امرأتان.. صمت وغبار
30-3-2010
30-3-2010
1) هناء
ارتفعت أحلام هناء في الهواء عاليا.. هوت بنفس سرعة ارتفاعها.. تناوبت الارتقاء والهبوط في حركات متتالية تبعا لحركة يمناها الحاملة للمنفضة، فيما كانت تزيل الغبار – سبب وجودها هنا ومصدر رزقها- عن حياة زهيرة في صمت. كانت أحلامها تسمو إلى أن ترى نفسها وقد تبدل الحال، فتجلس هي مستكينة أمام التلفاز؛ لتقوم أخرى بهذا العمل الشاق عوضا عنها، وتذهب هي في أناقة مكتملة إلى عمل مكتبي.. تحلم بأن تتسع غرفتها القابعة تحت سلم العمارة، وتضم إليها أخرى وحمام ومطبخ.. تفيق على صوت ارتطام المنفضة التي بيدها بقطعة أثاث أو فرش بعدما هوت كما أحلامها.
لم تصل أمنياتها يوما إلى أن تصبح زهيرة هي نفسها خادمتها، فهي لا تكرهها إلى هذا الحد؛ بل إنها لا تكن لها أي بغض على الإطلاق، فزهيرة –رغما عن صمتها المطبق- لم تكن فقط سخية فيما تدفع من راتب؛ بل أيضا معطاءة فيما تمنح من حنان وكرامة، تفتقدهما في البيوت الأخرى التي تتناوب على خدمتها، إذ أنها تترجاها بأن تعمل كذا أو كذا، عوضا أن تلقي إليها بأوامر ضاقت بها وبحياتها بين سيدات بيوت؛ أكثرهن تنحصر ميزاته في محفظته.. تسمو أمنية جديدة لو أن السيدة زهيرة تستعين بها في كل الأيام.
كل ما ترفضه في تلك الرقيقة القابعة أمام التلفاز هو ذلك الصمت الذي يجمعهما، فلا تجد غير الغبار شريكا لها في يومها.
فقط تتمنى منها لو أنها تُطْلِق لسانها من محبسه؛ فتبوح عن سر تلك النظرات الحزينة التي تحتل عيونها العسلية منذ عرفتها.. أو تحكي عمن تستشعر وجودهم في حياتها ولا تراهم، أو تحكي عن عملها أو عن سر كل هذه الكتب التي يرهقها تنفيضها أكثر من كل المنزل.. أو حتى عن تقلبات الطقس.. تحكي عن أي شيء.. تُطَلِق الصمت.. فهي تعشق الحكايات ويعتريها فضول عارم لمعرفة دقائق تفاصيل حياة البشر.
يتصاعد الغبار.. يحتل أنفها.. ينسيها ما كانت به تحلم.. تعطس.. تطرد الفكرة.. تبتسم راضية.. تمسح دمعة سالت على وجنتها تزاوجت مع الغبار الملتصق بوجهها لتلد طينا.. تعود فترفع يدها والمنفضة و.. أحلامها.
كل ما ترفضه في تلك الرقيقة القابعة أمام التلفاز هو ذلك الصمت الذي يجمعهما، فلا تجد غير الغبار شريكا لها في يومها.
فقط تتمنى منها لو أنها تُطْلِق لسانها من محبسه؛ فتبوح عن سر تلك النظرات الحزينة التي تحتل عيونها العسلية منذ عرفتها.. أو تحكي عمن تستشعر وجودهم في حياتها ولا تراهم، أو تحكي عن عملها أو عن سر كل هذه الكتب التي يرهقها تنفيضها أكثر من كل المنزل.. أو حتى عن تقلبات الطقس.. تحكي عن أي شيء.. تُطَلِق الصمت.. فهي تعشق الحكايات ويعتريها فضول عارم لمعرفة دقائق تفاصيل حياة البشر.
يتصاعد الغبار.. يحتل أنفها.. ينسيها ما كانت به تحلم.. تعطس.. تطرد الفكرة.. تبتسم راضية.. تمسح دمعة سالت على وجنتها تزاوجت مع الغبار الملتصق بوجهها لتلد طينا.. تعود فترفع يدها والمنفضة و.. أحلامها.
