جسر رقم 4
فوق المقاعد الرجراجة الضيقة، تراخت تسعة أجساد ثقيلة تغالب النعاس. لن تصحو تماماً حتى يكتم السائق صوت المذياع، وهدير المحرك الخشن عند الوصول، أو يزعق صوته القوي الحاد مستنهضاً قبيل ذلك بقليل. هو الآن منشغل بالمقود الواسع المستدير، يحركه، فيلوذ بالحافلة إلى اليسار، وإلى اليمين، تفادياً لحفرة عميقة، أو حجر كبير ناتئ فوق التراب.
في طرف المقعد الأوسط، خلف السائق تماماً، قبع خالد وقد جافاه النعاس، لكنه لا يستسيغ الكلام في مثل هذه الساعة المبكرة من الصباح. كان جبينه يناطح الزجاج، فلا تجفل له عين، ولا تكف عن تفحص المشاهد المتعاقبة، وهي تستفز فضول القادم الجديد، وتشتت أفكاره في مهب الآتي من الأيام، فيسائل النفس معاتباً، عن الدافع الذي جعله يرتمي في هذه البقاع المنعزلة، ثم يواصل حوار الذات لائماً:
"وهل كان حظي ميسرا من قبل حتى يكون الآن؟".
"أي حظ هذا أيها المثقف العتيد؟ لطالما اعتقدت أن الحظ ليس إلا محض احتمال قصيّ نادر الحدوث، لكنه يحدث!".
"وكيف يكون احتمالاً قصياً وهو لا يفارق خطوة واحدة من خطاي؟".
"على رسلك. لا تسلم النفس لهذا البؤس الذي يمسح وجوه الناس جميعاً فيغفو الواحد منهم حالماً، كأن الدنيا لم تبتل أحداً سواه، ولا يفيق ولو مرةً ملتذاً بحلم كان فيه وحيداً...؟".
انقطعت هذه المساءلة فجأة، وأجفل خالد عند انحراف الحافلة جانباً، فاسحةً المجال لشاحنة تعلو المنحدر الوشيك. فما أن تجاوزتهم وانطلقت المركبة من جديد، تلج المنحدر مائلةً باتجاه المقدمة، حتى تبدى الخط المتلوي الراسم للطريق، يشق حقل القمح المترامي إلى شطرين. مشهد فيه من الألفة ما يختصر البحث في شريط الذاكرة، لكثرة ما يعاود النظر، أنساق لذات الدلالة، توهج له قلب خالد فبعثر الحنين بعيداً حتى بلدته القابعة عند الحدود، لكنه سرعان ما انتهر نفسه موبخاً، فغيابه لم يتجاوز ليلة وساعة من صباح بعد.
أنجزت السيارة هبوط المنحدر، وبدأت تشق الحقل هي الأخرى. الركاب لا يزالون نياماً، وخالد يقرأ لافتةً ضخمةً لا ترحب بزائر، أو تشير لاسم القرية المهجورة التي سيجثم الجسر فوق أطلالها، متطاولاً حتى الشارع المؤدي إلى "تل أبيب". كل ما هنالك حروف عريضة باللغة العبرية، تخط كلمة واحدة من مقطعين، هي اسم شركة البناء. تتضخم اللافتة كلما اقتربت مؤذنة السائق بموعد خطابه اليومي، فيصيح بصوت عال يفارقه الحنان:
"هيه يا كسالى، هيا انهضوا، يا أسعد، يا نجم، انهضوا يا جماعه، لقد وصلنا، أنظروا وفد الاستقبال، إنه ينتظركم منذ الشروق".
وفد الاستقبال هذا هو ثلاثة كلاب، أخذت لتوها تنبح وتدور حول الحافلة. ثمة كلب رابع ضخم الجثة، كان يتقدم بطيئاً متثاقلاً بغير اكتراث ملفت. ناداه نجم عن بعد وهو يطل من النافذة:
"هيه يا أحمر، هيه يا زعيم، أيها الوحش اليائس، أما اشتقت لأحد منا؟ لا بد أن هاجس الانتحار لا زال يشغلك".
أطلق البعض ضحكات قصيرة، وهم ينزلون من السيارة، وأخذوا يلاطفون الكلاب المنفعلة. أما نجم فبدأ يعرفهم بالقادم الجديد خالد، حتى جاء الدور على الكلب المتراخي الواصل للتو، قال نجم:
"وهذا صديقنا العجوز. إنه الزعيم المخلوع، أسميناه أحمراً للونه البني، لكنه لا يبدو مرتاحا للاسم، ولا للقب، فهو كثيراً ما لا يستجيب للنداء".
