الموانئ لا تنتظرُ أحداً

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي التاجر
    أديب وكاتب
    • 21-12-2008
    • 88

    الموانئ لا تنتظرُ أحداً

    الإهداء...

    لها وهي ترحلُ في ظهيرةِ يومٍ شتوي،،

    الموانئ لا تنتظرُ أحداً


    أسحقُ دواسةَ مركبتي وأخبُّ في المسير خارجَ الجهاتِ والأزمنة !.
    أقصدُ المكان الذي يُضرجون فيه شهاداتِ الميلاد بحبرهم وأختامهم ويشطبون كينونتكَ من الوجود، هنا سيعلقونَ عضويتي يوماً ما في هذه السجلات المهملة والملفات التي أغبرها القدر.
    حدود الدنيا أنا على مشارفها، الكوّة التي ينحسر عندها الضوء، حيثُ تقبع ماكنةُ اللحم الوحشية التي تتقيأ كل حينٍ جسداُ مرشوماً بالموت !؟. قبل دقائق، رنّ هاتفي، كانَ مغروساً داخل جيبي، سحبتهُ بعد لأيٍ وأنا أمسكُ مقبض مركبتي، جاءني صوتٌ مبحوح:
    - أين أنت ؟
    أجبتُ متعجباً وخائفاً:
    - في طريقي للمنزل، ماذا هناك؟
    - نحن هنا، أسرع...أسرع.
    كنتُ أودّ معرفة ما الذي يجري، لكن الهاتفَ أُقفلَ فجأة، والنغمةُ المتقطعة تصهل في رأسي. بعدها هبت ريحٌ سوداء تزمرُ في أذني:
    - أسرعْ...أسرع ، الموانئ لا تنتظرً أحداً.

    كنستُ زفت الشوارع المهترئة بعجلات سيارتي، حتى إذا أشرفتُ على آخر محطةٍ للحياة، أوقفتُها بمحاذاةِ الرصيف وجعلتُ أركضُ بعد أن رتجتُ البابَ الذي أصدر ارتطامهُ صوتاً مدوياً. دخلتُ مهرولاً، عابراً هذا الحشد البائس، رأيتُ من سكّ الزمن عظامهم، أولئكَ الذينَ أدمنوا رائحة الكحول والمطهرات وغرز أنابيب التغذية وإبر الرحمة.
    عندما وصلتُ لغرفةِ الطوارئ، لقيتُ لفيفاً من النساء، أحسستُ أنها هناك، اتجهت للغرفة التي كانوا بقربها بصمت.
    كانت الريح السوداء تزمرُ في أذني ثانيةً:
    - الموانئ لا تنتظر أحداً...أسرع...أسرع.

    ارتطمَ بصري بها ممدةً، مصفرةً، مسدولةَ الأطراف، واهنةَ الشفتين. اقتربتُ منها، فركتُ أصابعها وأظافرها ببطنِ أصابعي، ثمّ سكبتُ دمعةً حاسرةً أرطبت يدها، لثمتُ قمرَ جبهتها وخرجتُ فيما كان الطبيب يشرح لهم حالتها الحرجة.

