القط
عقد من الزمن انتظر حسن وزوجته منيرة حتى رزقا بابنهما " فهد " على اسم الجد، الذي عيل صبره في انتظار قدوم حفيده، وكم من مرة طلب من ابنه أن يطق زوجته:
- طلقها يا زلمي بزوجك أحسن منها، الشجرة اللي بلا ثمرة حلال قطعها.
ولكن حسناً خجل أن يطلع والده بان العجز منه، وكم كان سعيداً عندما زفّ إليه خبر حمل زوجته، وكان حسن قد مر بسلسلة معالجات طبية، وزار سماحة الشيخ الذي كتب له حجاباً، كما زار سراً الست "حليمة " وكان قد رفض فكرة الذهاب إليها بسبب عدم إيمانه بالشعوذة، لكنه رضخ أمام إلحاح زوجته التي قالت :
- يا زلمي جربنا كل الطرق ولم يبق سوى هذه الطريقة، فإذا لم نربح لن نخسر !
وهناك رحبت به الست حليمة ثم قامت ببعض الحركات التي أوحت له كما قالت بقدوم الحمل ويشاء القدر أن تحمل منيرة لتقفز الست حليمه على الموجة مطالبة "بالحلوينة" وتتعزز مكانتها بين الضعفاء والبائسين
لم تسع الدنيا فرحة الجد:- صحيح انه ما أعز من الولد إلا ولد الولد، الآن يمكنني أن أموت مرتاحاً، فمن خلف ما مات .
مرت أسابيع وكبر "فهد" الذي أخذ يحبو وسط فرحة الأهل وخاصة الجد الذي أضحت الابتسامة لا تفارق محياه ، وذات يوم انتشرت الرائحة الكريهة في الحي أثر جيفة مسكين سحقت تحت عجلات السيارات التي نقلت الجراثيم والأمراض إلى مناطق واسعة من القرية، وكان الكثيرون من سكان القرية يعتقدون أن نقل القط ودفنه لا يدخل في نطاق مهماتهم، وكنت عندما تسير مسرعاً وانت تسد أنفك، تلفت انتباه أحد الجيران إلى ضرورة نقل القط ودفنه، فيسرع إلى القول:-
أنا خصني بيتي وبس
وعندما تناقشه وتقول أنه من واجب الإنسان أن يعمل من أجل محيطه، لان المصلحة العامة مرتبطة بالمصلحة الشخصية، يقول إن هذه فلسفة بايخة وإنها مجرد ضريبة كلامية وأن من يتباهون بها هم أكثر الناس بعداً عنها، ثم يدرج بعض الأمثلة التي تصادق على ما يذهب إليه ويعزو تقاعسه بأن هذه المهمة من اختصاص قسم الصيانة في المجلس المحلي، الذي قد يكون على خلاف عائلي مع قيادته الجديدة، وذلك علماً بأنه يدرك أن مجالسنا المحلية في ضائقة مالية لعدة أسباب، كسوء إدارة القيادة السابقة التي ينتمي إليها، الأمر الذي يحجب المعاشات عن العمال المساكين لمدة طويلة مما يفقدهم المحفز للجد والاجتهاد، وعبثاً كان الحديث مع"حسن " الذي لم يقتنع بان المصلحة الشخصية مرتبطة بالمصلحة العامة ، وأن الأمور الحياتية سلسلة مترابطة الحلقات، ورفض أقوال الرسل والحكماء التي تدعو إلى ذلك، بالرغم من كونه أكثر الناس معاناة، فالجيفة قريبة من مدخل داره. والحقيقة انه فكر أن يغتنم العتمة لكي يقوم بنقل الجيفة ودفنها ولكن كبرياءه الزائفة جعلته يعدل عن فكرته ؟!!
كانت الزوجة تخرج لتقوم بتكنيس ساحة الدار ومن ضمن ذلك مرآب السيارة ثم تدخل إلى البيت متمشية وكان ابنها يأخذ شوطاً من الحبو ثم يجلس ليستريح، وككل الأطفال يضع إبهامه في فمه .
