مغارة الشيوخ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • روان عبد الكريم
    أديب وكاتب
    • 21-03-2010
    • 185

    مغارة الشيوخ



    مغارة الشيوخ
    "شى الله يا ِسيدى َحمد, شى الله يا ِسيدى َحمد"
    وقفت المرأة النحيلة, بقامتها القصيرة, يلفها دخان البخور الثقيل فى مغارة الشيوخ, حيث مدافن الأولياء الصالحين ,وهى تحمل طفلتها الضئيلة الناعسة فى وهن على صدرها الجاف كالرمال ..وهى تمسح بيداً مكدودة الرخام الرمادى للقبرالبارد القديم, تغزوه فى فتور بقايا أشعة شمس متسربة من فتحات المغارة الحجرية المظلمة , لايحرك الصمت فى جدرانها سوى إنحنائة المرأة المتوسلة على القبر , تنحنى عليه مرراً تقبله تارة وتربت عليه تارة أخرى .. وهى تستجدى هشيم الحطام الساكن فيه منذ زمن بعيد ..وتفلت من عينيها دمعة حارقة بللت كلماتها , ثم سالت على شفاها الزرقاء تردد:-
    لاتخذلنى يا شيخ, الطفلة ستلحق بأخوتها فى غياهب العدم يا شيخ , ساعدنى يا شيخ
    ويرد الصدى صوتها وهى فى بؤس ,دفعها لدخول مغارة الشيوخ فى قلب الجبل الخامد, تستدعى بركة كبيرهم "سيدى حمد"

    ثم وضعت الطفلة على القبرلعلها تنال شيئاً من بركة الفانين ,فلاطفتها وضحكت.. حينئذ قال لها العجوز حارس المقبرة الذى كان يرقب المشهد المتكرر وهو يقول :-
    دعوتك مقبولة يا أبنتى, وهذه البشارة وهو يشير للثغر الباسم للطفلة فاحتضنتها المراة فى حنان وهى
    تفور فرحاً يمطر من نافذة اليأس المزدانة بتيجان الفقر,فرحاً دفعها رغم حاجتها إلى أن تدس جنيهاً فى يد الرجل الذى نظر إليه فى اهتمام ثم حكه فى جلبابه الثقيل المترب بينما تطوف عينيه على زائرة اخرى دخلت من باب المغارة الضيق الصخرى ,أمراة وصبية مليحة ,فاقترب منهما, تطوف عيناه على الصغيرة الحلوة وقد جاءت يلاحقها حلم الأنوثة الوردى وامها تقول:-
    ممسوة هى – لايطلب يدها احد, كل رفيقانها تزوجن ..فيقترب من الصغيرة الخائفة ويقرصها من خصرها , قرصة شهقت لها ولونت وجهها الجميل, ..وقد إنعكس جسدها على نهر الوجود بداخله, يموج كل مساء , ممتلئ بنيران الرغبة التى تشتعل فى مجامرالروح وهو يشيرصامتاً لقبر كبير الاولياء ,يراقب الأم وهى تمسح جسد الصغيرة بالوعود والامنيات ..وهو يمسح جسد الصغيرة بالأحلام ,ينتظر وعده يتحقق فى حلم احمر عاصف ,يدفئ لياليه البارده , وقد لبث يتلصص على جسد الفتاة الحلوة المنحنية بعيون ضيقة وقد شغل نفسه بازاحة غبار القبر المنسى فى اخر المغارة متذكراً اللص الذى حاول ان يسلبه مال المغارة ..وقد دفنه هنا فى ليلة باردة ,منهكاً فى ذكرياته.. وهو يشعل لفافة تبغه تترائ له المواسم والفصول ترحل محملة بالأطايب بينما هو يفترش أرض المغارة ,عشرات الليالى مرت عليه وهو يلبث فى مكانه يحدث اصحاب القبور المهجورة المجهولة لايؤنسه غير الجرذان الجبلية المذعورة تنتظره فى وله عله يلحق بموتى القبور ويهديها ليلة مترفة بالطعام,يقف كحارس فرعونى يعبث فى عالم بلا مرؤة تتخبط فيه امواج الجهل وزبد الانكسار على حواف شطآن لا تمل من الأنتظار للأمل والبركات .

