مسافة طويلة..مسافة قصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • فؤاد الكناني
    عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
    • 09-05-2009
    • 887

    مسافة طويلة..مسافة قصيرة

    ما أقصر المسافة بين الحلم وأول خيط للضوء يُصدّع قوقعة الخيال.
    كم فاجع هو الإحساس بالصدمة فور الخروج الى فضاء اليقظة الصاخب،أدمن عبر حياته الخيبة وتلك الإنقطاعات المفاجئة التي تنتاب أحلامه وكأن يدا تعبث في لا وعيه وتصر على أن تحذف نهاية الحلم التي نسجها اللاشعور لتتحول الى لحظة توقِف كاسحة تعجيل الأورجازم الذي بدأ عنفوانه للتو.
    لم تؤثر الخيبات الألف المتتالية ان تمنعه من ان يرمق جانب الفراش مرة أخرى ليتلذذ بتلك الصورة الشبحية التي تتشكل في لحظات تخبط الوعي في محاولته النفاذ الى خارج ذاته.لاتزال بضة شهية تلقي ذراعيها فوق الوسادة وقد أمالت راسها بغنج الى الجهة المقابلة.رغم ادراكه بالتجربة المتكررة انه ما أن يمد يده المرتعشة لتلامس حدود الطيف حتى يتلاشى.إلا إنه لم يكن ليقاوم لذة تلك الأجزاء من الثانية حين تعده يده بملمس يثير في جسدة ارتعاشة كهربية تجعل كتفيه يختلجان للحظات.
    ما بعد ذلك ربما لايستحق حتى ان يتكلم عنه.فالحياة مابين حلم وآخر ليست إلا ممارسة دنيئة للضرورات.
    فتح الشباك ليسحب كعادته اكبر قدر من الهواء النقي قبل أن يزدحم بالغبار ودخان السيارات التي بدأت استيقاظها الجنوني المليء بالضوضاء.رمق الشبك المقابل بنظره وأحس بوخزة ألم فمنذ عام دخل احدهم هناك وبعد بضعة اسابيع خرج وسط جنون الراقصين والراقصات تمسك يده مرفقها،
    تلك التي كانت وعبر سنين خمس تشحن حلمه بالإستعار وتقدم له بين الحين والآخر إطلالة على ذلك الجانب الخفي من عالم الجسد.كان إتفاقا سريا عقدته خيوط الرغبة بينهماو صادق عليه الجوع الأزلي الممتد من غواية أول انثى لأول ذكر وربما العكس.
    كان الطريق الى العمل أطول مسافة في حياته صباحا إذ ادرك بحسه إنه يقصر مابعد الظهر.ربما لأتجاه الحركة أثر في طول الطريق أو قصره،هذا كان ما يفترضه، يحب دائما أن يفترض فالأشياء تخرج من الممتنع الى الممكن بافتراض بسيط.
    الشيء الوحيد الذي كان يحرك مستنقع الروتين والتكرار اللانهائي للأشياء حيث يعمل كانت تلك الطَرقات الحادة التي تتتابع في متوالية موسيقية تشي بمشية فيها تكلف انثوي ليس له كما يفترض إلا مقصد وحيد وهو أن يلوي عنقه ليثبت نظره نحو الباب مع تعالي صوت طرقات كعبها العالي وهي تمر كعادتها ضحى الى الكافتريا.كان الصوت يضمحل تدريجيا ويشكل صدى مخنوقا يدله على انها وصلت الممر الجانبي الذي ما ان تدلف فيه حتى يخفت الصوت بشكل فجائي ليصدر اخيرا بضع طرقعات غير منتظمة قبل ان يتلاشى.
    لم تسعفه حياته حتى اللحظة أن يكون على مسافة اقرب من حلم لأنثى،حتى عندما مكر به الحظ قبل اشهر ليذيقه شيئا من لذة المكوث بضع دقائق في فلك فم رقيق يتملكه بابتسامة موناليزية وكلمات تلفظها بطريقة ليس للقاموس ان يحتويها،كان يفترض ان الإختلاف الجوهري في شكل الصدر بين الرجل والمرأة يمنح الحروف ملمسا ناعما لدى نشوئها في تجويف الرئة،لم يحتج الأمر إلا عودة مفاجئة لمغترب يقذف به المجهول نحو الوطن مع العديد من الدولارات لتباغته يوما بكيس ملون فيه حلوى لمناسبة ضياعها والى الأبد من يده الى احضان ذلك الغريب،تملكه احساس بالذنب لأنه لم يحاول حتى ان يبتسم لها وهو يردد المباركة بشكل بارد وكأنه يرد على سلام جليس ثقيل في المقهى،لم يكن يحبها ،كما يفترض،ولكنه معها وطأت اقدامه لأول مرة عالم الأنثى خارج منظومة الليبيدو التي صنعها لنفسه كحكم كهنوتي على كل النساء،اكتشف من خلالها ان هناك افاقا ارحب تمنح جسد المرأة ابعادا للذة تتفوق على تلك الإشارات العصبية الكهربية التى يبثها الجلد لدى احتكاكه بالأصابع والشفاه،كان هناك ظل يمتد منها يحمل سعادة ارتعاشة كبرى متواصلة تتهدج فيه باستمرار كممارسة دائمة للحب بكافة مراتبه بدءا من أدق المنحنيات في جسدها وانتهاءا بالصورة الفينوسية التي يشكلها لحظة يغلق عينيه على آخر آهة تطلقها.
