أطلّت عائشة برأسها من الباب :
-كل شيء جاهز و العملية بعد ساعة ..
ابتسمت إبتسامة دافئة مشجّعة و ذهبت مسرعة..أكيد مشغولة, و إلاّ كانت جلست على حافة السرير تروي لي فصلا آخر من مأساة حياتها ..إلى جانب مهارتها العالية في التمريض تتمتّع عائشة بموهبة الثرثرة و بما أنني مستمعة جيّدة, لم يمض يومان حتى كانت حياتها كتابا مفتوحا بين يدي..أدركت من أول لحظة استقبلتني فيها و رافقتني إلى غرفتي في تلك المصحّة الخاصة أنها بحاجة إلى من يستمع إليها.. و كنت بحاجة إلى الصمت.. وصلت حدّ التشبّع من اجترارالماضي..أردتُ أن أتشبّث بأيّ شيء يساعدني على الهروب خارج أسوار ذاكرتي ...
ما وطّد العلاقة بين عائشة و بيني و لو لأيام أننا نحمل نفس الختم فوق صفحة العمر / مطلّقة /.. الفارق الوحيد أنها خرجت من' معتقل' الزواج بثلاثة أبناء و مسكن حكم لها به القضاء بعد رحلة من العذاب. أما أنا فحتى البذرة التي أراد القدر أن يغرسها في تربة عمري ,تقيّأها رحمي بعد أشهرمن طلاقي..كأنّها أعلنت العصيان و رفضت المجيء إلى دنيا البشر ..أو أنني لم أروها بسوى ملوحة الدمع ..فعجّلت بموتها .
ممدّدة على السرير.. يحيطني البياض من كل جانب ..الملاءات بيضاءو الجدران و السقف أيضا و حتى البلاط أبيضٌ براق تفوح منه رائحة النظافة.. الهدوء يغمر المكان بعد أن توقّفت المرأة في الغرفة المقابلة عن التأوّه .. و لكني كنت أسمع الضوضاء في أعماقي.. تراكمات الماضي تيبّست بداخلي فشكّلت جبالا من الألم.. الأسئلة تتزاحم في رأسي ...تصفعني .. كيف وصلت إلى هنا ؟ ماذا عساني أفعل ؟ و..كيف أتخلص من ثقل الذاكرة ؟ ما أصعب آن تنظر خلفك لتفاجأ أنك كنت في المسار الخطأ ,و أن المشوار ربما يبدأ فعلا من حيث أنت..
فوضى عارمة احترتُ كيف أرتّبها.. و هذا الألم الذي يأبى الرحيل .. آهٍ لو أستطيع الحصول على قلب بديل !عائشة قالت أنّ الحب وحده يقدر أن ينتشلني من بئر أحزاني .. " عليك أن تقعي في الحب عزيزتي و سوف تشفنين..إنّه الداء و الدواء "..و لكنّي أخاف فاجعة أخرى. أُتخم هذا القلب ..لم تعد فيه مساحة لجرح جديد....ما عاد يحتمل زلزلة أخرى.. كبوة أخرى و تكون نهايتي..
منذ قليل فقط أخذت عائشة ضغط دمي و قالت " ممتاز! "..و لكن لم أحس بإعياء شديد..؟ كأنما كنت أركض ..أو أقاتل..كل تلك الحروب التي خضتها أكانت ضد جيوش من سراب....أهو أنا "الدون كيشوت " ؟
الردهة المؤدية إلى غرفة العمليات واسعة و نظيفة و غرفٌ على الجانبين تحتضن أجسادا عاث فيها المرض ... و في نهاية الردهة على اليمين غرفة العمليات ، باردة و معقمة تتوسّطها طاولة غريبة محاطة بأجهزة كثيرة.
مدّدتني عائشة على الطاولة ، ساعدتني في نزع البيجاما ، ثم غطت جسدي بملاءة زرقاء .
تقدّم الجراح حتى وقف بمحاذاة الطاولة تماما ، دقق النظر في وجهي ؛ كأنّه يحاول أن يقرأ في ملامحي أمرا ما ، ثم بحركة سريعة لبس قفازا بلاستيكيا شفافا ، اقترب مني أكثر.
- هل أنت خائفة سيدتي ؟ عملية 'المرارة 'بسيطة جدا .
- لا.. لست خائفة.
ابتسمتُ :
- لكن...ما دمت ستفتح أرجوك أن تتأكد من أن قلبي لم تنته مدة صلاحيته !
