الوجه البارد
قصة قصيرة بقلم:العربي الثابت
آثر الرحيل مبكرا عن عالم ليس له.
تلحّف عتمة الليل وسبح في البياض..
لم يكن يعي ما ينتظره بعد قفزته الأخيرة في فراغ قاتم..
لكنه صمّم أن يفعل..وقد فعل.
قرر أن يهدّ هذا السياج من أساسه و دفعة واحدة، يلغي تدافع الهواء في رئتيه ،و
يريح قلبه من هذا النبض المخزي،
لعلّ عاصفة الرحيل هبّت عليه بغتة فما تمكّن من تقبيل زهرته الوحيدة ،
ولامسح جبينها المسحة الأخيرة،وهي في حضن أمها في الغرفة المجاورة...وربما طاف على مرقدهما ،والتقط الصور الأخيرة ...ومضى.
ما أدرانا إن فعل أو لم يفعل ، فالباب بينهما بات مشرعا ،وقد غمرهما النوم بفيض أحلامه فاستسلمتا لسلطانه مبكرا،وبات لوحده ساهرا..ناقما حتى النفس الأخير.
هذه المرآة المثبتة على الجدار المقابل لباب غرفته ..رأته لآخر مرة،
وعكست تقاسيم وجهه النحيف ونظرته الشاردة وشاربه الأشعث الخفيف..
هي وحدها التي لمحت وميض الموت في عينيه،
بل هي الوحيدة التي رأت انزلاق الدمعة الأخيرة على خدّه النحيف ..
ولابد أنه شهق ببكاء صامت أخير.. قبل أن يصعد الدولاب ويقفز قفزته الأخيرة..
يتخذ من مشكلة بسيطة مجالا لتفكير عميق، تنهكه الأسئلة المشاغبة ،تتملكه الحيرة لأيام،
يقضيها ناقما ضجرا ،لا يكاد يلتفت إلى شيء ...وحين يعجز عن العثور على أجوبة مقنعة تهدأ أعصابه الفوارة..عندئذ فقط يمتطي صهوة صمته ويسبح وحيدا في عتمة سماء كئيبة...
كذا بنى فلسفته الخاصة مذ كان يافعا فقادته قسرا إلى النهاية ،فرحل شنقا..
هل يذكر أنه قبل ساعات فقط ودّع أمه في المحطة ،كانت في طريقها نحو الصحاري الشرقية..ضمّها إليه بقوة.التصق القلبان، وخفقا معا خفقات غريبة،غمرها فيض من مشاعر غامضة لم يترك لها نفير الحافلة فرصة فك شفرتها وارتمت بحنق في مقعدها..
اجتاحتها أحاسيس مبهمة لكنها لم تفسرها على نحو صحيح ، ،ولو فعلت لعدلت عن سفرها،في ليلتها تلك .
كان يحبّها بصدق وأكيد أن صورتها توهّجت في مخيلته، وهو يشرب دخان سيجارته الأخيرة ،وينفثه في فضاء الصالون الفارغ من كل أثاث..
أرى وجهه الآن ، وهو يفعل ، عبوسا كان ، غضوبا ، ساخرا، متحديا هوس اللحظة الأخيرة..
اقتربت ساعته إذن..
اقتربت شهقته الأخيرة التي رسم تفاصيلها المرعبة على عجل .
هو ذا الحبل المفتول يتلوى من الخشبة كأفعى ماكرة ، نفس الخشبة التي اختارها برزانة ،
وكشف صلابتها ؟
مدى قدرتها على تحمل جسمه الطويل النحيف مدلى طول الليل؟
جسمه الذي ضاقت روحه بين أضلعه ، ودفعته إلى القفز في فراغ الغرفة والحبل في عنقه ،
تركته مدلى وتشظت في سموات أخرى...
