الأديب السعودي عبدالله الفيفي لـ"محيط ":
فتح الشاعر والبرلماني السعودي د. عبدالله بن أحمد الفَيفي قلبه لقراء "محيط " ، وأجاب عن تساؤلات حول الشعر ومشكلات الأدب العربي ، شعرا ورواية ، وأزمة الثقافة المتردية ، والمرأة السعودية وإنجازها ، كما تحدث عن وضعنا العربي الراهن ، وكيف ينظر العالم لنا ، وكذلك كيف ينظر العرب لمصر ودورها وخاصة بعد أزمة تأمين الحدود بالجدار الفاصل بينها وغزة .
الدكتور الفـَـيفي هو شاعرٌ، وكاتب، يعمل باحثًا وأستاذاً جامعيّا، هذا إلى جانب عضويته بمجلس الشورى السعودي، صدرت له مجموعتان شعريتان منشورتان. وله عددٌ من الكتب العلميّة والدراسات المحكّمة المنشورة، بالإضافة إلى المشاركات المختلفة، شعراً، ونثراً، ونقدًا.
محيط: ما تقيمك للرواية السعودية خاصة والرواية العربية عامة وهل تستطيع أن تنافس عالمياً؟
ج2) الرواية جنسٌ أدبيٌّ، له أصوله ومقوّماته، كسائر الأجناس الأدبيّة. إلاّ أنه يبدو أنْ كما حدث في ميدان الشِّعر العربيّ إذ استُبدلت بالشِّعر خواطرُ نثريّة سُمّيت شِعرًا، ثم أقيمت المآدب لها والمؤتمرات؛ لا لشيء سوى أن الجميع يريدون أن يُسَمَّوا شعراء، ولتذهب القواعد النوعيّة لجنسٍ اسمه الشِّعر في مهبّ "الشَّعْرَنَة"، أقول يبدو أنه كما حدث ذلك، نهضت طائفة مقابلة كذلك تريد أن تُكتب جميعًا في زمرة الروائيّين- تدعمها دُور نشر ربحيّة أو مؤدلجة، في ظلّ غيابٍ نقديّ جادٍّ، وتشجيعٍ عاطفيّ مجّانيّ- ولتذهب القواعد النوعيّة للجنس الروائيّ في مهبّ ادّعاء الرواية. وهذا الضرب من المراهقات الكتابيّة العربيّة تتدنّى أسلوبيًّا وأدبيًّا من مستوى (التجريب) إلى مستوى (التخريب). ومن ذلك ما يدور اليوم باسم الرواية السعوديّة، في مخاضٍ محموم، غثّه أكثر من سمينه. ومن الواضح على مستوى العالم العربي أن رواجًا منشودًا للرواية، لا بتقنياتها الأدبيّة الأصيلة أو غير الأصيلة، ولكن لنشر مضامين فكريّة أو اجتماعيّة أو حتى إعلاميّة، لا تعدو وظائفها كثيرًا الالتذاذ بالتنفيس عن مكبوتات نفسيّة أو ذهنيّة. وتلك ظاهرة استفراغٍ روائيّ، تلعب فيه عواملُ النفعيّة، والأيديولوجيا، وحراك السوق الشرائيّ، المليء جينيًّا وجيبيًّا، المتعطّش حريّةً وبَوحًا. يقابل هذا التيّار تيّارٌ لا يعزف على الغرائز- وليست الغرائز معيبة لو جاء التعبير عنها موظّفًا في سياقاتها الفنيّة- بل على استحياء مضامين غيبيّة، واستيهامات خرافيّة، وشذوذات تصوّريّة وفكريّة، بحافز لفت الأنظار المحليّة والأجنبيّة، وإثارة الزوابع الإعلاميّة، وتسوّل الأضواء، دونما وعيٍ ثقافيّ، ولا استشعار أمانة قيمية، ولا مسؤوليّة معرفيّة. ومن هنا فهذا التيّار الأخير لا يشبه بحال واقعيّةً سحريّةً ما كتلك التي نجدها في آداب أمريكا اللاتينيّة مثلاً، وإنما هو على الغالب ردّةٌ معرفيّةٌ واقعيّة. وداء هذين الاتجاهين أنهما لا يُحسنان التفريق بين طبيعة الأدب وطبيعة الكتابة الفكريّة أو الاجتماعيّة، ولا بين الواقع والواقع في النصّ الأدبيّ، ولا بين وظيفة الأدب ووظيفة الإعلام. أجل، هناك أسماء معدودة في العالم العربي اليوم تكتب بحرفيّة أدبيّة، لكن هؤلاء لن يشكّلوا منافسة عالميّة. حسبنا الآن أن نتطلّع إلى حضورٍ عربيّ إيجابيّ، فعالميّ، إنْ أمكن. ولن يتحقّق هذا، بما يعنيه الحضور من معنى، إلاّ حين ينشأ لدينا جيل من الروائيين من طراز نجيب محفوظ، أو الطيّب صالح، ممّن يمتلكون الأداة الأدبيّة أوّلاً، ثم الرؤية الفكريّة، فالمنظور الفلسفيّ، والتجربة الإنسانيّة. أمّا ما أمامنا الآن فمحض فقاعات ملوّنة، سرعان ما تَنْفَثِئُ في الهواء!
