طفلة النقاء

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • حفيظة مسلك
    عضو الملتقى
    • 19-03-2010
    • 15

    طفلة النقاء

    في هذه اللحظة أخطط ما علق بخاطري جهرًا، تلك الذكرى تبغي المكوث في ثنايا عقلي والهروب من لجّة النسيان،عجبا لا تغادر مخيلتي،تسامرني بعدما ينام الكون، فلا تترك لجفني فرصة للإنعتاق من هول جمالها، كأن الأرق وجد مرقده ليعلن استسلامه، لكن عبثا فالروعة بمكان تحصّنت في ليلة قمرية، تفيض بالولع لأقصى الحدود،هاربة من سواحل العتمة إلى الضياء، وخزة في قلبي جعلت البراءة مفرا كأرنبة حرّة.
    أرهقتني ظلال الحاضر البائس واكتأبت أعماقي اكتئابا ضاربا، امتدت إليّ أيادي الحيرة الساخرة، فاقترب مني شبق الهدوء الأزلي لأرفل فيه كقطعة سكر تذوب في فنجان قهوة ساخنة، تتمايل الشمس في دلال وغنج مودعة فصلا من فصول اشراقتها، منطلقة بدلك إلى غياهب أخرى في الدنيا البعيدة،ها هو الغروب يأذن ببدء غفوة جميلة،ذلك المنظر ما يزال عالقا في ذهني ولا أملك حياله نسيانا،مشهد إقتلع من أنفاسي تلك النبتة الحنظلية،جعل مني طعما فاترا بالسعادة المباغتة التي هلت عليّ قليلا.
    بين ليلة وضحاها وجدت نفسي مسؤولة عن طفلة تبلغ من العمر ستة أشهر،تركَتْها والدتُها في عهدتي لمدة قصيرة لا تتجاوز وشاح ليلة مقمرة من ليالي الصيف الجميل،وجدتُ الفراغ المقيت يجلد نفسه بقدوم الزائرة إلى بيتنا،تغمرني أشعة الدفء الحانية،تهتز فرائسي على أوتار بنفسجية من الانتعاش لرؤيتها والتأمل في وجهها الدائري،العينان الملونتان،الشفتان الورديتان الصغيرتان المستندة على تكعيبة ذقنها،الوجنتان الحمراوان، سبحان الخالق في ما خلق، خصلات من شعرها تم تجميعها أعلى هرم رأسها على شكل نخلة، إذا ما اهتزت تتمايل شعيراتها كهبات النسيم،أحسست على ضفاف وجهها المشرق قنديلا يرتشف من صفونا، يبعث الدفء في سنابل خاطرنا، نظرتها تدغدغ نبض الجداول،حركتها التلقائية تداعب شفقا يهيم في حلاوة صمتها،كلمتها عما في قلبي، كأنها تحفظ في أعماقها قصيدة ذات أجنحة،يا الله في بعض شهقة من أنفاسي يخفق الوتر الصادح،في كل بذرة أينعت جمالا،في الألق الطافح براءة طفلة وأمل منساب في تلك العيون اللامعة،
    في أول الليل كانت الصغيرة هادئة، بقينا لوحدنا بعد انصراف الجميع،وضعتها على السرير، سألت نفسي كيف لي برعاية طفلة في مثل هذا السن وأنا التي لا أفهم شيئا في تربية الأطفال؟؟؟؟ جلست بقربها، أنظر إليها وهي تعبث بأحدى ساقيها،توصلها حدّ فمها بكلتا يديها، راقني المشهد في بداية الأمر،بدأت أضحك كيف نكون وكيف نصبح!!! كأنها لوحة فنية رُسمت بأنامل دهبية، تروي عطشي ببراءتها التي جعلتني في حالة من الانشراح، لا أعرف كم من الوقت بقيت بجانبها أتابع حركاتها البهلوانية والطفولية، مددت جسمي بالقرب منها ضاغطة على نفسي بالاقتراب أكثر فأكثر، رفعتها الى صدري فاحتضنتها، أصبحتْ الأحب إليّ والأقرب الى نفسي،في تلك اللحظة عرفت بأنني من المحظوظات بالنعيم، كيف لا ؟ وأنا التي أغرق في بحر من الألفة مع طفلة خالية من الشر، ها أنا أمتع عينيّ باحتضان مخلوق عزيز أثير وفرصة لملامسة النور،تذوق طعم السرور، و ربي ما شعرت بالأمان بمثل تلك اللمسة الحانية،حلاوة تجعل القلب مرتويا، أنظر إليها فابتسم،تبادلني بنفس الحلم والشعور.
    فجأة…!!! بدأت بالصراخ،أطبقت عيناها،فتحت فمها،صراخها ملأ المكان، طرحتها على السرير محاولة إسكاتها، كيف لي معرفة سبب بكائها وأنا التي لا أتمالك نفسي عند رؤية كهل يبكي؟ فكيف بصغيرة لا تنطق الكلام، فكرت في أنها جائعة، هرعت مسرعة نحو الثلاجة أبحث عن الحليب، الأمواج تتخبط في جسدي،الرياح تشعت شعري، سخنته بسرعة أشرعة دواخلي، كأنني في سباق مع الزمن، ملأت الرضاعة فرجعت إليها وكلي أمل أن تتوقف عن الصراخ،حملتها الى صدري مرة ثانية فازداد بكاؤها عند رؤيتها لقارورة الرضاعة،وضعتها لها في فمها فسكتت!! تناولتها بنهم وهي تجتر صبيبها،امتزج محياها ببهاء فيروزي، تلألأت ابتسامتها بضياء جمالها، شعرت بأنها ترانيم لحن مضمخ بالبراءة، ينحني ضلع الياسمين وقامته المأهولة، فما أسعدني بتلك الصغيرة وهي بجواري، تغسل ألمي،تتمدد كساقية،جدول يرقص على ضفاف البحيرة، خّيم الصمت على مملكتنا لنغفو سويا في رحاب البراءة، ببنك الزمن وسكون البدن، قمر من قرنفلتين واحدة في خزائن قلبينا والأخرى وردة آذار عالقة في أرواحنا، هكذا حولتني التجربة من دودة القز وهي تخيط خيط الحرير إلى شالٍ يداعبه الريح..
    من الصعب نسيانها وقد ازدانت مروجي فرحا وسعادة برفقتها واحتضانها، وابتسامتها التي تضيء الكون بنورها،
    لن أنساها.
    التعديل الأخير تم بواسطة حفيظة مسلك; الساعة 20-03-2010, 12:20.
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميلة القديرة
    حفيظة مسلك
    نص جميل
    السرد جاء بانسيابية وأنت تصفين الطفلة والطفولة وبراءتها
    كدت ألمس ذاك الوجه الوردي الملائكي من خلال النص
    ربما تسللت منك كلمة ..
    فرائسي/ فرائصي
    جميل وناعم ماقرأت لك
    ودي الأكيد سيدتي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      الاستاذة حفيظة مسلك
      سعدت جدا بالقراءة
      مشهد بريء يحمل مشاعر متأججة لإحتواء تجربة لأول مرة
      نقلتني من حال الى حال

