القصيدة العربية الجديدة في سورية
عقد الثمانينات.. افتراق وتحول
عقد الثمانينات.. افتراق وتحول
الكاتب و الشاعر :حسان عزت - سوريا
إذا قلنا قصيدة الثمانينات في سورية ، أو قلنا قصيدة النثر فيها، فما الذي سيعصمنا من متاهة التعميم ويجعلنا نطرح مصطلحا لا يشي بنقيضه ،ولا يوقع الأشياء في الأشياء.. ويجعلنا نقارب حالة محددة لا تقع وما يخالفها على الصعيد نفسه ؟ واذا كانت الساحة الشعرية العربية في
بسورية ولبنان والعراق قد شهدت تعايش الأشكال الشعرية كلها منذ أواسط الخمسينات وحتى الآن فكيف نفرق بين قصيدة وقصيدة ومستوى ومستوى آخر من الشعر وقد اتهم كل فريق خصومة بالكتابة النمط ، والقصيدة الواحدة المكتوبة من الجميع .. أي بفقدان الملامح والخصوصية .. والاستسهال . وسيادة الشكل وعمومية المعنى..
ونحن نقرأ القصيدة العربية الجديدة في عقد الثمانينات ، لابد لنا من التدقيق في المصطلح ، الذي أصبح غائما على صعيد النقد والمتابعة ، فما الذي نقصده بمصطلح القصيدة الجديدة ،، ولماذا بعقد الثمانينات وأي قصيدة نريد؟ وهل يمكن تناول ذلك بعيدا عن النظر في محدثات الحياة العربية ومتغيراتها على صعيد الحضور الجماهيري والفعل الثقافي ، والمناخ الحامل في الساحة العربية عموما والسورية خصوصا؟ لأن الشاعر مهما بلغ من درجة الحساسية والتطرف لا يمكن أن يكون منعزلا عن حركة المجتمع والتفاعلات الثقافية والفكرية والفنية فيه ، بخاصة أن الشاعر في المحصلة النهائية ومهما بلغ من تفكير في مسألة نفض اليد من نظريات الجمهور، والمنبر، والخطاب العام والفرق في مسائل الفن والأدب ونظريات الفن للفن أو الأدب للادب فإنه سيمثل الوجدان المرهف والحساسية القصوى تجاه مشكلات الحرية والكرامة والعدل والجمال والتابو بأشكاله المختلفة .. وبذلك سيمس وجدان الجمع الباحث أيضا عن عدل وكرامة وحرية وعيش أفضل . . وفي دراسة تتعرض للقصيدة والشعر في عقد ما من السنين ، فلابد من التعرض للمسألة النقدية من هذا الشعر والعلاقة مع الاعلام بما له من فعالية وتأثير كبير في الناس والذوائق وعلاقة الايصال والتواصل مع الجماهير.
وفي الوقت الذي أتيح فيه الكثير من النقد والقراءات النقدية للتجارب الشعرية في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات في سورية ، فإن قصيدة الثمانينات مازالت بحاجة الى جدية أكبر من حيث الدراسة النقدية ، والتحليل والغربلة والتصفية للوصول الى النماذج الرئيسية في هذه القصيدة والى معرفة الأصوات الجادة والموهوبة فيها، كذلك الوصول الى جماليات ومكونات ونسج ومعايير الاختلاف بينها، وبين غيرها من القصائد.. ومعرفة مدى علاقتها بالتراث الشعري العربي القريب والبعيد.
وفي الوقت الذي ظهر فيه الكثير من الكتب النقدية الجادة والعابرة التي تبحث في الشعر السوري منذ الخمسينات ، وحتى السبعينات من حيث الواقعية أو الرومانسية والأشكال والايديولوجيا.. والعلاقة مع المدينة ، وشعر الأصالة ، وشعر الريادة ، وشعر الاحتراق .. فالكتب التي رصدت شعر الثمانينات لا تكاد تبين إن كان هناك من كتب بل دراسات على درجة من الموضوعية والعمق (1).
إن القصيدة والشعر والفن بعامة بدون الوسط الكامل والفاعل ، بدون النقد وفعالية التذوق والحوار حوله .. بدون الجمهور الذي يتفاعل ويتذوق ويقرأ، سيصير مثل السمك بدون ماء سرعان ما يختنق لأن التفاعل والاهتمام والجدية كل ذلك مثل الهواء والماء الضروريين للشعر والشاعر، أساس الحياة وشروط التنامي والخلق .
الثمانينات والمأزق الصعب :
إذا كان من قدر الشعرية العربية فيما بعد الحرب العالمية الثانية أن تشهد حضور الجماهير وفعالياتها وحضور الأندية الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية وفعالياتها،وحضور الصحافة والمجلات والمناخ الحامل للفعل والتفاعل والأصداء.. كذلك على أصعدة المؤسسات التعليمية الثانوية والجامعية والفكرية(2) ، فقد جاء تأسيسها بعد الاستقلال الوطني (3) . ليكون عطاؤها في شبابه .. ففي مراحل التأسيس الأولى ستكون الدهاء حارة ، والأنشطة موفورة ، والحركة غير محكومة بقيود الرقابة المشددة ، والأحكام الصارمة ، والبيروقراطية الخائفة المستندة الى قوانين وتشارين وأسانيد وحواش وهوامش وملاحق وأوامر لكل حركة ومكنة ، وبسبب النهوض الاجتماعي والحرية الوليدة شهدت الأربعينات والخمسينات والستينات حتى أواسط السبعينات حضور الشعر وفعاليته العالية ، وحضور الحياة بكل تناغما تها وخلقها، واصطراع تيارات الفكر والفن والسياسة فيها، وحتى هزيمة 1997 لم تؤثر كثيرا على الفعل ولم تحبط كثيرا حركة الحياة ، بل على العكس مما أشاع اليائسون ، كانت محرضا لفعل نوعي، وصوت أعلى في المطالبة بالديمقراطية والكرامة والمشاركة وكان الشعر على أعلى ما يكون من تنام وتفاعل وحضور(4).
أما في الثمانينات وبعد اجتياح بيروت وخروج مصر من الصف العربي في أواسط السبعينات ، وتشو ذم المقاومة الفلسطينية وانسياحها في الأقطار البعيدة . وهجمة الحصار الغربي على سورية وليبيا، وما سمي الحرب اللبنانية اللبنانية ، والعراقية الايرانية ، واليمنية اليمنية بعد حرب الخليج الثانية ، فبدل أن يشكل كل ذلك أرضا خصبة لحضور الشارع العربي الشعبي فقد كان الوقع قاسيا ومريعا الى درجة انحسرت فيها الجماهير عن شوارعها وساحاتها، وسقطت الشعارات التي ارتفعت لسنين عديدة فأسندت وعيا وأحجبت حلما، وانكفأ الفعل الى هوامش الحياة اليومية ، وتأمين اللقمة والصراع المرير في المشكلات المستحكمة في المدن والازدحام .. السكن ،، المواصلات .. المعاش .. فالمطلب الجمالي أصبح هامشيا، والمطلب القومي أصبح باهتا، والمطلب الأممي أصبح بلا إطار، فقط أصبح الجهد طه مستنزفا والجهد والخيال والجسد كله موظفا لتأمين القليل ، والتوازن في أيام تشبه الطوفان .. ولا طوفان يميت ثم يحيي من جديد.. فهل تكتب القصيدة المرجحة ذات التقاليد العريقة والرجع البعيد.. وهل ثمة وقت للقراءة والفن وتنمية الوجدان ؟ لقد انحدرت الموسيقى والأغنية ،وانحدرت الحياة الفكرية والثقافية ، وأغلقت مجلات عربية تباعا وساد الصمت والوجوم والانتظار (5) وتفرق الشعراء والمثقفون والمفكرون أيدي سبأ.. هل نقدم احصاءات أو نجمع شهادات أو نقدم رصدا لحالات الأفراد والجماعات منهم ؟ كأن العطب وصل الى عمق الخلية .. إن ما حدث من أمور خطيرة في الحياة العربية والقطرية ، وانعكاس ذلك على الوجدان يجعل مسألة استيعابها أشبه بالمستحيل بخاصة من أجيال جديدة يجعلها الاعلام اليومي، وما يقدم على صعيد المؤسسات التعليمية في حالة من الغربة والاغتراب والضياع .. بحيث تبدو همومها اليومية وحاجاتها الواهنة ومشكلاتها الخاصة هي المحور الأساسي في شعرها وغنائها، بل في بحثها الخاص لايجاد المنافذ والبرهات التي تمثلها، ولا قضايا كبرى لها، أو مشاريع أمة مجسدة لطموحاتها.
قصيدة النثر تحديدا:
طالما أن القصيدة التقليدية قد أشبعت دراسة وتنظيرا وطالما أن ما كتب عن قصيدة التفعيلة ، أو الشعر الحر لم يعادله شي ء في حياتنا العربية المعاصرة ، فكتب الدراسة أكثر من أن تحصى سواء على صعيد الحركة الشعرية الجديدة بعامة أو على صعيد أصوات البارزين فيها من نازك الملائكة والبياتي والسيابي وحتى خليل حاوي (6) وطالما ان هذين الشكلين من الكتابة الشعرية مازالا يتعايشان معا الى الآن ، وان أصبح انزواء قصيدة التقليد شبه مؤكد بعد غياب أبرز شعرائها.. أو بلوغهم من الكبر عتيا.. وقد بقي الاهتمام بها إعلاميا فقط في المناسبات لأنها الأكثر توظيفا للدعاوى السياسية .. أما بالنسبة لقصيدة التفعيلة فإنها مازالت في الحضور بعد، لكل ذلك ولتحول الكثيرين من كتاب قصيدة التفعيلة الى قصيدة النثر (أدونيس ، محمد عمران ، سليم بركات ، عباس بيضون ، الياس لحود، بول شاؤول وغيرهم ) أو مراوحة بعضهم بين التفعيلة وقصيدة النثر، ولسيادة قصيدة النثر بدءا من أواسط الثمانينات سيادة شبه مطلقة وظهورها في أطراف الوطن العربي من المغرب وحتى اليمن والحجاز.. فإن القصيدة الجديدة التي عنينا في عنوان الدراسة هي قصيدة النثر العربية في سورية في عقد الثمانينات خصائصها وأبرز شعرائها.. متضمنة أصوات عدد من الشعراء العرب الذين عاشوا في سورية في عقدي السبعينات والثمانينات ، أو تواجدوا فيها بفعل عوامل خاصة بسبب الدراسة ، أو الشتات ، حيث لم تتضح الخصائص الفردية الشعرية لكل منهم إلا بعد حين .. فبدءا كانت رؤاهم وعناصر كتابتهم لا تفترق كثيرا عن رؤى وعنا هو الشعراء السوريين الشباب .. ثم أخذت تتضح ملامحهم الشعرية عندما بدأوا يمتحون في قصائدهم من ينابيع بيئاتهم ، ويستفيدون من كنوز الأجداد، أومن تشكيلات نسج الجغرافيا ومناهل الانثربولوجيا(7).
