكن هناك لا جمهور ولا ملف ولا شيء. كانت محاكمة بلا عنوان.
أما السجين فكان يقف خلف سياج حديدي بارد، تساءل مجددا عن سبب مثوله في ذات المكان...وبعد برهة، سمع صوتا جهوريا ينبعث من الظلام يقول:
ـ ما اسمك؟ من أين أنت؟ وما الجريمة التي ثبت عنك ارتكابها؟
تردد قليلا، وقال:
ـ لا أعرف اسمي ولا أصلي، ولا حتى سبب محاكمتي.
ودون أن ينتظر جوابا طرح على الهيئة نفس السؤال:
ـ وأنتم، هل تعرفون شيئا عني؟
ساد صمت رهيب قبل أن يجيب نفس الصوت الجهوري:
ـ ليس من حقك السؤال..ولا حتى من حقنا. نحن أيضا لا نعرف سبب محاكمتك وجريمتك..
مهمتنا تنتهي بإصدار الحكم عليك..ليس إلاَّ..
تربع الصمت على عرش المحكمة... إلاّ من صوت الهيئة وهي تتشاور في صوت خافت..والسجين يتمتم كالأحمق ويطرح الكثير من علامات الاستفهام حتى بدت له حياته كلها استفهامات في استفهامات.
تنحنح الصوت الجهوري فقال:
ـ بناء على مداولات هيئة المحكمة نصدر عليك الحكم بالإعدام شنقا وينفذ الحكم في تاريخه.
...
ونفذ الحكم حتى قبل أن يفكر السجين في سر المحاكمة. من حاكمه؟وكيف؟ ومتى؟..وآخر ما رأته عيناه كان حبل المشنقة...
تعليق