2) زهيرة
امتدت أحلام زهيرة على استطالة أفق نظرتها.. اصطدمت بحائط وردي، يحمل على رف مثبت به تلفاز، يلهو مع نفسه؛ فلا تكاد عيونها تلتقط صوره، ولا أذناها تتابعان لغوه.. استقرت أحلامها معلقة في الهواء بين عينيها والحائط، فيما كانت ضربات المنفضة، بيد هناء، كما لو أنها تهوي على جسدها الهش فتدمي خلاياه المريضة، كانت تمني نفسها لو عاد الزمن أو لو ذهب المرض فتستعيد سطوتها على ملكها.. فتضرب بيدها أو بكل كيانها كل ذرات الغبار التي احتلت بيتها عنوة مذ ضعفت يدها عن البطش بها أولا بأول، فقد اعتادت منذ توجت هنا كعروس أن تعني سريعا بكل أركان حصنها الحبيب؛ إلى أن احتل جسدها فيروس لعين وتبعته جيوش الغبار لتحتل قلعتها؛ فتضطر- آسفة- لاحتمالها؛ منتظرة أسبوعا كاملا، لتتحالف مع قوات المرتزقة، المتمثلة في هناء، ضد جحافل المحتل الخارجي البغيض.
كانت هناء نشطة لطيفة المعشر؛ ذات وجه باسم طيب، بل وأكثر من ذلك أنها أمينة، حتى أن زهيرة لم تعد تغلق دونها أي باب أو درج، ولم تعد تحتاج إلى أن ترسل نظراتها لتصطحب تحركاتها على أرض وطنها، وما عادت تستكثر عليها أجر يومها ،والذي يصل لضعفي أجرها الذي تحصله شخصيا عن عملها في تلك الجهة البحثية المرموقة، بعد أن أضنى السهر -لتحصيل العلم- عيونها وبددت عليه طفولتها وشبابها.
لم تكن زهيرة تضيق بهناء في ذاتها.. ولا بما تدفعه –عن طيب خاطر- لها؛ فهي ترى أنها تستحقه، كل ما في الأمر أنها تضيق بحرمانها من حق طرد الغبار، وبالأكثر من وجود شريك في مملكتها، يضيق الخناق عليها؛ خاصة وأن يكون شريكا فضوليا، مثلما هي هناء.
كانت تمني نفسها لو أن هناء تدعها لصمتها، وأن تنفض -بعيدا عنها- فضولها.. وتكتم –مثلما تفعل هي- شوق عينيها للمعرفة الموجعة.. أن تمسح من لغتها كلمات مثل: (من وماذا ولما وعلام وأين).. أن تنسى كينونة ما يسمى علامة الاستفهام.. أن تُطَلِق إلحاحها في السؤال كلما عن لها.
تصاعدت الأسئلة من فم هناء كالغبار.. زكم أنفها.. ذكرها بحالها.. تعطس.. تطرد الفكرة.. تبتسم راضية.. تمسح دمعة سالت على وجنتها الذابلة وحفرت فيها أخدودا.. تعود فتُطْلِق للأمام سراح عيونها و.. أحلامها.
لم تكن زهيرة تضيق بهناء في ذاتها.. ولا بما تدفعه –عن طيب خاطر- لها؛ فهي ترى أنها تستحقه، كل ما في الأمر أنها تضيق بحرمانها من حق طرد الغبار، وبالأكثر من وجود شريك في مملكتها، يضيق الخناق عليها؛ خاصة وأن يكون شريكا فضوليا، مثلما هي هناء.
كانت تمني نفسها لو أن هناء تدعها لصمتها، وأن تنفض -بعيدا عنها- فضولها.. وتكتم –مثلما تفعل هي- شوق عينيها للمعرفة الموجعة.. أن تمسح من لغتها كلمات مثل: (من وماذا ولما وعلام وأين).. أن تنسى كينونة ما يسمى علامة الاستفهام.. أن تُطَلِق إلحاحها في السؤال كلما عن لها.