محيط: أشرت في إحدى مقالاتك إلى أن طبيعة الشعر المعاصر قد زادت الهوة بين القصيدة والجمهور وبين ناقد الشعر والقارئ. فسر لنا..
ج2) لست أدري أين أشرتُ إلى ذاك، لكنه حقّ، في واقع الحال. نعم هناك من لا علاقة لهم بالشِّعر، أصلاً، لا موهبة ولا حتى اكتسابًا. ولا بأس، فلا يكلّف الله نفسًا إلاّ وسعها، وليس حتمًا أن يكون الناس جميعًا شعراء، ولا أن يُسمّى كلّ خاطرٍ ذهنيّ شعرًا، وكلّ خاطرة قصيدة نثر. وهنالك كذلك من ينظّر- من بعض أصدقاء المرضى بذلك النوع من الكتابات- للزعم بحتمية تاريخيّة في تحوّل الأجناس الأدبيّة، وأن النثر قد صار في آخر الزمان شِعرًا، والشِّعر قد صار نثرًا، إلى آخر هذا العبث اللفظيّ، واللعب الفنّيّ، والتلهّي بالأفكار المائيّة. وكثيرٌ ممـّن ضاقوا بنظام القصيدة العربيّة هم محض عجزة، أو مقعدين عن التعاطي معها، هاربين من شروط الشِّعر العربيّ وغير العربيّ، ناهيك عن أهليّتهم لتجديد ذلك النظام من داخله، كما فعل الأندلسيون مثلاً في الموشّحات، أو حتى ما فعل السيّاب ونازك الملائكة في أخذهما بشِعر التفعيلة. ومع هذا فأولئك المغرورون يدّعون الحداثة والريادة، في وقتٍ لم يحدّثوا شيئًا قط، وما ينبغي لهم، بل قلّدوا جاهزًا، من نثرٍ عربيّ قديم أو غربيّ مترجم، ثم سمّوا ذلك شِعرًا لأن فيه ملامح شِعريّة أسلوبيّة. ذلك أن التجديد مسؤولية كبرى، لا يضطلع بها إلاّ من امتلأ بماء التراث، وعلم أسرار الفنّ الذي يسعى إلى تجديده. أمّا من بضاعته محاكاة مترجمات، وتقليد مقابسات، فأي جمهور شِعريّ ينتظر؟! ولا يخفى على بصير أن هناك الآن ما يشبه مؤامرة على الشِّعر العربيّ لتنحيته عن مقامه الأصيل؛ لأنه قد بات مزعجًا، وهو دائمًا مؤجّج لما لا يراد له التأجيج بل التجميد. يحدث ذلك من داخل الحقل الشِّعري: بإحلال النثريّ محلّ الشعريّ، أو العامّيّ مكان الفصيح، ومن خارج الحقل الشِّعريّ: بتمجيد الرواية، ومنحها المنابر بوصفها ديوان العرب الجديد، مع ترويج أن الشِّعر قد أعطى الروايةَ عمره، وإكرام الميّت دفنه! وفي كلّ ذلك اشتغالٌ- واعٍ أو غير واعٍ- على نفي الشخصيّة العربيّة عن شخصيّتها، وتفتيت هويّتها، باسم الحداثة تارة، والتراث تارة، والانفتاح مرة، والمحافظة مرة أخرى.