    من بعيدٍ كنت ألمحه وهو يحمل أصابعه ويلصقها ببعضها، يتلذذ بكلماتهِ التي تسعر كنصلٍ مجنون، ينضد معطفه القطني ثمّ يرفع نظاراته ويحدجنا بعينين أدمنتا طعم الخوف، يتجبر وهو يمتلكُ زنادَ قلوبنا، يسخر من عيونِنا التي ترجوهُ وتتوسل إليه أن ينقذها، أن يرشُّ كذبةً بيضاء لن تتنكر لها آذاننا، كان كالجلادِ حين يضع حذاءه فوق رأس من يضعف عنه ويفركهُ بالبلاط؛ منتظراً أن نسكب في أذنيهِ رجاءنا واسترحامنا كي يترجل عن جمجمتها ويكون لها الفوت.
    صرتُ لا أطيقُ الملاءات البيضاء ولا الكمامات المخضرة، لا أريدُ أن أرى أحداً منهم، لا معاطفهم ولا قفازاتهم، إنهم يجهلون معنى الحياة، رغم أنهم مؤتمنون عليها !.
    وقفنا جميعاً ونحن نسند رؤوسنا للجدرانِ الملطخة بالشهقات والاحتضار، تذكرت ما قالته لي قبل أيامٍ قليلة، كانت منهمكةً في دعكِ الصحون والقدور، توقفتْ والماء ينسربُ بين كفيها، رفعت رأسها وأشارت لي أن أجلس، وما إن أقعيت لها، حتى همست بأنّ شيئاً ما سيحدث في القادم من الأيام، فهي ترى ظلاً لطائرٍ ضخم، يتبعها أينما تحطُّ، ولكنها لم تتبين ملامحهُ، ولم تعرف سره !. أكثرُ ما خشيتهُ أن أكون أنا من سيحلُّ لغز هذا الطير، فأرى جناحيهِ يحجبانها بلا رأفة !.
    كيف يعنّ لكَ أن تفكر في الموت أو أن تترقبه ؟، في تحللك وانصهارك مع الطين؟، في أثيركَ وعهدك المجرد ؟، أن تحتفر تراب القرية بمستطيلٍ ضيقٍ مغبر، أو أن تُحملَ في النعش المسوَّر ذي الدعامات الملساء !.
    لم أزل أتذكر ذات ليلةٍ شتوية عندما كنتُ أنتظرُ دوري قربَ فرن الخبز القابع أمام مقبرة القرية، لا أعلم من الذي أنبتهُ قبالة القبور والشواهد الرمادية، فربما يكونُ عناداً بشرياً ضدّ ناموس الكونِ الفيزيائي، لا أعلم، ولكن الجميع يحتشدون أمامه، يقهرون الموتى بعشقهم للحياة، يديرون لهم الظهور ويتندرون جهاراً. وفي الجهة الأخرى يقبع الموتى، وأحسبهم يسخرون ويحدقون في القادمين والرائحين ويتوعدونهم بنفس العاقبة.
    ليلتها رأيتُ غمامةً تلوحُ من بعيد، وصوتاً مرعباً يجوسُ الأزقةَ الباهتة. شاهدتُ صفــَّــيْن متراصين بالأكتاف، كلٌ في قبالة الآخر، يرفعون أذرعهم، ومن فوقهم يسبحُ نعشٌ متشحٌ بالسواد. كانت إحدى الفتيات تنتظرُ أيضاً، لمحتها تـُـقلبُ بصرها بذعرٍ في جميع الجهات، سألتني:
    - إنها جنازة ؟
    قلتُ وأنا أنظرُ للسربِ القادم:
    - ربما...نحن قربَ المقبرة.

    بعدها، رأيتُ شبحها يتلاشى خلف البيوت؛ فقد أطلقت ساقيها للريح وبقيت عباءتها كجناحِ غرابٍ ترفُّ من بعيد. أما أنا فقد تجاسرتُ وانطلقتُ لأحشرَ نفسي بين تلكَ الأجساد والقوائمِ الرفيعة، رفعتُ ذارعيّ كما يفعلون، مشيتُ بخطىً مستقيمةٍ عرضية على جانبي الأيسر كالصفِّ الذي ألصقت نفسي به، وبالكاد لمستُ النعش الذي أطلَّ من خلف قضبانه المعدنية المغطاة ببردةٍ سوداء كتبت عليها الشهادتين بخيوطٍ ذهبية شبحٌُ مكفنٌ بقطعةٍ بيضاء مائلةٍ للصفرة من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو يترنحُ كأنهُ في قاربٍ فوق الأيدي التي احتملته، ولكم انتابني الحزنُ لحاله والقضبانُ ترتطم به، وهو مختنقٌ مقيد !.

    الآن كلما أرى صورةً تعتلي صدرَ مجلسٍ ما، وأسمع قهقهات الحاضرين الذين يجترون النكات التي ربما يكونُ هذا الراحل بطلها، أشفقُ على الجميع، وأظلُّ متجهماً خرقاً لما تقضي به المجاملة، فأنا أعتقد جازماً أنّ الجميع يظنون أنهم لن يظعنوا لديار صاحبهم كتلكَ الفتاة المسكينة تماماً !.
    أوقفتُ غرائزَ ذاكرتي وأنا أعبر تلكَ الأروقة والردهاتِ الضيقة، عدتُ لغابةِ الأجهزةِ والشاشاتِ الصغيرة، شاهدتُ طائراً ضخماً يحلقُ في كل الشاشاتِ تلك، ولمحتُ ظلاً لمخالبِ هذا الطائرِ الوحشي على الأسقف والجدران.

