القط

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • هادي زاهر
    أديب وكاتب
    • 30-08-2008
    • 824

    القط

    القط

    عقد من الزمن انتظر حسن وزوجته منيرة حتى رزقا بابنهما " فهد " على اسم الجد، الذي عيل صبره في انتظار قدوم حفيده، وكم من مرة طلب من ابنه أن يطق زوجته:
    - طلقها يا زلمي بزوجك أحسن منها، الشجرة اللي بلا ثمرة حلال قطعها.
    ولكن حسناً خجل أن يطلع والده بان العجز منه، وكم كان سعيداً عندما زفّ إليه خبر حمل زوجته، وكان حسن قد مر بسلسلة معالجات طبية، وزار سماحة الشيخ الذي كتب له حجاباً، كما زار سراً الست "حليمة " وكان قد رفض فكرة الذهاب إليها بسبب عدم إيمانه بالشعوذة، لكنه رضخ أمام إلحاح زوجته التي قالت :
    - يا زلمي جربنا كل الطرق ولم يبق سوى هذه الطريقة، فإذا لم نربح لن نخسر !
    وهناك رحبت به الست حليمة ثم قامت ببعض الحركات التي أوحت له كما قالت بقدوم الحمل ويشاء القدر أن تحمل منيرة لتقفز الست حليمه على الموجة مطالبة "بالحلوينة" وتتعزز مكانتها بين الضعفاء والبائسين
    لم تسع الدنيا فرحة الجد:- صحيح انه ما أعز من الولد إلا ولد الولد، الآن يمكنني أن أموت مرتاحاً، فمن خلف ما مات .
    مرت أسابيع وكبر "فهد" الذي أخذ يحبو وسط فرحة الأهل وخاصة الجد الذي أضحت الابتسامة لا تفارق محياه ، وذات يوم انتشرت الرائحة الكريهة في الحي أثر جيفة مسكين سحقت تحت عجلات السيارات التي نقلت الجراثيم والأمراض إلى مناطق واسعة من القرية، وكان الكثيرون من سكان القرية يعتقدون أن نقل القط ودفنه لا يدخل في نطاق مهماتهم، وكنت عندما تسير مسرعاً وانت تسد أنفك، تلفت انتباه أحد الجيران إلى ضرورة نقل القط ودفنه، فيسرع إلى القول:-
    أنا خصني بيتي وبس
    وعندما تناقشه وتقول أنه من واجب الإنسان أن يعمل من أجل محيطه، لان المصلحة العامة مرتبطة بالمصلحة الشخصية، يقول إن هذه فلسفة بايخة وإنها مجرد ضريبة كلامية وأن من يتباهون بها هم أكثر الناس بعداً عنها، ثم يدرج بعض الأمثلة التي تصادق على ما يذهب إليه ويعزو تقاعسه بأن هذه المهمة من اختصاص قسم الصيانة في المجلس المحلي، الذي قد يكون على خلاف عائلي مع قيادته الجديدة، وذلك علماً بأنه يدرك أن مجالسنا المحلية في ضائقة مالية لعدة أسباب، كسوء إدارة القيادة السابقة التي ينتمي إليها، الأمر الذي يحجب المعاشات عن العمال المساكين لمدة طويلة مما يفقدهم المحفز للجد والاجتهاد، وعبثاً كان الحديث مع"حسن " الذي لم يقتنع بان المصلحة الشخصية مرتبطة بالمصلحة العامة ، وأن الأمور الحياتية سلسلة مترابطة الحلقات، ورفض أقوال الرسل والحكماء التي تدعو إلى ذلك، بالرغم من كونه أكثر الناس معاناة، فالجيفة قريبة من مدخل داره. والحقيقة انه فكر أن يغتنم العتمة لكي يقوم بنقل الجيفة ودفنها ولكن كبرياءه الزائفة جعلته يعدل عن فكرته ؟!!
    كانت الزوجة تخرج لتقوم بتكنيس ساحة الدار ومن ضمن ذلك مرآب السيارة ثم تدخل إلى البيت متمشية وكان ابنها يأخذ شوطاً من الحبو ثم يجلس ليستريح، وككل الأطفال يضع إبهامه في فمه .
    استفاقت الأسرة الصغيرة على صوت صراخ شبلها الصغير جراء وجع في أحشائه لينتقل هذا الوجع إلى أحشاء أهله حسرة، ولم ينفع مغلي اليانسون وغيره من الأعشاب والوصفات التقليدية في إطفاء الألم، فأخذت الأم تبكي ليمتزج بكاؤها مع بكاء صغيرها في سيمفونية حزينة متواصلة فاستشاط حسن غضباَ وصرخ: - شو كنا في واحد صرنا في اثنين
    حمل حسن طفله إلى السيارة .لحقت به زوجته وهي تبكي وتدعو رب العالمين أن يشفي وليدها توجه إلى العيادة فوجدها مقفلة، فأطلق مسبة وأكمل طريقه إلى المدينة حتى وصل المستشفى وهناك أجريت للطفل الفحوصات اللازمة، وانتظرت الأسرة وسط عويل الأم وعصبية الأب الخائف فصرخ مجدداً في وجه زوجته: - يا عمي استني شوي خلينا نعرف الدكتور شو بقول .
    وواصلا انتظارهم ودقات قلبهما تتضاعف وسط زحف الوقت وقد تباطأ وما أن خرج الطبيب حتى قفزت الأم مستفسرة فأعلمهما الطبيب بان هناك حالة تسمم والطفل بحاجة إلى علاج مكثف لعدة أيام تحت المراقبة.
    في الصباح أتصل حسن بمشغله واعلمه بالموضوع وطلب إذناً للاستراحة والبقاء بجانب ابنه الوحيد، رفض المشغل طلب حسن بعد أن تمنى للصغير الشفاء العاجل قائلاً:
    - عليك أن تصل إلى العمل أو أعتبر نفسك مفصولا.
    لكن حسناً غط في سبات عميق على كرسي الانتظار.
    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    من أجمل ما يعجبني في نصوصك قدرتك الفائقة على سرد الحدوتة بأسلوب مشوق و هادئ أيها الهادئ زاهر الجميل