وفي اجتهادي أن جدة قصيدة النثر تنبع أولا من طبيعة التطور الحاصل والفرز الطويل وبلوغ شعراء هذه القصيدة من السمو فيها، والاستفادة من كل معطيات التفجر الشعري والأسلوبي اللغوي العربي عبر عصوره ، ومن فجوات ومأزق الشعر العربية التقليدية وأساليبها، ومن تطور الحياة بعامة ، وعدم ارتهانها في حركتها لما عرف من ابداع كائنا ما كان الشأو الذي بلغه(8) ولما حصل في حياتنا العربية من احباط وأحداث وسقوط للشرائح والأنماط ، وافرازاتها الثقافية والفنية ، ولفشل السياسات العربية بأنظمتها ومؤسساتها في اقناع الجماهير ببرامجها ومشاريعها، واحتكامها للقوة والعنف دون العقل والمنطق في عصر أصبح الكوكب كله فيه مثل مدينة واحدة ، ينتقل الخبر فيه أسرع من انتقال الخبر في مدينة عربية ، فلم يكن بعد ذلك من باب أمام الأجيال الجديدة إلا الخروج على السائد والكتابة ببساطة عالية وذاتية قريبة ، وروح سريعة يكاد ينكسر عبرها أي خطاب ، فكيف بخطاب الوجدان الجمعي، أو الخطاب المؤسس والمؤسسي ؟! صحيح أن قصيدة ا لنثر قد ولدت في الأربعينات على يد خير الدين الأسدي في كتابه "أغاني القبة "، وأو رخان ميسر في مجموعته "سريال " ومحمد الماغوط ، وفاتح المدرس مع شريف خز ندار "في الديران التجريبي _ القمر الشرقي على شاطيء الغرب -" وعند علي الجندي واسماعيل عامود، وسليمان عواد (9) فعرفت الايقاع النغمي والموقع بالجملة الصوفية والقرانية عند الأسدي _ والايقاع المرسل المستند الى ثقافة فرنسية عند ميسر والجندي والمدرس وخزندار.. والايقاع المخضرم عند اسماعيل عامود والمنسرح البسيط الداخلي عند سليمان عواد.. والايقاع الاستفزازي والكاسر الماهر في التمامه وصدمه عند انسي الحاج (10) والاستفادة القصوى من عبقرية العامية مطعمة على العربية في استناد الى الثقافة الانجليزية عند توفيق صايغ (11)
وعرفت قصيدة النثر عفريتها العالية وتناميها المستند الى التشابيه وصور الحياة والى ما يشبه القص الحكائي في ألف ليلة والسير الشعبية عند الماغوط ، مع تجربة حياتية بالغة في التشرد والتسكع والاحساس بالانسحاق والغربة _ وستفدو قصيدة الماغوط رمزا ومتكأ وملاذا عند الكثيرين ممن يكتبون قصيدة النثر في الثمانينات إضافة الى بندر عبدالحميد الذي جعل قصيدة النثر أشبه بسياق الخطاب الصحفي اليومي والاعلاني ونزيه أبوعفش الذي طعم القصيدة بجراحه الشخصية وسيرورة الروح المسيحية المشبعة بالحزن والترتيل مستفيدا من رؤيا يوحنا وأباطيل الجامعة ، ومع كل هذه الحوامل والروافد لقصيدة النثر بقيت محاربة ومتهمة بالعداء لأنها مستوردة ، وسفاح ووليد ثقافي غربي أشبه بسقط المتاع .. بخاصة أنها لا تجيد الوقوف على منابر الخطابة ، ولا ليستقيم لها الايقاع العالي المعروف للقصيدة التقليدية ولا تمتلك بلاغة الأجداد(12) وبقيت حملات العداء والخصومة مؤججة في وجه شعرائها.. ومدججة بكل تهم الخيانة والمروق والعمالة الاستعمارية .. فممدوح عدوان رفع هذه التهم في وجوههم طويلا، وخالد أبو خالد أعاد ملف مجلة حوار وشعر أكثر من صرة وشوقي بغدادي طالع الجميع بمقال لاهب يؤكد فيه ومن مصادر لا تقبل الشك أن الصهيونية وراء قصيدة النثر، وأن البرلمان الصهيونى قد اتخذ قرارا سريا بتخريب اللغة العربية والشعر العربي عبر قصيدة النثر..(13).
فمن يجرؤ بعد ذلك على الاعتراف بقصيدة النثر أو در استها نقديا، أو حتى اتاحة سبل النشر أمامها _ وقد أشيع أن قرارات سياسية قد اتخذها بعض المسؤولين في بعض الدول العربية بتحريم قصائد النثر، واعتبار شعرائها وانصارها من الآبقين .
نماذج أولى .. لعب فوضى
-1-
بلا بارحة ،بلا أنت
في قميصك الأسود
في عين الشمس
يساقط من حولك
وهج صحرائي
بلا بارحة ؟
أنت
الغد يوضح جسد الأمس
لأشياء صغيرة تتحرك
بلا وجوه
هلا أفرغت جيوبك
بالنهم اللحمي
ما أحيلى وجه انتهى
ليته من خرز الن نرج
وما "الجاثي على ركبتيه "
في سمت الليل سماء الليل
بلا رأس
"نص من ديران مدرس _ خز ندار _ القمر الشرقي على شاطيء الغرب 1962 شعر وشكل .." النص لفاتح المدرس
الفنان التشكيلي المعروف ونقيب الفنون الجميلة سابقا.. أما النص المرافق بالفرنسية فلم أنقله ولم أنقل الرسوم المرافقة .. فالكتاب بكامله يغلب عليه اللعب والتجريب والرؤية البصرية .. وهو مكتوب بخط اليد ومصور وقد عثرت عليه مصادفة .. مقدمة الكتاب للشاعر أو رخان ميسر.. قال في فقرة من مقدمته :
ولهذه المجموعة التي وضعها شريف خز ندار وفاتح المدرس عطاءان ، أحدهما يمد جناحا الى الغرب حيث الأذهان ما برحت متقلصة لا تستطيع استيعاب ما لدينا من خلق وابداع ، ان في ماضينا وان في حاضرنا، وثانيهما هذا التكوين الفني الرائع الذي تحاول فيه هذه المجموعة أن تعانق ما في نفوسنا من رفات لها كل أصداء "سيرناد" جميل (14) .
وهنا يحق السؤال لماذا لم يستمر المدرس وخز ندار باللعب طويلا؟ ولماذا عاد على الجندي بعد الراية المنكسة 1960 الى شعر التفعيلة ؟ ولماذا لم يكرر الأسدي تجربته في أغاني القبة ؟ ولماذا فر الماغوط الى بيروت وأطلت ر شعره منها وبعدها عاد الى دمشق ولماذا عادت حملات المكارثية الثقافية ضد قصيدة النثر الى الظهور في السبعينات والثمانينات ؟ كلما انطفأت تتأجج من جديد.. لعل في هذه الأسئلة بعض الكشف عن سبب تأخر سيادة هذه القصيدة حتى أواسط الثمانينات رغم انتشارها الواسع في بيروت منذ الستينات ، يبدو لي أن المشاريع القومية والاجتماعية الكبرى التي بقيت في الواجهة منذ الخمسينات وحتى الثمانينات وانشغال الطبقات العربية السائدة بتعميم دعاواها وتحول المؤسسات بكاملها من مؤسسة التعليم وحتى مؤسسات الدفاع والاعلام والثقافة الى خدمة دعاوي البرجوازيات الحاكمة هو الذي سد الدرب على قصيدة النثر البسيطة الى درجة يقطع فيها الخطاب الصحفي الطريق عليها، لكن عندما وصلت تلك المشاريع وطبقات تعميمها إعلاميا الى باب مسدود. . وبعد سقوط المشروع الثقافي العربي الثاني في بيروت بعد سقوط المشروع الأول في مصر. لم تجد الأصوات الشعرية الجديدة إلا أن تنفذ بمن بين الخيبات والهزائم والشروخ وتكتب
قصيدتها(15).
كان الشاعر السوري من قبل مجددا أو تقليديا يتكيء بشكل ما الى الجماهيري والشعبي في الجماهير _ يستمد منها القوة ويمنح من أتونها الحار ، ويؤجج فيها العزيمة والمواجهة عبر غريزة الجمع .. ولم يصل اغتراب ذلك الشاعر الى درجة إعلان القطيعة مع كل ما حوله دفعة واحدة في يوم من الأيام .. إلا عند صوت أو اثنين شكا صاحباهما من علل خاصة أو أمراض مستعصية على الحل .. حيث لم يكن ثمة مخرج أو حامل إلا المشعر.. ثم الانتحار أو الموت .. فعبد الباسط الصوفي الشاعر الرومانسي الرقيق والكئيب معا مات منتحرا في مدينة كونا كري في افريقيا 1960 معد ما حاول كسر عزلته التي فرضها على نفسه في حمص نتيجة الاحباط والفشل في العشق (16) .. والشاعر رياض الصالح الحسين مات من داء الكبد في مشفى المواساة بدمشق 1962 وكان يشكو من الصمم وصعوبة النطق .. خلف الأول مجموعة شعرية فازت بجائزة مجلة الآداب 1990 عنوانها "أبيات ريفية " ومجموعة شعرية وكتابات في الدراسة والقصة طبعتها وزارة الثقافة السورية بعد رحيله بسنوات (17) أما رياض الحسين فقد خلف أربع مجموعات شعرية هي أساطير يومية وخراب الدورة الدموية 1979_ بسيط كالما، واضح كطلقة مسدس 1981 _وعل في الغابة (طبع بعد موته 1984- (18).
فما الذي حدث في الثمانينات حتى أطلق الشعراء كل ثورتهم على الأشكال والنواظم ورفعوها قطيعة مع "الما قبل " على أصعدة ما يتعلق بالأيديولوجيا وأوهامها والجماهير وقوتها والشعارات وبريقها وحتى على الكثير الكثير من التراث 191 والفكر والمستتب من المفاهيم (19)، من وجهة نظر التشاؤم البصير إجابة الشاعر محمد الماغوط عن السؤال حول موقفه
ورؤيته الستينية عن الجماهير الدهماء وانفعالها القطيعي: كنت ترى الجماهير دهماء وانفعالها ،وكنت ترى بحر الرماد القادم .. الأن قد بلغ السيل مداه ووصلت الجماهير نفسها الى الواقع الموضوعي الذي انذرتها به ..ألا ترى في الأفق البعيد أملا أو بصيصا من أمل وكان جوابه : لا جديد .. المرحلة نفسها مازالت ولم تنته بعد (20).
والماغوط منذ البداية لم يعول على ما عول عليه غيره ، ولم يسقط في شرك الطوبي واليوتوبيا.. كتب قصيدة نفسه ،وتعرقات يأسه ،، واهتزازات روحه المنكسرة .
حسن أيها العصر
لقد هزمنيي..
