الإهداء...
لها وهي ترحلُ في ظهيرةِ يومٍ شتوي،،
الموانئ لا تنتظرُ أحداً
أسحقُ دواسةَ مركبتي وأخبُّ في المسير خارجَ الجهاتِ والأزمنة !.
أقصدُ المكان الذي يُضرجون فيه شهاداتِ الميلاد بحبرهم وأختامهم ويشطبون كينونتكَ من الوجود، هنا سيعلقونَ عضويتي يوماً ما في هذه السجلات المهملة والملفات التي أغبرها القدر.
حدود الدنيا أنا على مشارفها، الكوّة التي ينحسر عندها الضوء، حيثُ تقبع ماكنةُ اللحم الوحشية التي تتقيأ كل حينٍ جسداُ مرشوماً بالموت !؟. قبل دقائق، رنّ هاتفي، كانَ مغروساً داخل جيبي، سحبتهُ بعد لأيٍ وأنا أمسكُ مقبض مركبتي، جاءني صوتٌ مبحوح:
- أين أنت ؟
أجبتُ متعجباً وخائفاً:
- في طريقي للمنزل، ماذا هناك؟
- نحن هنا، أسرع...أسرع.
كنتُ أودّ معرفة ما الذي يجري، لكن الهاتفَ أُقفلَ فجأة، والنغمةُ المتقطعة تصهل في رأسي. بعدها هبت ريحٌ سوداء تزمرُ في أذني:
- أسرعْ...أسرع ، الموانئ لا تنتظرً أحداً.
كنستُ زفت الشوارع المهترئة بعجلات سيارتي، حتى إذا أشرفتُ على آخر محطةٍ للحياة، أوقفتُها بمحاذاةِ الرصيف وجعلتُ أركضُ بعد أن رتجتُ البابَ الذي أصدر ارتطامهُ صوتاً مدوياً. دخلتُ مهرولاً، عابراً هذا الحشد البائس، رأيتُ من سكّ الزمن عظامهم، أولئكَ الذينَ أدمنوا رائحة الكحول والمطهرات وغرز أنابيب التغذية وإبر الرحمة.
عندما وصلتُ لغرفةِ الطوارئ، لقيتُ لفيفاً من النساء، أحسستُ أنها هناك، اتجهت للغرفة التي كانوا بقربها بصمت.
كانت الريح السوداء تزمرُ في أذني ثانيةً:
- الموانئ لا تنتظر أحداً...أسرع...أسرع.
ارتطمَ بصري بها ممدةً، مصفرةً، مسدولةَ الأطراف، واهنةَ الشفتين. اقتربتُ منها، فركتُ أصابعها وأظافرها ببطنِ أصابعي، ثمّ سكبتُ دمعةً حاسرةً أرطبت يدها، لثمتُ قمرَ جبهتها وخرجتُ فيما كان الطبيب يشرح لهم حالتها الحرجة.
من بعيدٍ كنت ألمحه وهو يحمل أصابعه ويلصقها ببعضها، يتلذذ بكلماتهِ التي تسعر كنصلٍ مجنون، ينضد معطفه القطني ثمّ يرفع نظاراته ويحدجنا بعينين أدمنتا طعم الخوف، يتجبر وهو يمتلكُ زنادَ قلوبنا، يسخر من عيونِنا التي ترجوهُ وتتوسل إليه أن ينقذها، أن يرشُّ كذبةً بيضاء لن تتنكر لها آذاننا، كان كالجلادِ حين يضع حذاءه فوق رأس من يضعف عنه ويفركهُ بالبلاط؛ منتظراً أن نسكب في أذنيهِ رجاءنا واسترحامنا كي يترجل عن جمجمتها ويكون لها الفوت.
صرتُ لا أطيقُ الملاءات البيضاء ولا الكمامات المخضرة، لا أريدُ أن أرى أحداً منهم، لا معاطفهم ولا قفازاتهم، إنهم يجهلون معنى الحياة، رغم أنهم مؤتمنون عليها !.
وقفنا جميعاً ونحن نسند رؤوسنا للجدرانِ الملطخة بالشهقات والاحتضار، تذكرت ما قالته لي قبل أيامٍ قليلة، كانت منهمكةً في دعكِ الصحون والقدور، توقفتْ والماء ينسربُ بين كفيها، رفعت رأسها وأشارت لي أن أجلس، وما إن أقعيت لها، حتى همست بأنّ شيئاً ما سيحدث في القادم من الأيام، فهي ترى ظلاً لطائرٍ ضخم، يتبعها أينما تحطُّ، ولكنها لم تتبين ملامحهُ، ولم تعرف سره !. أكثرُ ما خشيتهُ أن أكون أنا من سيحلُّ لغز هذا الطير، فأرى جناحيهِ يحجبانها بلا رأفة !.
