يومَ جلسَ الحب بجوارك..قصة قصيرة/آسيا رحاحليه /

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • آسيا رحاحليه
    أديب وكاتب
    • 08-09-2009
    • 7182

    يومَ جلسَ الحب بجوارك..قصة قصيرة/آسيا رحاحليه /

    يوم جلس الحب بجوارك / أو/ هكذا فاتك الأجمل..

    كأنّ الشمس فجأة أرسلت شعاعا من نورها داخل الحافلة المعتمة بهموم الركّاب و دخان سجائرهم .. في اللحظة نفسها استدارت الرؤوس جميعها نحو باب الدخول..كأنّها تؤدي مشهدا مسرحيا..

    و.... " يا إلهي ..إنها هي ! "..رأيتها فاختلّ توازن قلبك..سمعت نبضه في أذنيك حتى خُيّل إليك أنّه غيّر موضعه...إنتابك وهنٌ شديد.. أحسّست بنَفَسك يضيق و الهواء يُسحبُ منك..
    لم يكن الأمر غريبا عنك..فتلك 'حالة ' تلبسك بمجرّد أن تلمحها و لو من بعيد ..بل يكفي أن يستحضر خيالك ملامحها الساحرة أو ابتسامتها 'الموناليزية ' حتى ينقلب كيانك رأسا على عقب و يهزّك زلزال من المشاعر تخور أمامه كل قواك.
    تطلّعتَ إلى مدخل الحافلة لتعرف من الذي سيصعد خلفها مباشرة..عادة تكون برفقة إثنتين من صديقاتها..و لكنّها اليوم وحدها..
    كنت تفكّر في المقعد الشاغر الذي بجانبك و تصلّي في سرّك متمنّيا أن تتحقّق لك.. الأمنية ..
    و.. سمعتها تسألك بصوت خجول ساحر كأنه عزف ناي :
    - هل هذا المقعد محجوز..؟
    تلعثمتَ :
    - نعم..لا..لا..أقصد لا..طبعا..تفضّلي ..
    و تنصب الأنوثة عرشها بمحاذاة قلبك تماما ... / هل تدرك معنى أن تجلس الدنيا على مقعد إلى جوارك ؟../
    عرقٌ بارد ينساب بين كتفيك..و خدرٌ خفيف يسري بطول جنبك الأيسر.. إعتدلت في جلستك ..تحسّستَ ياقة قميصك و..مرّرتَ يدك اليمنى على شعرك ..ثم...نظرة خاطفة إلى حذائك ..
    " صدّقوني ..أول ما يلفت إنتباه الفتاة إليك هو مظهرك و حذائك .."
    تلك إحد ى النظريات..التي كان يتحفكم بها مروان - مستشار الغرام في الشلّة -...و الذي , كلّما التقيتم بهدف المراجعة يحوّل اللقاء, بعد دقائق , إلى جلسة إستشارات غرامية.. قبل أن يسترسل في الحديث عن آخر إنجازاته مع الجنس اللطيف .
    ثم يلتفت إليك مستفسرا :
    " و أنت ..ماذا عنك..هل تشجّعت أخيييييرا و كلّمتها ؟ "
    و تتعالى ضحكات الرّفاق ساخرين مستهزئين حين يرونك تزمّ شفتيك و تحرّك رأسك بالنّفي و عيناك تنطقان بخيبة مريرة .
    " يا لخيبتك يا رجل !..قلتُ لك أنها ' صنف' نادر..في طريق الإنقراض و إن فوّتّ عليك الفرص فسوف يصطادها غيرك "..
    قاموس مروان يزخر بتلك المفردات.. في الحقيقة هو لم يقصّر في المهمّة التي كلّفته بها...يومان فقط و كان التقرير بين يديك.. " إسمها ' إلهام '..كليّة الفلسفة.. سنة أولى....خجولة و جادة و الأهم.. ليس لها حبيب ".. تشعر بالغيرة تأكل قلبك و أنت تفكّر في مروان.. تتمنى لو أنّ لك نصف جرأته... أبدا لم يكن الحديث مع فتاة مشكلة بالنسبة له ...و أنت يا مسكين .. مرّت أشهر منذ صعق الحب كيانك..و لكن الخجل و التردّد يطوّقانك .."لماذا لست مثله..كم أكره جبني و خجلي..كم أكرهني !.. "..