      سلم يراعك
      تحيتي
      التعديل الأخير تم بواسطة مها راجح; الساعة 21-03-2010, 17:46.
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • حفيظة مسلك
        عضو الملتقى
        • 19-03-2010
        • 15

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
        الزميلة القديرة
        حفيظة مسلك
        نص جميل
        السرد جاء بانسيابية وأنت تصفين الطفلة والطفولة وبراءتها
        كدت ألمس ذاك الوجه الوردي الملائكي من خلال النص
        ربما تسللت منك كلمة ..
        فرائسي/ فرائصي
        جميل وناعم ماقرأت لك
        ودي الأكيد سيدتي
        السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
        أستاذتي الكريمة يشرفني حضورك الكريم وقراءتك الطيبة
        دمتِ بجمال ونعومة ردك أختي ولا حرمت من تشجيعك لي
        ود لا ينتهي.

        تعليق

        • حفيظة مسلك
          عضو الملتقى
          • 19-03-2010
          • 15

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مها راجح مشاهدة المشاركة
          الاستاذة حفيظة مسلك
          سعدت جدا بالقراءة
          مشهد بريء يحمل مشاعر متأججة لإحتواء تجربة لأول مرة
          نقلتني من حال الى حال

          سلم يراعك
          تحيتي
          السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
          منورة أختي مها ومرحبا بكِ دائما في ثنايا كتاباتي المتواضعة
          أتمنى ان يروق لكِ حرفي على الدوام
          مشكورة يا طيبة
          محبتي.