استيقظت زوجته كما تفعل كل صباح ،أعدّت الفطور وسارت إليه لتوقظه،
أزعجها ضوء المصباح المتسرب بين شقوق الباب المهتريء ،نطّ قلبها في صدرها ،
تجمد الدم في عروقها ، قطعة من ثلج صارت ،
دفعت الباب وجلة ، كان معلّقا
رأسه ذابل وعيناه جاحظتان ، يشعّ منهما رعب الموت.
هرعت نحو صغيرتها النائمة ، حملتها في جنون ، سارت بها مهرولة نحو بيت جدها .
شاع الخبر في البلدة ، فزع الصغار والكبار ، طوقوا البيت .
أسئلة تتناسل ، ودموع تروي المناديل،
وحرقة تلسع الأرواح ، وعاصفة فقد هوجاء تعربد في أزقة البلدة ودروبها،
من يصدق أنه فعلها هكذا؟
هنا كان جالسا كالعادة غروب ذلك اليوم،شاردا بباب دكانه،صحيح أنّ لونه بدا شاحبا،ولكنه كان متماسكا،محافظا على صورته الاعتيادية..
هل كان بصمته ينوي تدميرنا أسفا ولوعة؟؟..
حين وصلت إلى البلدة قادما إليها من مكان بعيد رفقة خالتي ،
كانت المسكينة على امتداد الطريق تبسمل وتحوقل وتصلّي على النبيّ ،ودمعها مدرارا ،
وآهاتها تمتزج بأنّات المحرك الذي يضرب في الأرض بقوة.
مشيت إليه وأنا أرى الجموع بعيون غشاها الدمع ،
ينظرون إليّ في شفقة أدركت معها حجم الألم ..
في الغرفة التي رأت تفاصيل النهاية ..
حيث كان جثمانه مسجى .
انحنيت عليه ..
الوجه النحيف ذو التقاسيم الدقيقة ، الشارب الأشعث
والأنف الشامخ..
والعنق السامق ..
عليه آثار زرقة رهيبة.
جف حلقيّ ،طوّقني إحساس قاتل ، قبّلت جبينه،
وكان قطعة من جليد..
تلحّف عتمة الليل وسبح في البياض..
لم يكن يعي ما ينتظره بعد قفزته الأخيرة في فراغ قاتم..
لكنه صمّم أن يفعل..وقد فعل.
قرر أن يهدّ هذا السياج من أساسه و دفعة واحدة، يلغي تدافع الهواء في رئتيه ،و
يريح قلبه من هذا النبض المخزي،
لعلّ عاصفة الرحيل هبّت عليه بغتة فما تمكّن من تقبيل زهرته الوحيدة ،
ولامسح جبينها المسحة الأخيرة،وهي في حضن أمها في الغرفة المجاورة...وربما طاف على مرقدهما ،والتقط الصور الأخيرة ...ومضى.
ما أدرانا إن فعل أو لم يفعل ، فالباب بينهما بات مشرعا ،وقد غمرهما النوم بفيض أحلامه فاستسلمتا لسلطانه مبكرا،وبات لوحده ساهرا..ناقما حتى النفس الأخير.
هذه المرآة المثبتة على الجدار المقابل لباب غرفته ..رأته لآخر مرة،
وعكست تقاسيم وجهه النحيف ونظرته الشاردة وشاربه الأشعث الخفيف..
هي وحدها التي لمحت وميض الموت في عينيه،
بل هي الوحيدة التي رأت انزلاق الدمعة الأخيرة على خدّه النحيف ..
ولابد أنه شهق ببكاء صامت أخير.. قبل أن يصعد الدولاب ويقفز قفزته الأخيرة..
يتخذ من مشكلة بسيطة مجالا لتفكير عميق، تنهكه الأسئلة المشاغبة ،تتملكه الحيرة لأيام،
يقضيها ناقما ضجرا ،لا يكاد يلتفت إلى شيء ...وحين يعجز عن العثور على أجوبة مقنعة تهدأ أعصابه الفوارة..عندئذ فقط يمتطي صهوة صمته ويسبح وحيدا في عتمة سماء كئيبة...