    أشهر إنقضت و أنت تطاردها ..في الكلية و المكتبة و المطعم .. و محطة الحافلات .. و في أيّ مكان تتواجد فيه..و لكنك لا تجرؤ على الإقتراب منها أوالحديث إليها..شيء ما يعيقك ..شيء لا تفهم كنهه و لا تستطيع تفسيره و لكنه هنا في أعماقك يقف بينك و بينها ..هي بالذات..
    كنت تتعذّب و تحلم و تكتفي... بالأمنيات ..و بقصائد شعر تكتبها ليلا لعينيها ..
    و لكن.. من قال أن الأحلام الجميلة لا تتحقّق بسهولة ؟ حبيبتك الآن هنا.. ها أنت تسترق النظر إليها...
    "..إلهام..كان لابدّ أن يكون إسمك إلهام..أيّ إسم آخر لم يكن ليليق بك ! "
    تراقبها بطرف عينك و قلبك يرجف في صدرك كطير مذبوح .. وديعة و هادئة مثل حمامة..صفحة خدّها شديدة البياض تشوبها حمرة خفيفة ..أنف صغير مستقيم و شفتان رقيقتان قرمزيتان ....بدت لك كالملاك في خمارها الناصع البياض و استدارة وجهها المشرق ..
    رأيتها تخرج من حقيبتها الجلدية السوداء كتابا و تقلّب في صفحاته..يداها صغيرتان بضّتان .. ناعمتان ..تفتحان شهيّتك لقصيدة شعر.
    و يعضّك الندم بأنيابه.. "آه..لو كنت قرأتُ هذا الكتاب كنتُ وجدتُ ذريعة لبدء الحديث .." /الآن تدرك أنّ للمطالعة مزايا أخرى ! /
    سرحت في مروان ثانية.." فتاة جميلة تطالع كتابا في الفلسفة يكون حذائي هو أول ما تنتبه له ؟؟ كم هي ضحلة أفكارك يا صديقي..! " / هذا لم يمنعك من تلك النظرة التفقّدية منذ قليل !/
    الحافلة تمضي مسرعة .. تلتهم الطريق بعجلاتها و الركّاب يثرثرون و يضحكون رغم سحناتهم الباهتة التي تنضح بألوان من التعب.. يلتقط سمعك كلمات من هنا و هناك عن الجو و الكرة و غلاء الاسعار..بينما فكرك منشغل بأمر واحد فقط ."أنا جبان و غبي و أحمق لو ضيّعتُ هذه الفرصة..."
    " الجوّ رائعٌ اليوم. أليس كذلك ؟ "..هكذا قرأتَ أنّ البريطانيين يبدأون عادة حوارهم ..و لكن..تبّا..الجو متواطئ مع حظّك العاثر..لا يخدمك..من النافذة كانت السماء تبدو متجهّمة و بعض الأشجار المنتصبة على حافة الطريق تمر سريعة و قد تعرّت أغصانها تماما إلاّ من أكياس 'بلاستيك ' ترفرف على وقع الريح .. فبدت كفزاعات طيور ضخمة ..
    "كيف لم أنتبه قبل الآن إلى بشاعة الأشجار و هي عارية..؟ "
    يقطع حبل أفكارك سعالٌ حاد ..شيخ هرم يهتزّ جسده الواهن مع كل سعلة و يصيح في الشاب الذي إلى جواره أن يكفّ عن التدخين ..
    وتقفز الفكرة أمام عينيك ..
    " كيف لم أفطن إلى هذا منذ البداية " ..؟ "آنسة.. هل تسمحين أن أدخّن ؟ " ...نعم..كيف لم تفكّر في ذلك ؟ ..هذا هو .!.سؤال لا يصدر إلا عن ' جنتلمان '..صاحب ذوق و محترم ..ثم أكيد بعدها ستفكّ عقدة لسانك..
    أخذتَ تردّد الجملة في ذهنك كتلميذ يراجع درسه قبل دخول الفصل و يدك تتحسّس علبة السجائر في جيب سترتك..لكن... ما كدتَ تستجمع الكلمات فوق شفتيك حتى رأيتها تضع الكتاب داخل الحقيبة ..و تقف ..
    كانت الحافلة قد توقّفت في المحطة الأولى ..
    و.. بينما هي تتقدّم بخطوات واثقة متأنّية نحو باب النزول كان الحلم الجميل الذي هدهدته في خيالك لشهور.. يتفتّت و يتناثر في جو الحافلة الخانق ..
    و العاشق الجبان الذي يسكنك يبكي بحرقة شديدة .>>