كان خالد وقتئذٍ يدور على نفسه، وهو يجيل نظره فيبدو له الأحمر طاغياً في هذا المكان الموحش. الشاحنات حمراء، والتراب أحمر، المخازن المعدنية، جذور الأشجار المطروحة أرضاً، اللافتة، ودمه الذي سيسيل أثناء العمل. التفت إلى نجم مخاطباً:
"لابد أنه يفضل لقباً أقل شيوعاً".
ثم تقدم وأخذ يمسد براحة كفه رأس الكلب وعنقه، وباليد الأخرى يربت على ظهره بأناة وخفة، والأحمر يبدو راضياً، أو شارداً بهمومه كما قال نجم مداعباً وهو يقهقه، ثم أضاف:
"وهل من لقب يا صاحبي أقل انتشاراً من لقب الزعيم".
كانت سخرية نجم ترشح مرارة مبهمة القصد إن على حاله، أو على الكلب الهادئ خدراً وسدوراً، وانزواء من عاف الحياة، فلا يبدي اكتراثاً لمداعبات خالد، ومحاولته كسب ودٍ ينفي حاجة المخلوق لغير قليل من العناية والحنان. ولكن لا بأس، سيعيد الكرة من جديد متى سنحت له فرصة أطول وأهدأ من هذه التي قطعها صوتان قويان. أولهما، صفير الحارس وهو يدعو الكلاب إليه، فتتلكأ حتى ينتهرها بلهجة بدوية واضحة. والثاني، صوت مدير العمل يصرخ بالجميع بلغة عبرية واضحة هي الأخرى، معلناً أنهم في مكان عمل، وليس في منتزه أو حديقة عامة.
"هذا مكان عمل إذاً، هل يحتاج المرء لمن يذكره بذلك؟!".
تمتم نجم وهو يصعد السلم، ثم أردف قائلاً:
"حتى ضيفنا الكريم، أدرك ما أن نزل من السيارة، أنه مكان عمل وليس حديقة للكلاب".
نجم هذا لا يتخلى بتاتاً عن طبعه المرح، سينسى الإهانة بعد وقت قصير، ويعود لنكاته وسخريته اللطيفة من ضيفه خالد، الذي تصبب عرقاً، وراح يؤفئف منذ الساعة الأولى، ولن يمضي به النهار حتى تستنفذ طاقات جسده حدود الممكن، والرغبة في نقل قدميه بضع خطوات، وصولاً إلى حافة الجسر المطل على ظله الفسيفسائي السامق في الأسفل فوق شقوق التراب، كما تعود أن يفعل من آن إلى آخر طوال ساعات نهاره، الذي لن تبدو له نهاية حتى كفاف الرؤية ما بعد الغروب.
الأيام القادمة، ليست بأفضل حال. صباحاتها تشبه أول صباح في كل شيء سوى فارقين اثنين ثابتين: سهاد خالد في مقعده أثناء السفر، وسهاد الأسئلة في رأسه. أما قطيع الكلاب فلم يتوانَ مرة عن مراسم الاستقبال، كأنما يشير عن غير قصد لعزلة الأحمر المتزايدة يوماً بعد يوم. كانت نهارات العمل تمتد طويلة حتى مشارف العتمة، ترفو أجزاءها استراحات قصيرة لرشف القهوة، أو تناول وجبة الطعام. لطالما أنجزها خالد بأقصى ما أمكن، كي يبقى لديه قليلاً من الوقت يقضيه برفقة الأحمر. صديقه الجديد الهادئ مثله، اشترى له مرة طوقاً جلدياً جميلاً، لكن ذلك لم يواسيه، ولم يجعله يعوي ويلوح بذيله فرحاً.
يحكي نجم، أنه عندما أنهت الجرافات العملاقة حرث المكان ونهشه، توضَّعت مخازن الحديد في مواقعها عند طرف الحقل، وانتصبت بالقرب منها خيمة الحارس ومربط كلابه الأربعة. كان الأحمر وقتئذ يفيض قوة وشراسة، جعلت البدوي يمضي الوقت في حراسة الكلب على حساب المكان، حتى استنفذ مدير العمل الصبر مرة، فانطلق إلى العمل ذات صباح، وقد حشر بصندوق شاحنته الصغيرة كلباً أسوداً ذئبي الأصول، أطلقه ما إن وصل، على الأحمر، فانقذف إلى الهدف كأنه سهم محكم التصويب، اشتبك الطرفان بشراسة الوحوش. اخترقت الأنياب اللحم ومزقته. تناثرت نتف الفرو في الهواء. دوى نباح مبحوح كالعويل. سالت دماء لم يشفع لها رجاء الحارس، وسقط الأحمر عن عرشه عند أوتاد الخيمة يئن ويلعق الجراح. لن يرعب أحداً بعد الآن، أو يشغل الحارس عن مهامه، ولن يصدق من يعرف نجماً، أنه قد روى الحكاية بمثل هذه الجدية والاقتضاب.
