انتظرت أياما وشهورا...ثم سنوات ..وما من خبر؟
أقدّر هول العاصفة التي شتّتت شمل فرحنا،وهدمت صرح أمانينا, ولكنها أضعف من أن تمحو أوراقا كتبناها ببسمات طفولتنا ودموعها ..
تلك الطفولة التي صرفنا ريعانها سويّا ، التصقنا ببعض حد الذوبان, كنا نكبر وتكبر أحلامنا معنا ..وألوانها تزداد توّهجا وفتنة...
أتذكرين.. ونحن في الصف الأول الإعدادي حين انتبهنا لمواقعنا الاجتماعية واكتشفنا حجم المسافة الطبقية التي تفصل بيننا ، حينئذ أدركت أن رائحة الفقر التي تفوح مني تقف سدّا منيعا أمام استمرارنا !!
كان والدك يخجل من أن يراك معي،
ولن أنسى يوم لمحنا ونحن على مشارف الحديقة التي تتوسط المدينة ، كبح فرامل سيارته بعنف ،ارتميت جنبه مذعورة، كان يصرخ في وجهك وعيناه تنهشني بنظرات احتقار ما زالت تحز في نفسي.. منقوشة في ذاكرتي المكدودة.. لا تمحى
أعلنت العصيان الشامل ،عانقت حالة وجوم غامضة حيّرتهم لأيّام.. طافوا بك كل العيادات ،رافقوك في عدة خرجات.. لكن ذلك لم يغير من ثباتك وجسارتك شيئا، ولم يمض وقت طويل حتى تركوك لحالك...
وعادت الأمور إلى سابق عهدها ..
أتذكرين غاليتي حين زرنا خالتك في البادية ذات ربيع..
كان الجو جذلا يموج بمختلف العطور والألوان، والخضرة عربدت في الحقول والمزارع ،اختلط خرير السواقي بشدو الطيور والبلابل، وكنا حين نتناول فطورنا جبنة وحليب وزيتون، ننسلّ عن الرفقة ، ونتخذ تلك الصخرة المنتصبة وسط البستان مقعدا لنا، ويحلو لنا الحكي بصمت.. وعيوننا تشرق على كل هذه الروعة...
ذات صباح كنّا على صخرتنا الحبيبة تلك ، وغصن السنديانة العجوز يظللنا، سقط علينا من أعلى الشجرة فرخا صغيرا، لازال عاريا من ريشه..صدمته الصخرة ، المسكين تحرك قليلا ثم مات.. بعد لحظة سمعنا أمّه العائدة من خرجتها الصباحية ، تفقدته فجنت ثمّ اهتدت إلى مكانه رفرفت فوقه لطمتها رائحة الموت فما حطّت .. تراجعت ..غيرت اتجاهها وطارت حزينة نحو مكان بعيد...
صعبا عليّ أن أنسى ومضة الموت تلك، ولو كان بطلها عصفور،
تدفقت مشاعرك الرقيقة لحظتها, وفاضت من عيناك شآبيب الرحمة.. أخذت الفرخ الصريع وبيديك الرقيقتين حفرت حفرة تتسع لجسمه الصغير وواريته الثرى بألم ...ومن يومها سمينا الصخرة .. صخرة الموت..
كبرنا غادة...
وافترقنا ...
توشحوا بالسواد وداهموا بابنا العتيق.. طرحوه أرضا،
رحّلونا، وهم يضربون مؤخراتنا بأعقاب بنادقهم،
كأكياس إسمنت رمونا في شاحنة عتيقة.. شّقت بنا جوف الليل نحو الصحاري البعيدة ، في الطريق أشبعونا شتما وسبّا وبصاقا.. كنا نتمايل و نحن نقطر ألما ومذلّة ،
كنت أحسّ محرك الشاحنة يجاهد طريقا غير معبدة،
وعلى حدود البلد المجاور قذفونا مع تهديد أكيد بقتلنا إن فكرنا في العودة ..
وصرنا نزلاء مخيم...حيث يصعب تناول اللقمة بين الآلاف من أمثالنا ،
ما غبت عني لحظة أبدا ،
أصبحت كل الوطن الذي يسكنني ،
وبعد خمس سنوات عدت للوطن بعضلات مفتولة وأفراس من إرادة وجسارة..
وصار حبي لك عنوانا لحب أكبروأعظم شأنا..
فهذا وطني بهامته السامقة يقف مثخنا بالجراح يناديني،
فلتكن دمائي قبلة على جبينه العالي...
لقد اخترت أن أنتهي حيث بدأت.
قررت أن أموت عشقا على صدر الوطن.
