عابر سبيل ...

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الفتاح أفكوح
    السندباد
    • 10-11-2007
    • 345

    عابر سبيل ...

    عابر سبيل
    حدثنا عابر قال:
    بينما كنت أسير عابرا بين جدران متلاحقة، وبنايات شاهقة، إذ وقع نظري على الأنا منزويا كعادته بحالة، وملامح وجهه توحي بالمقالة، وأدركت أنه في حاجة إلى من يساعده على فك قيود العبارة، فتركت السير داخل الحارة، واتجهت نحوه بعد استدارة، وما إن كدت أنتهي إلى مجلسه قرب العمارة، حتى بادرته قبل الحديث بالإشارة، ثم إنه سرعان ما خرج من صمته كالشرارة، وكأنه انبعث من مغارة، وبدأت تعود إلى وجهه بعض النضارة، فلم يعر مع ذلك كثير اهتمام لتحيتي وأرخى الستارة، ولم يحفل حتى بما أرسلت له من أمارة، لكنه ما إن تنبه لوجودي أمامه حتى تيقظ كما لو لاحت له منارة، فأخذ ينهال علي بمألوف أسئلته بمهارة .. أين كنت غائبا يا عابر ..؟ أظن ظهورك اليوم شبيها بالهلال السائر، ولا أراه إلا كما أراك غير مقيم حائر، وما أنت إلا كما هو عابر ..؟ فكيف الحال والأحوال ..؟ وأين بلغت بالترحال، وأنى بلغ بك الارتحال ..؟ وهل من حدث حديث نسعد به في الحال ..؟ وهل من بشرى سنية تزفها لنا بعد السؤال ..؟ أم أن ما نترقبه من طلعتك البهية هو عين المحال ..؟
    كاد ينسيني الأنا بأسئلته المتتالية جلسته لوحده، وكاد يمحو من ذاكرتي شحوب وجهه، فسألته أخيرا عن سبب انفراده، واستفهنته عن علة شروده، فأجابني قائلا: ما المسؤول بأعلم من السائل، ويحسن أن يظل ثقل ما أنا فيه على الكاهل، ثم سألته للمرة الثانية: ما سبب الذي أنت فيه من غم ..؟ فما كان من الأنا إلا أن ابتسم ابتسامة موؤودة في مهدها، ثم قال لي: غريب سؤالك هذا يا صاح، أتسألني عن علة الغم التي تكاد تكون عند أمثالي عامة، والدنيا تئن من سوء صنيع الناس فيها وتلك الطامة، لكن قل لي: ما الذي أوقفك الساعة عندي ..؟ أثمة شيء لاح في الأفق جديد، أم أن الذي جاء بك خطب شديد ..؟
    سؤال انتظرت سماعه من الأنا منذ البدء، لكنه جرى على لسانه ببطء، ثم إني أدركت حال نطق به أن خلجات نفسه تنوء بين جوانحه بحمل ثقيل، لها رعشة تسري في أعضائه مستقيمة وعنها لا تميل، فأجبته بالتصريح دون التلميح، أني أشفقت عليه مما يعانيه وهو شبيه بالطير الجريح، وزدت معتذرا له: معذرة إن أثارك سؤالي، وعجبت من حالي، فربما لم أقدر حق التقدير ما أنت غائص فيه من حمم، أو استغفلني ذاك الذي بعثي على الوقوف عندك الساعة حتى أدفع عنك بعض اليأس والسأم، فما أردت إلا انتشالك من متاهة الصمت، وتحريك لسانك وتنبيه عقلك وإيقاظ قلبك بعض الوقت، لعلي أفصح لك عن نعمة الحديث، وأنبهك إلى فائدة السعي الحثيث.
    قال الأنا: أحييك يا عابر، فحديثي مع نفسي قبل أن تلقاني وألقاك مسالك متشعبة وضفائـــر، والله يعلم ما نبدي وما تخفي السرائر ...
    قال عابر، هذه خلاصة الكلام، وعصارة المقام .. عندها تركت الأنا يستقبل الأيام، واستأنفت سيري بعد أن ألقيت عليه السلام.

    د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
    aghanime@hotmail.com
    التعديل الأخير تم بواسطة عبد الفتاح أفكوح; الساعة 28-11-2007, 17:40.
  • عادل العاني
    مستشار
    • 17-05-2007
    • 1465

    #2
    وقفة حكيمة مع الأنا ...

    لكنني لاحظت تقفية في القصة , وكأن فيها نزوعا للشعر .


    تحياتي وتقديري

    تعليق

    • عبد الفتاح أفكوح
      السندباد
      • 10-11-2007
      • 345

      #3
      [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
      سلام الله عليك أخي الكريم
      عادل العاني
      ورحمته جل وعلا وبركاته
      وبعد ...
      لك من أخيك أبي شامة المغربي الشكر الجزيل والتقدير الجليل، ولك منه مسك الحروف وطيبها، وأزهارا وورودا باسمة زكية في مزهرية، على ما أشرقت به من حروف ذات ألق في سماء هذه الجزيرة القصصية ...
      حياك الله

      د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
      aghanime@hotmail.com[/align]

      تعليق

      • مجدي السماك
        أديب وقاص
        • 23-10-2007
        • 600

        #4
        رائعة

        اخي الكاتب الفاضل ابو شامة المغربي ..تحياتي
        امتعتني القراءة .. حقيقة رحت بنا في اروقة انفسنا تطير و تطير .
        دمت مبدعا
        عرفت شيئا وغابت عنك اشياء

        تعليق

        • عبد الفتاح أفكوح
          السندباد
          • 10-11-2007
          • 345

          #5
          [align=center]بسم الله الرحمن الرحيم
          سلام الله عليك أخي الكريم
          مجدي السماك
          ورحمته جل جلاله وبركاته
          وبعد ...
          لك من جزيل الشكر نبض كل حرف عربي أصيل، ولك من جميل التقدير خفق كل إشراقة في فؤاده الذي ليس له مثيل، على ما نثرته فوق هذا السهل القصصي المزهر من مسك وطيب ...
          حياك الله

          د. عبد الفتاح أفكوح - أبو شامة المغربي
          aghanime@hotmail.com[/align]

          تعليق

          يعمل...
          X