    واقترابها من الصيغة الروائية .. الشخوص و حالة التداخل بينهم .. جميل هذا النص لغةً وفكراً وموضوعاً

    أحب أن أقرأ لك أستاذ زاهر .. لا حرمنا الله من حضورك بيننا ..

    خالص تحياتي
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • د. نديم حسين
      شاعر وناقد
      رئيس ملتقى الديوان
      • 17-11-2009
      • 1298

      #3
      كاتبنا الطازج الرائع هادي زاهر
      ما يميِّزُكَ عن سواك هو هذا التفرُّدِ في تناول قضايا تخصُّ الصالح العام . قضايا غاية في الأهميةِ . وذلكَ بأسلوبٍ أخَّاذٍ جميلٍ .
      ما زلنا بأمسِّ الحاجة لبَريِ حاسَّةِ الوعيِ العام والخاص في كل ما يخصُّ أمور حياتنا .
      علينا أن ندركَ أنَّ إزالةَ جثث القططِ من طرقاتنا هي - في المعنى المباشر أو المجازيِّ - أمرٌ فيهِ الحدُّ الفاصلُ بين الحياةِ والموت .
      لا خوف على مجتمعٍ فيهِ كتابٌ من فصيلتكَ النبيلة . فشكرًا لكَ .
      مع خالص مودتي واحترامي

      تعليق

      • هادي زاهر
        أديب وكاتب
        • 30-08-2008
        • 824

        #4
        اخي الكاتب العزيز مجمد ابراهيم سلطان
        رأيك يشحنني بالنشاط.. يحفزني على مواصلة العمل بالرغم من الظروف الوقتية القاهرة ، جوانب اجتماعية سلبية عديدة علينا ان نعالجها، ان حياتنا حافلة بالتناقضات، نحن نقول ان علينا أن نحافظ على البيئة ونترك القط المدهوك وسط الشارع ، وعندما يكون الرجل عاقراً يتهم الزوجة إلخ......
        محبتي
        هادي زاهر
        " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

        تعليق

        • هادي زاهر
          أديب وكاتب
          • 30-08-2008
          • 824

          #5
          أخي الشاعر الكبير د . نديم حسين، ارى ان على الادب ان يعمل على تنمية الضمير الإنساني .. ان يعمل على تنمية الشعور بالمسوؤلية .. ان ( يوثق) احياناً الواقع ضمن فترته لذلك تأتي أغلبية قصصي واضحة
          اسعدني انفعالك مع قصتي ومرورك الطيب .
          محبتي
          هادي زاهر
          " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