ولكنني لا أجدفي كل هذا الشرق
مكانا مرتفعا
أنصب علية رايه الاستسلامي(21)
اسمعه كيف يخاطب السياب بعد موته .. وانني روحه المحملة بالقهر والخوف والكوابيس .. وتأمل كيف يرى بحرقة جارحة ما يسمى الوطن :
هل ترسم على علب التبغ الفارغة
أشجارا وأنهارا وأطفالا سعداء
وتناديها يا وطني
ولكن أي وطن هذا الذي
يجرفه الكناسون مه القمامات في أخر الليل
تشبث بموتك أيها المغفل (22 (
خطوط .. ملامح وأسماء :
في الثمانينات سنقف على قصيدة النثر، بما حققته من مشروعية واعتراف ، وانحسار عداء، ونقف مع شعراء في القطيعة الا صوتا أو اثنين يمتحان من رجع قريب وبعيد، ويعبران عن < اليومي والمطلق في آن معا.. فالشاعر لقمان ديوكي يتكيء بقوة على شعر سليم بركات في تجربته البكر، وأساطيره الكردية بإيقاعها ونفسها الخاص .. يجمع بينهما تحدرهما من الشمال السوري الضائع ، والمعلق على تخوم الفراغ والصدفة .. وسيشكل شعر سليم بركات بما له من قوة وخصوصية عقدة للكثيرين من أجيال الشعر الطالقة في مناطق الشمال الشرقي من سورية ، إما بالاحساس بعدم القدرة على تجاوزه ، أو الاستعارة منه والنسج على رموزه وأساطيره حتى لا يكاد من يقلده يبين(23) الصوت الشعري الثاني هو صوت الشاعر محمد فؤاد، وشعره يعد مثالا أنضج في قصيدة النثر، وقد استفاد الى درجة كبيرة من الانجاز الشعري السوري، والعربي وأضاف الى ذلك تجربته وخصوصيته هو وتعتبر استفادته الشعرية من سابقيه عالية ، قياسا الى استفادة سربه .. صدرت له مؤخرا مجموعته الشعرية الأولى "طاغوت الكلام " وبين مخطوطها الأول الذي لم يطبع لصعوبات شخصية ، وعامة ، ومطبوعها الذي تم تعديل واستبعاد، واضافة وتجاوز كبير لقصائد المخطوط إن في التنامي الشعري الداخلي أو في الشكل ، ويمكن رصد ملامح التأثر عنده بتجارب الماغوط ، وأبي عفش ، ومنذر المصري _وحسان
عزت(24).
ويفترق في أصوات الثمانينات صوت الشاعرة وفاء الخشن بما لشعرها من استفادة ممن سبقوا وقوة تعبيرية وخصوصية ونكهة وتمرد، فالقصيدة عندها أشبه بالنشيد المليء بالبكارة
الجامحة وعلاء اللغة واشتعال الصور.. وهي تبحث عن معنى أبعد وعلاقة بالمطلق الولادة الحياة الحب والحرية .. تميزها جراة تخدش الأشياء وتجرح الصمت (25)
وسوف تطالعنا منذ أوا سط السبعينات وأ وائل التسعينات أسماء أعد حداد _ خالد درويش . محمد خير علاء الدين _ بشير البكر _ ابراهيم اليوسف _ طه خليل - عبدالله عيسى _ بسام حسين _ حسين بن حمزة - مرهف زينو - مسلم الز يبق - عبدالنور _ هنداوي _ عمر قدور _ أحمد
تيناوي - سيف الرحبي - محمد جان عثمان _ ياسر اسكيف - مرح البقاعي _ ربيعة الجلطي _ محمد كنائسي _ ومن بعدهم غادة السمان الصغرى(26) وأكرم قطريب _ وارغام سفان وغيرهم .. وهؤلاء لا يكتبون بسوية واحدة ولا يجمع بينهم فهم واحد لقصيدة النثر أو الشعر .. عند بعضهم شفافية عالية وتكثيف لافت ،، وكتابة أشبه بالهمس ، أو اللمس البعيد كأنها مصاغة من خيوط الذهب ، كما عند حسين بن حمزة ، وعمر قدور(27) وبسام حسين ، وعند آخرين هضم ثقافي وامتلاك عال للغة وعلاقاتها ، واطلاع بعيد على تجارب القصيدة العربية ، بأشكالها المختلفة كما عند الشاعر الصيني الذي أقام بدمشق ودرس فيها العربية وتزوج من سورية ، الشاعر أحمد جان عثمان وقد أصدر مجموعتين شعريتين على درجة من الحداثة والجرأة لم نشهدها عند الشباب العرب أنفسهم "مجموعته الأولى باسم السقوط الثاني" دمشق 1988، ومجموعته الثانية "لغز الأعراس " 1989.. وقد ارتحل فيما بعد الى الصين(28)
ويمكن الاشارة هنا الى شعراء تمردوا بدءا على المدارس أو التيارات الشعرية العربية وقصدوا مناهل شعرية أوروبية كالمدرسة السيريالية الفرنسية ، قاصدين إعلان تمردهم علي الدوران في حلقات خدر البنائية الشعرية العربية وقد أغرتهم موضوعات الحلم ، وميكانيك الكتابة ، وأغرار النفس وتشكيلات دالي ، وقد شكلت بيانات اندريه بريتون ، وخصوماته مع الآخرين وأشعار لوتريا مون ، وفاشيه عبثا ساحرا، وفتحا لنوافذ جديدة على المدى الشعري الغربي المعاصر نذكرهن هؤلاء الشعراء: سيف الرحبي، وصالح العياري _ ومحمد كنائسي ومن قبلهم أسعد الجبوري وصلاح فائق ، وقد تواجد هؤلاء في دمشق بحكم الدراسة ، أو العمل ، أو الشتات ..وأصدروا مجموعاتهم الشعرية الأولى فيها، والتي تعد جزءا من التجربة الشعرية في سورية من حيث الهموم والتمرد،وجعل الشعر عنوانا للموا جهة والخلاص معا.. وقد رحلوا جميعا إما الى باريس أو الى بلدانهم ، عدا الشاعر محمد كنائسي الذي لم يطبع مجموعة ولم يسافر وركن الى صوفية حزينة متأملة تعيد كتابة ما بدأت .
كذلك يمكن الاشارة الى أصوات الشاعرات عائشة أرناؤوط - وربيعة الجلطي - وزينب الأعوج ، حيث أكملت الأخيرتان دراستيهما في دمشق واصدرتا مجموعتيهما الأولى فيها، وارتحلت عائشة أرناؤوط السورية الى باريس مع زوجها الفنان صخر فرزت للدراسة .. حيث أصدرت من هناك عدة مجموعات شعرية في قصيدة النثر.
وسوف نجد أغلبية الأصوات الشعرية الجديدة في سورية تقوم بطباعة مجموعاتها على نفقتها الخاصة أو عبر تمايلات معينة ، والبعض القليل سوف يجد جهة رسمية أو خاصة تطبع له ويكون محظوظا، أما الأغلبية الغالبة فسوف ينشرون قصائدهم في الصحف والمجلات ، أو يلقونها في المهرجانات والمنتديات الميسرة . لقد أصبحت قصيدة النثر ساحقة في الساحة السورية ، ولم يعد الذين يكتبونها أفرادا متمردين بل عموما وغالبية تجد الدرب أمامها مسلوكا.. ساعد في ذلك التواصل اليومي المستمر مع لبنان وصحفه ومجلاته ، بحالة من تقدم في الطباعة ، والصحافة ، وحركة في انأيته وجامعاته ، وأبواب مفتوحة عل الحركات الفكرية والثقافية
الغربية .
لقد أصبح لقصيدة النثر من التراكم والحضور، ما منحها الاعتراف والاحترام حتى داخل اتحاد الكتاب العرب وجمعية الشعر فيه إلا من أحوال خاصة .. ويمكن أن نفرزها الى تيارين رئيسيين ، وما بينهما:
أ - تيار قصيدة الدراما والتنامي الملحمي بتشعباته وبانوراميته وموسيقاه المتفجرة وبحثه عن اللفة المبتكرة والصور الطازجة ، والأساطير البكر.. وعند هذا التيار، كما عند سواه من موهوبي قصيدة التفعيلة ، والقصيدة الكلاسيكية استفادات عالية ، وهضم للتراث الشعري العربي والعالمي وولع بالثقافات المختلفة والفنون .. انه تيار جاد في كل الأحوال ، وصبور على الحياة والشعر، ومتين من الداخل ومنجده يتواكب بشعره منذ أدونيس وحتى نضال بغدادي مرورا بسليم بركات ونزيه أبو عفش ومحمد العبد امته وحسان عزت وبول شاؤول وعائشة أرناؤوط ومحمود السيد وسيف الرحبي وعبدالله عيسى _ ومحمد فؤاد.
ب - التيار الآخر هو تيار أوسع من حيث العدد والانتشار الكمي، لكننا سنجد القصيدة عنده أميل الى السرد والمباشرة ، والايقاع السريع ، والصورة التي لا تكاد ترى.. وهنا سنقع على القصيدة الومضة والبرقية ، والفقاعة ، وحفنة الكلمات .. واللغة عادية يومية هي لغة الناس ، لا مرجع لها إلا العابر والمستهلك ، في حالات كثيرة ستكون القصيدة أشبه بالبيان القصير، وخبر الرادين ، والرسالة العاجلة وشكوى الحال ، والخاطرة .. وتوحي بمقاربة للترجمة والاغتراب وتأتأة اللغة ، والقصيدة عند أصحاب هذا التيار هروب من عقد ومحرمات واوجاع بعيدة ، وفك ارتباط مع المطلق والتراث والأساطير والرموز والتاريخ ، فأساطير شعرائها يومية ، والخراب خراب دورتهم الدموية ، فهم وعول هاربة الى الغابة ، بسطاء كالماء واضحون كطلقة مسدس .. وهذه العبارات مأخوذة من عناوين مجموعات الشاعر الآفل رياض الصالح الحسين(29)
وشعراء هذه القصيدة يصححون خطأ الموت . وكسرة خبز تكنيهم ، وأشجارهم تميل نحو الأرض . عناوين مستعارة من عناوين مجموعات الشاعرة المتوفاة عن عمر باكر أيضا دعد حداد(30) .. إن الموت المبكر والمفاجيء سيتكرر عند عدد من الشعراء في تيارات القصيدة المختلفة ، ويصبح لافتا عند شعراء قصيدة النثر (رياض الصالح الحسين واعد حداد وسنية صالح وعدنان قرشولي و آدم حاتم الذي عاش في دمشق ردحا ومات في لبنان ، وهو العراقي الذي آثر الانتحار بالخمرة وكفاف الشعر).
وفي شعراء هذا التيار (بندر عبدالحميد وعادل محمود وسليمان عواد ورياض الصالح الحسين وبسام حسين وغادة فؤاد السمان الصغري ورندة قوشحة ) وغيرهم .. وخير من يمثل هذا الشعر الشاعرة مرام المصري شقيقة الشاعر منذر المصري ، المقيمة في باريس ، وقد بشرت قصائدها منذ أواسط السبعينات (31) . كأذنها ومض السحر، و أندف الثلج يخطف في صور مبتكرة ، ولغة هاربة ، وأحلام صبية تلعب وتجرد وتعيد تشكيل العوامل والأشياء.