قال خالد بسره، وقد أنهى لتوه وجبة الطعام:
"لو استطيع حمل وجه مرح يشبه وجه نجم".
ثم شرع يمشي باتجاه الخيمة حتى وصل. لم يبدُ غريباً أن يلمح الحارس وهو يحشو المسدس بالرصاص. لوهلةٍ، تقمص وجه نجم وهو يقول:
"هي الحرب إذاً".
لم يضحك الحارس، ولم يحرك شفتيه لمجرد ابتسامة. تمتم كلمات مبهمة، توحي بسوء عاقبة يحث السعي إليها. سأله خالد معللاً ما يجري، فهدر صوته يلعن الأحمر، ويتوعد بإفراغ الذخيرة في رأسه، وأردف أن هذا البلاء لم يعد يرتجى منه شيئاً.
قال خالد وقد تبدلت معالمه:
"هل أنت جاد فيما تقول؟"
"ومتى كان مزاح بيننا؟. أنا لم أعد أحتمل هذا المدلل، الذي لا يفعل شيئاً سوى ملء بطنه بالطعام، والبحث عن ظل يمد جسمه الثقيل فيه. إنه لا ينفع حتى لرعي نعجة واحدة...".
كان وجه الحارس المتلبد غيظاً يزيد من برودة الكلمات، ويطلق شرارة غضب، يمتصها جسد خالد حتى تفيض عن طاقاته، فينفجر دفعة واحدة، يصيح بوجه البدوي، ويلعن الحظ الذي رماه مع هكذا جنس من البشر، ويهدد بقذاعة ألفاظ لم تند عن لسانه من قبل، لكنها لا ترهب الحارس ولا تثنيه عن الوعيد وهو يلوح بمسدسه في الهواء.
تعالى صراخ الطرفين ودوى وصولاً لغرفة الطعام. بَحْلَق العمال الواحد منهم برفاقه مستوضحاً صحة ما يسمع، ثم انطلقوا يتدافعون عند باب الخروج. كان الشجار قد احتد وشارف تخوم الاشتباك، لولا وصلوهم في الوقت المناسب. لقد فصلوا بين الطرفين، لكن صراخهما لا زال يملأ الفضاء، ويشتد عزم الواحد منهما في محاولة الوصول إلى الآخر. أخيراً أزفت لحظة الحسم. على مسافة قريبة، توقفت شاحنة صغيرة ذات صندوق ضيق، لكنه لا يحمل شيئاً هذه المرة. بهدوء مصطنع، خرج مدير العمل من الشاحنة. نظراته القاسية وهي تمسح المجتمعين إلى جوار الخيمة، أسكتت الخصوم ومن يحول بينهم. بنبرة جافة متعالية استفسر حقيقة ما يجري، لكن أحداً لم يجبه على الفور. تململوا قليلاً في أماكنهم، حتى انبرى نجم يحكي القصة، وهو يرنو إلى الوجه الذي بدأ ينضو عنه ملامح الوقار، ويتلفع بتكشيرة تنم عن قرف وازدراء. بغتةً، وقبل أن ينهي نجم تنميق قصته وضبط بعض مفاصلها، انفجر مدير العمل بوجه الحارس:
"أيها الهمجي، كيف تقدم على فعل شيء في هذا المكان دون إذني؟"
ثم تقدم ونزع المسدس من يده، ليفرغ منه الذخيرة ويرميه إلى الأرض، ومن جديد يصيح هذه المرة بالجميع:
"اغربوا عن وجهي، هيا إلى العمل، إلى العمل".
أخذ العمال يتفرقون بصمت مر، لا حيلة لهم فيه، وعلى السلم الخشبي ذاته، قال نجم:
"أرأيت كيف شكم الحارس بكلمة واحدة؟ كلمة واحدة فقط.. همجي! كأنما يقيم فرقاً بين موت الأحمر برصاصة، أو بناب ذئب".
