قوس قزح بالأبيض والأسود
اقتيد إلى المدرسة اقتيادا، أقسمت أمه باسم أولياء كل سادات وتضاريس المغرب، وعددت في قسمها نِعم الله المتعددة من حبوب وقطان وسكر وزجاج أنها لن تتردد لوهلة في تكسير عظام وجهه إن هو لم يتوقف عن الصياح والعويل، ويخضع لمصاحبتها طوعا صوب مدرسة/قسم الدوار الوحيد...وأقسم زوج والدته بشواربه وبالجهة التي تبزغ منها الشمس مشيرا إلى الشمال، وبمسجد الدوار الأحمر، ودعى على نفسه بكل الأمراض القاتلة من شلل وطاعون وعمى وحادثة سير مروعة بالرغم من انعدام سنتمتر واحد من الطريق المعبدة بالدوار، وبشتى المصائب والويلات أنه سيفضح أمر تبوله في الفراش للعادي والبادي ولكل ساكنة الدوار إن هو لم يوقف بكاءه ويتأبط محفظته المتوارثة ويتجه صحبته دون أن ينبس بكلمة واحدة أو شهقة بكاء أخيرة صوب فرعية الدوار النابتة فوق ربوة مهجورة محادية للمقبرة...
ووجد المسكين يومها نفسه مرغما على الخضوع لرغبتيهما وتهديديهما...وانقاد لإلحاحهما ودموع كثيرة تتهاطل فوق توحيمته الفحمية الشحمية المثيرة...
أربع سنوات بعد ذلك أقسمت أمه بالخبز والشاي من النوع الممتاز والنعناع العبدي، وزوج أمه بيمينه مشيرا ليسراه وبشرفه وبطقم أسنانه المركب ، أن يكون يومها آخر عهد يرتاد فيه الجيلالي المدرسة/القسم مادام البيت لا يزال يغرق في بوله وماداما لم يجنيا من وراء تمدرسه درهما واحدا...
ثلاثون سنه مرت قبل أن يسترجع الجيلالي تفاصيل أولى أيامه الدراسية عندما صادف تواجده بإحدى المدن الأوروبية فترة الدخول المدرسي...
أُُخذ ذلك اليوم بدرجة التأهب والتعبئة والبهرجة والحبور الذي صاحبه..الفرحة كانت كبيرة..والبِشر والسعادة يعلوان وجوه الأطفال وأصحاب المحلات وشرطة المرور وعابري الشوارع.. قوس قزح حل محل المشاعر...وفي تلك اللحظات أبرقت ذاكرته وميضا باهتا واسترجع كل تلك التعاسة التي زامنت تسجيله بفرعية دواره..الحصول على مقعد دراسي وقتئذ كان معجزة..مدرس الدوار كان يكره الجلابيب وكتاب الله..نصيبه من حصة الإطعام المدرسي كان يتعرض لنهب المقدم والشيخ والمسؤول عن الأطعام وفي واضحة النهار...ولم يشأ الجيلالي أن يستمر في استعراض صور الشريط القاتم وإن كان قادرا على ذلك..كل ما فعله هو أنه تمالك نفسه وبكى بمرارة..بكى عن أولى أيامه الدراسية التعيسة بعد ثلاثين سنة من التحمل والتقادم...
شده الجيلالي يومها وهو يطالع سحنات أطفال تنطق حروفها نظافة، وشبعا، وسعادة ،وألقا وحماسا لارتياد مدارس شاسعة تغري بالتهام خضرتها، وسرقة زينتها..و تذكر ساعتها أن فرعيته كانت قفصا مغلقا، وقسمه كان سجنا وقبوا مزدحما، ومعلمه كان سجانا غليظ القلب أورث فيه مرضا نفسيا خالدا، وأصابه برهاب نفسي مؤلم، واضطراب ذهاني شاذ شخصه له الطبيب الذي قصده بنفس المدينة الأوربية قصد الاستشفاء في كلمة طويلة وحيدة "كلاستروفوبيا" وفسر له أحد العرب العاملين بنفس العيادة معنى الكلمة في الخوف من الأماكن المغلقة ...
عاد الجيلالي ليطالع صور البهجة والانشراح والإقبال على الحياة وعلامات السعادة الطافحة..أكمل طريقه حزينا ناكصا لـ"محجوبة المجنونة" و لمعلمته المتوحشة، ولأستاذه بائع الحروف. وتذكر يوم قرر ألا يعود لفرعيته بعدما أثقلت كاهله وكاهل والدته المكوس والضرائب التربوية، واسترجع منكسرا يوم تحرش به الفقيه، وكل تفاصيل طفولته البئيسة ومراهقته المقهورة...
اقتعد رصيفا مزركشا يغري بالنوم على حجارته ..تأمل أقواس قزح اصطناعية توزع مجانا على كل أطفال المدارس، تحسس بعنقه مرتعدا آثار ندوب عميقة لعضة معلمته "محجوبة" وتذكر الرعب الذي أحدتثه في نفسه يوم رسم قوس قزح ولونه بالقلم الأسود الوحيد الذي كان بحوزته.. فاجهش من جديد باكيا بصوت عال تناقلت نغمته الفريدة قناة المدينة التلفزية، وخصصت له إذاعة الحي نقلا مباشرا كغريبة وطرفة موسم الدخول المدرسي الجديد...