    التعديل الأخير تم بواسطة آسيا رحاحليه; الساعة 17-05-2010, 05:31.
    يظن الناس بي خيرا و إنّي
    لشرّ الناس إن لم تعف عنّي
  • إيمان عامر
    أديب وكاتب
    • 03-05-2008
    • 1087

    #2
    صباح سعيد أستاذة آسيا

    أحببت أن احجز مقعدا
    ولي عودة كي انهل من رحيق حروفك

    دمت متوهجة متألقة حبيبتي

    صباح جميل محمل بأريج الزهور الصباحية
    لك كل الحب
    "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

    تعليق

    • آسيا رحاحليه
      أديب وكاتب
      • 08-09-2009
      • 7182

      #3
      المشاركة الأصلية بواسطة إيمان عامر مشاهدة المشاركة
      صباح سعيد أستاذة آسيا

      أحببت أن احجز مقعدا
      ولي عودة كي انهل من رحيق حروفك

      دمت متوهجة متألقة حبيبتي

      صباح جميل محمل بأريج الزهور الصباحية
      لك كل الحب
      عزيزتي إيمان..
      صباحك خير و حب و أمل..
      سعيدة بك و انتظر عودتك فلا تغيبي..
      كوني بألف خير.
      يظن الناس بي خيرا و إنّي
      لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

      تعليق

      • إيمان عامر
        أديب وكاتب
        • 03-05-2008
        • 1087

        #4
        تحياتي بعطر الزهور

        يا الله يا أستاذة آسيا

        عشت الموقف ورأيته بعيوني
        حقا انه جبان أضع من بين يديه فرصة العمر
        ولكن تمنيت لو اخذ خطوة
        ذكرتني بقصة لي حلم محلق قدمها لي أستاذي العزيز ربيع في أول خطوات لي نحو عالم القاص الجميل

        ولكن تأتي الأقدار بما لا تشتهي السفن

        سرد ممتع ومتميز وحلم لم يتحقق فالجبن والخوف يضيع منا أجمل لحظات العمر

        دمت بخير
        لك كل الحب وارق تحياتي
        "من السهل أن تعرف كيف تتحرر و لكن من الصعب أن تكون حراً"

        تعليق

        • آسيا رحاحليه
          أديب وكاتب
          • 08-09-2009
          • 7182

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة إيمان عامر مشاهدة المشاركة
          يا الله يا أستاذة آسيا

          عشت الموقف ورأيته بعيوني
          حقا انه جبان أضع من بين يديه فرصة العمر
          ولكن تمنيت لو اخذ خطوة
          ذكرتني بقصة لي حلم محلق قدمها لي أستاذي العزيز ربيع في أول خطوات لي نحو عالم القاص الجميل

          ولكن تأتي الأقدار بما لا تشتهي السفن

          سرد ممتع ومتميز وحلم لم يتحقق فالجبن والخوف يضيع منا أجمل لحظات العمر

          دمت بخير
          لك كل الحب وارق تحياتي
          إيمان المشرقة الرقيقة..
          أجل ..هو الجبن و الخجل خاصة في مرحلة معيّنة من العمر..و الخجل قد يكون نعمة و حسنة أو يكون نقمة أحيانا حين يحول بين المرء و تحقيق حلمه..لذلك كنت وضعتُ العنوان الأوّل للقصة " هكذا فاتك الأجمل " لأنه تماما كما ذكرت الجبن و الخوف يضيّعان منا أجمل اللّحظات..
          شكرا لك من القلب
          محبّتي.
          التعديل الأخير تم بواسطة آسيا رحاحليه; الساعة 16-03-2010, 13:42.
          يظن الناس بي خيرا و إنّي
          لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            غاليتي آسيا
            قرأت الجزء الأكبر منها لكن المغص اللعين أتعبني
            سأعود مساء
            تقبلي تحياتي
            المعذرة فأنا مريضة قليلا
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • آسيا رحاحليه
              أديب وكاتب
              • 08-09-2009
              • 7182