تصاعدت الأسئلة من فم هناء كالغبار.. زكم أنفها.. ذكرها بحالها.. تعطس.. تطرد الفكرة.. تبتسم راضية.. تمسح دمعة سالت على وجنتها الذابلة وحفرت فيها أخدودا.. تعود فتُطْلِق للأمام سراح عيونها و.. أحلامها.
3) ............
دارت الأرض حول ذاتها وحول الشمس كثيرا.. وما كَلَّت..
وها هي هناء مازالت تنفض الغبار عن وطن زهيرة.. تعلو أحلامها وتهبط مع كل حركة بالمنفضة فلا تتوقف..
وها هي زهيرة مازالت مقترنة بالصمت.. تطلق أمنياتها أماما لتصطدم بالحائط الوردي الذي بهت لونه فلا تجد سبيلا.
لكن ثمة تغيرات عدة ألمت بالصورة.. فقد استوطن اللون الأبيض هامتيهما مثلما خط كل ما يحيط بهما..
لم تعد زهيرة تضجر من غبار صوت هناء.. ولم تعد هناء تعطس من غبار بيت زهيرة.
لم تعد زهيرة تبخل علي هناء بقليل من المعلومات –فقد أصابتها بعض من عدوى ثرثرتها جراء طول العشرة- تشفي بها فضولها؛ وإن كانت تصوغها في أقل عدد من الأحرف.. عن المحاضرات التي توقفت عن إلقائها.. عن الزوج وأبحاثه.. والولد وبعثته العلمية.. والمعاش الذي لم يعد يكفي أجر هناء.
وتحولت هناء عن الشغف والفضول فاستبدلت الأسئلة بحكايات عن زوجها الذي اشترى الأرض التي أفنى عمره حارسا لها.. عن البرج السكني الذي بنياه بعرق جبينهما وعن سكانه.. عن الولد الكبير وتجارته التي تتسع يوما بعد يوم.. عن إخوته ومهنهم.. وعن حاجتها للعمل من أجل ارتفاع تكلفة المعيشة.. وعن.. عن.. عن..
الخادمة المزعجة، اللحوح والثرثارة، التي تستعين بها في يوم إجازتها.
وها هي هناء مازالت تنفض الغبار عن وطن زهيرة.. تعلو أحلامها وتهبط مع كل حركة بالمنفضة فلا تتوقف..
وها هي زهيرة مازالت مقترنة بالصمت.. تطلق أمنياتها أماما لتصطدم بالحائط الوردي الذي بهت لونه فلا تجد سبيلا.
لكن ثمة تغيرات عدة ألمت بالصورة.. فقد استوطن اللون الأبيض هامتيهما مثلما خط كل ما يحيط بهما..
لم تعد زهيرة تضجر من غبار صوت هناء.. ولم تعد هناء تعطس من غبار بيت زهيرة.
لم تعد زهيرة تبخل علي هناء بقليل من المعلومات –فقد أصابتها بعض من عدوى ثرثرتها جراء طول العشرة- تشفي بها فضولها؛ وإن كانت تصوغها في أقل عدد من الأحرف.. عن المحاضرات التي توقفت عن إلقائها.. عن الزوج وأبحاثه.. والولد وبعثته العلمية.. والمعاش الذي لم يعد يكفي أجر هناء.
وتحولت هناء عن الشغف والفضول فاستبدلت الأسئلة بحكايات عن زوجها الذي اشترى الأرض التي أفنى عمره حارسا لها.. عن البرج السكني الذي بنياه بعرق جبينهما وعن سكانه.. عن الولد الكبير وتجارته التي تتسع يوما بعد يوم.. عن إخوته ومهنهم.. وعن حاجتها للعمل من أجل ارتفاع تكلفة المعيشة.. وعن.. عن.. عن..
الخادمة المزعجة، اللحوح والثرثارة، التي تستعين بها في يوم إجازتها.
تعليق