    ما اطول المسافة بين الحلم والحلم.
    كان يرى ان الوعي هو الصورة الحيوانية للاشعور وان عقلنة الماديات من حولنا هي السبب الرئيس في ثقل اجسادنا وبقائنا منجذبين الى هذه الأرض لا كما افترض نيوتن فالمسألة افتراض يقابل افتراضا،لذلك كان يحب ان يقتنص شيئا من الوقت ليتسلل خلسة الى عالم حلم اليقظة والذي يعتبره برهانا على صدق افتراضه بخصوص الجاذبية اذ انه لا يحس بثقل جسمه الا في تلك اللحظة التي يعصف فيها مؤثر خارجي بحلمه ليعود مرغما الى الوعي المثير للملل كما يحلو له ان يسميه.
    لحلم اليقظة إغراء خاص فهو سيناريو يخرج من عالم يقع خلف الدماغ ليتشكل صورا حية على جدار الهواء المقابل لعينيه المتسمرتين في الفراغ والأجمل انه طيّع يمكن بشيء من المكر والحذق ان يخرجه بالصورة التي تمنحة دفقا من نشوة الانتصار على كل ما هو مستحيل في العالم الذي يمتد من بشرته والى آخر حدود الممنوع،
    يحتاج المر منه الى الكثير من الجهد وممارسة متواصلة للألم لكي ينأى بعقله عن الفصام التام،كل ما حوله لا يمت له بصلة بل انه اخذ يشكك في افتراضات ربما تكون شطحات سخيفة انه لربما ليس من جنس هؤلاء الذين يشابهونه،يمشون مثله ويأكلون مثله،وغالبا ما يشتهون نفس النساء التي يشتهيهن.
    المقرف ان كل سعادة يبتغيها في العالم الآخر"الواقع" مرهونة بثمن ما وكل الأشياء تتدخل بشكل فج في ادق خصوصياته لذلك لم يحاول أبدا رغم الألحاح الهائل لغريزته الفتاكة ان يعاشر مومسا،بالنسبة له المسألة هنا تملك من الدناءة مايكفي كي لا يفكر فيها أصلا،اشمئزاز عميق يملأوه وهو يتخيل استباحة الأنوثة المقدسة لتتحول الى مكب للنفايات الذكرية ومستنقع يأسن مطلقا غازات سامة تقتل الجمال والحب والجنس ايضا.رغم ذلك كان عندما ،صدفة!! يلاقي احداهن يجردها من وقاحة الدعاية الجنسية وتشكل عيناه الماهرتان من مادة جسدها الأولية صورة مجردة لأنثى جريئة متوحشة خصوصية وحميمة حد اختراق الجلد.
    أخطر شيء في هذه الحياة ان يضع الأنسان موعدا لكل شيء ،استيقاظه، ذهابه للحمام ،عشقه الأول وما قبل الأخير،المولود البكر،القرف،اهتزازات السرير ليلة الخميس،كان يحب ان يترك الأشياء تاتي على غير موعد بل ويفضل أن لا تاتي في اوانها،لحموضة الفجاجة طعم مؤلم لذيذ ومستفز يمنح الشعور بقوة الحياة وبُعد النهايات واستحالة الموت.
    رفيقه الوحيد في شقته الصغيرة كان دائما ما تبقى من الطفولة عنما كانت تصنع من السرير بساطا سحريا وتتلاشى الجدران منفتحة على فضاء يختلط فيه النور بالزرقة وريح خفيفة باردة تمر خلاله وهو ينطلق بل ينساب خلال زغب الغيوم وهو يصب بعصاه السحر الملعون على العفاريت التي تجرأت أن تتحداه ويرفع من على صفحة الماء تلك الفتاة التي يتهلل وجهها بانبهار مطلق بقوته البالغة وفروسيته وسحره وامتنان ساذج عميق لأنقاذها من بين براثن القراصنة.
    كان يدخل منطقة الجمود التام خلال ذلك الوقت الذي يعتبره واحدا من الهوامش الضائعة لليوم مابين غروب الشمس ونزول الليل كان وقتا غريبا لا ينتمي الى فئة ما وقت لا يحمل تعريفا كان يفترض انه بقعة من عالم زمني مطلق لا مكان فيه لتحمل ظلال ذلك المكان ما يمنح هذا الوقت اسما.
