
خان الخواطي
[align=justify]
تعرج الزقاق و تلوي كثعبان و انتهي بخان كبير يسد طرفه.. ذلك هو خان الخواطي أو بيت العاهرات و علي جانبي الزقاق تناثرت بيوت أصغر يسكنها قرادون و قرودهم و حواة وثعابينهم و صاحب الطيور الناطقة و طيوره و فيها الببغاء القارحة التي تقلد غنج النسوان من كافة البلدان و شتي الألوان و الغراب الذي لا يقول سوي " الله ينصر السلطان " و مرقص الدببة و دببته التي تقلد مشي الهوانم و رقص الغوازي.. و في البيوت دكاكين تبيع الخمور و المسكرات والكيوف يديرها الخمار و المزار و بائع البوزة و الحشيشي و المعاجيني.
سكان الزقاق كلهم من أرباب المعاصي وأهل الفسوق.. وكذلك من يفدون إلي الزقاق طلباً لما يقدمه سكانه.. ومن العجيب أن ذكر الله كان يتردد بخشوع متبتل في هذا الزقاق الشيطاني.. والأعجب أن أحد رجال الله كان يقيم فيه وهو الشيخ " علي وحيش " الذي كان يقيم في خان " بنات الخطا " في هذا الزقاق الداخل في سلطان إبليس وأعوانه من شياطين الإنس والجن.
كان الشيخ " علي وحيش " من أرباب الأحوال الغريبة العجيبة معدوداً بين أعيان المجاذيب.. كان يقف للخارجين من باب خان بنات الخطا بعد أن قضي كل منهم وطره.. فيقول للواحد منهم بصوت مرتفع يسمعه كل من في الزقاق بل والسائرين بالقرب من مدخله.. قف حتي أشفع فيك عند الله قبل أن تخرج.. فيتسمر الرجل في مكانه ويتصبب عرقه إن كان فيه بقية من حياء ويظل واقفاً في مكانه حتي يأتيه الفرج من بين شفتي الشيخ بعد أمد قد يطول : سر.. لقد شفعني الله.. امض مغفورة خطيئتك.. ورغم أنه يتمتم بشفتيه كان الناس يسمعون صوته عالياً واضحاً.. الإنسان ضعيف جهول تأمره نفسه بالسوء.. يا حسرتاً علي العباد.. قُتل الإنسان ما أكفره.
أما ذوو الجرأة الذين يتجاسرون علي عصيان أمر الشيخ فيا ويلهم ( يقول ميمون القراد ) لقد رأيت بعيني رجلاً ضخم الجثة قاسي الملامح تجاهل أمر الشيخ ومشي مختالاً بقوته.. في غمضة عين نفخ الشيخ الذي أهزله الزهد ودوام السهر يحيي لياليه بالذكر في الرجل فحملته النفخة – أي والله – وألقت به داخل الخان وهو يئن ويتوجع.. وأمثال هذا الرجل كان الشيخ يمسكهم متسمرين في مكانهم كالتماثيل باليوم واليومين.. ولم نر أحداً عاد إلي الخان بعد شفاعة الشيخ فيه.. وقد أقلق هذا ضامنة المغاني كبيرة قوادات البلد وراعية الخان وسيدة الألحان والليالي الملاح لكساد تجارة الفاحشة وقلة الزبائن لخوف الرجال من الوقوف بين يدي الشيخ المجذوب.. فبكت واشتكت إلي أرباب الحل والعقد من أولي الأمر.. فشمر أولو الأمر عن ساعد الجد حرصاً علي ما يأتيهم من الذهب من زقاق الفسق والفجور.. جاء شيخ البلد ووالي الشرطة يتبعهم عسكر كُثر وكأنهم حملة لتأديب عصبة من العصاة الخارجين عن القانون وليس لملاقاة شيخ مجذوب أفني الزهد جسده.
تقدم الموكب داخلاً إلي الزقاق الذي تعلو فيه ضحكات المساطيل وقهقهات السكاري وكلمات الخواطي الفاحشة مختلطة بأصوات الطيور التي تقول كلمات بذيئة وتصدر عنها أصوات فاضحة منكهة برائحة الخمر و " كرف " الحشيش.
قابلهم الشيخ في منتصف الزقاق ( يقول عنبة الخمار ) : أي والله يا إخوان قابلهم بوجه باسم ولكنهم تسمروا جميعاً هم ودوابهم وكأن علي رؤوسهم الطير.. أومأ الشيخ وحيش لشيخ البلد " أن انزل عن بغلتك " ففعل شيخ البلد وكأنه مسحور سلب عقله.. أي والله يا إخوان ثم قال له الشيخ وحيش بصوت آمر : امسك رأسها حتي أفعل فيها.
أراد شيخ البلد الرجوع من حيث أتي فلم يستطع كان متسمراً في مكانه.. اتجه ناحية رأس البغلة وأمسكها طائعاً مختاراً.. خيل لكل من في الزقاق أن ما أمر به الشيخ المجذوب يحدث وسط صمت رهيب خلا من أي صوت.. عاد الموكب من حيث أتي ذليلاً تفوح ممن فيه رائحة إحساس المهانة وهم منكسو رؤوسهم في خزي مفضوح.. لقد فضح الشيخ المجذوب شيخ البلد أمام نفسه : " ما أنا إلا قواد منذ زمن بعيد ".. كان شيخ البلد يكرر ذلك في نفسه وهو ينظر في الأرض كأنه يبحث عن كرامته التي فقدها منذ زمن بعيد.
مرت أيام بعد حادثة الشيخ المجذوب والبغلة ( يقول طويس الحاوي ) وإذا بالشيخ ذات يوم يزعق لبنات الخطا :
- اخرجو فإن الخان رايح يطبق عليكم !!!
فما استمعت له إلا واحدة منهن فخرجت.. ووقع الخان عليهن فمتن كلهن.. وإن كنت كاذباً يا إخوان تنهشني حية من حياتي.. لقد سمعت الشيخ قبل سقوط الخان يسأل تلك المرأة التي نجت :
- ما اسمك يا بنية ؟
- نجية يا مولانا.
- بل ناجية بإذن الله.
لازمت نجية الشيخ لا تفارقه تخدمه ( يقول كرداسة الحشيشي ) وسمت نفسها ناجية.. جاءت ضامنة أغان أخري وأعادت بناء خان الخواطي وامتثلت لأمر الشيخ صاغرة حين أمرها ببناء غرفة له في مدخل الخان.
[/align]
تنويه لازم : [align=justify]الشيخ علي وحيش شخصية حقيقية كان يعيش في المحلة الكبري في الوجه البحري من مصر في آواخر عصر المماليك وأوائل عصر العثمانيين.. عاصر الشيخ عبد الوهاب الشعراني صاحب كتاب " لواقح الأنوار في طبقات الأخيار " المعروف بالطبقات الكبري للشعراني وقد أرخ له وحكي عن فعاله التي استغربها هو نفسه فسأل شيخه علي الخواص عن ذلك فأجابه " هؤلاء يخيلون علي الناس ".[/align]
تعليق