عند تيار (أ) موسيقى متفجرة واشتغال على اللغة والصور والامتداد الزماني المكاني ، وعند التيار الثاني (ب ) تعطيل من ثقافة ورموز وعلاقات .. اللهم الا في كلمات معينة يرددها الشاعر في أغلب قصائده ويجعلها رموزا له فتشيع عند غيره من جيله بسرعة نار الهشيم حتى لا تعود له (الأصابع _اليد _ الطريق _الطاولة _ الشجرة _ العصافير _ فنجان القهوة _المرأة - الحبيبة .. الصديقة .. المخبز.. الظل .. الحائط .. الكرسي)، فإذا بحثنا عن علاقة محددة وتعامل خاص ، وبيئة وأسماء فارقة وعلامات لها مرجعيات وجدانية جماعية ، فلا نكاد نجد شيئا. يكفي أنها امرأة أي امرأة ، وليس مهما من تكون في ذاتها هي أو غيرها.. المهم أنها تجالس الشاعر، وهو لا يستطيع العودة بدونها الى البيت .. من أين جاءت .. أين عوالمها .. ملامحها المميزة .. أعماقها البعيدة ؟ لا شي ء من ذلك .. أين النكهة الباحثة عن لفة خاصة وخلق جديد، وكسر سياقات ، وبدء بكارات ؟ لا يوجد كأن الشاعر لا يريد أن يمد اليك خيوطه بشيء اللهم إلا بالعموميات .. لأنه يكتب لنفسه ، أو يفترض فيمن يقرأ ويسمع المعرفة والمشاركة ،فإن لم يعرف فماذا يضير الشاعر؟ هذه ليست مشطته ، لأن مشطته مع فراغه ويومه الكاسد، وتبديد ساعاته وعمره ، والظلال تتبعه ، والمكان غريب عنه ، والمرأة حاجة مسيسة لا غنى عنها، وان أحببناها فماذا نصنع لها.. إننا محاهوون بالزمان والمكان والحاجة والخوف وفقدان الأمان .. إن ثمة ظلمات وكوابيس تلاحقنا..
لا أحد يستطيع ان يسكن في قبري
أنا من تحمل الزهور الى قبرها
وتبكي من شدة الشعر
اغمضوا أعينكم سأمر وحيدة
كحد الرمح أحني .هبوط دموعكم
كم جميل أن ننتحر معا
في ننتحر بئر مجهول أوحيدان
وأصابعنا معلقة بالجدار .العفن
اه ما أروع الحياة ياأصدقاء
ولي كسرتي الحبففة بالشمس
ولي .الحرية . . ولى مدفأة من ثلج(32)
لنتأمل اللغة .. الزمان .. خصوصية الرمز _ البيئة .. المحلية .. التشكيل الشعري ... والانجاز الخاص فيه إن وجد:
ايه أيها النايم البعيد
يا سيد النبيذ العميق
كيف ، حين ناعوك هنا
تجيئنا كما لا يجيء السكر
ولا نعاقر غير آلنبيأ الحجري؟
هناك أو هنا بالأحرى
شيء بيننا ، بعيد عنا، فينا
كمثل وشم في بحبيننا منذ الولادة
كمثل فجر لم يكن أبدا
كمثل فجر به نكون
ويتراءى لنا تعويزة في تيجان الملوك
في أسلحة المحاربين
في قبلة العاشق (33)
أننا في العموم وابد لنا من معرفة شخصية باشاعر وحياته حتى تتوضح لنا خصوصية حاله .شعري.. لنقف عند شاعر اخر ونحاول أن نعرف مشكلته . همومه .. أحواله .. أسباب
قهره ..
الصبي الصغير
الصبي الصغير الذي يختبيء
في جسدي
لماذا حين يجيء المساء
أي مساء
كل يوم
يسند راسه على الحائط
يتكيء ويجرفه البكاء (34)
وبعد .. هل بترصيفنا وقراءتنا وامساكنا بملامح وخطوط قصيدة النثر وهشاشتها تجاه اهال أحيانا مايشي بإعائها القيمة السيئة ، أوبالحكم عليها بقيم من خارجها.. بتصنيفها في الوضع الأقل أوالهامشي؟ إن الظروف الصعبة والاحباطات الكبرى، والهزائم ،وفقدان الحرية ،المركب ، والقطرية الخانقة ، والازمان .الحكومة بصلف ، والمؤسسات البوق ، كل ذلك يعطي لهذه القصيدة مشروعيتها وجدارتها .. إنها خروج علي الفيتو ، ورفض للتابو، وارتيار بعيد الى فضاء الحرية والكرامة الغائبة .. إنها توق الى هواء اخر غير معلب ، والى فسحات غير مسورة ، وبكارات لم تحاصرها مدن الكبريت ، وبيوت المداجن ،ومن كل ذك جدتها وتمردها، وخصوصيتها، قد اعترف بها كبار نقاد وباحثي الادب اهربي من محيطه الى خليجه ، بعد ما تجاموها طويلا، واعتبروها سفاحا.. قد عاد الدكتور إحسان عباس وهاب بإعائها الوقت الاطوال من الدراسة والفرز، وان أدبنا العربي وشعرنا يتسع لكل الأشكال الجديدة والمتطورة ، ما دامت تعبر عن هواجس واهتمامات ، وعلاقات مستجدة لشباب في المعاصرة ومواجهة المشكلات الجديدة ، وأكد الناقد محيي الدين صبحي وكان لا يرى شاعرا في قصيدة النثر سوى الماغوط ، أن الشعراء، ونقاد الصحف هم وحدهم الذين يتابعون القصيدة الجديدة ، وأدري بها بينما يغرق النقاد الأكاديميون في التنظير والنظريات ، ويخسرون معايشة الشعر الجديد .. وطالب الدكتور الفزاعي بالاستفادة من علوم النقد الأدبي في متابعة مستجدات الثقافة والاعلام العربي من (دراما _ سينما _دعاية _ نكتة .. اعلانات ) بدون ترفع ولا مكابرة .. واعتبر الانشغال بـ(قفا نبك ) مضيعة وعزلة عن الحياة المستجدة .
بسورية ولبنان والعراق قد شهدت تعايش الأشكال الشعرية كلها منذ أواسط الخمسينات وحتى الآن فكيف نفرق بين قصيدة وقصيدة ومستوى ومستوى آخر من الشعر وقد اتهم كل فريق خصومة بالكتابة النمط ، والقصيدة الواحدة المكتوبة من الجميع .. أي بفقدان الملامح والخصوصية .. والاستسهال . وسيادة الشكل وعمومية المعنى..
ونحن نقرأ القصيدة العربية الجديدة في عقد الثمانينات ، لابد لنا من التدقيق في المصطلح ، الذي أصبح غائما على صعيد النقد والمتابعة ، فما الذي نقصده بمصطلح القصيدة الجديدة ،، ولماذا بعقد الثمانينات وأي قصيدة نريد؟ وهل يمكن تناول ذلك بعيدا عن النظر في محدثات الحياة العربية ومتغيراتها على صعيد الحضور الجماهيري والفعل الثقافي ، والمناخ الحامل في الساحة العربية عموما والسورية خصوصا؟ لأن الشاعر مهما بلغ من درجة الحساسية والتطرف لا يمكن أن يكون منعزلا عن حركة المجتمع والتفاعلات الثقافية والفكرية والفنية فيه ، بخاصة أن الشاعر في المحصلة النهائية ومهما بلغ من تفكير في مسألة نفض اليد من نظريات الجمهور، والمنبر، والخطاب العام والفرق في مسائل الفن والأدب ونظريات الفن للفن أو الأدب للادب فإنه سيمثل الوجدان المرهف والحساسية القصوى تجاه مشكلات الحرية والكرامة والعدل والجمال والتابو بأشكاله المختلفة .. وبذلك سيمس وجدان الجمع الباحث أيضا عن عدل وكرامة وحرية وعيش أفضل . . وفي دراسة تتعرض للقصيدة والشعر في عقد ما من السنين ، فلابد من التعرض للمسألة النقدية من هذا الشعر والعلاقة مع الاعلام بما له من فعالية وتأثير كبير في الناس والذوائق وعلاقة الايصال والتواصل مع الجماهير.
وفي الوقت الذي أتيح فيه الكثير من النقد والقراءات النقدية للتجارب الشعرية في عقود الخمسينات والستينات والسبعينات في سورية ، فإن قصيدة الثمانينات مازالت بحاجة الى جدية أكبر من حيث الدراسة النقدية ، والتحليل والغربلة والتصفية للوصول الى النماذج الرئيسية في هذه القصيدة والى معرفة الأصوات الجادة والموهوبة فيها، كذلك الوصول الى جماليات ومكونات ونسج ومعايير الاختلاف بينها، وبين غيرها من القصائد.. ومعرفة مدى علاقتها بالتراث الشعري العربي القريب والبعيد.
وفي الوقت الذي ظهر فيه الكثير من الكتب النقدية الجادة والعابرة التي تبحث في الشعر السوري منذ الخمسينات ، وحتى السبعينات من حيث الواقعية أو الرومانسية والأشكال والايديولوجيا.. والعلاقة مع المدينة ، وشعر الأصالة ، وشعر الريادة ، وشعر الاحتراق .. فالكتب التي رصدت شعر الثمانينات لا تكاد تبين إن كان هناك من كتب بل دراسات على درجة من الموضوعية والعمق (1).
إن القصيدة والشعر والفن بعامة بدون الوسط الكامل والفاعل ، بدون النقد وفعالية التذوق والحوار حوله .. بدون الجمهور الذي يتفاعل ويتذوق ويقرأ، سيصير مثل السمك بدون ماء سرعان ما يختنق لأن التفاعل والاهتمام والجدية كل ذلك مثل الهواء والماء الضروريين للشعر والشاعر، أساس الحياة وشروط التنامي والخلق .
الثمانينات والمأزق الصعب :
إذا كان من قدر الشعرية العربية فيما بعد الحرب العالمية الثانية أن تشهد حضور الجماهير وفعالياتها وحضور الأندية الثقافية والفكرية والاجتماعية والسياسية وفعالياتها،وحضور الصحافة والمجلات والمناخ الحامل للفعل والتفاعل والأصداء.. كذلك على أصعدة المؤسسات التعليمية الثانوية والجامعية والفكرية(2) ، فقد جاء تأسيسها بعد الاستقلال الوطني (3) . ليكون عطاؤها في شبابه .. ففي مراحل التأسيس الأولى ستكون الدهاء حارة ، والأنشطة موفورة ، والحركة غير محكومة بقيود الرقابة المشددة ، والأحكام الصارمة ، والبيروقراطية الخائفة المستندة الى قوانين وتشارين وأسانيد وحواش وهوامش وملاحق وأوامر لكل حركة ومكنة ، وبسبب النهوض الاجتماعي والحرية الوليدة شهدت الأربعينات والخمسينات والستينات حتى أواسط السبعينات حضور الشعر وفعاليته العالية ، وحضور الحياة بكل تناغما تها وخلقها، واصطراع تيارات الفكر والفن والسياسة فيها، وحتى هزيمة 1997 لم تؤثر كثيرا على الفعل ولم تحبط كثيرا حركة الحياة ، بل على العكس مما أشاع اليائسون ، كانت محرضا لفعل نوعي، وصوت أعلى في المطالبة بالديمقراطية والكرامة والمشاركة وكان الشعر على أعلى ما يكون من تنام وتفاعل وحضور(4).