    يجلس خلال هذه المدة على الكرسي الذي يقابل غرفة امه حيث لا تزال رائحة الموت قوية نفاذة وطازجة تمنحه ابتسامة طزاجة الصور فلم تدخل امه التاريخ بعد ولم تصفر او تبهت صورتها كان ما يزال احيانا يسمع صوت سعالها القوي والذي كان اعلانات متلاحقة لئيمة للموت البطيء البارد ،يقفز بذاكرته مبتعدا عن تلك الصورة الضعيفة ويدخل تلك المرحلة من تاريخ الأنوثة عنما كانت انثى قوية كان هذا ما يراه منها اغلب الأحيان الأنثى القاهرة والتي يخضع لها ويعشق خضوعه لها وقبل ان يلده الوعي ذكراأثارت في نفسه الكثير من التساؤلات التي عرف اجابتها لاحقا عند سماعه ضحكاتها المدوية العميقة الممزوجة بوقاحة تثقب اللوحة المبجلة لها في نفسه عندما تختلي وابوه داخل متراس المخدع الزوجي.كان احيانا مايراهما يخرجان بخفة خيفة احداث ضوضاء كلصين يتسللان للحمام وكأنهما يستعجلان طقسا للخلاص من الجسد.
    لماذا ينجسنا الحب؟ الغريب أنه لم يحاول ان يضع افتراضا ربما لأنه غير مقتنع بالفكرة فلكي تفترض شيئا عليك ان تصنع في نفسك قناعة مسبقة به ثم يمكنك التفنن في تبريره بافتراضات.
    كل الأحلام تؤدي الى انثى.
    لليل صفة واحدة محببة الى نفسه وهو يعدها اهم ما في الليل وهي ببساطة شديدة جدا"الظلام".
    لم يحاول تعريفه أو إضافة صفات له كان لوحده يكفي،تعود أن يطفيء الإنارة في كامل الشقة
    وذلك يمنحه الإحساس بالتماهي والاتحاد مع الظلام الذي يمتد الى خارج شقته شاسعا موغلا في اللانهائية ليلفه وعوالم سحرية تحمل هول المجرات وغبار النجوم المندفع نوافير كونية من ينابيع الطيف السديمية،ذلك الغبار الذي يهطل بزخم في العقل الباطن مشكلا لوحات نستعرضها لحظة الأنفصال عن الواقع والدخول في منطقة الرؤى.
    النعاس، كان يحب تلك المرحلة التي يداعب فيها عقله الباطن وعيه بتهويمات لذيذة تأخذه بانجذابات بين النوم واليقظة قاذفة في لوحة الخيال رؤى لحظية.
    ماذا يمكن ان يسببه مواء قطة او نباح كلب في تلك اللحظات الفاصلة،بالنسبة له يشكل كارثة تحول ذلك الأستسلام المليء بالنشوة للنوم الشبيه بالوقوع في احضان انعم امرأة في الدنيا الى محاولات بائسة لأغماض العيون والغياب عن الوعي فهناك دائما فرق بين النوم وفقدان الوعي.
    ذلك الصباح ابتدأ مؤلما بحق اذ نام ليلتله على الكرسي وقد اسند رأسه وذراعيه الى طاولة الطعام احس فور استيقاظه بانزعاج شديد من المداهمة اللئيمة للألم في ظهره ومفاصله.نهض بتثاقل شديد حاول ان يتمطى ليكسر الجبس الذي يكور هيكله العظمي.وفي لحظة قرف قرر ان يتمرد على روتينه اليومي ويعلن امام نفسه العصيان بتغيبه عن ا،لعمل جرجر خطواته نحو غرفة النوم تملأوه فرحة الأنتصار الذي حققه في هذه اللحظة والرغبة العارمة لأن يقذف نفسه وبارادته في عالم النوم.
    القى بنفسه على الفراش وهو يستعجل الأغفاء خوفا من ان تؤدي يقظته الى ان يتراجع عن قراره ويذهب لمقر عمله.فشلت محاولاته، جلس على السرير ،تثائب،فرك رأسه واخير القى بالوسادة بعصبية واتجه للشبااك،فتحه وأخذ نفسا عميقا قطعه احساسه بالانهزام وفي اللحظة التي كاد يستدير فيها فُتح الشباك المقابل كانت المفاجأة حلما ينزل لأول مرة في حياته الى أرض الواقع.تسمرا مكانهما وهما ينظران لبعضهما البعض.تتراقص أمام عينيه علامات الأستفهام والتعجب والأندهاش.
    انها هي مع المزيد من الأثارة اضافتها اليها سنة من ممارسة الأنوثة.
    لم تنتظره طويلا اسرعت تشير بيدها تجيب سؤالا لم يطرحه احاطت اصابعها ببنصر كفها الأيسر الخالية من الخاتم.
    أحس إن الطريق هذه المرة سيكون أطول ما يكون الى العمل
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    فؤاد الكناني
    غبت عنا وإذا بك تأتي برائعة من الروائع وفلسفة ورؤية خاصة
    نص عميق جدا وسرد شفاف وموغل
    احساس غريب انتابني وأنا أقرأ مسافة طويلة
    فهي مزيج رائع من الدهشة والفضول والغرابة والأسئلة والأجوبة والمشاعر الإنسانية
    رائعة سيدي الفاضل
    نص يستحق وبجارة كل النجوم ويستحق التثبيت كي يقرأ
    تحياتي ومودتي لك
    وهلا وغلا بك بعد غيبة طالت
    مراحب
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • مها راجح
      حرف عميق من فم الصمت
      • 22-10-2008
      • 10970