كذا بنى فلسفته الخاصة مذ كان يافعا فقادته قسرا إلى النهاية ،فرحل شنقا..
هل يذكر أنه قبل ساعات فقط ودّع أمه في المحطة ،كانت في طريقها نحو الصحاري الشرقية..ضمّها إليه بقوة.التصق القلبان، وخفقا معا خفقات غريبة،غمرها فيض من مشاعر غامضة لم يترك لها نفير الحافلة فرصة فك شفرتها وارتمت بحنق في مقعدها..
اجتاحتها أحاسيس مبهمة لكنها لم تفسرها على نحو صحيح ، ،ولو فعلت لعدلت عن سفرها،في ليلتها تلك .
كان يحبّها بصدق وأكيد أن صورتها توهّجت في مخيلته، وهو يشرب دخان سيجارته الأخيرة ،وينفثه في فضاء الصالون الفارغ من كل أثاث..
أرى وجهه الآن ، وهو يفعل ، عبوسا كان ، غضوبا ، ساخرا، متحديا هوس اللحظة الأخيرة..
اقتربت ساعته إذن..
اقتربت شهقته الأخيرة التي رسم تفاصيلها المرعبة على عجل .
هو ذا الحبل المفتول يتلوى من الخشبة كأفعى ماكرة ، نفس الخشبة التي اختارها برزانة ،
وكشف صلابتها ؟
مدى قدرتها على تحمل جسمه الطويل النحيف مدلى طول الليل؟
جسمه الذي ضاقت روحه بين أضلعه ، ودفعته إلى القفز في فراغ الغرفة والحبل في عنقه ،
تركته مدلى وتشظت في سموات أخرى...
استيقظت زوجته كما تفعل كل صباح ،أعدّت الفطور وسارت إليه لتوقظه،
أزعجها ضوء المصباح المتسرب بين شقوق الباب المهتريء ،نطّ قلبها في صدرها ،
تجمد الدم في عروقها ، قطعة من ثلج صارت ،
دفعت الباب وجلة ، كان معلّقا
رأسه ذابل وعيناه جاحظتان ، يشعّ منهما رعب الموت.
هرعت نحو صغيرتها النائمة ، حملتها في جنون ، سارت بها مهرولة نحو بيت جدها .
شاع الخبر في البلدة ، فزع الصغار والكبار ، طوقوا البيت .
أسئلة تتناسل ، ودموع تروي المناديل،
وحرقة تلسع الأرواح ، وعاصفة فقد هوجاء تعربد في أزقة البلدة ودروبها،
من يصدق أنه فعلها هكذا؟
هنا كان جالسا كالعادة غروب ذلك اليوم،شاردا بباب دكانه،صحيح أنّ لونه بدا شاحبا،ولكنه كان متماسكا،محافظا على صورته الاعتيادية..
هل كان بصمته ينوي تدميرنا أسفا ولوعة؟؟..
حين وصلت إلى البلدة قادما إليها من مكان بعيد رفقة خالتي ،
كانت المسكينة على امتداد الطريق تبسمل وتحوقل وتصلّي على النبيّ ،ودمعها مدرارا ،
وآهاتها تمتزج بأنّات المحرك الذي يضرب في الأرض بقوة.
مشيت إليه وأنا أرى الجموع بعيون غشاها الدمع ،
ينظرون إليّ في شفقة أدركت معها حجم الألم ..
في الغرفة التي رأت تفاصيل النهاية ..
حيث كان جثمانه مسجى .
انحنيت عليه ..
الوجه النحيف ذو التقاسيم الدقيقة ، الشارب الأشعث
والأنف الشامخ..
والعنق السامق ..
عليه آثار زرقة رهيبة.
جف حلقيّ ،طوّقني إحساس قاتل ، قبّلت جبينه،
وكان قطعة من جليد..
تعليق