أما في الثمانينات وبعد اجتياح بيروت وخروج مصر من الصف العربي في أواسط السبعينات ، وتشو ذم المقاومة الفلسطينية وانسياحها في الأقطار البعيدة . وهجمة الحصار الغربي على سورية وليبيا، وما سمي الحرب اللبنانية اللبنانية ، والعراقية الايرانية ، واليمنية اليمنية بعد حرب الخليج الثانية ، فبدل أن يشكل كل ذلك أرضا خصبة لحضور الشارع العربي الشعبي فقد كان الوقع قاسيا ومريعا الى درجة انحسرت فيها الجماهير عن شوارعها وساحاتها، وسقطت الشعارات التي ارتفعت لسنين عديدة فأسندت وعيا وأحجبت حلما، وانكفأ الفعل الى هوامش الحياة اليومية ، وتأمين اللقمة والصراع المرير في المشكلات المستحكمة في المدن والازدحام .. السكن ،، المواصلات .. المعاش .. فالمطلب الجمالي أصبح هامشيا، والمطلب القومي أصبح باهتا، والمطلب الأممي أصبح بلا إطار، فقط أصبح الجهد طه مستنزفا والجهد والخيال والجسد كله موظفا لتأمين القليل ، والتوازن في أيام تشبه الطوفان .. ولا طوفان يميت ثم يحيي من جديد.. فهل تكتب القصيدة المرجحة ذات التقاليد العريقة والرجع البعيد.. وهل ثمة وقت للقراءة والفن وتنمية الوجدان ؟ لقد انحدرت الموسيقى والأغنية ،وانحدرت الحياة الفكرية والثقافية ، وأغلقت مجلات عربية تباعا وساد الصمت والوجوم والانتظار (5) وتفرق الشعراء والمثقفون والمفكرون أيدي سبأ.. هل نقدم احصاءات أو نجمع شهادات أو نقدم رصدا لحالات الأفراد والجماعات منهم ؟ كأن العطب وصل الى عمق الخلية .. إن ما حدث من أمور خطيرة في الحياة العربية والقطرية ، وانعكاس ذلك على الوجدان يجعل مسألة استيعابها أشبه بالمستحيل بخاصة من أجيال جديدة يجعلها الاعلام اليومي، وما يقدم على صعيد المؤسسات التعليمية في حالة من الغربة والاغتراب والضياع .. بحيث تبدو همومها اليومية وحاجاتها الواهنة ومشكلاتها الخاصة هي المحور الأساسي في شعرها وغنائها، بل في بحثها الخاص لايجاد المنافذ والبرهات التي تمثلها، ولا قضايا كبرى لها، أو مشاريع أمة مجسدة لطموحاتها.
قصيدة النثر تحديدا:
طالما أن القصيدة التقليدية قد أشبعت دراسة وتنظيرا وطالما أن ما كتب عن قصيدة التفعيلة ، أو الشعر الحر لم يعادله شي ء في حياتنا العربية المعاصرة ، فكتب الدراسة أكثر من أن تحصى سواء على صعيد الحركة الشعرية الجديدة بعامة أو على صعيد أصوات البارزين فيها من نازك الملائكة والبياتي والسيابي وحتى خليل حاوي (6) وطالما ان هذين الشكلين من الكتابة الشعرية مازالا يتعايشان معا الى الآن ، وان أصبح انزواء قصيدة التقليد شبه مؤكد بعد غياب أبرز شعرائها.. أو بلوغهم من الكبر عتيا.. وقد بقي الاهتمام بها إعلاميا فقط في المناسبات لأنها الأكثر توظيفا للدعاوى السياسية .. أما بالنسبة لقصيدة التفعيلة فإنها مازالت في الحضور بعد، لكل ذلك ولتحول الكثيرين من كتاب قصيدة التفعيلة الى قصيدة النثر (أدونيس ، محمد عمران ، سليم بركات ، عباس بيضون ، الياس لحود، بول شاؤول وغيرهم ) أو مراوحة بعضهم بين التفعيلة وقصيدة النثر، ولسيادة قصيدة النثر بدءا من أواسط الثمانينات سيادة شبه مطلقة وظهورها في أطراف الوطن العربي من المغرب وحتى اليمن والحجاز.. فإن القصيدة الجديدة التي عنينا في عنوان الدراسة هي قصيدة النثر العربية في سورية في عقد الثمانينات خصائصها وأبرز شعرائها.. متضمنة أصوات عدد من الشعراء العرب الذين عاشوا في سورية في عقدي السبعينات والثمانينات ، أو تواجدوا فيها بفعل عوامل خاصة بسبب الدراسة ، أو الشتات ، حيث لم تتضح الخصائص الفردية الشعرية لكل منهم إلا بعد حين .. فبدءا كانت رؤاهم وعناصر كتابتهم لا تفترق كثيرا عن رؤى وعنا هو الشعراء السوريين الشباب .. ثم أخذت تتضح ملامحهم الشعرية عندما بدأوا يمتحون في قصائدهم من ينابيع بيئاتهم ، ويستفيدون من كنوز الأجداد، أومن تشكيلات نسج الجغرافيا ومناهل الانثربولوجيا(7).
وفي اجتهادي أن جدة قصيدة النثر تنبع أولا من طبيعة التطور الحاصل والفرز الطويل وبلوغ شعراء هذه القصيدة من السمو فيها، والاستفادة من كل معطيات التفجر الشعري والأسلوبي اللغوي العربي عبر عصوره ، ومن فجوات ومأزق الشعر العربية التقليدية وأساليبها، ومن تطور الحياة بعامة ، وعدم ارتهانها في حركتها لما عرف من ابداع كائنا ما كان الشأو الذي بلغه(8) ولما حصل في حياتنا العربية من احباط وأحداث وسقوط للشرائح والأنماط ، وافرازاتها الثقافية والفنية ، ولفشل السياسات العربية بأنظمتها ومؤسساتها في اقناع الجماهير ببرامجها ومشاريعها، واحتكامها للقوة والعنف دون العقل والمنطق في عصر أصبح الكوكب كله فيه مثل مدينة واحدة ، ينتقل الخبر فيه أسرع من انتقال الخبر في مدينة عربية ، فلم يكن بعد ذلك من باب أمام الأجيال الجديدة إلا الخروج على السائد والكتابة ببساطة عالية وذاتية قريبة ، وروح سريعة يكاد ينكسر عبرها أي خطاب ، فكيف بخطاب الوجدان الجمعي، أو الخطاب المؤسس والمؤسسي ؟! صحيح أن قصيدة ا لنثر قد ولدت في الأربعينات على يد خير الدين الأسدي في كتابه "أغاني القبة "، وأو رخان ميسر في مجموعته "سريال " ومحمد الماغوط ، وفاتح المدرس مع شريف خز ندار "في الديران التجريبي _ القمر الشرقي على شاطيء الغرب -" وعند علي الجندي واسماعيل عامود، وسليمان عواد (9) فعرفت الايقاع النغمي والموقع بالجملة الصوفية والقرانية عند الأسدي _ والايقاع المرسل المستند الى ثقافة فرنسية عند ميسر والجندي والمدرس وخزندار.. والايقاع المخضرم عند اسماعيل عامود والمنسرح البسيط الداخلي عند سليمان عواد.. والايقاع الاستفزازي والكاسر الماهر في التمامه وصدمه عند انسي الحاج (10) والاستفادة القصوى من عبقرية العامية مطعمة على العربية في استناد الى الثقافة الانجليزية عند توفيق صايغ (11)
وعرفت قصيدة النثر عفريتها العالية وتناميها المستند الى التشابيه وصور الحياة والى ما يشبه القص الحكائي في ألف ليلة والسير الشعبية عند الماغوط ، مع تجربة حياتية بالغة في التشرد والتسكع والاحساس بالانسحاق والغربة _ وستفدو قصيدة الماغوط رمزا ومتكأ وملاذا عند الكثيرين ممن يكتبون قصيدة النثر في الثمانينات إضافة الى بندر عبدالحميد الذي جعل قصيدة النثر أشبه بسياق الخطاب الصحفي اليومي والاعلاني ونزيه أبوعفش الذي طعم القصيدة بجراحه الشخصية وسيرورة الروح المسيحية المشبعة بالحزن والترتيل مستفيدا من رؤيا يوحنا وأباطيل الجامعة ، ومع كل هذه الحوامل والروافد لقصيدة النثر بقيت محاربة ومتهمة بالعداء لأنها مستوردة ، وسفاح ووليد ثقافي غربي أشبه بسقط المتاع .. بخاصة أنها لا تجيد الوقوف على منابر الخطابة ، ولا ليستقيم لها الايقاع العالي المعروف للقصيدة التقليدية ولا تمتلك بلاغة الأجداد(12) وبقيت حملات العداء والخصومة مؤججة في وجه شعرائها.. ومدججة بكل تهم الخيانة والمروق والعمالة الاستعمارية .. فممدوح عدوان رفع هذه التهم في وجوههم طويلا، وخالد أبو خالد أعاد ملف مجلة حوار وشعر أكثر من صرة وشوقي بغدادي طالع الجميع بمقال لاهب يؤكد فيه ومن مصادر لا تقبل الشك أن الصهيونية وراء قصيدة النثر، وأن البرلمان الصهيونى قد اتخذ قرارا سريا بتخريب اللغة العربية والشعر العربي عبر قصيدة النثر..(13).
فمن يجرؤ بعد ذلك على الاعتراف بقصيدة النثر أو در استها نقديا، أو حتى اتاحة سبل النشر أمامها _ وقد أشيع أن قرارات سياسية قد اتخذها بعض المسؤولين في بعض الدول العربية بتحريم قصائد النثر، واعتبار شعرائها وانصارها من الآبقين .
نماذج أولى .. لعب فوضى
-1-
بلا بارحة ،بلا أنت
في قميصك الأسود
في عين الشمس
يساقط من حولك
وهج صحرائي
بلا بارحة ؟
أنت
الغد يوضح جسد الأمس
لأشياء صغيرة تتحرك
بلا وجوه
هلا أفرغت جيوبك
بالنهم اللحمي
ما أحيلى وجه انتهى
ليته من خرز الن نرج
وما "الجاثي على ركبتيه "
في سمت الليل سماء الليل
بلا رأس
"نص من ديران مدرس _ خز ندار _ القمر الشرقي على شاطيء الغرب 1962 شعر وشكل .." النص لفاتح المدرس
الفنان التشكيلي المعروف ونقيب الفنون الجميلة سابقا.. أما النص المرافق بالفرنسية فلم أنقله ولم أنقل الرسوم المرافقة .. فالكتاب بكامله يغلب عليه اللعب والتجريب والرؤية البصرية .. وهو مكتوب بخط اليد ومصور وقد عثرت عليه مصادفة .. مقدمة الكتاب للشاعر أو رخان ميسر.. قال في فقرة من مقدمته :
ولهذه المجموعة التي وضعها شريف خز ندار وفاتح المدرس عطاءان ، أحدهما يمد جناحا الى الغرب حيث الأذهان ما برحت متقلصة لا تستطيع استيعاب ما لدينا من خلق وابداع ، ان في ماضينا وان في حاضرنا، وثانيهما هذا التكوين الفني الرائع الذي تحاول فيه هذه المجموعة أن تعانق ما في نفوسنا من رفات لها كل أصداء "سيرناد" جميل (14) .