          تعليق

          • ربيع عقب الباب
            مستشار أدبي
            طائر النورس
            • 29-07-2008
            • 25792

            #6
            أهلا بك أستاذة .. ومرحبا بابداعك القصى
            مرحبا به كاشفا ، و مدهشا ، ومفجرا لدواخلنا
            لا مجرد لغة ، تتهادى ، ناعمة ، تشكل من
            الخارج لوحات رائعة !

            قرأت من يومين على ما أعتقد ، و انتظرت أن تكون
            هناك أى عقدة أو حبكة ، أو تفجير لكوامن نفسية تنتابنا
            فى تلك اللحظات التى نكون فيها أباء أو أمهات ، و لو
            لساعة أو لحظة .. ما الإحساس الذى يعترينا بقوة .. وما الجديد
            الذى فجره طفل هذه الساعة فينا ، و لكنى ما رأيت شيئا أثناء قراءتى

            أرجو أن أكون واضحا فى حديثى لا غامضا و مبهما

            ربما هناك أخطاء أخرى غير فرائسى

            شكرا لك على الصور التى شكلها قلمك
            و على لغتك الجميلة

            تقديرى و احترامى
            التعديل الأخير تم بواسطة ربيع عقب الباب; الساعة 22-03-2010, 10:37.
            sigpic

            تعليق

            • حفيظة مسلك
              عضو الملتقى
              • 19-03-2010
              • 15

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة ربيع عقب الباب مشاهدة المشاركة
              أهلا بك أستاذة .. ومرحبا بابداعك القصى
              مرحبا به كاشفا ، و مدهشا ، ومفجرا لدواخلنا
              لا مجرد لغة ، تتهادى ، ناعمة ، تشكل من
              الخارج لوحات رائعة !

              قرأت من يومين على ما أعتقد ، و انتظرت أن تكون
              هناك أى عقدة أو حبكة ، أو تفجير لكوامن نفسية تنتابنا
              فى تلك اللحظات التى نكون فيها أباء أو أمهات ، و لو
              لساعة أو لحظة .. ما الإحساس الذى يعترينا بقوة .. وما الجديد
              الذى فجره طفل هذه الساعة فينا ، و لكنى ما رأيت شيئا أثناء قراءتى

              أرجو أن أكون واضحا فى حديثى لا غامضا و مبهما

              ربما هناك أخطاء أخرى غير فرائسى

              شكرا لك على الصور التى شكلها قلمك
              و على لغتك الجميلة

              تقديرى و احترامى
              السلام عليكم ورحمة الله وبركاته
              الأجمل من كل هذا سيدي الكريم هو تشريفك للنص
              مرات كثيرة نكتب بقلوبنا وننزل بثقل القلم وعنفوان المشهد لننقل تلك الارتسامات الكامنة والمشاعر الدفينة في مخيلتنا
              قد ننجح أو نفشل.. يكفينا حينئد شرف المحاولة
              دمتَ لنا أستاذا ناصحا وقارئا مميزا
              أتمنى ان أجدك دوما في كتاباتي المقبلة
              ومرحبا بنقدك ورأيك الذي يسبقه دائما احترامي لك
              تقديري.

              تعليق

              • سالم العامري
                أديب وكاتب
                • 14-03-2010
                • 773

                #8

                الاخت المبدعة حفيظة مسلك
                تحية لقلمك الجميل في هذا الملتقى
                الفكري والابداعي المتميز....
                وتحية لطفلة النقاء كما رسمتها،
                مسارب للجمال على سديم اللغة...
                قد لا اختلف مع الاستاذ ربيع باحثاً
                عن حبكة القصة في هذا الفيض من
                السرد الشعري الجميل...
                ولعل ما يشغل عن ذاك هو تمايل
                الحروف تحت يراعك، هدوءاً حد السكون،
                وصعودا حد الانفجار...
                شكراً لك على ما نثرت في ليل هذه الطفلة من نقاء.
                لك صادق ودي والامنيات

                سالم



                إذا الشِعرُ لم يهْزُزْكَ عند سماعهِ
                فليس جديراً أن يُـقـالَ لهُ شِــعْــرُ




                تعليق

                يعمل...
                X