لأنه هو المبتدأ والخبر في جملة حياتي
ألا ترين معي أنه أحق بي منك ؟؟؟؟
أقدّر هول العاصفة التي شتّتت شمل فرحنا،وهدمت صرح أمانينا, ولكنها أضعف من أن تمحو أوراقا كتبناها ببسمات طفولتنا ودموعها ..
تلك الطفولة التي صرفنا ريعانها سويّا ، التصقنا ببعض حد الذوبان, كنا نكبر وتكبر أحلامنا معنا ..وألوانها تزداد توّهجا وفتنة...
أتذكرين.. ونحن في الصف الأول الإعدادي حين انتبهنا لمواقعنا الاجتماعية واكتشفنا حجم المسافة الطبقية التي تفصل بيننا ، حينئذ أدركت أن رائحة الفقر التي تفوح مني تقف سدّا منيعا أمام استمرارنا !!
كان والدك يخجل من أن يراك معي،
ولن أنسى يوم لمحنا ونحن على مشارف الحديقة التي تتوسط المدينة ، كبح فرامل سيارته بعنف ،ارتميت جنبه مذعورة، كان يصرخ في وجهك وعيناه تنهشني بنظرات احتقار ما زالت تحز في نفسي.. منقوشة في ذاكرتي المكدودة.. لا تمحى
أعلنت العصيان الشامل ،عانقت حالة وجوم غامضة حيّرتهم لأيّام.. طافوا بك كل العيادات ،رافقوك في عدة خرجات.. لكن ذلك لم يغير من ثباتك وجسارتك شيئا، ولم يمض وقت طويل حتى تركوك لحالك...
وعادت الأمور إلى سابق عهدها ..
أتذكرين غاليتي حين زرنا خالتك في البادية ذات ربيع..
كان الجو جذلا يموج بمختلف العطور والألوان، والخضرة عربدت في الحقول والمزارع ،اختلط خرير السواقي بشدو الطيور والبلابل، وكنا حين نتناول فطورنا جبنة وحليب وزيتون، ننسلّ عن الرفقة ، ونتخذ تلك الصخرة المنتصبة وسط البستان مقعدا لنا، ويحلو لنا الحكي بصمت.. وعيوننا تشرق على كل هذه الروعة...
ذات صباح كنّا على صخرتنا الحبيبة تلك ، وغصن السنديانة العجوز يظللنا، سقط علينا من أعلى الشجرة فرخا صغيرا، لازال عاريا من ريشه..صدمته الصخرة ، المسكين تحرك قليلا ثم مات.. بعد لحظة سمعنا أمّه العائدة من خرجتها الصباحية ، تفقدته فجنت ثمّ اهتدت إلى مكانه رفرفت فوقه لطمتها رائحة الموت فما حطّت .. تراجعت ..غيرت اتجاهها وطارت حزينة نحو مكان بعيد...
صعبا عليّ أن أنسى ومضة الموت تلك، ولو كان بطلها عصفور،
تدفقت مشاعرك الرقيقة لحظتها, وفاضت من عيناك شآبيب الرحمة.. أخذت الفرخ الصريع وبيديك الرقيقتين حفرت حفرة تتسع لجسمه الصغير وواريته الثرى بألم ...ومن يومها سمينا الصخرة .. صخرة الموت..
كبرنا غادة...
وافترقنا ...
توشحوا بالسواد وداهموا بابنا العتيق.. طرحوه أرضا،
رحّلونا، وهم يضربون مؤخراتنا بأعقاب بنادقهم،
كأكياس إسمنت رمونا في شاحنة عتيقة.. شّقت بنا جوف الليل نحو الصحاري البعيدة ، في الطريق أشبعونا شتما وسبّا وبصاقا.. كنا نتمايل و نحن نقطر ألما ومذلّة ،
كنت أحسّ محرك الشاحنة يجاهد طريقا غير معبدة،
وعلى حدود البلد المجاور قذفونا مع تهديد أكيد بقتلنا إن فكرنا في العودة ..
وصرنا نزلاء مخيم...حيث يصعب تناول اللقمة بين الآلاف من أمثالنا ،
ما غبت عني لحظة أبدا ،
أصبحت كل الوطن الذي يسكنني ،
وبعد خمس سنوات عدت للوطن بعضلات مفتولة وأفراس من إرادة وجسارة..
وصار حبي لك عنوانا لحب أكبروأعظم شأنا..
فهذا وطني بهامته السامقة يقف مثخنا بالجراح يناديني،
فلتكن دمائي قبلة على جبينه العالي...
لقد اخترت أن أنتهي حيث بدأت.
قررت أن أموت عشقا على صدر الوطن.
لأنه هو المبتدأ والخبر في جملة حياتي
ألا ترين معي أنه أحق بي منك ؟؟؟؟
تعليق