    وعندما أيقنتُ أنني لا أستطيعَ فعل شئ، أغمضت عيني، شددت قبضتي، ونسيتُ أين أكون، بكيتُ بحرقةٍ ثم انحنيتُ على غصنها المكسور، تأوهتُ لعناقها، لشفتيها الساكنتين، لشمس عينيها وهي تسفح شعاعها الأخير.


    التعديل الأخير تم بواسطة علي التاجر; الساعة 13-03-2010, 10:41.
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    علي التاجر
    أنا أحب كتاباتك
    أحب نصوصك
    نص جاء بسرد شفاف بالرغم من الموت الحاضر ورهبته
    نص مذهل بتلك الروح التي تحتضر بصمت وانكسار
    سليم اللغة
    رائع التسلسل
    تستحق النجوم سيدي الكريم
    تستحق الذهبية
    ووهن قلمي عاجزلك ملكة فائقة في القص
    مرهف الحس أنت
    ودي الأكيد
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • نادية البريني
      أديب وكاتب
      • 20-09-2009
      • 2644

      #3
      للّه درّ هذا النّص الموشّح بالجمال رغم السّواد
      أتدرك أخي المبدع علي تاجر؟النّص قويّ قويّ
      برعت في القصّ بامتلاء اللّغة وبراعة التّصوير وجمال الأسلوب
      لم أقرأ لك سابقا لكنّ النّص أسرني لعمق تناول حقيقة الدنيا الفانية
      أبدعت بكلّ المقاييس

      ذكرتني وأنت تصوّر مشهد الجنازة بقصيدة لشاعر الزّهد أبي العتاهية الذي رثا نفسه قبل موته
      فرسم لوحة تشييعه إلى مثواه الأخير بلغة لا تخلو من سوداويّة
      نقلت بجمال فنّي المفارقة بين لحظة الموت ولحظة الحياة :المقبرة التي تحاذي المخبزة
      أعجبني العمل أيها المبدع وأسرتني اللغة خاصّة فهي شديدة الامتلاء .بورك قلمك وأنتظر جديدك
      دمت بخير

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        الأخ الفاضل : علي التاجر :
        بوركت أناملك الرائعة أديبنا الغالي .
        يتميّز النص ، بقوّة الفكرة ، والدلالات العميقة للتراكيب ، وهذه الصور الموائمة للحدث .
        أعطيتنا شعوراً موغلاً في ألم الفراق ، والإحساس العميق برهبة الموت ،
        بقلم دافقٍ فيه الكثير من الشجن.
        تقبّل تحيّاتي....

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • علي التاجر
          أديب وكاتب
          • 21-12-2008
          • 88

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
          الزميل القدير
          علي التاجر
          أنا أحب كتاباتك
          أحب نصوصك
          نص جاء بسرد شفاف بالرغم من الموت الحاضر ورهبته
          نص مذهل بتلك الروح التي تحتضر بصمت وانكسار
          سليم اللغة
          رائع التسلسل
          تستحق النجوم سيدي الكريم
          تستحق الذهبية
          ووهن قلمي عاجزلك ملكة فائقة في القص
          مرهف الحس أنت
          ودي الأكيد

          الأخت الفاضلة، الأديبة/ عائدة،،

          تحيتي العاطرة،،

          شرفٌ لي بحقٍ أن أحظى بهذا التقدير من أديبةٍ مثلكِ،،

          وأكثر منه تشجيعكِ الدائم لنصوصي المتواضعة،،

          شكراً

          تعليق

          • محمد مطيع صادق
            السيد سين
            • 29-04-2009
            • 179

            #6
            السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

            لا شيء جديد ..وليس هناك ما يستأهل هذا العجب

            فكاتب هذه القصة هو علي التاجر...وليس من الصعب عليه حياكة نسيج أدبي بديع كهذا

            وأنا أكثر المحبين لأعماله، ابتداءا بالنخلة الباسقة ومرورا بالريم ثم بين سجنين

            بوركت يا صديقي وتقبل مروري
            التعديل الأخير تم بواسطة محمد مطيع صادق; الساعة 17-03-2010, 10:21.