      #3
      مسافات لحظية مكبوتة على امتداد ظل أنثى
      نص نفسي عميق
      تحيةوتقدير استاذ فؤاد الكناني
      رحمك الله يا أمي الغالية

      تعليق

      • آسيا رحاحليه
        أديب وكاتب
        • 08-09-2009
        • 7182

        #4
        لماذا ينجسنا الحب؟ الغريب أنه لم يحاول ان يضع افتراضا ربما لأنه غير مقتنع بالفكرة فلكي تفترض شيئا عليك ان تصنع في نفسك قناعة مسبقة به ثم يمكنك التفنن في تبريره بافتراضات.
        كل الأحلام تؤدي الى انثى.

        مرور سريع لأسجّل إعجابي.
        تحيّتي.

        يظن الناس بي خيرا و إنّي
        لشرّ الناس إن لم تعف عنّي

        تعليق

        • فؤاد الكناني
          عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
          • 09-05-2009
          • 887

          #5
          الأستاذة القديرة عائدة
          يعجز لساني عن توجيه الشكر لهذا الحضور الذي اضاف الكثير لنصي المتواضع واعتذر بشدة عن غيابي شبه المزمن لكنها ظروف الحياة وهذه الشبكة السلحفاة التي ترفع الضغط بكثرة انقطاعها
          الف تحية وامتناني الكبير

          تعليق

          • فؤاد الكناني
            عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
            • 09-05-2009
            • 887

            #6
            الأستاذة القديرة مها
            حروفك تطرز نصي بوشاح من مخمل الحروف
            احترامي وشكري العميق

            تعليق

            • فؤاد الكناني
              عضـو ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
              • 09-05-2009
              • 887

              #7
              الأستاذة اسيا
              أشكر لك كرم الحضور واستضافتي في ميدان حرفك
              دمت بالف خير

              تعليق

              يعمل...
              X