لماذا كان امرؤ القيس أشعر الشعراء ؟
بقلم: مهند حسن الشاوي
(1)
مَن منا لا يعرف امرء القيس ، أو لم يسمع به، وهو صاحب المعلقة المشهورة التي تلهج بها الألسن:
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ = بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ
وامرؤ القيس هو لقبه؛ أما اسمه فهو حندج بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو الكندي، يكنى بأبي الحارث، وأبي وهب، وأبي زيد، ويلقّب بامرئ القيس وبه اشتهر حتى نُسي اسمه، ومعناه رجل الشدّة، وثاني ألقابه الملك الضلّيل، وقيل في معناه أقوال: فهو إما التائه لأنه قضى حياته كلها غير مستقر، أو معناه الغاوي، لأن الحياة التي كان يحياها حياة غواية وضلال، ولقبه الثالث هو ذو القروح والظاهر أنه لقب بذلك بسبب قوله (من الطويل):
وَبُدِّلتُ قَرحاً دامِياً بَعدَ صِحَّةٍ = فَيا لَكِ مِن نُعمى تَحَوَّلنَ أَبؤُسا
مَن منا لا يعرف امرء القيس ، أو لم يسمع به، وهو صاحب المعلقة المشهورة التي تلهج بها الألسن:
قِفا نَبكِ مِن ذِكرى حَبيبٍ وَمَنزِلِ = بِسِقطِ اللِوى بَينَ الدَخولِ فَحَومَلِ
وامرؤ القيس هو لقبه؛ أما اسمه فهو حندج بن حجر بن الحارث بن عمرو بن حجر بن عمرو الكندي، يكنى بأبي الحارث، وأبي وهب، وأبي زيد، ويلقّب بامرئ القيس وبه اشتهر حتى نُسي اسمه، ومعناه رجل الشدّة، وثاني ألقابه الملك الضلّيل، وقيل في معناه أقوال: فهو إما التائه لأنه قضى حياته كلها غير مستقر، أو معناه الغاوي، لأن الحياة التي كان يحياها حياة غواية وضلال، ولقبه الثالث هو ذو القروح والظاهر أنه لقب بذلك بسبب قوله (من الطويل):
وَبُدِّلتُ قَرحاً دامِياً بَعدَ صِحَّةٍ = فَيا لَكِ مِن نُعمى تَحَوَّلنَ أَبؤُسا
لقد اعتبر كثير من علماء العرب وأدباؤهم ونقادهم امرء القيس أشعر الشعراء في الجاهلية، وبعض منهم اعتبره أشعر الشعراء والمقدم عليهم في كل زمان، ومن هؤلاء - كما سيمر عليك في هذا البحث- : قدامة الكاتب، وأبو عمرو بن العلاء، والأصمعي، والشعبي، وأبو علي الحاتمي، وأبو العباس، وخلف الأحمر، وابن سلام، والفرزدق وجرير والأخطل والحطيئة، وغيرهم من الشعراء وأهل الفن، وما سئل عن أشعر الشعراء إلا وكان امرؤ القيس أول من تشخص إليه الأبصار. ولنذكر من ذلك بعض الأمثلة:
منها ما روي عن رسول الله (ص) أنه قال في حق امرئ القيس: (هُوَ أشْعَرُهم ، وَقَائدُهُم الى النَّار)، ورواه المتقي الهندي في كنز العمال بلفظ قريب.
وما ورد في نهج البلاغة عن الشريف الرضي يذكر الإمام علي قال: وسُئِلَ: من أشعر الشعراء؟ فقال عليه السلام: (إنَّ القَوْمَ لم يَجْرُوا في حَلَبةٍ تُعْرفُ الغَايةُ عِندَ قَصَبتِهَا؛ فإنْ كَانَ وَلا بُدَّ فَالملِكُ الضِّلِّيْل). يريد امرؤ القيس.
ومما يروى أنه اجتمع عند عبد الملك بن مروان أناس، ومنهم روح بن زنباع، فسأله عبد الملك بن مروان: أخبرني عن أشعر الناس؟ فقال: أشعرهم الذي يقول(من الطويل):
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا *** وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
والذي يقول (من الطويل):
كَأَنَّ قُلوبَ الطَيرِ رَطباً وَيابِساً *** لَدى وَكرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا *** وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
والذي يقول (من الطويل):
كَأَنَّ قُلوبَ الطَيرِ رَطباً وَيابِساً *** لَدى وَكرِها العُنّابُ وَالحَشَفُ البالي
ومنها أنه كتب الحجاج الى قتيبة بن مسلم كتاباً فيه شيء من الشدة والغلظة قائلاً: (أما بعد، فإني أكتب إليك في أمرٍ أنا أعلم به منك، وأبلغ قولاً، ولكني أريد أن أبلو ما عندك، فلا تريَنَّ يا بن أم قتيبة أني أحتاج إليك، فأسألك لفضل ما عندك، فلا تحدثنَّ نفسك بذلك فتعجب بها.. حتى قال: وأخبرني عن أشعر شعرائنا اليوم، وأخبرني عن أشعر شعراء الجاهلية والإسلام، وإياك يا بن أم قتيبة أن تدليك العصبية في الأهوية، فإني ناظر أين يقع كتابك من قولي، ثم عارضه على أهل العلم إن شاء الله).