    يهمس بترانيم وثنية محملة بالشرور , وقد لف وجهه ضباب الدخان المنبعث من فمه وهويستند على حافة قبر اللص القتيل يمد ذراعيه كجناحى غراب وقد أقتربت منه اقتربت منه المراتين .. يسألنه فى شك قبر من هذا ؟
    وقد نال اهتمامها تلك العشبة الضئيلة المتسللة حوله , فزفر زفرة عميقة مرقت فى هواء قديم لتوقظ وسن السنين المنصرمة ولم يجب وقد أغمض عينيه طويلاً...غمزت المرأة الأولى فى خبث
    أه .. شيخ "سره باتع" وقد اخفاه عنا .. بينما وقفت الأخرى ترقب الحارس فى أهتمام وهو يفتح العينان البراقتين فجأة ثم حك اذنه وقرص حلمتها فى مكر وهو يقول هو سيد الشيوخ لامراء..ولا يذكر اسمه الا عشر جنيهات كاملة ...فتخرج كل واحدة بلا تفكير ما تبقى فى كيسها ..وتجمعا ستة جنيهات وتقولا فى رجاء :-
    لانملك غيرها.. فيمد يده لهما فى تعاطف وهو يكمل العشر جنيهات ليبوح لهمها باسم الشيخ شديد البركة وهو يطوح راسه فى الهواء كدائرة ابدية ويصرخ صراخ الولهين المتعففين:-

    "شى الله" يا سيدى المرزوقى ...
    "شى الله" يا سيدى المرزوقى



  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    #2
    الأستاذة المبدعة روان عبد الكريم

    أحييك أولا على القفلة الرائعة .. وثانياً أشفقت على المرأتين من لؤم هذا الحارس المترقب لكل امرأة .. تستغل ساذجتهن ليفرض عليهن ضريبة استحلها لنفسه باسم الشيخ وكرامته ..
    كانت لقطة واقعية تتكرر في بلادنا الشرقية , وإن كان الخيال لعب دوره ببراعة .. قد يظنها البعض لقطة مرت عليها الأزمان .. لكنها للأسف مازالت حية ويعيشها ريفنا البسيط .. جهل بعض الطبقات تمسكهم بالعادات و التقاليد كان البطل الحقيقي للقصة ..

    خالص تحياتي و تقديري وأهلا ومرحبا بك معنا أستاذة روان
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

    تعليق

    • مصطفى شرقاوي
      أديب وكاتب
      • 09-05-2009
      • 2499

      #3
      [align=justify]
      السلام عليكم ,,
      الصورة الرائقه تتكلم , رسمتِ فأبدعتِ الرسم بالكلمات , ربما صادفت أحدهم فكانت له لقطه من هذه المشاهد المتتاليه , فكثيراً ما تحدث هذه الأحداث ولا يشترط الأسماء الوارده في النص ولكن الحجارة كثيرة والمتحجرون كُثُر .

      شكراً لكِ
      [/align]

      تعليق

      • روان عبد الكريم
        أديب وكاتب
        • 21-03-2010
        • 185

        #4
        المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
        الأستاذة المبدعة روان عبد الكريم

        أحييك أولا على القفلة الرائعة .. وثانياً أشفقت على المرأتين من لؤم هذا الحارس المترقب لكل امرأة .. تستغل ساذجتهن ليفرض عليهن ضريبة استحلها لنفسه باسم الشيخ وكرامته ..
        كانت لقطة واقعية تتكرر في بلادنا الشرقية , وإن كان الخيال لعب دوره ببراعة .. قد يظنها البعض لقطة مرت عليها الأزمان .. لكنها للأسف مازالت حية ويعيشها ريفنا البسيط .. جهل بعض الطبقات تمسكهم بالعادات و التقاليد كان البطل الحقيقي للقصة ..

        خالص تحياتي و تقديري وأهلا ومرحبا بك معنا أستاذة روان
        بل قل هو جهل بلادنا كلها

        تعليق

        • روان عبد الكريم
          أديب وكاتب
          • 21-03-2010
          • 185

          #5
          المشاركة الأصلية بواسطة مصطفى شرقاوي مشاهدة المشاركة
          [align=justify]
          السلام عليكم ,,
          الصورة الرائقه تتكلم , رسمتِ فأبدعتِ الرسم بالكلمات , ربما صادفت أحدهم فكانت له لقطه من هذه المشاهد المتتاليه , فكثيراً ما تحدث هذه الأحداث ولا يشترط الأسماء الوارده في النص ولكن الحجارة كثيرة والمتحجرون كُثُر .