اقتيد إلى المدرسة اقتيادا، أقسمت أمه باسم أولياء كل سادات وتضاريس المغرب، وعددت في قسمها نِعم الله المتعددة من حبوب وقطان وسكر وزجاج أنها لن تتردد لوهلة في تكسير عظام وجهه إن هو لم يتوقف عن الصياح والعويل، ويخضع لمصاحبتها طوعا صوب مدرسة/قسم الدوار الوحيد...وأقسم زوج والدته بشواربه وبالجهة التي تبزغ منها الشمس مشيرا إلى الشمال، وبمسجد الدوار الأحمر، ودعى على نفسه بكل الأمراض القاتلة من شلل وطاعون وعمى وحادثة سير مروعة بالرغم من انعدام سنتمتر واحد من الطريق المعبدة بالدوار، وبشتى المصائب والويلات أنه سيفضح أمر تبوله في الفراش للعادي والبادي ولكل ساكنة الدوار إن هو لم يوقف بكاءه ويتأبط محفظته المتوارثة ويتجه صحبته دون أن ينبس بكلمة واحدة أو شهقة بكاء أخيرة صوب فرعية الدوار النابتة فوق ربوة مهجورة محادية للمقبرة...
ووجد المسكين يومها نفسه مرغما على الخضوع لرغبتيهما وتهديديهما...وانقاد لإلحاحهما ودموع كثيرة تتهاطل فوق توحيمته الفحمية الشحمية المثيرة...
أربع سنوات بعد ذلك أقسمت أمه بالخبز والشاي من النوع الممتاز والنعناع العبدي، وزوج أمه بيمينه مشيرا ليسراه وبشرفه وبطقم أسنانه المركب ، أن يكون يومها آخر عهد يرتاد فيه الجيلالي المدرسة/القسم مادام البيت لا يزال يغرق في بوله وماداما لم يجنيا من وراء تمدرسه درهما واحدا...
ثلاثون سنه مرت قبل أن يسترجع الجيلالي تفاصيل أولى أيامه الدراسية عندما صادف تواجده بإحدى المدن الأوروبية فترة الدخول المدرسي...
أُُخذ ذلك اليوم بدرجة التأهب والتعبئة والبهرجة والحبور الذي صاحبه..الفرحة كانت كبيرة..والبِشر والسعادة يعلوان وجوه الأطفال وأصحاب المحلات وشرطة المرور وعابري الشوارع.. قوس قزح حل محل المشاعر...وفي تلك اللحظات أبرقت ذاكرته وميضا باهتا واسترجع كل تلك التعاسة التي زامنت تسجيله بفرعية دواره..الحصول على مقعد دراسي وقتئذ كان معجزة..مدرس الدوار كان يكره الجلابيب وكتاب الله..نصيبه من حصة الإطعام المدرسي كان يتعرض لنهب المقدم والشيخ والمسؤول عن الأطعام وفي واضحة النهار...ولم يشأ الجيلالي أن يستمر في استعراض صور الشريط القاتم وإن كان قادرا على ذلك..كل ما فعله هو أنه تمالك نفسه وبكى بمرارة..بكى عن أولى أيامه الدراسية التعيسة بعد ثلاثين سنة من التحمل والتقادم...
شده الجيلالي يومها وهو يطالع سحنات أطفال تنطق حروفها نظافة، وشبعا، وسعادة ،وألقا وحماسا لارتياد مدارس شاسعة تغري بالتهام خضرتها، وسرقة زينتها..و تذكر ساعتها أن فرعيته كانت قفصا مغلقا، وقسمه كان سجنا وقبوا مزدحما، ومعلمه كان سجانا غليظ القلب أورث فيه مرضا نفسيا خالدا، وأصابه برهاب نفسي مؤلم، واضطراب ذهاني شاذ شخصه له الطبيب الذي قصده بنفس المدينة الأوربية قصد الاستشفاء في كلمة طويلة وحيدة "كلاستروفوبيا" وفسر له أحد العرب العاملين بنفس العيادة معنى الكلمة في الخوف من الأماكن المغلقة ...
عاد الجيلالي ليطالع صور البهجة والانشراح والإقبال على الحياة وعلامات السعادة الطافحة..أكمل طريقه حزينا ناكصا لـ"محجوبة المجنونة" و لمعلمته المتوحشة، ولأستاذه بائع الحروف. وتذكر يوم قرر ألا يعود لفرعيته بعدما أثقلت كاهله وكاهل والدته المكوس والضرائب التربوية، واسترجع منكسرا يوم تحرش به الفقيه، وكل تفاصيل طفولته البئيسة ومراهقته المقهورة...
اقتعد رصيفا مزركشا يغري بالنوم على حجارته ..تأمل أقواس قزح اصطناعية توزع مجانا على كل أطفال المدارس، تحسس بعنقه مرتعدا آثار ندوب عميقة لعضة معلمته "محجوبة" وتذكر الرعب الذي أحدتثه في نفسه يوم رسم قوس قزح ولونه بالقلم الأسود الوحيد الذي كان بحوزته.. فاجهش من جديد باكيا بصوت عال تناقلت نغمته الفريدة قناة المدينة التلفزية، وخصصت له إذاعة الحي نقلا مباشرا كغريبة وطرفة موسم الدخول المدرسي الجديد...
تعليق