ثم ثرثر أشياء أخرى، لم يعرها خالد أدنى انتباه. كان منشغل الفكر بشريكه الغائب عن هذا العراك، لعله في هذه الآونة مستلق في ركن ظليل هادئ كعادته، لا يأبه لشيء، ولعل يقينه الفطري المجرب لطبائع الأمور التي لا يبدلها هلاك كلب أو إنسان، قد سبق قدوم خالد بكثير. ففوق هذا الجسر الرابض على أطلال البيوت المبعثرة بين شجر التين والصبار والزعرور، سيدور النهار دورته منذ انكفاء العتمة حتى انكفاء الضوء، سينسى العمال واقعة الشجار بعد وقت قصير، ويعودون لركوب بساط الريح المسمى جسر رقم أربعة. وحده خالد، سيظل متململاً قلقاًً يرفع رأسه كل حين، ويجيل النظر بحثاً عن الأحمر، حتى يجده فيطمئن ويعود لشأنه. لكن أسئلة أليفة المرامي، تحوم من جديد في رأسه المبتلي بعلة التفكير، فيظل يقصيها حتى تتمكن أخيراً من نبش خزائن عقله، فلا تجد جواباً لسر عطفه المتزايد على هذا المخلوق اليائس المنبوذ إلى هامش المكان. لا يلتفت لما يدور من حوله، ولا تدفعه فورة الكبرياء إلى الرحيل! ربما لأنه كما قال نجم يعد طريقة للانتحار، أو ربما لعلمه أن الهوامش وحدها هي ما سيحتويه في أي مكان آخر. هكذا انزاحت الآفاق على احتمالات وأسئلة لا حدود لها، جعلت خالداً يمضي النهار مضطرب الفكر في البحث عن احتمال بعينه، يفسر له سلوكه وسلوك الأحمر دون جدوى.
والآن، هذا صباح آخر. الجو مغبر باهت، يحيل السماء إلى نثار من غبار، تندثر الأمداء، ويكل النظر في أعقابها وتدمع العيون. الألسن تبلل الشفاه على الدوام، لكن الأخيرة سرعان ما تجف وتطبق على شقوق وبقع من دم مخثر. العمل يسير على مجراه، فلا تختل إيقاعاته، وخالد لا زال مسكوناً بالقلق، تلفح رياح الخماسين وجهه كلما استقام جسده المتعب، يفرك عينيه ويهم بالحديث إلى نجم، فلا تهتز أوتار صوته، يبتلع العبارة ويعود إلى صمته. لا يجد شيئاً مناسباً يُقال.
وفيما توصد الحناجر على الكلمات، تضج قرب المخازن الحمراء ضوضاء الشاحنات. لن يسكتها سوى جوع السائقين وحاجتهم لقسط يسير من الراحة، فتصطف متوازية إلى جوار بعضها، كأنما تعلن الجهوز لبدء سباق، أو كأنها تقيم حاجزاً من حديد، تصد به الهواء الجاف الممرض.
وسط هذه الأجواء المعكرة بالأمزجة وبالغبار، يظهر الأحمر مشتتاً هائماً. يصير هدفاً مكشوفاً للريح أينما قصد، فيلوذ منسلاً تحت إحدى الشاحنات، ويسلم نفسه للنوم. وفي غرفة الطعام، يقول خالد لنفسه وقد أنهى تناول وجبته للتوّ وشرع بغسل يديه:
"سأجرُّ الأحمر جراً حتى زاوية الحقل، وأدفعه كي يجري مبتعداً إلى غير رجعة. وسأرى ماذا يكون".
لكن هدير الشاحنات المتصاعد من جديد، ينذره بقرب تمام وقت الاستراحة. لقد تباطأ كثيراً، مسلماً نفسه للشرود. يخرج مسرعاً، فيقع نظره على السائقين وقد ملؤوا مقاعدهم وهموا بالانطلاق. تهتز شاحنة، وتبدأ عجلاتها الضخمة بالدوران، فينفجر فجأة عواء قوي حاد، يعلو على هدير المحركات وينقطع. للحظة، يتسمر خالد في مكانه وهو يحبس الأنفاس، ثم ينطلق مسرعاً باتجاه مصدر الصوت، حتى يطل على جثة كلب يلتصق نصفها السفلي بالتراب، فيتسمر من جديد، وتزوغ عيناه أمام ضوء قوي أحمر، يتلاشى ببطء ويرشح في التراب. لقد أبطأ كثيراً وأسلم نفسه لشرود يشبه حلماً لا تظهر فيه شاحنة ولا عجلات ضخمة تضغط تحتها التراب، وهي تسوي مسارات سيرها في كل اتجاه.