          شكراً لكِ
          [/align]
          أعجبنى تعبيرك كثيرا الحجارة كثيرة والمتحجرون كثر

          تعليق

          • عائده محمد نادر
            عضو الملتقى
            • 18-10-2008
            • 12843

            #6
            الزميلة القديرة
            روان عبد الكريم
            نص رائع
            سرد شيق وسلس ومتين
            تمتلكين ملكة القص بجدارة
            ربما فاتني أن أفهم كلمة
            ممسوة / هل كان القصد منها ممسوسة
            ودي ومحبتي لك
            الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

            تعليق

            • روان عبد الكريم
              أديب وكاتب
              • 21-03-2010
              • 185

              #7
              العزيزة المتألقة دوما استاذة عائدة -الكاتبة القريبة دأئما لقلبى
              لن تتصورى مدى سعادتى بوجودك فى صفحتى

              الكلمة خطأ لغوى هى بالفعل ممسوسة أبعدنا الله عن المس والسحر

              تعليق

              • فواز أبوخالد
                أديب وكاتب
                • 14-03-2010
                • 974

                #8
                قصة ممتعة وأسلوب رااااااااائع

                تحياااااااتي لك أختي روان عبدالكريم


                ..........ز
                [align=center]

                ما إن رآني حتى هاجمني , ضربته بقدمي على فمه , عوى من شدة
                الألم , حرك ذيله وولى هاربا , بعد أن ترك نجاسته على باب سيده .
                http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67924

                ..............
                [/align]

                تعليق

                • روان عبد الكريم
                  أديب وكاتب
                  • 21-03-2010
                  • 185

                  #9
                  شكرا لتقيمك استاذ خالد

                  تعليق

                  • إيمان الدرع
                    نائب ملتقى القصة
                    • 09-02-2010
                    • 3576

                    #10
                    أخت روان عبد الكريم :
                    كتبت فأبدعت ..وأمتعتِ النظر...
                    سلّطتِ الضوء على زوايا هامة نعاني منها في بلادنا ..
                    لا تزال تستشري في عالم البسطاء..
                    دُمتِ بسعادةٍ .....تحيّاتي ....

                    تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                    تعليق

                    • روان عبد الكريم
                      أديب وكاتب
                      • 21-03-2010
                      • 185

                      #11
                      المشاركة الأصلية بواسطة إيمان الدرع مشاهدة المشاركة
                      أخت روان عبد الكريم :
                      كتبت فأبدعت ..وأمتعتِ النظر...
                      سلّطتِ الضوء على زوايا هامة نعاني منها في بلادنا ..
                      لا تزال تستشري في عالم البسطاء..
                      دُمتِ بسعادةٍ .....تحيّاتي ....
                      إنه الجهل وأستغلال حاجة الفقراء .. يكاد يلتهم كيان مجتماعتنا
                      وهكذا الحال فى اشياء اخرى

                      تعليق

                      • روان عبد الكريم
                        أديب وكاتب
                        • 21-03-2010
                        • 185

                        #12
                        شـكــ وبارك الله فيك ـــرا لك ... لك مني أجمل تحية .

                        تعليق

                        • روان عبد الكريم
                          أديب وكاتب
                          • 21-03-2010
                          • 185

                          #13
                          شكرا لكم ولتقدريكم

                          تعليق

                          • نعيم الأسيوطي
                            أديب وقاص
                            • 29-11-2009
                            • 115

                            #14
                            روان عبدالكريم

                            قرأت العمل من قبل وعجبتني فكرته الواضحة ولماذا أقول الواضحة وليست المباشره لأنها تعالج موضوع التخاريف والبركات بزيارة الحجارة والتبرك ببشر ليس لهم أي علاقة بالدين ولا يعرفون كتاب الله ولا سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام أو كيف يصلى الفجر ومنهم من يزورالكذابين والمنجمين .. والله تخلفنا عن ركب الحضارة .. ولو رجعنا لكتاب الله وسنة رسوله لتولينا قيادة العالم ..
                            لكن
                            كيف نعالج الجهل .. وكيف نجعل الفقير يجد قوت يومه .. هنا القول ..

                            نعم بداية قصة جميلة وخاتمة اكثر من رائعه ..
                            مودتي وتقديري

                            تعليق

                            • روان عبد الكريم
                              أديب وكاتب
                              • 21-03-2010
                              • 185

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة نعيم الأسيوطي مشاهدة المشاركة
                              روان عبدالكريم

                              قرأت العمل من قبل وعجبتني فكرته الواضحة ولماذا أقول الواضحة وليست المباشره لأنها تعالج موضوع التخاريف والبركات بزيارة الحجارة والتبرك ببشر ليس لهم أي علاقة بالدين ولا يعرفون كتاب الله ولا سنة المصطفى عليه الصلاة والسلام أو كيف يصلى الفجر ومنهم من يزورالكذابين والمنجمين .. والله تخلفنا عن ركب الحضارة .. ولو رجعنا لكتاب الله وسنة رسوله لتولينا قيادة العالم ..
                              لكن
                              كيف نعالج الجهل .. وكيف نجعل الفقير يجد قوت يومه .. هنا القول ..

                              نعم بداية قصة جميلة وخاتمة اكثر من رائعه ..
                              مودتي وتقديري
                              العزيز أستاذنا نعيم الأسيوطى سعدت بقرائتك للنص

                              تعليق

                              يعمل...
                              X