وهنا يحق السؤال لماذا لم يستمر المدرس وخز ندار باللعب طويلا؟ ولماذا عاد على الجندي بعد الراية المنكسة 1960 الى شعر التفعيلة ؟ ولماذا لم يكرر الأسدي تجربته في أغاني القبة ؟ ولماذا فر الماغوط الى بيروت وأطلت ر شعره منها وبعدها عاد الى دمشق ولماذا عادت حملات المكارثية الثقافية ضد قصيدة النثر الى الظهور في السبعينات والثمانينات ؟ كلما انطفأت تتأجج من جديد.. لعل في هذه الأسئلة بعض الكشف عن سبب تأخر سيادة هذه القصيدة حتى أواسط الثمانينات رغم انتشارها الواسع في بيروت منذ الستينات ، يبدو لي أن المشاريع القومية والاجتماعية الكبرى التي بقيت في الواجهة منذ الخمسينات وحتى الثمانينات وانشغال الطبقات العربية السائدة بتعميم دعاواها وتحول المؤسسات بكاملها من مؤسسة التعليم وحتى مؤسسات الدفاع والاعلام والثقافة الى خدمة دعاوي البرجوازيات الحاكمة هو الذي سد الدرب على قصيدة النثر البسيطة الى درجة يقطع فيها الخطاب الصحفي الطريق عليها، لكن عندما وصلت تلك المشاريع وطبقات تعميمها إعلاميا الى باب مسدود. . وبعد سقوط المشروع الثقافي العربي الثاني في بيروت بعد سقوط المشروع الأول في مصر. لم تجد الأصوات الشعرية الجديدة إلا أن تنفذ بمن بين الخيبات والهزائم والشروخ وتكتب
قصيدتها(15).
كان الشاعر السوري من قبل مجددا أو تقليديا يتكيء بشكل ما الى الجماهيري والشعبي في الجماهير _ يستمد منها القوة ويمنح من أتونها الحار ، ويؤجج فيها العزيمة والمواجهة عبر غريزة الجمع .. ولم يصل اغتراب ذلك الشاعر الى درجة إعلان القطيعة مع كل ما حوله دفعة واحدة في يوم من الأيام .. إلا عند صوت أو اثنين شكا صاحباهما من علل خاصة أو أمراض مستعصية على الحل .. حيث لم يكن ثمة مخرج أو حامل إلا المشعر.. ثم الانتحار أو الموت .. فعبد الباسط الصوفي الشاعر الرومانسي الرقيق والكئيب معا مات منتحرا في مدينة كونا كري في افريقيا 1960 معد ما حاول كسر عزلته التي فرضها على نفسه في حمص نتيجة الاحباط والفشل في العشق (16) .. والشاعر رياض الصالح الحسين مات من داء الكبد في مشفى المواساة بدمشق 1962 وكان يشكو من الصمم وصعوبة النطق .. خلف الأول مجموعة شعرية فازت بجائزة مجلة الآداب 1990 عنوانها "أبيات ريفية " ومجموعة شعرية وكتابات في الدراسة والقصة طبعتها وزارة الثقافة السورية بعد رحيله بسنوات (17) أما رياض الحسين فقد خلف أربع مجموعات شعرية هي أساطير يومية وخراب الدورة الدموية 1979_ بسيط كالما، واضح كطلقة مسدس 1981 _وعل في الغابة (طبع بعد موته 1984- (18).
فما الذي حدث في الثمانينات حتى أطلق الشعراء كل ثورتهم على الأشكال والنواظم ورفعوها قطيعة مع "الما قبل " على أصعدة ما يتعلق بالأيديولوجيا وأوهامها والجماهير وقوتها والشعارات وبريقها وحتى على الكثير الكثير من التراث 191 والفكر والمستتب من المفاهيم (19)، من وجهة نظر التشاؤم البصير إجابة الشاعر محمد الماغوط عن السؤال حول موقفه
ورؤيته الستينية عن الجماهير الدهماء وانفعالها القطيعي: كنت ترى الجماهير دهماء وانفعالها ،وكنت ترى بحر الرماد القادم .. الأن قد بلغ السيل مداه ووصلت الجماهير نفسها الى الواقع الموضوعي الذي انذرتها به ..ألا ترى في الأفق البعيد أملا أو بصيصا من أمل وكان جوابه : لا جديد .. المرحلة نفسها مازالت ولم تنته بعد (20).
والماغوط منذ البداية لم يعول على ما عول عليه غيره ، ولم يسقط في شرك الطوبي واليوتوبيا.. كتب قصيدة نفسه ،وتعرقات يأسه ،، واهتزازات روحه المنكسرة .
حسن أيها العصر
لقد هزمنيي..
ولكنني لا أجدفي كل هذا الشرق
مكانا مرتفعا
أنصب علية رايه الاستسلامي(21)
اسمعه كيف يخاطب السياب بعد موته .. وانني روحه المحملة بالقهر والخوف والكوابيس .. وتأمل كيف يرى بحرقة جارحة ما يسمى الوطن :
هل ترسم على علب التبغ الفارغة
أشجارا وأنهارا وأطفالا سعداء
وتناديها يا وطني
ولكن أي وطن هذا الذي
يجرفه الكناسون مه القمامات في أخر الليل
تشبث بموتك أيها المغفل (22 (
خطوط .. ملامح وأسماء :
في الثمانينات سنقف على قصيدة النثر، بما حققته من مشروعية واعتراف ، وانحسار عداء، ونقف مع شعراء في القطيعة الا صوتا أو اثنين يمتحان من رجع قريب وبعيد، ويعبران عن < اليومي والمطلق في آن معا.. فالشاعر لقمان ديوكي يتكيء بقوة على شعر سليم بركات في تجربته البكر، وأساطيره الكردية بإيقاعها ونفسها الخاص .. يجمع بينهما تحدرهما من الشمال السوري الضائع ، والمعلق على تخوم الفراغ والصدفة .. وسيشكل شعر سليم بركات بما له من قوة وخصوصية عقدة للكثيرين من أجيال الشعر الطالقة في مناطق الشمال الشرقي من سورية ، إما بالاحساس بعدم القدرة على تجاوزه ، أو الاستعارة منه والنسج على رموزه وأساطيره حتى لا يكاد من يقلده يبين(23) الصوت الشعري الثاني هو صوت الشاعر محمد فؤاد، وشعره يعد مثالا أنضج في قصيدة النثر، وقد استفاد الى درجة كبيرة من الانجاز الشعري السوري، والعربي وأضاف الى ذلك تجربته وخصوصيته هو وتعتبر استفادته الشعرية من سابقيه عالية ، قياسا الى استفادة سربه .. صدرت له مؤخرا مجموعته الشعرية الأولى "طاغوت الكلام " وبين مخطوطها الأول الذي لم يطبع لصعوبات شخصية ، وعامة ، ومطبوعها الذي تم تعديل واستبعاد، واضافة وتجاوز كبير لقصائد المخطوط إن في التنامي الشعري الداخلي أو في الشكل ، ويمكن رصد ملامح التأثر عنده بتجارب الماغوط ، وأبي عفش ، ومنذر المصري _وحسان
عزت(24).
ويفترق في أصوات الثمانينات صوت الشاعرة وفاء الخشن بما لشعرها من استفادة ممن سبقوا وقوة تعبيرية وخصوصية ونكهة وتمرد، فالقصيدة عندها أشبه بالنشيد المليء بالبكارة
الجامحة وعلاء اللغة واشتعال الصور.. وهي تبحث عن معنى أبعد وعلاقة بالمطلق الولادة الحياة الحب والحرية .. تميزها جراة تخدش الأشياء وتجرح الصمت (25)
وسوف تطالعنا منذ أوا سط السبعينات وأ وائل التسعينات أسماء أعد حداد _ خالد درويش . محمد خير علاء الدين _ بشير البكر _ ابراهيم اليوسف _ طه خليل - عبدالله عيسى _ بسام حسين _ حسين بن حمزة - مرهف زينو - مسلم الز يبق - عبدالنور _ هنداوي _ عمر قدور _ أحمد
تيناوي - سيف الرحبي - محمد جان عثمان _ ياسر اسكيف - مرح البقاعي _ ربيعة الجلطي _ محمد كنائسي _ ومن بعدهم غادة السمان الصغرى(26) وأكرم قطريب _ وارغام سفان وغيرهم .. وهؤلاء لا يكتبون بسوية واحدة ولا يجمع بينهم فهم واحد لقصيدة النثر أو الشعر .. عند بعضهم شفافية عالية وتكثيف لافت ،، وكتابة أشبه بالهمس ، أو اللمس البعيد كأنها مصاغة من خيوط الذهب ، كما عند حسين بن حمزة ، وعمر قدور(27) وبسام حسين ، وعند آخرين هضم ثقافي وامتلاك عال للغة وعلاقاتها ، واطلاع بعيد على تجارب القصيدة العربية ، بأشكالها المختلفة كما عند الشاعر الصيني الذي أقام بدمشق ودرس فيها العربية وتزوج من سورية ، الشاعر أحمد جان عثمان وقد أصدر مجموعتين شعريتين على درجة من الحداثة والجرأة لم نشهدها عند الشباب العرب أنفسهم "مجموعته الأولى باسم السقوط الثاني" دمشق 1988، ومجموعته الثانية "لغز الأعراس " 1989.. وقد ارتحل فيما بعد الى الصين(28)
ويمكن الاشارة هنا الى شعراء تمردوا بدءا على المدارس أو التيارات الشعرية العربية وقصدوا مناهل شعرية أوروبية كالمدرسة السيريالية الفرنسية ، قاصدين إعلان تمردهم علي الدوران في حلقات خدر البنائية الشعرية العربية وقد أغرتهم موضوعات الحلم ، وميكانيك الكتابة ، وأغرار النفس وتشكيلات دالي ، وقد شكلت بيانات اندريه بريتون ، وخصوماته مع الآخرين وأشعار لوتريا مون ، وفاشيه عبثا ساحرا، وفتحا لنوافذ جديدة على المدى الشعري الغربي المعاصر نذكرهن هؤلاء الشعراء: سيف الرحبي، وصالح العياري _ ومحمد كنائسي ومن قبلهم أسعد الجبوري وصلاح فائق ، وقد تواجد هؤلاء في دمشق بحكم الدراسة ، أو العمل ، أو الشتات ..وأصدروا مجموعاتهم الشعرية الأولى فيها، والتي تعد جزءا من التجربة الشعرية في سورية من حيث الهموم والتمرد،وجعل الشعر عنوانا للموا جهة والخلاص معا.. وقد رحلوا جميعا إما الى باريس أو الى بلدانهم ، عدا الشاعر محمد كنائسي الذي لم يطبع مجموعة ولم يسافر وركن الى صوفية حزينة متأملة تعيد كتابة ما بدأت .