فوق المقاعد الرجراجة الضيقة، تراخت تسعة أجساد ثقيلة تغالب النعاس. لن تصحو تماماً حتى يكتم السائق صوت المذياع، وهدير المحرك الخشن عند الوصول، أو يزعق صوته القوي الحاد مستنهضاً قبيل ذلك بقليل. هو الآن منشغل بالمقود الواسع المستدير، يحركه، فيلوذ بالحافلة إلى اليسار، وإلى اليمين، تفادياً لحفرة عميقة، أو حجر كبير ناتئ فوق التراب.
في طرف المقعد الأوسط، خلف السائق تماماً، قبع خالد وقد جافاه النعاس، لكنه لا يستسيغ الكلام في مثل هذه الساعة المبكرة من الصباح. كان جبينه يناطح الزجاج، فلا تجفل له عين، ولا تكف عن تفحص المشاهد المتعاقبة، وهي تستفز فضول القادم الجديد، وتشتت أفكاره في مهب الآتي من الأيام، فيسائل النفس معاتباً، عن الدافع الذي جعله يرتمي في هذه البقاع المنعزلة، ثم يواصل حوار الذات لائماً:
"وهل كان حظي ميسرا من قبل حتى يكون الآن؟".
"أي حظ هذا أيها المثقف العتيد؟ لطالما اعتقدت أن الحظ ليس إلا محض احتمال قصيّ نادر الحدوث، لكنه يحدث!".
"وكيف يكون احتمالاً قصياً وهو لا يفارق خطوة واحدة من خطاي؟".
"على رسلك. لا تسلم النفس لهذا البؤس الذي يمسح وجوه الناس جميعاً فيغفو الواحد منهم حالماً، كأن الدنيا لم تبتل أحداً سواه، ولا يفيق ولو مرةً ملتذاً بحلم كان فيه وحيداً...؟".
انقطعت هذه المساءلة فجأة، وأجفل خالد عند انحراف الحافلة جانباً، فاسحةً المجال لشاحنة تعلو المنحدر الوشيك. فما أن تجاوزتهم وانطلقت المركبة من جديد، تلج المنحدر مائلةً باتجاه المقدمة، حتى تبدى الخط المتلوي الراسم للطريق، يشق حقل القمح المترامي إلى شطرين. مشهد فيه من الألفة ما يختصر البحث في شريط الذاكرة، لكثرة ما يعاود النظر، أنساق لذات الدلالة، توهج له قلب خالد فبعثر الحنين بعيداً حتى بلدته القابعة عند الحدود، لكنه سرعان ما انتهر نفسه موبخاً، فغيابه لم يتجاوز ليلة وساعة من صباح بعد.
أنجزت السيارة هبوط المنحدر، وبدأت تشق الحقل هي الأخرى. الركاب لا يزالون نياماً، وخالد يقرأ لافتةً ضخمةً لا ترحب بزائر، أو تشير لاسم القرية المهجورة التي سيجثم الجسر فوق أطلالها، متطاولاً حتى الشارع المؤدي إلى "تل أبيب". كل ما هنالك حروف عريضة باللغة العبرية، تخط كلمة واحدة من مقطعين، هي اسم شركة البناء. تتضخم اللافتة كلما اقتربت مؤذنة السائق بموعد خطابه اليومي، فيصيح بصوت عال يفارقه الحنان:
"هيه يا كسالى، هيا انهضوا، يا أسعد، يا نجم، انهضوا يا جماعه، لقد وصلنا، أنظروا وفد الاستقبال، إنه ينتظركم منذ الشروق".
وفد الاستقبال هذا هو ثلاثة كلاب، أخذت لتوها تنبح وتدور حول الحافلة. ثمة كلب رابع ضخم الجثة، كان يتقدم بطيئاً متثاقلاً بغير اكتراث ملفت. ناداه نجم عن بعد وهو يطل من النافذة:
"هيه يا أحمر، هيه يا زعيم، أيها الوحش اليائس، أما اشتقت لأحد منا؟ لا بد أن هاجس الانتحار لا زال يشغلك".
أطلق البعض ضحكات قصيرة، وهم ينزلون من السيارة، وأخذوا يلاطفون الكلاب المنفعلة. أما نجم فبدأ يعرفهم بالقادم الجديد خالد، حتى جاء الدور على الكلب المتراخي الواصل للتو، قال نجم:
"وهذا صديقنا العجوز. إنه الزعيم المخلوع، أسميناه أحمراً للونه البني، لكنه لا يبدو مرتاحا للاسم، ولا للقب، فهو كثيراً ما لا يستجيب للنداء".
