يوم جلس الحب بجوارك / أو/ هكذا فاتك الأجمل..
كأنّ الشمس فجأة أرسلت شعاعا من نورها داخل الحافلة المعتمة بهموم الركّاب و دخان سجائرهم .. في اللحظة نفسها استدارت الرؤوس جميعها نحو باب الدخول..كأنّها تؤدي مشهدا مسرحيا..
و.... " يا إلهي ..إنها هي ! "..رأيتها فاختلّ توازن قلبك..سمعت نبضه في أذنيك حتى خُيّل إليك أنّه غيّر موضعه...إنتابك وهنٌ شديد.. أحسّست بنَفَسك يضيق و الهواء يُسحبُ منك.. كأنّ الشمس فجأة أرسلت شعاعا من نورها داخل الحافلة المعتمة بهموم الركّاب و دخان سجائرهم .. في اللحظة نفسها استدارت الرؤوس جميعها نحو باب الدخول..كأنّها تؤدي مشهدا مسرحيا..
لم يكن الأمر غريبا عنك..فتلك 'حالة ' تلبسك بمجرّد أن تلمحها و لو من بعيد ..بل يكفي أن يستحضر خيالك ملامحها الساحرة أو ابتسامتها 'الموناليزية ' حتى ينقلب كيانك رأسا على عقب و يهزّك زلزال من المشاعر تخور أمامه كل قواك.
تطلّعتَ إلى مدخل الحافلة لتعرف من الذي سيصعد خلفها مباشرة..عادة تكون برفقة إثنتين من صديقاتها..و لكنّها اليوم وحدها..
كنت تفكّر في المقعد الشاغر الذي بجانبك و تصلّي في سرّك متمنّيا أن تتحقّق لك.. الأمنية ..
و.. سمعتها تسألك بصوت خجول ساحر كأنه عزف ناي :
- هل هذا المقعد محجوز..؟
تلعثمتَ :
- نعم..لا..لا..أقصد لا..طبعا..تفضّلي ..
و تنصب الأنوثة عرشها بمحاذاة قلبك تماما ... / هل تدرك معنى أن تجلس الدنيا على مقعد إلى جوارك ؟../
عرقٌ بارد ينساب بين كتفيك..و خدرٌ خفيف يسري بطول جنبك الأيسر.. إعتدلت في جلستك ..تحسّستَ ياقة قميصك و..مرّرتَ يدك اليمنى على شعرك ..ثم...نظرة خاطفة إلى حذائك ..
" صدّقوني ..أول ما يلفت إنتباه الفتاة إليك هو مظهرك و حذائك .."
تلك إحد ى النظريات..التي كان يتحفكم بها مروان - مستشار الغرام في الشلّة -...و الذي , كلّما التقيتم بهدف المراجعة يحوّل اللقاء, بعد دقائق , إلى جلسة إستشارات غرامية.. قبل أن يسترسل في الحديث عن آخر إنجازاته مع الجنس اللطيف .
ثم يلتفت إليك مستفسرا :
" و أنت ..ماذا عنك..هل تشجّعت أخيييييرا و كلّمتها ؟ "
و تتعالى ضحكات الرّفاق ساخرين مستهزئين حين يرونك تزمّ شفتيك و تحرّك رأسك بالنّفي و عيناك تنطقان بخيبة مريرة .
" يا لخيبتك يا رجل !..قلتُ لك أنها ' صنف' نادر..في طريق الإنقراض و إن فوّتّ عليك الفرص فسوف يصطادها غيرك "..
قاموس مروان يزخر بتلك المفردات.. في الحقيقة هو لم يقصّر في المهمّة التي كلّفته بها...يومان فقط و كان التقرير بين يديك.. " إسمها ' إلهام '..كليّة الفلسفة.. سنة أولى....خجولة و جادة و الأهم.. ليس لها حبيب ".. تشعر بالغيرة تأكل قلبك و أنت تفكّر في مروان.. تتمنى لو أنّ لك نصف جرأته... أبدا لم يكن الحديث مع فتاة مشكلة بالنسبة له ...و أنت يا مسكين .. مرّت أشهر منذ صعق الحب كيانك..و لكن الخجل و التردّد يطوّقانك .."لماذا لست مثله..كم أكره جبني و خجلي..كم أكرهني !.. "..