كيف يعنّ لكَ أن تفكر في الموت أو أن تترقبه ؟، في تحللك وانصهارك مع الطين؟، في أثيركَ وعهدك المجرد ؟، أن تحتفر تراب القرية بمستطيلٍ ضيقٍ مغبر، أو أن تُحملَ في النعش المسوَّر ذي الدعامات الملساء !.
لم أزل أتذكر ذات ليلةٍ شتوية عندما كنتُ أنتظرُ دوري قربَ فرن الخبز القابع أمام مقبرة القرية، لا أعلم من الذي أنبتهُ قبالة القبور والشواهد الرمادية، فربما يكونُ عناداً بشرياً ضدّ ناموس الكونِ الفيزيائي، لا أعلم، ولكن الجميع يحتشدون أمامه، يقهرون الموتى بعشقهم للحياة، يديرون لهم الظهور ويتندرون جهاراً. وفي الجهة الأخرى يقبع الموتى، وأحسبهم يسخرون ويحدقون في القادمين والرائحين ويتوعدونهم بنفس العاقبة.
ليلتها رأيتُ غمامةً تلوحُ من بعيد، وصوتاً مرعباً يجوسُ الأزقةَ الباهتة. شاهدتُ صفــَّــيْن متراصين بالأكتاف، كلٌ في قبالة الآخر، يرفعون أذرعهم، ومن فوقهم يسبحُ نعشٌ متشحٌ بالسواد. كانت إحدى الفتيات تنتظرُ أيضاً، لمحتها تـُـقلبُ بصرها بذعرٍ في جميع الجهات، سألتني:
- إنها جنازة ؟
قلتُ وأنا أنظرُ للسربِ القادم:
- ربما...نحن قربَ المقبرة.
بعدها، رأيتُ شبحها يتلاشى خلف البيوت؛ فقد أطلقت ساقيها للريح وبقيت عباءتها كجناحِ غرابٍ ترفُّ من بعيد. أما أنا فقد تجاسرتُ وانطلقتُ لأحشرَ نفسي بين تلكَ الأجساد والقوائمِ الرفيعة، رفعتُ ذارعيّ كما يفعلون، مشيتُ بخطىً مستقيمةٍ عرضية على جانبي الأيسر كالصفِّ الذي ألصقت نفسي به، وبالكاد لمستُ النعش الذي أطلَّ من خلف قضبانه المعدنية المغطاة ببردةٍ سوداء كتبت عليها الشهادتين بخيوطٍ ذهبية شبحٌُ مكفنٌ بقطعةٍ بيضاء مائلةٍ للصفرة من رأسه حتى أخمص قدميه، وهو يترنحُ كأنهُ في قاربٍ فوق الأيدي التي احتملته، ولكم انتابني الحزنُ لحاله والقضبانُ ترتطم به، وهو مختنقٌ مقيد !.
الآن كلما أرى صورةً تعتلي صدرَ مجلسٍ ما، وأسمع قهقهات الحاضرين الذين يجترون النكات التي ربما يكونُ هذا الراحل بطلها، أشفقُ على الجميع، وأظلُّ متجهماً خرقاً لما تقضي به المجاملة، فأنا أعتقد جازماً أنّ الجميع يظنون أنهم لن يظعنوا لديار صاحبهم كتلكَ الفتاة المسكينة تماماً !.
أوقفتُ غرائزَ ذاكرتي وأنا أعبر تلكَ الأروقة والردهاتِ الضيقة، عدتُ لغابةِ الأجهزةِ والشاشاتِ الصغيرة، شاهدتُ طائراً ضخماً يحلقُ في كل الشاشاتِ تلك، ولمحتُ ظلاً لمخالبِ هذا الطائرِ الوحشي على الأسقف والجدران.
وعندما أيقنتُ أنني لا أستطيعَ فعل شئ، أغمضت عيني، شددت قبضتي، ونسيتُ أين أكون، بكيتُ بحرقةٍ ثم انحنيتُ على غصنها المكسور، تأوهتُ لعناقها، لشفتيها الساكنتين، لشمس عينيها وهي تسفح شعاعها الأخير.
تعليق