ثم ..دون أن ألقي بالا لدهشة ارتسمت على وجهه :
-أتدري يا دكتور ؟ كل المرّ في الذاكرة ؛ ليتك تريحني ، فتستأصلها ، أو تفرغها ، و تخيطها بإحكام .
ابتسم الجراح ، لم يقل شيئا.أشك أنه فهم قصدي ؛ لعلّه ظنّني أهذي !
كانت عيناي معلّقتين بمصباح ضخم مرفوعٌ بأتّجاه صدري تماما.مساعد الجرّاح يحقنني بالمخدّر ؛ فأرى نور المصباح الأبيض يتلاشى شيئا فشيئا ،أذكر الله في سرّي ، و أقرأ بعض السّور ، ثم أرحل ؛
لا أدري إلى أين .
بعد مدّة -عرفت فيما بعد أنها نصف ساعة لا أكثر- أفقت من التخدير ، فتحتُ عينيّ ؛ فقفز شريط حياتي أمامي ، الموت الذي غيّب أمي قبل أن أختم ربيعي الثاني عشر ، جحيم زوجة أبي ، كذبة الحب الأول التي تفتّقت عن خيبة مريرة ؛ مازلت أجد طعمها مع كل شهيق و زفير، زواجي من رجل حسبتُني أعرفه ؛ لأكتشف بعد مدّة أننا غريبان نقتسم نفس المكان فقط !
تيقنت أنها لا تزال هناك ، ذاكرتي اللعينة..! كيف الهروب منها ، و هي مثل كرة ثلجية ، كلما تدحرجت على منحنى العمر ، أصبحت أكبر و أثقل و أصلب..؟
- : أنت بخير..
قالت عائشة ،
ثم و هي تبتسم ابتسامة خبيثة ، و تنحني بوجهها فوق وجهي .
- : آسفة ..طلبت من الجراح أن يستأصل قلبك ؛ و لكنه رفض .
تركتني ، و خرجت بعد أن نصحتني بأن لا أكثر من الحركة . لن أتمكّن من النهوض من الفراش ، إلا بعد أن يتم نزع الأنبوب الذي يسحب الصديد من الجرح . أنبوب لاستنزاف الصديد مغروس في كبدي .كتمت ضحكة ساخرة ..ههه . وصديد الذاكرة كيف يمكن سحبه ؟ يا لبدائية العلم ، و يا لتخلف الطب..! لماذا لا يخترعون دواءً لإفراغ الذاكرة ؟
أحسست بالحمّى تسري في جسدي . لماذا أفكّر في كل ذلك ؟ لماذا أنبش في الماضي ، و أصرّ على اختصار تاريخ الألم ..؟ لا يزال في العمر بقيّة لآلام أخرى ، و دموع أخرى . سوف أغفو الآن ، أنام قليلا ، عندما أستيقظ سأكون بخير.
سافرت في الموت ألف مرّة و لم أمت ،أغمضت عيني ، أبصرت بعيون قلبي سوادا قاتما كثيفا ، ثم لمحت في وسطه بالضبط دائرة صغيرة من النور ، ركّزت فيها ، فإذا هي تتمدّد و تتوسّع حتى ابتلعت السواد ، و رأيتني هناك في حديقة منزلنا ، تحت شجرة المشمش الوارفة ، في العاشرة من عمري ، بمئزري و محفظتي و شعري الأشقر ، أنتظر رفيقاتي ؛ لنذهب إلى المدرسة .
سرق الزمان كل شىء ، سرق الطفولة والبراءة ، أطفأ بريق الأحلام ، وأَد َالحب ، و خلّفني هكذا.. قلبا مهترئا ، و ذاكرة ترفض أن تنام.
غرقتُ في لجة نومٍ محموم ..و رأيته واقفا بالقرب مني , نحيفا, فارع الطول , أسمر البشرة, شاربُه كثٌ مرتّب و عيناه..يا إلهي .لا أذكر أني صادفت نظرة كتلك..نظرة تحرّض على اقتراف ..الفرح .
يده تتحسّس جبيني فتسري الرعشة في أوصالي..
- سيدّتي..الحمّى ستزول ..أنا أنوب عن عائشة هذه الليلة .لو احتجتِ شيئا اضغطي الزر على يمين السرير.
و.. تلاشى .