كذلك يمكن الاشارة الى أصوات الشاعرات عائشة أرناؤوط - وربيعة الجلطي - وزينب الأعوج ، حيث أكملت الأخيرتان دراستيهما في دمشق واصدرتا مجموعتيهما الأولى فيها، وارتحلت عائشة أرناؤوط السورية الى باريس مع زوجها الفنان صخر فرزت للدراسة .. حيث أصدرت من هناك عدة مجموعات شعرية في قصيدة النثر.
وسوف نجد أغلبية الأصوات الشعرية الجديدة في سورية تقوم بطباعة مجموعاتها على نفقتها الخاصة أو عبر تمايلات معينة ، والبعض القليل سوف يجد جهة رسمية أو خاصة تطبع له ويكون محظوظا، أما الأغلبية الغالبة فسوف ينشرون قصائدهم في الصحف والمجلات ، أو يلقونها في المهرجانات والمنتديات الميسرة . لقد أصبحت قصيدة النثر ساحقة في الساحة السورية ، ولم يعد الذين يكتبونها أفرادا متمردين بل عموما وغالبية تجد الدرب أمامها مسلوكا.. ساعد في ذلك التواصل اليومي المستمر مع لبنان وصحفه ومجلاته ، بحالة من تقدم في الطباعة ، والصحافة ، وحركة في انأيته وجامعاته ، وأبواب مفتوحة عل الحركات الفكرية والثقافية
الغربية .
لقد أصبح لقصيدة النثر من التراكم والحضور، ما منحها الاعتراف والاحترام حتى داخل اتحاد الكتاب العرب وجمعية الشعر فيه إلا من أحوال خاصة .. ويمكن أن نفرزها الى تيارين رئيسيين ، وما بينهما:
أ - تيار قصيدة الدراما والتنامي الملحمي بتشعباته وبانوراميته وموسيقاه المتفجرة وبحثه عن اللفة المبتكرة والصور الطازجة ، والأساطير البكر.. وعند هذا التيار، كما عند سواه من موهوبي قصيدة التفعيلة ، والقصيدة الكلاسيكية استفادات عالية ، وهضم للتراث الشعري العربي والعالمي وولع بالثقافات المختلفة والفنون .. انه تيار جاد في كل الأحوال ، وصبور على الحياة والشعر، ومتين من الداخل ومنجده يتواكب بشعره منذ أدونيس وحتى نضال بغدادي مرورا بسليم بركات ونزيه أبو عفش ومحمد العبد امته وحسان عزت وبول شاؤول وعائشة أرناؤوط ومحمود السيد وسيف الرحبي وعبدالله عيسى _ ومحمد فؤاد.
ب - التيار الآخر هو تيار أوسع من حيث العدد والانتشار الكمي، لكننا سنجد القصيدة عنده أميل الى السرد والمباشرة ، والايقاع السريع ، والصورة التي لا تكاد ترى.. وهنا سنقع على القصيدة الومضة والبرقية ، والفقاعة ، وحفنة الكلمات .. واللغة عادية يومية هي لغة الناس ، لا مرجع لها إلا العابر والمستهلك ، في حالات كثيرة ستكون القصيدة أشبه بالبيان القصير، وخبر الرادين ، والرسالة العاجلة وشكوى الحال ، والخاطرة .. وتوحي بمقاربة للترجمة والاغتراب وتأتأة اللغة ، والقصيدة عند أصحاب هذا التيار هروب من عقد ومحرمات واوجاع بعيدة ، وفك ارتباط مع المطلق والتراث والأساطير والرموز والتاريخ ، فأساطير شعرائها يومية ، والخراب خراب دورتهم الدموية ، فهم وعول هاربة الى الغابة ، بسطاء كالماء واضحون كطلقة مسدس .. وهذه العبارات مأخوذة من عناوين مجموعات الشاعر الآفل رياض الصالح الحسين(29)
وشعراء هذه القصيدة يصححون خطأ الموت . وكسرة خبز تكنيهم ، وأشجارهم تميل نحو الأرض . عناوين مستعارة من عناوين مجموعات الشاعرة المتوفاة عن عمر باكر أيضا دعد حداد(30) .. إن الموت المبكر والمفاجيء سيتكرر عند عدد من الشعراء في تيارات القصيدة المختلفة ، ويصبح لافتا عند شعراء قصيدة النثر (رياض الصالح الحسين واعد حداد وسنية صالح وعدنان قرشولي و آدم حاتم الذي عاش في دمشق ردحا ومات في لبنان ، وهو العراقي الذي آثر الانتحار بالخمرة وكفاف الشعر).
وفي شعراء هذا التيار (بندر عبدالحميد وعادل محمود وسليمان عواد ورياض الصالح الحسين وبسام حسين وغادة فؤاد السمان الصغري ورندة قوشحة ) وغيرهم .. وخير من يمثل هذا الشعر الشاعرة مرام المصري شقيقة الشاعر منذر المصري ، المقيمة في باريس ، وقد بشرت قصائدها منذ أواسط السبعينات (31) . كأذنها ومض السحر، و أندف الثلج يخطف في صور مبتكرة ، ولغة هاربة ، وأحلام صبية تلعب وتجرد وتعيد تشكيل العوامل والأشياء.
عند تيار (أ) موسيقى متفجرة واشتغال على اللغة والصور والامتداد الزماني المكاني ، وعند التيار الثاني (ب ) تعطيل من ثقافة ورموز وعلاقات .. اللهم الا في كلمات معينة يرددها الشاعر في أغلب قصائده ويجعلها رموزا له فتشيع عند غيره من جيله بسرعة نار الهشيم حتى لا تعود له (الأصابع _اليد _ الطريق _الطاولة _ الشجرة _ العصافير _ فنجان القهوة _المرأة - الحبيبة .. الصديقة .. المخبز.. الظل .. الحائط .. الكرسي)، فإذا بحثنا عن علاقة محددة وتعامل خاص ، وبيئة وأسماء فارقة وعلامات لها مرجعيات وجدانية جماعية ، فلا نكاد نجد شيئا. يكفي أنها امرأة أي امرأة ، وليس مهما من تكون في ذاتها هي أو غيرها.. المهم أنها تجالس الشاعر، وهو لا يستطيع العودة بدونها الى البيت .. من أين جاءت .. أين عوالمها .. ملامحها المميزة .. أعماقها البعيدة ؟ لا شي ء من ذلك .. أين النكهة الباحثة عن لفة خاصة وخلق جديد، وكسر سياقات ، وبدء بكارات ؟ لا يوجد كأن الشاعر لا يريد أن يمد اليك خيوطه بشيء اللهم إلا بالعموميات .. لأنه يكتب لنفسه ، أو يفترض فيمن يقرأ ويسمع المعرفة والمشاركة ،فإن لم يعرف فماذا يضير الشاعر؟ هذه ليست مشطته ، لأن مشطته مع فراغه ويومه الكاسد، وتبديد ساعاته وعمره ، والظلال تتبعه ، والمكان غريب عنه ، والمرأة حاجة مسيسة لا غنى عنها، وان أحببناها فماذا نصنع لها.. إننا محاهوون بالزمان والمكان والحاجة والخوف وفقدان الأمان .. إن ثمة ظلمات وكوابيس تلاحقنا..
لا أحد يستطيع ان يسكن في قبري
أنا من تحمل الزهور الى قبرها
وتبكي من شدة الشعر
اغمضوا أعينكم سأمر وحيدة
كحد الرمح أحني .هبوط دموعكم
كم جميل أن ننتحر معا
في ننتحر بئر مجهول أوحيدان
وأصابعنا معلقة بالجدار .العفن
اه ما أروع الحياة ياأصدقاء
ولي كسرتي الحبففة بالشمس
ولي .الحرية . . ولى مدفأة من ثلج(32)
لنتأمل اللغة .. الزمان .. خصوصية الرمز _ البيئة .. المحلية .. التشكيل الشعري ... والانجاز الخاص فيه إن وجد:
ايه أيها النايم البعيد
يا سيد النبيذ العميق
كيف ، حين ناعوك هنا
تجيئنا كما لا يجيء السكر
ولا نعاقر غير آلنبيأ الحجري؟
هناك أو هنا بالأحرى
شيء بيننا ، بعيد عنا، فينا
كمثل وشم في بحبيننا منذ الولادة
كمثل فجر لم يكن أبدا
كمثل فجر به نكون
ويتراءى لنا تعويزة في تيجان الملوك
في أسلحة المحاربين
في قبلة العاشق (33)
أننا في العموم وابد لنا من معرفة شخصية باشاعر وحياته حتى تتوضح لنا خصوصية حاله .شعري.. لنقف عند شاعر اخر ونحاول أن نعرف مشكلته . همومه .. أحواله .. أسباب
قهره ..
الصبي الصغير
الصبي الصغير الذي يختبيء
في جسدي
لماذا حين يجيء المساء
أي مساء
كل يوم
يسند راسه على الحائط
يتكيء ويجرفه البكاء (34)
وبعد .. هل بترصيفنا وقراءتنا وامساكنا بملامح وخطوط قصيدة النثر وهشاشتها تجاه اهال أحيانا مايشي بإعائها القيمة السيئة ، أوبالحكم عليها بقيم من خارجها.. بتصنيفها في الوضع الأقل أوالهامشي؟ إن الظروف الصعبة والاحباطات الكبرى، والهزائم ،وفقدان الحرية ،المركب ، والقطرية الخانقة ، والازمان .الحكومة بصلف ، والمؤسسات البوق ، كل ذلك يعطي لهذه القصيدة مشروعيتها وجدارتها .. إنها خروج علي الفيتو ، ورفض للتابو، وارتيار بعيد الى فضاء الحرية والكرامة الغائبة .. إنها توق الى هواء اخر غير معلب ، والى فسحات غير مسورة ، وبكارات لم تحاصرها مدن الكبريت ، وبيوت المداجن ،ومن كل ذك جدتها وتمردها، وخصوصيتها، قد اعترف بها كبار نقاد وباحثي الادب اهربي من محيطه الى خليجه ، بعد ما تجاموها طويلا، واعتبروها سفاحا.. قد عاد الدكتور إحسان عباس وهاب بإعائها الوقت الاطوال من الدراسة والفرز، وان أدبنا العربي وشعرنا يتسع لكل الأشكال الجديدة والمتطورة ، ما دامت تعبر عن هواجس واهتمامات ، وعلاقات مستجدة لشباب في المعاصرة ومواجهة المشكلات الجديدة ، وأكد الناقد محيي الدين صبحي وكان لا يرى شاعرا في قصيدة النثر سوى الماغوط ، أن الشعراء، ونقاد الصحف هم وحدهم الذين يتابعون القصيدة الجديدة ، وأدري بها بينما يغرق النقاد الأكاديميون في التنظير والنظريات ، ويخسرون معايشة الشعر الجديد .. وطالب الدكتور الفزاعي بالاستفادة من علوم النقد الأدبي في متابعة مستجدات الثقافة والاعلام العربي من (دراما _ سينما _دعاية _ نكتة .. اعلانات ) بدون ترفع ولا مكابرة .. واعتبر الانشغال بـ(قفا نبك ) مضيعة وعزلة عن الحياة المستجدة .