استفاقت الأسرة الصغيرة على صوت صراخ شبلها الصغير جراء وجع في أحشائه لينتقل هذا الوجع إلى أحشاء أهله حسرة، ولم ينفع مغلي اليانسون وغيره من الأعشاب والوصفات التقليدية في إطفاء الألم، فأخذت الأم تبكي ليمتزج بكاؤها مع بكاء صغيرها في سيمفونية حزينة متواصلة فاستشاط حسن غضباَ وصرخ: - شو كنا في واحد صرنا في اثنين
حمل حسن طفله إلى السيارة .لحقت به زوجته وهي تبكي وتدعو رب العالمين أن يشفي وليدها توجه إلى العيادة فوجدها مقفلة، فأطلق مسبة وأكمل طريقه إلى المدينة حتى وصل المستشفى وهناك أجريت للطفل الفحوصات اللازمة، وانتظرت الأسرة وسط عويل الأم وعصبية الأب الخائف فصرخ مجدداً في وجه زوجته: - يا عمي استني شوي خلينا نعرف الدكتور شو بقول .
وواصلا انتظارهم ودقات قلبهما تتضاعف وسط زحف الوقت وقد تباطأ وما أن خرج الطبيب حتى قفزت الأم مستفسرة فأعلمهما الطبيب بان هناك حالة تسمم والطفل بحاجة إلى علاج مكثف لعدة أيام تحت المراقبة.
في الصباح أتصل حسن بمشغله واعلمه بالموضوع وطلب إذناً للاستراحة والبقاء بجانب ابنه الوحيد، رفض المشغل طلب حسن بعد أن تمنى للصغير الشفاء العاجل قائلاً:
- عليك أن تصل إلى العمل أو أعتبر نفسك مفصولا.
لكن حسناً غط في سبات عميق على كرسي الانتظار.
عقد من الزمن انتظر حسن وزوجته منيرة حتى رزقا بابنهما " فهد " على اسم الجد، الذي عيل صبره في انتظار قدوم حفيده، وكم من مرة طلب من ابنه أن يطق زوجته:
- طلقها يا زلمي بزوجك أحسن منها، الشجرة اللي بلا ثمرة حلال قطعها.
ولكن حسناً خجل أن يطلع والده بان العجز منه، وكم كان سعيداً عندما زفّ إليه خبر حمل زوجته، وكان حسن قد مر بسلسلة معالجات طبية، وزار سماحة الشيخ الذي كتب له حجاباً، كما زار سراً الست "حليمة " وكان قد رفض فكرة الذهاب إليها بسبب عدم إيمانه بالشعوذة، لكنه رضخ أمام إلحاح زوجته التي قالت :
- يا زلمي جربنا كل الطرق ولم يبق سوى هذه الطريقة، فإذا لم نربح لن نخسر !
وهناك رحبت به الست حليمة ثم قامت ببعض الحركات التي أوحت له كما قالت بقدوم الحمل ويشاء القدر أن تحمل منيرة لتقفز الست حليمه على الموجة مطالبة "بالحلوينة" وتتعزز مكانتها بين الضعفاء والبائسين
لم تسع الدنيا فرحة الجد:- صحيح انه ما أعز من الولد إلا ولد الولد، الآن يمكنني أن أموت مرتاحاً، فمن خلف ما مات .