            تعليق

            • علي التاجر
              أديب وكاتب
              • 21-12-2008
              • 88

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة نادية البريني مشاهدة المشاركة
              للّه درّ هذا النّص الموشّح بالجمال رغم السّواد
              أتدرك أخي المبدع علي تاجر؟النّص قويّ قويّ
              برعت في القصّ بامتلاء اللّغة وبراعة التّصوير وجمال الأسلوب
              لم أقرأ لك سابقا لكنّ النّص أسرني لعمق تناول حقيقة الدنيا الفانية
              أبدعت بكلّ المقاييس
              ذكرتني وأنت تصوّر مشهد الجنازة بقصيدة لشاعر الزّهد أبي العتاهية الذي رثا نفسه قبل موته
              فرسم لوحة تشييعه إلى مثواه الأخير بلغة لا تخلو من سوداويّة
              نقلت بجمال فنّي المفارقة بين لحظة الموت ولحظة الحياة :المقبرة التي تحاذي المخبزة
              أعجبني العمل أيها المبدع وأسرتني اللغة خاصّة فهي شديدة الامتلاء .بورك قلمك وأنتظر جديدك
              دمت بخير

              الأخت الفاضلة/ المبدعة نادية البريني،،

              ربما تشابه هذا النص المتواضع مع نصك الدافئ "رحيلٌ مفاجئ" في ثيمة الموت وفراق الأحبة،،

              أشكر لكِ مروركِ الرائع، وإن كان نصي بهذا القدر، فهو من ذائقتك الفذة،،

              شكراً

              تعليق

              • علي التاجر
                أديب وكاتب
                • 21-12-2008
                • 88

                #8
                المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                الأخ الفاضل : علي التاجر :
                بوركت أناملك الرائعة أديبنا الغالي .
                يتميّز النص ، بقوّة الفكرة ، والدلالات العميقة للتراكيب ، وهذه الصور الموائمة للحدث .
                أعطيتنا شعوراً موغلاً في ألم الفراق ، والإحساس العميق برهبة الموت ،
                بقلم دافقٍ فيه الكثير من الشجن.
                تقبّل تحيّاتي....

                الأخت الفاضلة/ المبدعة إيمان الدرع،،

                سرّني مروركِ العاطر،،

                ورأيكِ في النص، شهادةٌ أعتز بها كثيراً،،

                نعم،،

                الفراقْ، لا أعلم لماذا ينتابني شعورٌ بالحزن كلما أحب أحداً !

                أتعلمين لماذا ؟

                لأنني على يقينٍ أنني سأفارقه،،

                وكأنني أتمثل قول المتنبي:

                ولقد بكيتُ على الشباب ولمتي مسودةٌ ولماء وجهي رونقُ

                أسفاً عليهِ قبل يومِ فراقهِ، حتى لكدتُ بماء عيني أشرقُ

                تعليق

                • علي التاجر
                  أديب وكاتب
                  • 21-12-2008
                  • 88

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة محمد مطيع مشاهدة المشاركة
                  السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

                  لا شيء جديد ..وليس هناك ما يستأهل هذا العجب

                  فكاتب هذه القصة هو علي التاجر...وليس من الصعب عليه حياكة نسيج أدبي بديع كهذا

                  وأنا أكثر المحبين لأعماله، ابتداءا بالنخلة الباسقة ومرورا بالريم ثم بين سجنين

                  بوركت يا صديقي وتقبل مروري

                  صديقي العزيز/ المبدع محمد مطيع،،

                  نوَرتَ النص،،

                  رأيكَ وسامٌ أفخر به، فهو من مبدعٍ ذا ذائقةٍ راقية،،

                  ولا يكونُ النص متألقاً من غير مرور "محمد مطيع" وإجراسته العطرة،،

                  شكراً

                  تعليق

                  • إيمان الدرع
                    نائب ملتقى القصة
                    • 09-02-2010
                    • 3576

                    #10
                    من ذاكرة عام 2010
                    تحيّاتي أستاذ علي ...نفتقدك ...
                    كلّ عامٍ وأنتم بخيرٍ

                    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                    تعليق

                    يعمل...
                    X