فكتب إليه قتيبة: (أما بعد، فإنه أتاني كتاب الأمير يسألني عن أمر هو أعلم به مني، وإن قِبَلَهُ من أهل الشام، وأهل العراق من هو أحسن نظراً مني. وهل أنا إلا غلام شاب في أودية الأمير... حتى قال: وأما أشعر شعراء الجاهلية والإسلام: فامرؤ القيس، وأكثرهم مثلاً طرفة بن العبد، وأما أشعر شعرائنا اليوم، فأفخرهم: الفرزدق، وأهجاهم: جرير، وأنعتهم: الأخطل. فهذا الذي بلغه علمي...).
أقول: فانظر كيف أنه جمع ثلاثة شعراء من أكابر شعراء عصره كلٌّ في فنه في قبال شاعر واحد، مع ما هو فيه من شدة التضييق والوعيد من قبل سائله، والتذكير بعرض رأيه على أهل العلم.
فكتب إليه قتيبة: (أما بعد، فإنه أتاني كتاب الأمير يسألني عن أمر هو أعلم به مني، وإن قِبَلَهُ من أهل الشام، وأهل العراق من هو أحسن نظراً مني. وهل أنا إلا غلام شاب في أودية الأمير... حتى قال: وأما أشعر شعراء الجاهلية والإسلام: فامرؤ القيس، وأكثرهم مثلاً طرفة بن العبد، وأما أشعر شعرائنا اليوم، فأفخرهم: الفرزدق، وأهجاهم: جرير، وأنعتهم: الأخطل. فهذا الذي بلغه علمي...).
أقول: فانظر كيف أنه جمع ثلاثة شعراء من أكابر شعراء عصره كلٌّ في فنه في قبال شاعر واحد، مع ما هو فيه من شدة التضييق والوعيد من قبل سائله، والتذكير بعرض رأيه على أهل العلم.
وروى البيهقي في المعارج قال: سأل رجلٌ الفرزدق وقال: من أشعر الناس، فقال: الذي يقول (من الطويل):
وَما ذَرَفَت عَيناكِ إِلا لِتَضرِبي = بِسَهمَيكِ في أَعشارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
وسأل الأخطل وقال: من أشعر الناس، فقال: الذي يقول (من الطويل):
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا = وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
وسأل جريراً وقال: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول (من الطويل):
سَمَوتُ إِلَيها بَعدَ ما نامَ أَهلُها = سُموَّ حَبابِ الماءِ حالاً عَلى حالِ
فاجتمعوا وهم شعراء الإسلام على أن امرء القيس أشعر الناس.
وَما ذَرَفَت عَيناكِ إِلا لِتَضرِبي = بِسَهمَيكِ في أَعشارِ قَلبٍ مُقَتَّلِ
وسأل الأخطل وقال: من أشعر الناس، فقال: الذي يقول (من الطويل):
كَأَنَّ عُيونَ الوَحشِ حَولَ خِبائِنا = وَأَرجُلِنا الجَزعَ الَّذي لَم يُثَقَّبِ
وسأل جريراً وقال: من أشعر الناس؟ فقال: الذي يقول (من الطويل):
سَمَوتُ إِلَيها بَعدَ ما نامَ أَهلُها = سُموَّ حَبابِ الماءِ حالاً عَلى حالِ
فاجتمعوا وهم شعراء الإسلام على أن امرء القيس أشعر الناس.
وذكروا أن هشام بن عمرو التغلبي، وكان والي السند، وهو فضّل النابغة على امرئ القيس، وكان معه من العرب من يفضّل امرء القيس على الشعراء. فقال هشام ذات ليلة في سَمَره: من يحسن أن يقول مثل قول النابغة (من الطويل):
كِليني لِهَمٍّ يــا أُمَيمَةَ ناصِبِ = وَلَيـلٍ أُقاسيهِ بَطيءِ الكَواكِبِ
وَصَدرٍ أَراحَ اللَيلُ عازِبُ هَمِّهِ = تَضاعَفَ فيهِ الحُزنُ مِن كُلِّ جانِبِ
تَطاوَلَ حَتّى قُلتُ لَيسَ بِمُنقَضٍ = وَلَيسَ الَّذي يَرعى النُجومَ بِآئِبِ
فقال ذلك الرجل الذي يفضّل امرء القيس: أحسن من ذلك امرؤ القيس حيث قال (من الطويل):
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ = عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمـومِ لِيَبتَلي
فَقُلتُ لَهُ لَمّــا تَمَطّى بِصُلبِهِ = وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ
أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويـلُ أَلا اِنجَلي = بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ
فاعترف هشام بتفضيل امرئ القيس.
