ملاكي العجوز
7-3-2010
7-3-2010
منذ انتقلت للسكن في هذه الجيرة -قبل شهرين- ومع بدايات الشتاء؛ وأنا أرى هذا الملاك العجوز كل صباح يستدفئ في البقعة الوحيدة المشمسة، حيث الأبراج السكنية العالية المتلاصقة، والتي غاب عنها فن العمارة، تقهر كل فرص الشمس في التغلغل إلى أرض الشارع.
وكأن إدارة البلدية قد تكاتفت ضده مع الأبراج العالية فلم تجد إلا هذا المكان لتودعه صناديق القمامة؛ إلا أنه لا يبالي فيجلس حانيا ظهره من ثقل السنون التي مرت به، مكوَما على ذاته، في ملابس متهرئة وخفين باليين، مفترشا قطعة من الكرتون يعجز جميعهم عن حماية قدميه من صقيع الصباح النائم على أرضية الرصيف؛ فكان صاحبنا يظهر فقط في الأيام المشرقة ملتمسا شمسها، ويختفي ما أن تذوب عن بقعته الحميمة.
ومع أني كنت قد تعاهدت مع نفسي - لأسباب عدة- ألا ألقي بالا للمتسولين؛ إلا أن وجهه المشرق كملاك الصبح المنير -وقد فشل الفقر والبرد في استلاب بسمة وجهه- يبهج يومي، ولأنه لا يستعطي؛ وإنما يقبع صامتا منتظرا.. يدفعني –حبا- لأودع في راحته ما اقتنصته يدي من جيبي، دونما أن أعرف له عددا، وإن كان لا يربو عن جنيهات أقل من مجموع أصابع اليد الواحدة؛ لأستردها دعوات طيبة، تسكن أذني، وفيما أنا ماض في سبيلي تتسلل إلى قلبي لتعمني حالة من التفاؤل لا تخيب طوال اليوم.
مرت الأيام متوالية وأنا وهو على حالنا.. أسعد بالأيام المشمسة لأنها تأتي به.. وأكتئب للأيام الغائمة لغياب دعواته وبسمته عني.. فيما هو لا يبرح جلسته مادامت هناك شمس..
لم أعرف عنه أي شيء.. لا من أين أتى مبكرا قبلي؟ ولا إلى أين يمضي بعد رحيل الدفء؟..
لما لا يسلك مثل كل المتسولين فيبحث عن مكان مزدحم بالمارة من أجل رزق أوسع؟..
ما سر هذه المسحة النبيلة التي تكسو قسماته؟ أهو قريب لأحد البوابين أو خدم العمارات؟..
أم هو ممن أقتنصهم داء الخرف فَضَلَ طريقه، بينما له أهل كرماء يبحثون عنه بقلوب ممزقة؟..
أبحث دوما عن ملامحه بين إعلانات المفقودين في الصحف والطرقات والتلفاز.. لعلي أعينه وأعينهم.. أفكر في إبلاغ الشرطة لعل لديهم حل..
رؤيته –ذات يوم- خارجا من الصيدلية المجاورة وبيده عبوة شامبو.. زادت من حيرتي.. إلى أين يمضي بها؟.. ومن أعلمه بوجود أشياء كهذه من الأساس؟
ولكن.. تمضي الأيام.. هو جالس في البقعة.. وأنا مكتفيا بتساؤلاتي الداخلية حوله واستجداء دعواته.
أعلمتني نافذتي أن الشمس لن تأتي اليوم، فلم أعد بجيبي ما يلزم لملاكي المبشر، وإذ فوجئت بوجوده، حاولت فلم تفلح يدي إلا في صيد بضعة قطع عملة معدنية صغيرة (فكه).. بدد حزني معرفتي بأن مجموعهم لا يقل عن ما أمنحه يوميا له إلا قليلا..
كورت يدي الحاوية لهم.. أسكنتها في راحته ومعها نظرة اعتذار.. ومضيت.
لم أتحرك إلا خطوتين، وإذ بحصيات تصيب ظهري.. وسيل من السباب واللعنات يصيب أذني.. استدرت للخلف.. أصابت جانب عيني إحدى القطع المعدنية..