أشهر إنقضت و أنت تطاردها ..في الكلية و المكتبة و المطعم .. و محطة الحافلات .. و في أيّ مكان تتواجد فيه..و لكنك لا تجرؤ على الإقتراب منها أوالحديث إليها..شيء ما يعيقك ..شيء لا تفهم كنهه و لا تستطيع تفسيره و لكنه هنا في أعماقك يقف بينك و بينها ..هي بالذات..
كنت تتعذّب و تحلم و تكتفي... بالأمنيات ..و بقصائد شعر تكتبها ليلا لعينيها ..
و لكن.. من قال أن الأحلام الجميلة لا تتحقّق بسهولة ؟ حبيبتك الآن هنا.. ها أنت تسترق النظر إليها...
"..إلهام..كان لابدّ أن يكون إسمك إلهام..أيّ إسم آخر لم يكن ليليق بك ! "
تراقبها بطرف عينك و قلبك يرجف في صدرك كطير مذبوح .. وديعة و هادئة مثل حمامة..صفحة خدّها شديدة البياض تشوبها حمرة خفيفة ..أنف صغير مستقيم و شفتان رقيقتان قرمزيتان ....بدت لك كالملاك في خمارها الناصع البياض و استدارة وجهها المشرق ..
رأيتها تخرج من حقيبتها الجلدية السوداء كتابا و تقلّب في صفحاته..يداها صغيرتان بضّتان .. ناعمتان ..تفتحان شهيّتك لقصيدة شعر.
و يعضّك الندم بأنيابه.. "آه..لو كنت قرأتُ هذا الكتاب كنتُ وجدتُ ذريعة لبدء الحديث .." /الآن تدرك أنّ للمطالعة مزايا أخرى ! /
سرحت في مروان ثانية.." فتاة جميلة تطالع كتابا في الفلسفة يكون حذائي هو أول ما تنتبه له ؟؟ كم هي ضحلة أفكارك يا صديقي..! " / هذا لم يمنعك من تلك النظرة التفقّدية منذ قليل !/
الحافلة تمضي مسرعة .. تلتهم الطريق بعجلاتها و الركّاب يثرثرون و يضحكون رغم سحناتهم الباهتة التي تنضح بألوان من التعب.. يلتقط سمعك كلمات من هنا و هناك عن الجو و الكرة و غلاء الاسعار..بينما فكرك منشغل بأمر واحد فقط ."أنا جبان و غبي و أحمق لو ضيّعتُ هذه الفرصة..."
" الجوّ رائعٌ اليوم. أليس كذلك ؟ "..هكذا قرأتَ أنّ البريطانيين يبدأون عادة حوارهم ..و لكن..تبّا..الجو متواطئ مع حظّك العاثر..لا يخدمك..من النافذة كانت السماء تبدو متجهّمة و بعض الأشجار المنتصبة على حافة الطريق تمر سريعة و قد تعرّت أغصانها تماما إلاّ من أكياس 'بلاستيك ' ترفرف على وقع الريح .. فبدت كفزاعات طيور ضخمة ..
"كيف لم أنتبه قبل الآن إلى بشاعة الأشجار و هي عارية..؟ "
يقطع حبل أفكارك سعالٌ حاد ..شيخ هرم يهتزّ جسده الواهن مع كل سعلة و يصيح في الشاب الذي إلى جواره أن يكفّ عن التدخين ..
وتقفز الفكرة أمام عينيك ..
" كيف لم أفطن إلى هذا منذ البداية " ..؟ "آنسة.. هل تسمحين أن أدخّن ؟ " ...نعم..كيف لم تفكّر في ذلك ؟ ..هذا هو .!.سؤال لا يصدر إلا عن ' جنتلمان '..صاحب ذوق و محترم ..ثم أكيد بعدها ستفكّ عقدة لسانك..
أخذتَ تردّد الجملة في ذهنك كتلميذ يراجع درسه قبل دخول الفصل و يدك تتحسّس علبة السجائر في جيب سترتك..لكن... ما كدتَ تستجمع الكلمات فوق شفتيك حتى رأيتها تضع الكتاب داخل الحقيبة ..و تقف ..
كانت الحافلة قد توقّفت في المحطة الأولى ..
و.. بينما هي تتقدّم بخطوات واثقة متأنّية نحو باب النزول كان الحلم الجميل الذي هدهدته في خيالك لشهور.. يتفتّت و يتناثر في جو الحافلة الخانق ..
و العاشق الجبان الذي يسكنك يبكي بحرقة شديدة .>>
تعليق