كِليني لِهَمٍّ يــا أُمَيمَةَ ناصِبِ = وَلَيـلٍ أُقاسيهِ بَطيءِ الكَواكِبِ
وَصَدرٍ أَراحَ اللَيلُ عازِبُ هَمِّهِ = تَضاعَفَ فيهِ الحُزنُ مِن كُلِّ جانِبِ
تَطاوَلَ حَتّى قُلتُ لَيسَ بِمُنقَضٍ = وَلَيسَ الَّذي يَرعى النُجومَ بِآئِبِ
فقال ذلك الرجل الذي يفضّل امرء القيس: أحسن من ذلك امرؤ القيس حيث قال (من الطويل):
وَلَيلٍ كَمَوجِ البَحرِ أَرخى سُدولَهُ = عَلَيَّ بِأَنواعِ الهُمـومِ لِيَبتَلي
فَقُلتُ لَهُ لَمّــا تَمَطّى بِصُلبِهِ = وَأَردَفَ أَعجازاً وَناءَ بِكَلكَلِ
أَلا أَيُّها اللَيلُ الطَويـلُ أَلا اِنجَلي = بِصُبحٍ وَما الإِصباحُ مِنكَ بِأَمثَلِ
فاعترف هشام بتفضيل امرئ القيس.
وسأل سعيد بن العاص، وهو أمير المدينة، الحطيئة، وقال: من أشعر الناس؟ فقال الحطيئة: امرؤ القيس؛ لقوله (من الكامل):
اللهُ أنجَحُ مَا طَلَبْت بِهِ = وَالبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
اللهُ أنجَحُ مَا طَلَبْت بِهِ = وَالبِرُّ خيرُ حقيبةِ الرَّجُلِ
وزعموا أن كثيّر عزة الخزاعي قال: خرجتُ من عند عبد الملك بن مروان، وقد خلع علي وكساني حلة، وأنا معجب بها، وأنا أطوف، فوصلت في بادية الشام الى جارية سوداء توقد ناراً ببعر، فقالت: من أنت؟ فقلت: أنا كثير بن عبد الرحمن. فقالت: أكثير عزة؟ فقلت: نعم. فقالت: لاحياك ولا بياك، أنت الذي تقول (من الطويل):
فَما رَوضَةٌ بِالحَزنِ طَيِّبَةَ الثرَى = يَمُجُّ النَدى جَثجاثُها وَعَرارُها
بِأَطيَبَ مِن أَردانِ عَزَّةَ مَـوهِناً = وَقَد أوقِدَت بِالمَندَلِ الرَطبِ نارُها
ويحك لو ألقيت العنبر على هذا البعر طابت ريحه، فهلا قلت كما قال امرؤ القيس (من الطويل):
أَلَم تَرَياني كُلَّما جِئتُ طارِقاً = وَجَدتُ بِها طيباً وَإِن لَم تُطَيَّبِ
قال كثيّر: فقلت للجارية: ويحك، اكتمي عليَّ هذا العيب، ولك هذه الحلّة. فأعطيتها الحلّة ومضيت.
فَما رَوضَةٌ بِالحَزنِ طَيِّبَةَ الثرَى = يَمُجُّ النَدى جَثجاثُها وَعَرارُها
بِأَطيَبَ مِن أَردانِ عَزَّةَ مَـوهِناً = وَقَد أوقِدَت بِالمَندَلِ الرَطبِ نارُها
ويحك لو ألقيت العنبر على هذا البعر طابت ريحه، فهلا قلت كما قال امرؤ القيس (من الطويل):
أَلَم تَرَياني كُلَّما جِئتُ طارِقاً = وَجَدتُ بِها طيباً وَإِن لَم تُطَيَّبِ
قال كثيّر: فقلت للجارية: ويحك، اكتمي عليَّ هذا العيب، ولك هذه الحلّة. فأعطيتها الحلّة ومضيت.
ولأن لكل عصر ضوابطه وقواعده في نقد النصوص، وتمييز الأوفق منها والأجمل، حاولت في هذا البحث أن أجد الضوابط التي اعتمدها هؤلاء النقاد والعلماء السابقون في التقييم وهو وإن كان بحثاً يحتاج الى بيان طويل، لكننا يمكن أن نختصره ونلم بأشتاته من خلال نماذج سطرها الكتّاب في مصنفاتهم.
يتبع ...
تعليق