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
              غاليتي آسيا
              قرأت الجزء الأكبر منها لكن المغص اللعين أتعبني
              سأعود مساء
              تقبلي تحياتي
              المعذرة فأنا مريضة قليلا
              عزيزتي عائدة..العراقية الأصيلة صاحبة الكلمة الرائعة..
              لا تشغليني عليك..شفاك الله و عافاك..و أبعد عنك كل شر يا رب..
              كوني بخير لنكون أيضا..
              يظن الناس بي خيرا و إنّي
              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

              تعليق

              • مها راجح
                حرف عميق من فم الصمت
                • 22-10-2008
                • 10970

                #8
                إنه حريـــق الانتظار والتردد تتفاعل معه حلقات الثلوج والنيران
                فتبهت الخطوة السعيدة ويفوته الأمل
                فليكن درسا له
                نص نفسي عميق ..ولغة متألقة استاذة آسيا

                مودتي وتقديري
                رحمك الله يا أمي الغالية

                تعليق

                • إيمان الدرع
                  نائب ملتقى القصة
                  • 09-02-2010
                  • 3576

                  #9
                  غاليتي آسية : يا أديبتنا الرائعة : نقلتنا عبر قصّك المميّز مع ركاب الحافلة .
                  سمعنا خفقان قلب هذا المتيّم الخائب ، وخيبة أمله في فرصةٍ أضاعها وكانت ملك يديه .
                  رسمت بريشة كلماتك ، كلّ التفاصيل الصغيرة ، راقبنا هذا الدخان المتصاعد ، ونزق الشيخ من الشبان المدخنين ، وغيرها الكثير...
                  ولم يفتك حتى وصف الطقس من الخارج ، بزوابعه ، وأكياسه المتطايرة في الهواء بين الأشجارالعارية.
                  كنت مبدعة ، بل وأكثر ، تحيّاتي ...

                  تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                  تعليق

                  • عائده محمد نادر
                    عضو الملتقى
                    • 18-10-2008
                    • 12843

                    #10
                    آسيا رحاحليه
                    أنت أديبة سيدتي
                    شمسك دخلت قلبي
                    نص جميل
                    سرد سلس
                    لغة صافية
                    يستحق النجوم
                    يستحق الذهبية

                    هذا شهر الإبداع حقيقة
                    أتدرين آسيا
                    أنا أنظر للحذاء قبل الوجه للرجل أو المرأة
                    نظرة متخلفة قد يراها البعض أو متعالية ومتعجرفة أو سطحية لا أدري.. لكنها الحقيقة
                    أحب الأحذية اللامعة جدااااااااااااااااااااااا
                    أنا بخير وأحسن حالا لكن حالتي النفسية تعبة قليلا من جراء ذاك الموضوع الذي كتب عنا
                    لا أريد أن أشغل بالك غاليتي
                    تحياتي ومودتي ووردة جوري سلطانية
                    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                    تعليق

                    • ميساء عباس
                      رئيس ملتقى القصة
                      • 21-09-2009
                      • 4186

                      #11
                      أسيا الحالمة الجميلة
                      قصة جميلة جدا

                      العنوان رائع
                      البداية مدهشة جميلة
                      الوصف كان ممتعا
                      فقط وجدت في الوسط بعض استطالة ربما كانت ممطوطة أو لاأدي
                      ربما حدث معي كما كان يحدث لجدتي
                      عندما كانت تقرأ قصة
                      وعند العقدة
                      كانت تثور روحها فلاتحتمل الأنتظار
                      فأراها خلسة تنتقل بالكتاب وتفتح آخر أوراقه لتعرف مالنهاية
                      فربما هذا ماحدث لي
                      وكانت الخاتمة
                      ماذا أقول عنها
                      أحب النهايات الفنية وهي نهاية فنية وشاعرية بحتة
                      متألقة وأكثر
                      استمتعت بوهج حروفك وروحك يالغالية
                      ميساء العباس
                      مخالب النور .. بصوتي .. محبتي
                      https://www.youtube.com/watch?v=5AbW...ature=youtu.be

                      تعليق

                      • سمية البوغافرية
                        أديب وكاتب
                        • 26-12-2007
                        • 652

                        #12
                        المشاركة الأصلية بواسطة آسيا رحاحليه مشاهدة المشاركة
                        يوم جلس الحب بجوارك / أو/ هكذا فاتك الأجمل..