على اليمين, لم يكن هناك أيّ زر. أكان حلماً أم أضغاث حمّى ؟ استدرت ببطء ناحية الشمال..كان الزر هناك.مددتُ يدا واهنة مصفرّة وضغطت بكل قوّتي .نظرتُ نحو الباب و قلبي يرتعش معلقٌ بين الحلم و.. الحقيقه . -كل شيء جاهز و العملية بعد ساعة ..
ابتسمت إبتسامة دافئة مشجّعة و ذهبت مسرعة..أكيد مشغولة, و إلاّ كانت جلست على حافة السرير تروي لي فصلا آخر من مأساة حياتها ..إلى جانب مهارتها العالية في التمريض تتمتّع عائشة بموهبة الثرثرة و بما أنني مستمعة جيّدة, لم يمض يومان حتى كانت حياتها كتابا مفتوحا بين يدي..أدركت من أول لحظة استقبلتني فيها و رافقتني إلى غرفتي في تلك المصحّة الخاصة أنها بحاجة إلى من يستمع إليها.. و كنت بحاجة إلى الصمت.. وصلت حدّ التشبّع من اجترارالماضي..أردتُ أن أتشبّث بأيّ شيء يساعدني على الهروب خارج أسوار ذاكرتي ...
ما وطّد العلاقة بين عائشة و بيني و لو لأيام أننا نحمل نفس الختم فوق صفحة العمر / مطلّقة /.. الفارق الوحيد أنها خرجت من' معتقل' الزواج بثلاثة أبناء و مسكن حكم لها به القضاء بعد رحلة من العذاب. أما أنا فحتى البذرة التي أراد القدر أن يغرسها في تربة عمري ,تقيّأها رحمي بعد أشهرمن طلاقي..كأنّها أعلنت العصيان و رفضت المجيء إلى دنيا البشر ..أو أنني لم أروها بسوى ملوحة الدمع ..فعجّلت بموتها .
ممدّدة على السرير.. يحيطني البياض من كل جانب ..الملاءات بيضاءو الجدران و السقف أيضا و حتى البلاط أبيضٌ براق تفوح منه رائحة النظافة.. الهدوء يغمر المكان بعد أن توقّفت المرأة في الغرفة المقابلة عن التأوّه .. و لكني كنت أسمع الضوضاء في أعماقي.. تراكمات الماضي تيبّست بداخلي فشكّلت جبالا من الألم.. الأسئلة تتزاحم في رأسي ...تصفعني .. كيف وصلت إلى هنا ؟ ماذا عساني أفعل ؟ و..كيف أتخلص من ثقل الذاكرة ؟ ما أصعب آن تنظر خلفك لتفاجأ أنك كنت في المسار الخطأ ,و أن المشوار ربما يبدأ فعلا من حيث أنت..
فوضى عارمة احترتُ كيف أرتّبها.. و هذا الألم الذي يأبى الرحيل .. آهٍ لو أستطيع الحصول على قلب بديل !عائشة قالت أنّ الحب وحده يقدر أن ينتشلني من بئر أحزاني .. " عليك أن تقعي في الحب عزيزتي و سوف تشفنين..إنّه الداء و الدواء "..و لكنّي أخاف فاجعة أخرى. أُتخم هذا القلب ..لم تعد فيه مساحة لجرح جديد....ما عاد يحتمل زلزلة أخرى.. كبوة أخرى و تكون نهايتي..
منذ قليل فقط أخذت عائشة ضغط دمي و قالت " ممتاز! "..و لكن لم أحس بإعياء شديد..؟ كأنما كنت أركض ..أو أقاتل..كل تلك الحروب التي خضتها أكانت ضد جيوش من سراب....أهو أنا "الدون كيشوت " ؟
الردهة المؤدية إلى غرفة العمليات واسعة و نظيفة و غرفٌ على الجانبين تحتضن أجسادا عاث فيها المرض ... و في نهاية الردهة على اليمين غرفة العمليات ، باردة و معقمة تتوسّطها طاولة غريبة محاطة بأجهزة كثيرة.
مدّدتني عائشة على الطاولة ، ساعدتني في نزع البيجاما ، ثم غطت جسدي بملاءة زرقاء .
تقدّم الجراح حتى وقف بمحاذاة الطاولة تماما ، دقق النظر في وجهي ؛ كأنّه يحاول أن يقرأ في ملامحي أمرا ما ، ثم بحركة سريعة لبس قفازا بلاستيكيا شفافا ، اقترب مني أكثر.
- هل أنت خائفة سيدتي ؟ عملية 'المرارة 'بسيطة جدا .
- لا.. لست خائفة.