مرت أسابيع وكبر "فهد" الذي أخذ يحبو وسط فرحة الأهل وخاصة الجد الذي أضحت الابتسامة لا تفارق محياه ، وذات يوم انتشرت الرائحة الكريهة في الحي أثر جيفة مسكين سحقت تحت عجلات السيارات التي نقلت الجراثيم والأمراض إلى مناطق واسعة من القرية، وكان الكثيرون من سكان القرية يعتقدون أن نقل القط ودفنه لا يدخل في نطاق مهماتهم، وكنت عندما تسير مسرعاً وانت تسد أنفك، تلفت انتباه أحد الجيران إلى ضرورة نقل القط ودفنه، فيسرع إلى القول:-
أنا خصني بيتي وبس
وعندما تناقشه وتقول أنه من واجب الإنسان أن يعمل من أجل محيطه، لان المصلحة العامة مرتبطة بالمصلحة الشخصية، يقول إن هذه فلسفة بايخة وإنها مجرد ضريبة كلامية وأن من يتباهون بها هم أكثر الناس بعداً عنها، ثم يدرج بعض الأمثلة التي تصادق على ما يذهب إليه ويعزو تقاعسه بأن هذه المهمة من اختصاص قسم الصيانة في المجلس المحلي، الذي قد يكون على خلاف عائلي مع قيادته الجديدة، وذلك علماً بأنه يدرك أن مجالسنا المحلية في ضائقة مالية لعدة أسباب، كسوء إدارة القيادة السابقة التي ينتمي إليها، الأمر الذي يحجب المعاشات عن العمال المساكين لمدة طويلة مما يفقدهم المحفز للجد والاجتهاد، وعبثاً كان الحديث مع"حسن " الذي لم يقتنع بان المصلحة الشخصية مرتبطة بالمصلحة العامة ، وأن الأمور الحياتية سلسلة مترابطة الحلقات، ورفض أقوال الرسل والحكماء التي تدعو إلى ذلك، بالرغم من كونه أكثر الناس معاناة، فالجيفة قريبة من مدخل داره. والحقيقة انه فكر أن يغتنم العتمة لكي يقوم بنقل الجيفة ودفنها ولكن كبرياءه الزائفة جعلته يعدل عن فكرته ؟!!
كانت الزوجة تخرج لتقوم بتكنيس ساحة الدار ومن ضمن ذلك مرآب السيارة ثم تدخل إلى البيت متمشية وكان ابنها يأخذ شوطاً من الحبو ثم يجلس ليستريح، وككل الأطفال يضع إبهامه في فمه .
استفاقت الأسرة الصغيرة على صوت صراخ شبلها الصغير جراء وجع في أحشائه لينتقل هذا الوجع إلى أحشاء أهله حسرة، ولم ينفع مغلي اليانسون وغيره من الأعشاب والوصفات التقليدية في إطفاء الألم، فأخذت الأم تبكي ليمتزج بكاؤها مع بكاء صغيرها في سيمفونية حزينة متواصلة فاستشاط حسن غضباَ وصرخ: - شو كنا في واحد صرنا في اثنين
حمل حسن طفله إلى السيارة .لحقت به زوجته وهي تبكي وتدعو رب العالمين أن يشفي وليدها توجه إلى العيادة فوجدها مقفلة، فأطلق مسبة وأكمل طريقه إلى المدينة حتى وصل المستشفى وهناك أجريت للطفل الفحوصات اللازمة، وانتظرت الأسرة وسط عويل الأم وعصبية الأب الخائف فصرخ مجدداً في وجه زوجته: - يا عمي استني شوي خلينا نعرف الدكتور شو بقول .
وواصلا انتظارهم ودقات قلبهما تتضاعف وسط زحف الوقت وقد تباطأ وما أن خرج الطبيب حتى قفزت الأم مستفسرة فأعلمهما الطبيب بان هناك حالة تسمم والطفل بحاجة إلى علاج مكثف لعدة أيام تحت المراقبة.
في الصباح أتصل حسن بمشغله واعلمه بالموضوع وطلب إذناً للاستراحة والبقاء بجانب ابنه الوحيد، رفض المشغل طلب حسن بعد أن تمنى للصغير الشفاء العاجل قائلاً:
- عليك أن تصل إلى العمل أو أعتبر نفسك مفصولا.
لكن حسناً غط في سبات عميق على كرسي الانتظار.
تعليق