كان خالد وقتئذٍ يدور على نفسه، وهو يجيل نظره فيبدو له الأحمر طاغياً في هذا المكان الموحش. الشاحنات حمراء، والتراب أحمر، المخازن المعدنية، جذور الأشجار المطروحة أرضاً، اللافتة، ودمه الذي سيسيل أثناء العمل. التفت إلى نجم مخاطباً:
"لابد أنه يفضل لقباً أقل شيوعاً".
ثم تقدم وأخذ يمسد براحة كفه رأس الكلب وعنقه، وباليد الأخرى يربت على ظهره بأناة وخفة، والأحمر يبدو راضياً، أو شارداً بهمومه كما قال نجم مداعباً وهو يقهقه، ثم أضاف:
"وهل من لقب يا صاحبي أقل انتشاراً من لقب الزعيم".
كانت سخرية نجم ترشح مرارة مبهمة القصد إن على حاله، أو على الكلب الهادئ خدراً وسدوراً، وانزواء من عاف الحياة، فلا يبدي اكتراثاً لمداعبات خالد، ومحاولته كسب ودٍ ينفي حاجة المخلوق لغير قليل من العناية والحنان. ولكن لا بأس، سيعيد الكرة من جديد متى سنحت له فرصة أطول وأهدأ من هذه التي قطعها صوتان قويان. أولهما، صفير الحارس وهو يدعو الكلاب إليه، فتتلكأ حتى ينتهرها بلهجة بدوية واضحة. والثاني، صوت مدير العمل يصرخ بالجميع بلغة عبرية واضحة هي الأخرى، معلناً أنهم في مكان عمل، وليس في منتزه أو حديقة عامة.
"هذا مكان عمل إذاً، هل يحتاج المرء لمن يذكره بذلك؟!".
تمتم نجم وهو يصعد السلم، ثم أردف قائلاً:
"حتى ضيفنا الكريم، أدرك ما أن نزل من السيارة، أنه مكان عمل وليس حديقة للكلاب".
نجم هذا لا يتخلى بتاتاً عن طبعه المرح، سينسى الإهانة بعد وقت قصير، ويعود لنكاته وسخريته اللطيفة من ضيفه خالد، الذي تصبب عرقاً، وراح يؤفئف منذ الساعة الأولى، ولن يمضي به النهار حتى تستنفذ طاقات جسده حدود الممكن، والرغبة في نقل قدميه بضع خطوات، وصولاً إلى حافة الجسر المطل على ظله الفسيفسائي السامق في الأسفل فوق شقوق التراب، كما تعود أن يفعل من آن إلى آخر طوال ساعات نهاره، الذي لن تبدو له نهاية حتى كفاف الرؤية ما بعد الغروب.
الأيام القادمة، ليست بأفضل حال. صباحاتها تشبه أول صباح في كل شيء سوى فارقين اثنين ثابتين: سهاد خالد في مقعده أثناء السفر، وسهاد الأسئلة في رأسه. أما قطيع الكلاب فلم يتوانَ مرة عن مراسم الاستقبال، كأنما يشير عن غير قصد لعزلة الأحمر المتزايدة يوماً بعد يوم. كانت نهارات العمل تمتد طويلة حتى مشارف العتمة، ترفو أجزاءها استراحات قصيرة لرشف القهوة، أو تناول وجبة الطعام. لطالما أنجزها خالد بأقصى ما أمكن، كي يبقى لديه قليلاً من الوقت يقضيه برفقة الأحمر. صديقه الجديد الهادئ مثله، اشترى له مرة طوقاً جلدياً جميلاً، لكن ذلك لم يواسيه، ولم يجعله يعوي ويلوح بذيله فرحاً.
يحكي نجم، أنه عندما أنهت الجرافات العملاقة حرث المكان ونهشه، توضَّعت مخازن الحديد في مواقعها عند طرف الحقل، وانتصبت بالقرب منها خيمة الحارس ومربط كلابه الأربعة. كان الأحمر وقتئذ يفيض قوة وشراسة، جعلت البدوي يمضي الوقت في حراسة الكلب على حساب المكان، حتى استنفذ مدير العمل الصبر مرة، فانطلق إلى العمل ذات صباح، وقد حشر بصندوق شاحنته الصغيرة كلباً أسوداً ذئبي الأصول، أطلقه ما إن وصل، على الأحمر، فانقذف إلى الهدف كأنه سهم محكم التصويب، اشتبك الطرفان بشراسة الوحوش. اخترقت الأنياب اللحم ومزقته. تناثرت نتف الفرو في الهواء. دوى نباح مبحوح كالعويل. سالت دماء لم يشفع لها رجاء الحارس، وسقط الأحمر عن عرشه عند أوتاد الخيمة يئن ويلعق الجراح. لن يرعب أحداً بعد الآن، أو يشغل الحارس عن مهامه، ولن يصدق من يعرف نجماً، أنه قد روى الحكاية بمثل هذه الجدية والاقتضاب.