ابتسمتُ :
- لكن...ما دمت ستفتح أرجوك أن تتأكد من أن قلبي لم تنته مدة صلاحيته !
ثم ..دون أن ألقي بالا لدهشة ارتسمت على وجهه :
-أتدري يا دكتور ؟ كل المرّ في الذاكرة ؛ ليتك تريحني ، فتستأصلها ، أو تفرغها ، و تخيطها بإحكام .
ابتسم الجراح ، لم يقل شيئا.أشك أنه فهم قصدي ؛ لعلّه ظنّني أهذي !
كانت عيناي معلّقتين بمصباح ضخم مرفوعٌ بأتّجاه صدري تماما.مساعد الجرّاح يحقنني بالمخدّر ؛ فأرى نور المصباح الأبيض يتلاشى شيئا فشيئا ،أذكر الله في سرّي ، و أقرأ بعض السّور ، ثم أرحل ؛
لا أدري إلى أين .
بعد مدّة -عرفت فيما بعد أنها نصف ساعة لا أكثر- أفقت من التخدير ، فتحتُ عينيّ ؛ فقفز شريط حياتي أمامي ، الموت الذي غيّب أمي قبل أن أختم ربيعي الثاني عشر ، جحيم زوجة أبي ، كذبة الحب الأول التي تفتّقت عن خيبة مريرة ؛ مازلت أجد طعمها مع كل شهيق و زفير، زواجي من رجل حسبتُني أعرفه ؛ لأكتشف بعد مدّة أننا غريبان نقتسم نفس المكان فقط !
تيقنت أنها لا تزال هناك ، ذاكرتي اللعينة..! كيف الهروب منها ، و هي مثل كرة ثلجية ، كلما تدحرجت على منحنى العمر ، أصبحت أكبر و أثقل و أصلب..؟
- : أنت بخير..
قالت عائشة ،
ثم و هي تبتسم ابتسامة خبيثة ، و تنحني بوجهها فوق وجهي .
- : آسفة ..طلبت من الجراح أن يستأصل قلبك ؛ و لكنه رفض .
تركتني ، و خرجت بعد أن نصحتني بأن لا أكثر من الحركة . لن أتمكّن من النهوض من الفراش ، إلا بعد أن يتم نزع الأنبوب الذي يسحب الصديد من الجرح . أنبوب لاستنزاف الصديد مغروس في كبدي .كتمت ضحكة ساخرة ..ههه . وصديد الذاكرة كيف يمكن سحبه ؟ يا لبدائية العلم ، و يا لتخلف الطب..! لماذا لا يخترعون دواءً لإفراغ الذاكرة ؟
أحسست بالحمّى تسري في جسدي . لماذا أفكّر في كل ذلك ؟ لماذا أنبش في الماضي ، و أصرّ على اختصار تاريخ الألم ..؟ لا يزال في العمر بقيّة لآلام أخرى ، و دموع أخرى . سوف أغفو الآن ، أنام قليلا ، عندما أستيقظ سأكون بخير.
سافرت في الموت ألف مرّة و لم أمت ،أغمضت عيني ، أبصرت بعيون قلبي سوادا قاتما كثيفا ، ثم لمحت في وسطه بالضبط دائرة صغيرة من النور ، ركّزت فيها ، فإذا هي تتمدّد و تتوسّع حتى ابتلعت السواد ، و رأيتني هناك في حديقة منزلنا ، تحت شجرة المشمش الوارفة ، في العاشرة من عمري ، بمئزري و محفظتي و شعري الأشقر ، أنتظر رفيقاتي ؛ لنذهب إلى المدرسة .
سرق الزمان كل شىء ، سرق الطفولة والبراءة ، أطفأ بريق الأحلام ، وأَد َالحب ، و خلّفني هكذا.. قلبا مهترئا ، و ذاكرة ترفض أن تنام.
غرقتُ في لجة نومٍ محموم ..و رأيته واقفا بالقرب مني , نحيفا, فارع الطول , أسمر البشرة, شاربُه كثٌ مرتّب و عيناه..يا إلهي .لا أذكر أني صادفت نظرة كتلك..نظرة تحرّض على اقتراف ..الفرح .
يده تتحسّس جبيني فتسري الرعشة في أوصالي..
- سيدّتي..الحمّى ستزول ..أنا أنوب عن عائشة هذه الليلة .لو احتجتِ شيئا اضغطي الزر على يمين السرير.
و.. تلاشى .
تعليق