وإذا بملاكي الكهل ينتفض واقفا يرميني بما منحته من عملات.. وبما لم أمنحه من شتائم يند لها الجبين.. مضيفا اتهامات بالبخل.. والكبرياء.. واحتقار الفقراء.. وعدم استحقاقي لما سبق من دعوات.
للوهلة الأولى لم أستوعب الحدث.. ظننته يخاطب آخر فأصابني بالخطأ..
لكن لا.. فأنا المقصود..
عدت إليه لأفهم وأستوضح.. إلا أن صوته زاد علوا..
واندفعت ألفاظ نابية كطلقات مدفع مصوبة نحو قلبي..
فيما كانت يداه تلوحان بغضب في الهواء.
صوته العالي استرعى انتباه الجيرة.. أطلت وجوه من النوافذ.. أحدهم جاء مهرولا في بذلته الأنيقة.. عرفت فيه المهندس جيد المصري رجل الأعمال المعروف وصاحب البرج الذي أقطنه.. والذي لم ألقاه منذ قدمت هنا إلا حين توقيع عقد الإيجار..
سألني.. أذهلتني نبرة الاتهام التي تكتنف حروفه..
أجبته.. وأنا كأبله غير مدرك لأبعاد الموقف..
طأطأ رأسه خجلا.. عيناه أغرقتا نفسيهما.. وجهه اكتسى حمرة..
ذاهلا تجمدت في مكاني..
حيرة وتساؤلات عدة دهمتني..
أحاط بيديه ملاكي العجوز.. جسده الفارع احتوى البدن المتهالك في حضنه.. سحبه عنوة نحو البيت.. تناهت إلى سمعي بضع كلمات كان صوته يعلو عندها.. لم أعي ترابطها سويا إلا بعد أمد طال؛ كان {جيد بك} يقول:
لماذا.. كل مرة.. فضيحة.. .. وافد على الجيرة.. .. عارنا.. .. ألا يكفيك.. .. .. أبي.. أبي.
خرقت الكلمة الأخيرة قلبي.. توالت الأيام وأنا أبحث عن ابتسامة الصباح ووجه ملاكي العجوز؛ دونما جدوى، ولما خبا الأمل.. جئت لأخبركم.
وكأن إدارة البلدية قد تكاتفت ضده مع الأبراج العالية فلم تجد إلا هذا المكان لتودعه صناديق القمامة؛ إلا أنه لا يبالي فيجلس حانيا ظهره من ثقل السنون التي مرت به، مكوَما على ذاته، في ملابس متهرئة وخفين باليين، مفترشا قطعة من الكرتون يعجز جميعهم عن حماية قدميه من صقيع الصباح النائم على أرضية الرصيف؛ فكان صاحبنا يظهر فقط في الأيام المشرقة ملتمسا شمسها، ويختفي ما أن تذوب عن بقعته الحميمة.
ومع أني كنت قد تعاهدت مع نفسي - لأسباب عدة- ألا ألقي بالا للمتسولين؛ إلا أن وجهه المشرق كملاك الصبح المنير -وقد فشل الفقر والبرد في استلاب بسمة وجهه- يبهج يومي، ولأنه لا يستعطي؛ وإنما يقبع صامتا منتظرا.. يدفعني –حبا- لأودع في راحته ما اقتنصته يدي من جيبي، دونما أن أعرف له عددا، وإن كان لا يربو عن جنيهات أقل من مجموع أصابع اليد الواحدة؛ لأستردها دعوات طيبة، تسكن أذني، وفيما أنا ماض في سبيلي تتسلل إلى قلبي لتعمني حالة من التفاؤل لا تخيب طوال اليوم.
مرت الأيام متوالية وأنا وهو على حالنا.. أسعد بالأيام المشمسة لأنها تأتي به.. وأكتئب للأيام الغائمة لغياب دعواته وبسمته عني.. فيما هو لا يبرح جلسته مادامت هناك شمس..
لم أعرف عنه أي شيء.. لا من أين أتى مبكرا قبلي؟ ولا إلى أين يمضي بعد رحيل الدفء؟..