                        كأنّ الشمس فجأة أرسلت شعاعا من نورها داخل الحافلة المعتمة بهموم الركّاب و دخان سجائرهم .. في اللحظة نفسها استدارت الرؤوس جميعها نحو باب الدخول..كأنّها تؤدي مشهدا مسرحيا..





                        و.... " يا إلهي ..إنها هي ! "..رأيتها فاختلّ توازن قلبك..سمعت نبضه في أذنيك حتى خُيّل إليك أنّه غيّر موضعه...إنتابك وهنٌ شديد.. أحسّست بنَفَسك يضيق و الهواء يُسحبُ منك..





                        لم يكن الأمر غريبا عنك..فتلك 'حالة ' تلبسك بمجرّد أن تلمحها و لو من بعيد ..بل يكفي أن يستحضر خيالك ملامحها الساحرة أو ابتسامتها 'الموناليزية ' حتى ينقلب كيانك رأسا على عقب و يهزّك زلزال من المشاعر تخور أمامه كل قواك.





                        تطلّعتَ إلى مدخل الحافلة لتعرف من الذي سيصعد خلفها مباشرة..عادة تكون برفقة إثنتين من صديقاتها..و لكنّها اليوم وحدها..





                        كنت تفكّر في المقعد الشاغر الذي بجانبك و تصلّي في سرّك متننّيا أن تتحقّق لك.. الأمنية ..





                        و.. سمعتها تسألك بصوت خجول ساحر كأنه عزف ناي :





                        - هل هذا المقعد محجوز..؟





                        تلعثمتَ :





                        - نعم..لا..لا..أقصد لا..طبعا..تفضّلي ..





                        و تنصب الأنوثة عرشها بمحاذاة قلبك تماما ... / هل تدرك معنى أن تجلس الدنيا على مقعد إلى جوارك ؟../





                        عرقٌ بارد ينساب بين كتفيك..و خدرٌ خفيف يسري بطول جنبك الأيسر.. إعتدلت في جلستك ..تحسّستَ ياقة قميصك و..مرّرتَ يدك اليمنى على شعرك ..ثم...نظرة خاطفة إلى حذائك ..





                        " صدّقوني ..أول ما يلفت إنتباه الفتاة إليك هو مظهرك و حذاءك .."





                        تلك إحد ى النظريات..التي كان يتحفكم بها مروان - مستشار الغرام في الشلّة -...و الذي , كلّما التقيتم بهدف المراجعة يحوّل اللقاء, بعد دقائق , إلى جلسة إستشارات غرامية.. قبل أن يسترسل في الحديث عن آخر إنجازاته مع الجنس اللطيف .





                        ثم يلتفت إليك مستفسرا :





                        " و أنت ..ماذا عنك..هل تشجّعت أخيييييرا و كلّمتها ؟ "





                        و تتعالى ضحكات الرّفاق ساخرين مستهزئين حين يرونك تزمّ شفتيك و تحرّك رأسك بالنّفي و عيناك تنطقان بخيبة مريرة .





                        " يا لخيبتك يا رجل !..قلتُ لك أنها ' صنف' نادر..في طريق الإنقراض و إن فوّتّ عليك الفرص فسوف يصطادها غيرك "..





                        قاموس مروان يزخر بتلك المفردات.. في الحقيقة هو لم يقصّر في المهمّة التي كلّفته بها...يومان فقط و كان التقرير بين يديك.. " إسمها ' إلهام '..كليّة الفلسفة.. سنة أولى....خجولة و جادة و الأهم.. ليس لها حبيب ".. تشعر بالغيرة تأكل قلبك و أنت تفكّر في مروان.. تتمنى لو أنّ لك نصف جرأته... أبدا لم يكن الحديث مع فتاة مشكلة بالنسبة له ...و أنت يا مسكين .. مرّت أشهر منذ صعق الحب كيانك..و لكن الخجل و التردّد يطوّقانك .."لماذا لست مثله..كم أكره جبني و خجلي..كم أكرهني !.. "..