قال خالد بسره، وقد أنهى لتوه وجبة الطعام:
"لو استطيع حمل وجه مرح يشبه وجه نجم".
ثم شرع يمشي باتجاه الخيمة حتى وصل. لم يبدُ غريباً أن يلمح الحارس وهو يحشو المسدس بالرصاص. لوهلةٍ، تقمص وجه نجم وهو يقول:
"هي الحرب إذاً".
لم يضحك الحارس، ولم يحرك شفتيه لمجرد ابتسامة. تمتم كلمات مبهمة، توحي بسوء عاقبة يحث السعي إليها. سأله خالد معللاً ما يجري، فهدر صوته يلعن الأحمر، ويتوعد بإفراغ الذخيرة في رأسه، وأردف أن هذا البلاء لم يعد يرتجى منه شيئاً.
قال خالد وقد تبدلت معالمه:
"هل أنت جاد فيما تقول؟"
"ومتى كان مزاح بيننا؟. أنا لم أعد أحتمل هذا المدلل، الذي لا يفعل شيئاً سوى ملء بطنه بالطعام، والبحث عن ظل يمد جسمه الثقيل فيه. إنه لا ينفع حتى لرعي نعجة واحدة...".
كان وجه الحارس المتلبد غيظاً يزيد من برودة الكلمات، ويطلق شرارة غضب، يمتصها جسد خالد حتى تفيض عن طاقاته، فينفجر دفعة واحدة، يصيح بوجه البدوي، ويلعن الحظ الذي رماه مع هكذا جنس من البشر، ويهدد بقذاعة ألفاظ لم تند عن لسانه من قبل، لكنها لا ترهب الحارس ولا تثنيه عن الوعيد وهو يلوح بمسدسه في الهواء.
تعالى صراخ الطرفين ودوى وصولاً لغرفة الطعام. بَحْلَق العمال الواحد منهم برفاقه مستوضحاً صحة ما يسمع، ثم انطلقوا يتدافعون عند باب الخروج. كان الشجار قد احتد وشارف تخوم الاشتباك، لولا وصلوهم في الوقت المناسب. لقد فصلوا بين الطرفين، لكن صراخهما لا زال يملأ الفضاء، ويشتد عزم الواحد منهما في محاولة الوصول إلى الآخر. أخيراً أزفت لحظة الحسم. على مسافة قريبة، توقفت شاحنة صغيرة ذات صندوق ضيق، لكنه لا يحمل شيئاً هذه المرة. بهدوء مصطنع، خرج مدير العمل من الشاحنة. نظراته القاسية وهي تمسح المجتمعين إلى جوار الخيمة، أسكتت الخصوم ومن يحول بينهم. بنبرة جافة متعالية استفسر حقيقة ما يجري، لكن أحداً لم يجبه على الفور. تململوا قليلاً في أماكنهم، حتى انبرى نجم يحكي القصة، وهو يرنو إلى الوجه الذي بدأ ينضو عنه ملامح الوقار، ويتلفع بتكشيرة تنم عن قرف وازدراء. بغتةً، وقبل أن ينهي نجم تنميق قصته وضبط بعض مفاصلها، انفجر مدير العمل بوجه الحارس:
"أيها الهمجي، كيف تقدم على فعل شيء في هذا المكان دون إذني؟"
ثم تقدم ونزع المسدس من يده، ليفرغ منه الذخيرة ويرميه إلى الأرض، ومن جديد يصيح هذه المرة بالجميع:
"اغربوا عن وجهي، هيا إلى العمل، إلى العمل".
أخذ العمال يتفرقون بصمت مر، لا حيلة لهم فيه، وعلى السلم الخشبي ذاته، قال نجم:
"أرأيت كيف شكم الحارس بكلمة واحدة؟ كلمة واحدة فقط.. همجي! كأنما يقيم فرقاً بين موت الأحمر برصاصة، أو بناب ذئب".