لما لا يسلك مثل كل المتسولين فيبحث عن مكان مزدحم بالمارة من أجل رزق أوسع؟..
ما سر هذه المسحة النبيلة التي تكسو قسماته؟ أهو قريب لأحد البوابين أو خدم العمارات؟..
أم هو ممن أقتنصهم داء الخرف فَضَلَ طريقه، بينما له أهل كرماء يبحثون عنه بقلوب ممزقة؟..
أبحث دوما عن ملامحه بين إعلانات المفقودين في الصحف والطرقات والتلفاز.. لعلي أعينه وأعينهم.. أفكر في إبلاغ الشرطة لعل لديهم حل..
رؤيته –ذات يوم- خارجا من الصيدلية المجاورة وبيده عبوة شامبو.. زادت من حيرتي.. إلى أين يمضي بها؟.. ومن أعلمه بوجود أشياء كهذه من الأساس؟
ولكن.. تمضي الأيام.. هو جالس في البقعة.. وأنا مكتفيا بتساؤلاتي الداخلية حوله واستجداء دعواته.
أعلمتني نافذتي أن الشمس لن تأتي اليوم، فلم أعد بجيبي ما يلزم لملاكي المبشر، وإذ فوجئت بوجوده، حاولت فلم تفلح يدي إلا في صيد بضعة قطع عملة معدنية صغيرة (فكه).. بدد حزني معرفتي بأن مجموعهم لا يقل عن ما أمنحه يوميا له إلا قليلا..
كورت يدي الحاوية لهم.. أسكنتها في راحته ومعها نظرة اعتذار.. ومضيت.
لم أتحرك إلا خطوتين، وإذ بحصيات تصيب ظهري.. وسيل من السباب واللعنات يصيب أذني.. استدرت للخلف.. أصابت جانب عيني إحدى القطع المعدنية..
وإذا بملاكي الكهل ينتفض واقفا يرميني بما منحته من عملات.. وبما لم أمنحه من شتائم يند لها الجبين.. مضيفا اتهامات بالبخل.. والكبرياء.. واحتقار الفقراء.. وعدم استحقاقي لما سبق من دعوات.
للوهلة الأولى لم أستوعب الحدث.. ظننته يخاطب آخر فأصابني بالخطأ..
لكن لا.. فأنا المقصود..
عدت إليه لأفهم وأستوضح.. إلا أن صوته زاد علوا..
واندفعت ألفاظ نابية كطلقات مدفع مصوبة نحو قلبي..
فيما كانت يداه تلوحان بغضب في الهواء.
صوته العالي استرعى انتباه الجيرة.. أطلت وجوه من النوافذ.. أحدهم جاء مهرولا في بذلته الأنيقة.. عرفت فيه المهندس جيد المصري رجل الأعمال المعروف وصاحب البرج الذي أقطنه.. والذي لم ألقاه منذ قدمت هنا إلا حين توقيع عقد الإيجار..
سألني.. أذهلتني نبرة الاتهام التي تكتنف حروفه..
أجبته.. وأنا كأبله غير مدرك لأبعاد الموقف..
طأطأ رأسه خجلا.. عيناه أغرقتا نفسيهما.. وجهه اكتسى حمرة..
ذاهلا تجمدت في مكاني..
حيرة وتساؤلات عدة دهمتني..
أحاط بيديه ملاكي العجوز.. جسده الفارع احتوى البدن المتهالك في حضنه.. سحبه عنوة نحو البيت.. تناهت إلى سمعي بضع كلمات كان صوته يعلو عندها.. لم أعي ترابطها سويا إلا بعد أمد طال؛ كان {جيد بك} يقول:
لماذا.. كل مرة.. فضيحة.. .. وافد على الجيرة.. .. عارنا.. .. ألا يكفيك.. .. .. أبي.. أبي.
خرقت الكلمة الأخيرة قلبي.. توالت الأيام وأنا أبحث عن ابتسامة الصباح ووجه ملاكي العجوز؛ دونما جدوى، ولما خبا الأمل.. جئت لأخبركم.
تعليق