                        أشهر إنقضت و أنت تطاردها ..في الكلية و المكتبة و المطعم .. و محطة الحافلات .. و في أيّ مكان تتواجد فيه..و لكنك لا تجرأ على الإقتراب منها أوالحديث إليها..شيء ما يعيقك ..شيء لا تفهم كنهه و لا تستطيع تفسيره و لكنه هنا في أعماقك يقف بينك و بينها ..هي بالذات..





                        أشهر مرّت و أنت تتعذّب و تحلم و تكتفي بالأمنيات ..و بقصائد شعر تكتبها ليلا لعينيها ..





                        و لكن.. من قال أن الأحلام الجميلة لا تتحقّق بسهولة ؟ حبيبتك الآن هنا.. ها أنت تسترق النظر إليها...





                        "..إلهام..كان لابدّ أن يكون إسمك إلهام..أيّ إسم آخر لم يكن ليليق بك ! "





                        تراقبها بطرف عينك و قلبك يرجف في صدرك كطير مذبوح .. وديعة و هادئة مثل حمامة..صفحة خدّها شديدة البياض تشوبها حمرة خفيفة ..أنف صغير مستقيم و شفتان رقيقتان قرمزيتان ....بدت لك كالملاك في خمارها الناصع البياض و استدارة وجهها المشرق ..





                        رأيتها تخرج من حقيبتها الجلدية السوداء كتابا و تقلّب في صفحاته..يداها صغيرتان بضّتان .. ناعمتان ..تفتحان شهيّتك لقصيدة شعر.





                        و يعضّك الندم بأنيابه.. "آه..لو كنت قرأتُ هذا الكتاب كنتُ وجدتُ ذريعة لبدء الحديث .." /الآن تدرك أنّ للمطالعة مزايا أخرى ! /





                        سرحت في مروان ثانية.." فتاة جميلة تطالع كتابا في الفلسفة يكون حذائي هو أول ما تنتبه له ؟؟ كم هي ضحلة أفكارك يا صديقي..! " / هذا لم يمنعك من تلك النظرة التفقّدية منذ قليل !/





                        الحافلة تمضي مسرعة .. تلتهم الطريق بعجلاتها و الركّاب يثرثرون و يضحكون رغم سحناتهم الباهتة التي تنضح بألوان من التعب.. يلتقط سمعك كلمات من هنا و هناك عن الجو و الكرة و غلاء الاسعار..بينما فكرك منشغل بأمر واحد فقط ."أنا جبان و غبي و أحمق لو ضيّعتُ هذه الفرصة..."





                        " الجوّ رائعٌ اليوم. أليس كذلك ؟ "..هكذا قرأتَ أنّ البريطانين يبدأون عادة حوارهم ..و لكن..تبّا..الجو متواطئ مع حظّك العاثر..لا يخدمك..من النافذة كانت السماء تبدو متجهّمة و بعض الأشجار المنتصبة على حافة الطريق تمر سريعة و قد تعرّت أغصانها تماما إلاّ من أكياس 'بلاستيك ' ترفرف على وقع الريح .. فبدت كفزاعات طيور ضخمة ..





                        "كيف لم أنتبه قبل الآن إلى بشاعة الأشجار و هي عارية..؟ "





                        يقطع حبل أفكارك سعالٌ حاد ..شيخ هرم يهتزّ جسده الواهن مع كل سعلة و يصيح في الشاب الذي إلى جواره أن يكفّ عن التدخين ..





                        وتقفز الفكرة أمام عينيك ..





                        " كيف لم أفطن إلى هذا منذ البداية " ..؟ "آنسة.. هل تسمحين أن أدخّن ؟ " ...نعم..كيف لم تفكّر في ذلك ؟ ..هذا هو .!.سؤال لا يصدر إلا عن ' جنتلمان '..صاحب ذوق و محترم ..ثم أكيد بعدها ستفكّ عقدة لسانك..