أنا ضدّ جميع الجُدُر، فكيف إذا كانت فولاذيّة!
محيط – مي كمال الدين
افتح الشاعر والبرلماني السعودي د. عبدالله بن أحمد الفَيفي قلبه لقراء "محيط " ، وأجاب عن تساؤلات حول الشعر ومشكلات الأدب العربي ، شعرا ورواية ، وأزمة الثقافة المتردية ، والمرأة السعودية وإنجازها ، كما تحدث عن وضعنا العربي الراهن ، وكيف ينظر العالم لنا ، وكذلك كيف ينظر العرب لمصر ودورها وخاصة بعد أزمة تأمين الحدود بالجدار الفاصل بينها وغزة .
الدكتور الفـَـيفي هو شاعرٌ، وكاتب، يعمل باحثًا وأستاذاً جامعيّا، هذا إلى جانب عضويته بمجلس الشورى السعودي، صدرت له مجموعتان شعريتان منشورتان. وله عددٌ من الكتب العلميّة والدراسات المحكّمة المنشورة، بالإضافة إلى المشاركات المختلفة، شعراً، ونثراً، ونقدًا.
محيط: ما تقيمك للرواية السعودية خاصة والرواية العربية عامة وهل تستطيع أن تنافس عالمياً؟
ج2) الرواية جنسٌ أدبيٌّ، له أصوله ومقوّماته، كسائر الأجناس الأدبيّة. إلاّ أنه يبدو أنْ كما حدث في ميدان الشِّعر العربيّ إذ استُبدلت بالشِّعر خواطرُ نثريّة سُمّيت شِعرًا، ثم أقيمت المآدب لها والمؤتمرات؛ لا لشيء سوى أن الجميع يريدون أن يُسَمَّوا شعراء، ولتذهب القواعد النوعيّة لجنسٍ اسمه الشِّعر في مهبّ "الشَّعْرَنَة"، أقول يبدو أنه كما حدث ذلك، نهضت طائفة مقابلة كذلك تريد أن تُكتب جميعًا في زمرة الروائيّين- تدعمها دُور نشر ربحيّة أو مؤدلجة، في ظلّ غيابٍ نقديّ جادٍّ، وتشجيعٍ عاطفيّ مجّانيّ- ولتذهب القواعد النوعيّة للجنس الروائيّ في مهبّ ادّعاء الرواية. وهذا الضرب من المراهقات الكتابيّة العربيّة تتدنّى أسلوبيًّا وأدبيًّا من مستوى (التجريب) إلى مستوى (التخريب). ومن ذلك ما يدور اليوم باسم الرواية السعوديّة، في مخاضٍ محموم، غثّه أكثر من سمينه. ومن الواضح على مستوى العالم العربي أن رواجًا منشودًا للرواية، لا بتقنياتها الأدبيّة الأصيلة أو غير الأصيلة، ولكن لنشر مضامين فكريّة أو اجتماعيّة أو حتى إعلاميّة، لا تعدو وظائفها كثيرًا الالتذاذ بالتنفيس عن مكبوتات نفسيّة أو ذهنيّة. وتلك ظاهرة استفراغٍ روائيّ، تلعب فيه عواملُ النفعيّة، والأيديولوجيا، وحراك السوق الشرائيّ، المليء جينيًّا وجيبيًّا، المتعطّش حريّةً وبَوحًا. يقابل هذا التيّار تيّارٌ لا يعزف على الغرائز- وليست الغرائز معيبة لو جاء التعبير عنها موظّفًا في سياقاتها الفنيّة- بل على استحياء مضامين غيبيّة، واستيهامات خرافيّة، وشذوذات تصوّريّة وفكريّة، بحافز لفت الأنظار المحليّة والأجنبيّة، وإثارة الزوابع الإعلاميّة، وتسوّل الأضواء، دونما وعيٍ ثقافيّ، ولا استشعار أمانة قيمية، ولا مسؤوليّة معرفيّة. ومن هنا فهذا التيّار الأخير لا يشبه بحال واقعيّةً سحريّةً ما كتلك التي نجدها في آداب أمريكا اللاتينيّة مثلاً، وإنما هو على الغالب ردّةٌ معرفيّةٌ واقعيّة. وداء هذين الاتجاهين أنهما لا يُحسنان التفريق بين طبيعة الأدب وطبيعة الكتابة الفكريّة أو الاجتماعيّة، ولا بين الواقع والواقع في النصّ الأدبيّ، ولا بين وظيفة الأدب ووظيفة الإعلام. أجل، هناك أسماء معدودة في العالم العربي اليوم تكتب بحرفيّة أدبيّة، لكن هؤلاء لن يشكّلوا منافسة عالميّة. حسبنا الآن أن نتطلّع إلى حضورٍ عربيّ إيجابيّ، فعالميّ، إنْ أمكن. ولن يتحقّق هذا، بما يعنيه الحضور من معنى، إلاّ حين ينشأ لدينا جيل من الروائيين من طراز نجيب محفوظ، أو الطيّب صالح، ممّن يمتلكون الأداة الأدبيّة أوّلاً، ثم الرؤية الفكريّة، فالمنظور الفلسفيّ، والتجربة الإنسانيّة. أمّا ما أمامنا الآن فمحض فقاعات ملوّنة، سرعان ما تَنْفَثِئُ في الهواء!