          تعليق

          • رحاب فارس بريك
            عضو الملتقى
            • 29-08-2008
            • 5188

            #6
            القط

            عقد من الزمن انتظر حسن وزوجته منيرة حتى رزقا بابنهما " فهد " على اسم الجد، الذي عيل صبره في انتظار قدوم حفيده، وكم من مرة طلب من ابنه أن يطق زوجته:
            - طلقها يا زلمي بزوجك أحسن منها، الشجرة اللي بلا ثمرة حلال قطعها.
            ولكن حسناً خجل أن يطلع والده بان العجز منه، وكم كان سعيداً عندما زفّ إليه خبر حمل زوجته، وكان حسن قد مر بسلسلة معالجات طبية، وزار سماحة الشيخ الذي كتب له حجاباً، كما زار سراً الست "حليمة " وكان قد رفض فكرة الذهاب إليها بسبب عدم إيمانه بالشعوذة، لكنه رضخ أمام إلحاح زوجته التي قالت :
            - يا زلمي جربنا كل الطرق ولم يبق سوى هذه الطريقة، فإذا لم نربح لن نخسر !
            وهناك رحبت به الست حليمة ثم قامت ببعض الحركات التي أوحت له كما قالت بقدوم الحمل ويشاء القدر أن تحمل منيرة لتقفز الست حليمه على الموجة مطالبة "بالحلوينة" وتتعزز مكانتها بين الضعفاء والبائسين
            لم تسع الدنيا فرحة الجد:- صحيح انه ما أعز من الولد إلا ولد الولد، الآن يمكنني أن أموت مرتاحاً، فمن خلف ما مات .
            مرت أسابيع وكبر "فهد" الذي أخذ يحبو وسط فرحة الأهل وخاصة الجد الذي أضحت الابتسامة لا تفارق محياه ، وذات يوم انتشرت الرائحة الكريهة في الحي أثر جيفة مسكين سحقت تحت عجلات السيارات التي نقلت الجراثيم والأمراض إلى مناطق واسعة من القرية، وكان الكثيرون من سكان القرية يعتقدون أن نقل القط ودفنه لا يدخل في نطاق مهماتهم، وكنت عندما تسير مسرعاً وانت تسد أنفك، تلفت انتباه أحد الجيران إلى ضرورة نقل القط ودفنه، فيسرع إلى القول:-
            أنا خصني بيتي وبس
            وعندما تناقشه وتقول أنه من واجب الإنسان أن يعمل من أجل محيطه، لان المصلحة العامة مرتبطة بالمصلحة الشخصية، يقول إن هذه فلسفة بايخة وإنها مجرد ضريبة كلامية وأن من يتباهون بها هم أكثر الناس بعداً عنها، ثم يدرج بعض الأمثلة التي تصادق على ما يذهب إليه ويعزو تقاعسه بأن هذه المهمة من اختصاص قسم الصيانة في المجلس المحلي، الذي قد يكون على خلاف عائلي مع قيادته الجديدة، وذلك علماً بأنه يدرك أن مجالسنا المحلية في ضائقة مالية لعدة أسباب، كسوء إدارة القيادة السابقة التي ينتمي إليها، الأمر الذي يحجب المعاشات عن العمال المساكين لمدة طويلة مما يفقدهم المحفز للجد والاجتهاد، وعبثاً كان الحديث مع"حسن " الذي لم يقتنع بان المصلحة الشخصية مرتبطة بالمصلحة العامة ، وأن الأمور الحياتية سلسلة مترابطة الحلقات، ورفض أقوال الرسل والحكماء التي تدعو إلى ذلك، بالرغم من كونه أكثر الناس معاناة، فالجيفة قريبة من مدخل داره. والحقيقة انه فكر أن يغتنم العتمة لكي يقوم بنقل الجيفة ودفنها ولكن كبرياءه الزائفة جعلته يعدل عن فكرته ؟!!
            كانت الزوجة تخرج لتقوم بتكنيس ساحة الدار ومن ضمن ذلك مرآب السيارة ثم تدخل إلى البيت متمشية وكان ابنها يأخذ شوطاً من الحبو ثم يجلس ليستريح، وككل الأطفال يضع إبهامه في فمه .
            استفاقت الأسرة الصغيرة على صوت صراخ شبلها الصغير جراء وجع في أحشائه لينتقل هذا الوجع إلى أحشاء أهله حسرة، ولم ينفع مغلي اليانسون وغيره من الأعشاب والوصفات التقليدية في إطفاء الألم، فأخذت الأم تبكي ليمتزج بكاؤها مع بكاء صغيرها في سيمفونية حزينة متواصلة فاستشاط حسن غضباَ وصرخ: - شو كنا في واحد صرنا في اثنين
            حمل حسن طفله إلى السيارة .لحقت به زوجته وهي تبكي وتدعو رب العالمين أن يشفي وليدها توجه إلى العيادة فوجدها مقفلة، فأطلق مسبة وأكمل طريقه إلى المدينة حتى وصل المستشفى وهناك أجريت للطفل الفحوصات اللازمة، وانتظرت الأسرة وسط عويل الأم وعصبية الأب الخائف فصرخ مجدداً في وجه زوجته: - يا عمي استني شوي خلينا نعرف الدكتور شو بقول .
            وواصلا انتظارهم ودقات قلبهما تتضاعف وسط زحف الوقت وقد تباطأ وما أن خرج الطبيب حتى قفزت الأم مستفسرة فأعلمهما الطبيب بان هناك حالة تسمم والطفل بحاجة إلى علاج مكثف لعدة أيام تحت المراقبة.
            في الصباح أتصل حسن بمشغله واعلمه بالموضوع وطلب إذناً للاستراحة والبقاء بجانب ابنه الوحيد، رفض المشغل طلب حسن بعد أن تمنى للصغير الشفاء العاجل قائلاً:
            - عليك أن تصل إلى العمل أو أعتبر نفسك مفصولا.
            لكن حسناً غط في سبات عميق على كرسي الانتظار.