ثم ثرثر أشياء أخرى، لم يعرها خالد أدنى انتباه. كان منشغل الفكر بشريكه الغائب عن هذا العراك، لعله في هذه الآونة مستلق في ركن ظليل هادئ كعادته، لا يأبه لشيء، ولعل يقينه الفطري المجرب لطبائع الأمور التي لا يبدلها هلاك كلب أو إنسان، قد سبق قدوم خالد بكثير. ففوق هذا الجسر الرابض على أطلال البيوت المبعثرة بين شجر التين والصبار والزعرور، سيدور النهار دورته منذ انكفاء العتمة حتى انكفاء الضوء، سينسى العمال واقعة الشجار بعد وقت قصير، ويعودون لركوب بساط الريح المسمى جسر رقم أربعة. وحده خالد، سيظل متململاً قلقاًً يرفع رأسه كل حين، ويجيل النظر بحثاً عن الأحمر، حتى يجده فيطمئن ويعود لشأنه. لكن أسئلة أليفة المرامي، تحوم من جديد في رأسه المبتلي بعلة التفكير، فيظل يقصيها حتى تتمكن أخيراً من نبش خزائن عقله، فلا تجد جواباً لسر عطفه المتزايد على هذا المخلوق اليائس المنبوذ إلى هامش المكان. لا يلتفت لما يدور من حوله، ولا تدفعه فورة الكبرياء إلى الرحيل! ربما لأنه كما قال نجم يعد طريقة للانتحار، أو ربما لعلمه أن الهوامش وحدها هي ما سيحتويه في أي مكان آخر. هكذا انزاحت الآفاق على احتمالات وأسئلة لا حدود لها، جعلت خالداً يمضي النهار مضطرب الفكر في البحث عن احتمال بعينه، يفسر له سلوكه وسلوك الأحمر دون جدوى.
والآن، هذا صباح آخر. الجو مغبر باهت، يحيل السماء إلى نثار من غبار، تندثر الأمداء، ويكل النظر في أعقابها وتدمع العيون. الألسن تبلل الشفاه على الدوام، لكن الأخيرة سرعان ما تجف وتطبق على شقوق وبقع من دم مخثر. العمل يسير على مجراه، فلا تختل إيقاعاته، وخالد لا زال مسكوناً بالقلق، تلفح رياح الخماسين وجهه كلما استقام جسده المتعب، يفرك عينيه ويهم بالحديث إلى نجم، فلا تهتز أوتار صوته، يبتلع العبارة ويعود إلى صمته. لا يجد شيئاً مناسباً يُقال.
وفيما توصد الحناجر على الكلمات، تضج قرب المخازن الحمراء ضوضاء الشاحنات. لن يسكتها سوى جوع السائقين وحاجتهم لقسط يسير من الراحة، فتصطف متوازية إلى جوار بعضها، كأنما تعلن الجهوز لبدء سباق، أو كأنها تقيم حاجزاً من حديد، تصد به الهواء الجاف الممرض.
وسط هذه الأجواء المعكرة بالأمزجة وبالغبار، يظهر الأحمر مشتتاً هائماً. يصير هدفاً مكشوفاً للريح أينما قصد، فيلوذ منسلاً تحت إحدى الشاحنات، ويسلم نفسه للنوم. وفي غرفة الطعام، يقول خالد لنفسه وقد أنهى تناول وجبته للتوّ وشرع بغسل يديه:
"سأجرُّ الأحمر جراً حتى زاوية الحقل، وأدفعه كي يجري مبتعداً إلى غير رجعة. وسأرى ماذا يكون".
لكن هدير الشاحنات المتصاعد من جديد، ينذره بقرب تمام وقت الاستراحة. لقد تباطأ كثيراً، مسلماً نفسه للشرود. يخرج مسرعاً، فيقع نظره على السائقين وقد ملؤوا مقاعدهم وهموا بالانطلاق. تهتز شاحنة، وتبدأ عجلاتها الضخمة بالدوران، فينفجر فجأة عواء قوي حاد، يعلو على هدير المحركات وينقطع. للحظة، يتسمر خالد في مكانه وهو يحبس الأنفاس، ثم ينطلق مسرعاً باتجاه مصدر الصوت، حتى يطل على جثة كلب يلتصق نصفها السفلي بالتراب، فيتسمر من جديد، وتزوغ عيناه أمام ضوء قوي أحمر، يتلاشى ببطء ويرشح في التراب. لقد أبطأ كثيراً وأسلم نفسه لشرود يشبه حلماً لا تظهر فيه شاحنة ولا عجلات ضخمة تضغط تحتها التراب، وهي تسوي مسارات سيرها في كل اتجاه.
تعليق