محيط: أشرت في إحدى مقالاتك إلى أن طبيعة الشعر المعاصر قد زادت الهوة بين القصيدة والجمهور وبين ناقد الشعر والقارئ. فسر لنا..
ج2) لست أدري أين أشرتُ إلى ذاك، لكنه حقّ، في واقع الحال. نعم هناك من لا علاقة لهم بالشِّعر، أصلاً، لا موهبة ولا حتى اكتسابًا. ولا بأس، فلا يكلّف الله نفسًا إلاّ وسعها، وليس حتمًا أن يكون الناس جميعًا شعراء، ولا أن يُسمّى كلّ خاطرٍ ذهنيّ شعرًا، وكلّ خاطرة قصيدة نثر. وهنالك كذلك من ينظّر- من بعض أصدقاء المرضى بذلك النوع من الكتابات- للزعم بحتمية تاريخيّة في تحوّل الأجناس الأدبيّة، وأن النثر قد صار في آخر الزمان شِعرًا، والشِّعر قد صار نثرًا، إلى آخر هذا العبث اللفظيّ، واللعب الفنّيّ، والتلهّي بالأفكار المائيّة. وكثيرٌ ممـّن ضاقوا بنظام القصيدة العربيّة هم محض عجزة، أو مقعدين عن التعاطي معها، هاربين من شروط الشِّعر العربيّ وغير العربيّ، ناهيك عن أهليّتهم لتجديد ذلك النظام من داخله، كما فعل الأندلسيون مثلاً في الموشّحات، أو حتى ما فعل السيّاب ونازك الملائكة في أخذهما بشِعر التفعيلة. ومع هذا فأولئك المغرورون يدّعون الحداثة والريادة، في وقتٍ لم يحدّثوا شيئًا قط، وما ينبغي لهم، بل قلّدوا جاهزًا، من نثرٍ عربيّ قديم أو غربيّ مترجم، ثم سمّوا ذلك شِعرًا لأن فيه ملامح شِعريّة أسلوبيّة. ذلك أن التجديد مسؤولية كبرى، لا يضطلع بها إلاّ من امتلأ بماء التراث، وعلم أسرار الفنّ الذي يسعى إلى تجديده. أمّا من بضاعته محاكاة مترجمات، وتقليد مقابسات، فأي جمهور شِعريّ ينتظر؟! ولا يخفى على بصير أن هناك الآن ما يشبه مؤامرة على الشِّعر العربيّ لتنحيته عن مقامه الأصيل؛ لأنه قد بات مزعجًا، وهو دائمًا مؤجّج لما لا يراد له التأجيج بل التجميد. يحدث ذلك من داخل الحقل الشِّعري: بإحلال النثريّ محلّ الشعريّ، أو العامّيّ مكان الفصيح، ومن خارج الحقل الشِّعريّ: بتمجيد الرواية، ومنحها المنابر بوصفها ديوان العرب الجديد، مع ترويج أن الشِّعر قد أعطى الروايةَ عمره، وإكرام الميّت دفنه! وفي كلّ ذلك اشتغالٌ- واعٍ أو غير واعٍ- على نفي الشخصيّة العربيّة عن شخصيّتها، وتفتيت هويّتها، باسم الحداثة تارة، والتراث تارة، والانفتاح مرة، والمحافظة مرة أخرى.