            أستاذ زاهي

            آسفة فقد قمت بتكبير حروف القصة ليتسنى لي قراءتها بشكل جيد
            لي عودة للتعليق
            ..................عندما أمسك قلمي ، لا أفكر ماذا سأكتب إنما ، أكتب ما أحس ..

            تعليق

            • إيمان عامر
              أديب وكاتب
              • 03-05-2008
              • 1087

              #7
              تحياتي بعطر الزهور

              أستاذ هادي زاهر

              سرد جميل ممتع
              ولحظات يطير معها العقل
              أصعب اللحظات الانتظار كانت قاسية مؤلمة

              دمت في تألق

              لك ارق تحياتي
              "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

              تعليق

              • هادي زاهر
                أديب وكاتب
                • 30-08-2008
                • 824

                #8
                أختي الكاتبة العزيزة رحاب بريك
                انا في انتظار تقيمك لقصتي
                محبتي
                هادي زاهر
                " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                تعليق

                • عائده محمد نادر
                  عضو الملتقى
                  • 18-10-2008
                  • 12843

                  #9
                  الزميل القدير
                  هادي زاهر
                  أعتذر منك كثيرا على تأخري في الرد
                  فكما ترى النصوص كثيرة وأنا تقريبا وحدي بعد غياب الزميل القدير ربيع ومن ثم جعل الصفحة 40 نصا بل ال 20 سابقا
                  أمس قرأت النص ولكن حاسوبي ركبه (( الجني ))
                  كما عهدنا بك عين ساهرة ترصد الخلل الذي بات ظواهر منتشرة في مجتمعاتنا والكل يقول (( ومادخلي لست المسؤول ))
                  لاتبعتد نصوصك أبدا عن هموم المواطن ومشاكله اليومية التي تحاصره
                  تقبل تحياتي ومودتي زميلي
                  الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                  تعليق

                  • هادي زاهر
                    أديب وكاتب
                    • 30-08-2008
                    • 824

                    #10
                    أختي الكاتبة العزيزة إيمان عامر
                    لقد حاولت انتحال مشاعر الام ولو اردت صياغتها مجدداً كنت اسهبت في ذلك أكثر.
                    محبتي
                    هادي زاهر
                    " أعتبر نفسي مسؤولاً عما في الدنيا من مساوئ ما لم أحاربها "

                    تعليق

                    يعمل...
                    X