                        أخذتَ تردّد الجملة في ذهنك كتلميذ يراجع درسه قبل دخول الفصل و يدك تتحسّس علبة السجائر في جيب سترتك..لكن... ما كدتَ تستجمع الكلمات فوق شفتيك حتى رأيتها تضع الكتاب داخل الحقيبة ..و تقف ..





                        كانت الحافلة قد توقّفت في المحطة الأولى ..





                        و.. بينما هي تتقدّم بخطوات واثقة متأنّية نحو باب النزول كان الحلم الجميل الذي هدهدته في خيالك لشهور.. يتفتّت و يتناثر في جو الحافلة الخانق ..





                        و العاشق الجبان الذي يسكنك يبكي بحرقة شديدة .>>





                        العزيزة آسيا
                        أهنئك على هذه القصة الجميلة
                        موضوعا وصياغة
                        محبتي

                        تعليق

                        • مصطفى الصالح
                          لمسة شفق
                          • 08-12-2009
                          • 6443

                          #13
                          العزيزة اسيا

                          قصة جميلة جدا شدتني حتى النهاية

                          ابدعت

                          يعطيكي العافية

                          كان لي بعض الملاحظات ارجو ان لا يضيق صدرك بها

                          تحية وتقدير


                          .عادة تكون برفقة إثنتين من صديقاتها..

                          و تصلّي في سرّك متننّيا أن تتحقّق لك..

                          ... / هل تدرك معنى أن تجلس الدنيا على مقعد إلى جوارك ؟../

                          " صدّقوني ..أول ما يلفت إنتباه الفتاة إليك هو مظهرك و حذاءك .." حذاؤك



                          أشهر إنقضت و أنت تطاردها ...و لكنك لا تجرأ ( تجرؤ) على الإقتراب منها
                          أشهر مرّت ( تكرار )


                          [align=center] اللهم صل على محمد أفضل الخلق وعلى آله وصحبه أجمعين

                          ستون عاماً ومابكم خجــلٌ**الموت فينا وفيكم الفزعُ
                          لستم بأكفائنا لنكرهكم **وفي عَداء الوضيع مايضعُ

                          رَبِّ بِمَا أَنْعَمْتَ عَلَيَّ فَلَنْ أَكُونَ ظَهِيرًا لِّلْمُجْرِمِينَ

                          حديث الشمس
                          مصطفى الصالح[/align]

                          تعليق

                          • آسيا رحاحليه
                            أديب وكاتب
                            • 08-09-2009
                            • 7182

                            #14
                            المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
                            إنه حريـــق الانتظار والتردد تتفاعل معه حلقات الثلوج والنيران
                            فتبهت الخطوة السعيدة ويفوته الأمل
                            فليكن درسا له
                            نص نفسي عميق ..ولغة متألقة استاذة آسيا

                            مودتي وتقديري
                            أختي الغالية مها..
                            هو كذلك عزيزتي..
                            سعيدة أنّ النص راق لك..
                            أحب أن أخبرك أن توقيعاتك بالأنجليزية روعة فعلا ..
                            دمتِ بخير.
                            يظن الناس بي خيرا و إنّي
                            لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                            تعليق

                            • آسيا رحاحليه
                              أديب وكاتب
                              • 08-09-2009
                              • 7182

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                              غاليتي آسية : يا أديبتنا الرائعة : نقلتنا عبر قصّك المميّز مع ركاب الحافلة .
                              سمعنا خفقان قلب هذا المتيّم الخائب ، وخيبة أمله في فرصةٍ أضاعها وكانت ملك يديه .
                              رسمت بريشة كلماتك ، كلّ التفاصيل الصغيرة ، راقبنا هذا الدخان المتصاعد ، ونزق الشيخ من الشبان المدخنين ، وغيرها الكثير...
                              ولم يفتك حتى وصف الطقس من الخارج ، بزوابعه ، وأكياسه المتطايرة في الهواء بين الأشجارالعارية.
                              كنت مبدعة ، بل وأكثر ، تحيّاتي ...
                              عزيزتي إيمان..
                              كلماتك أبهجتني و إعجابك بما أكتب من دواعي سروري و الله..
                              لك مني كل الحب و التقدير.
                              يظن الناس بي خيرا و إنّي
                              لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

                              تعليق

                              يعمل...
                              X