الهوامش
** الدراسة ثمرة متابعة طويلة ،. ومعايشة للشعراء ،وحوارات معهم وثمرة دراسات مختلفة نقدية عن الشعر والتجديد في سورية وثمرة عدة ندوات نقدية ومحاضرات قدمها الكاتب في الأندية الثقافية ، واتحاد الكتاب العرب بدمشق . نقول القصيدة العربية الجديدة في سورية ، ولا نقول القصيدة السورية الجديدة ، لأن قصيدتنا لا تنفصل عن القصيدة العربية عموما، بل تتفاعل معها ، تعطيها وتستمد منها تأثيرا وتأثرا، ولا يمكن النظر الى الخصوصية والنكهة المميزة إلا من حيث التكوين الداخلي والبيئة والرموز الخاصة .
ا - من الكتب النقدية عل سبيل المثال لا الحصر 0الأدب والأيديولوجيا في سورية (بوعلي ياسين - نبيل سليمان ) طبعة أولى دمشق 1974ص 917_ 972.
- الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر في سورية (جلال فاروق الشريف ) اتحاد الكتاب العرب دمشق 1980.
- النحل البري والعسل المر (حنا عبود) دراسة في الشعر السوري المعاصر وزارة الثقافة 1982 دمشق .
2- بانوراما القصيدة الجديدة في سورية : محاضرة ألقاها ك تب الدراسة في اتحاد الكتاب العرب بدمشق شهر حزيران يونيو 1989.
- تتوضح الأوضاع والمناخات التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية في سورية وهيأت لنهوض الشعر وبروز أصوات رائدة فيه ، ومعروفة على مستوى الوطن العربي. كبدوي الجبل وعمر أبي ريشة ، ونزار قباني _ ونديم محمد _ وأدونيس وغيرهم .. في دراسة من حلقتين ، نشرت في صحيفة تشرين السورية (26/7/ 89) و( ا /8/ 89).
3- تم الاستقلال الوطني في سورية برحيل آخر جندي فرنسي عن أراضيها في 17 نيسان ابريل 1946 .
4- النقد الذاتي بعد الهزيمة ، ت د. صادق جلال العظم بيروت دار الطليعة ط 4_ 1972.
5- أ _أزمة الحوار الثقافي محاضرة ألقاها الكاتب في جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب في النصف الثاني من شهر أيار مايو 1990 . وفيها
كشف للوا قع الاجتماعي والمعاش ، وأسباب العطالة الثقافية والفكرية فيه ، وعوامل العجز الثقافي والاجتماعي والفردي..
ب - بدأت المجلات الثقافية العربية الرصينة بالغياب والانطفاء تباعا:
شؤون فلسطينية . مواقف -أوراق الناقد - الكومل - وقبلها غابت البلاغ _الأسبوع العربي -المستقبل _الدوحة .
6- ما كتب عن السياب مثلا، لم يكتب عن شاعر آخر في العصر الحديث ، وقياسا الى ما كتب عن المتنبي يعتبر شيئا عظيما، لم يتح لشاعر آخر، أيضا ما كتب عن الشعر الجديد المعروف بشعر التفعيلة أو الشعر الذي أطلقت عليه نازك الملائكة تسمية الشعر الحر وهذه التسمية أجدر
بقصيدة النثر الحرة المتحررة من الأوزان الشعرية والقيود التقليدية ..
يراجع كتب د. احسان عباس "بدر شاكر السياب " دار الثقافة بيروت 1969، وكتاب د. عيسى بلاطة "بدر شاكر السياب ،حياته وشعره " دار النهار بيروت ا 197 وعدد خاص من مجلة الفكر العربي المعاصر عن خليل حاوي الشاهد الشهيد عدد 26 وعشرات الكتب التي تناولت اعلام الشعر الحديث ، لفألي شكري _ الياس خوري _ يوسف اليوسف _ رجاء النقاش _ كمال خيربك _ وغيرهم كثير.
7- يمكن ملاحظة الموجات الشعرية في سورية ،وتفاعلاتها العربية عبر تجارب الشعراء العرب الذين عاشوا في سورية فترة من الزمن بدءا من السبعينات وما قبلها.. فقد عاش في سورية ما بين السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات شعراء عرب كثيرون نكتفي بذكر : صلاح فائق .. جليل حيدر .. هاشم شفيق . . أسعد الجبوري .. كريم كاصد .. عواد الناهو .. صادق الصايغ .. آدم حاتم .. شاكر لعيبي .. مظفر النواب .. سعدي يوسف .. ومن بعدهم كريم عبد .. فايز العراقي .. محمد مظلوم . وغيرهم وقد خلق تواجد هر في الساحة السورية تفاعلا شعريا، فأعطوا وأخذوا وتفتحت تجارب بعضهم الأولى فيها، كذلك نذكر الشعراء العرب الآخرين : محمد كنائسي .. صالح العياري _ من تونس .. ربيعة الجلطي _ زينب الأعوج _ جزائريتان .. حمدة خميس (بحرا نية ) سيف الرحبي ، ناصر العلوي (من عمان ) وقد أصدر أغلب هؤلاء الشعراء مجموعاتهم الأولى في دمشق .. وستظل حركة التفاعل الشعرية قائمة ما بين دمشق وبيروت في مناخ متقارب يتداخل ويتفارق ، سيطبع أغلب الشعراء السوريين أعمالهم الشعرية في بيروت ، لكل ذلك لن نفرق كثيرا بين شاعر وآخر اقليميا ونحن نتحدث عن القصيدة الجديدة ونعتبر بعض الشعراء اللبنانيين ، أو العرب جزءا في مشهديتها..
8- كان الناقد محمد النويهي أول من تنبأ للشعر الجديد منذ أواسط الستينات ،أن يبلغ آفاقا من التقدم لم يبلغها الشعر من قبل ،سواء على صعيد اللغة من حيث اقترابه من لفة الكلام الحية التي تتكلمها الناس في واقع حياتهم ، أو على صعيد تجديده بعامة حيث لا يدخل على لفتنا العربية شيئا ينافي طبيعتها ولا يقحم على شعرنا العربي عنصرا يجافي عبقريته الخاصة ص 5 -6من مقدمة كتابه المهم قضية الشعر الجديد ط2 دار الفكر ، دار الخانجي 1971.
والناقد النويهي من أهم النقاد الرؤيويين الذين تصدوا لدعاوي المحافظين ، والجامدين التي رفضوا من خلالها الشعر الجديد جملة أو تفصيلا، ورأى أن أمام هذا الشعر مسافات كبيرة عليه أن يقطعها ويجدد فيها، وكتابه قضية الشعر الجديد من أهم الكتب النقدية ، الى جانب كتاب "شعرنا الحديث الى أين " للدكتور غالي شكري، وفيهما احتفاء بالشعر الجديد في مضامينه الجمالية والفنية .
9- أغاني القبة : مجموعة شعرية لخير الدين الأسدي طبعت في مطبعة الضاد بحلب 1951 طبعة أنيقة تقع في 314 صفحة قطع متوسط ،أطلق عليها الأسدي عبارة نفحات من الشعر المنثور، وكتب مقدمة لها يبين فيها ما ذهب اليه من تجديد على صعيد الموسيقى فيه ، وكان قد أذاع الكثير من قصائدها منذ الأربعينات في إذاعة طهران .
سريال : مجموعة شعرية لأورخان ميسر طبعت في أوائل الخمسينات،وأعيدت طباعتها ثانية 1989 بمقدمة للشاعر أدونيس _عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق .
حزن في ضوء القمر ، غرفة بملايين الجدران ،محمد الماغوط مجلد الأعمال الكاملة ط دار العودة بيروت 1973وكان الشاعر الماغوط قد ألقى قصائده الأولى في خميس مجلة شعر في بيروت ، أواسط الخمسينات . القمر الشرقي على شاطيء الغرب : فاتح المدرس ، شريف خزندار _ شعر وشكل دمشق 962آ مطابع الجمهورية الراية المنكسة : على الجندي المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر بيروت 1962 .
من أغاني الرحيل _ كآبة _ التسكع والمطر مجموعات شعرية لاسماعيل عامود صدرت بين 1959 _ 1962 بدمشق سمر نار _ 1957 شتاء 57 أغاني بوهيمية 1960 مجموعات للشاعر سليمان عواد _ دمشق . 0 1 - لن ، والرأس المقطوع ، شعر انسي الحاج دار مجلة شعر بيروت 1960-1962.
11 - معلقة توفيق صايغ المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر بيروت 1963_ انظر الأعمال الكاملة دار رياض الويس بيروت - لندن 1990.
12 - ندوة إذاعية شارك فيها كاتب الدراسة باعتباره أحد شعراء السبعينات مع ممدوح عدوان ، ومحمد ياسر شرف وبندر عبد الحميد. وعدد من كتاب قصيدة عقد السبعينات في القطر العربي السوري، أقيمت يوم 22/ 10/ 1985 . وأذيعت بعد ذلك ولمدة شهر في أربع حلقات ، أعدها الكاتب عبد الرحمن الحلبي بعنوان كاتب وموقف .
13- شهدت الستينات والسبعينات والثمانينات حملات صحفية ونقدية ضد قصيدة النثر وشعرائها في سورية ولبنان ، وشارك فيها غالبية الشعراء والمثقفين التقليديين والمحدثين ، من محمد مصطفى درويش _ سعيد فندقجي محمد منذر لطفي _ ممدوح عدوان _ شوقي بغدادي _خالد أبو خالد..
وآخرون ، وكلما خمدت تعود للظهور من جديد على يد أحد هواة الشهرة والفضائح ، أو على يد شعراء مرموقين مثل نزار قباني _ومحمود درويش ، والصحافة اليومية والثقافية تحفل بمثل تلك الحملات يراجع في ذلك صحف البعث ، الثورة ، تشرين بين سنوات 1957 و1997_ كذلك مجلة الطليعة السورية ، ومجلة المعرفة ، وملحق الثورة الذي أصدره الشاعر ادونيس في دمشق أواسط السبعينات بين 1975- 1976.
14 - القمر الشرقي المدرس ، خزندار صفحاته غير مرقمة .
15-محاضرة لكاتب الدراسة في جمعية الشعر باتحاد الكتاب العربي بعنوان "الأزمة الثقافية "
26 حزيران يونيو 1988.
16- الشاعر عبد الباسط الصوفي .. الشاعر الرومانسي ممدوح اسكاف دمشق اتحاد الكتاب العرب ط 1983.
17 - آثار عبد الباسط الصوفي الشعرية والنثرية طبع وزارة الثقافة بمقدمة للدكتور ابراهيم كيلاني بدون تاريخ .
18- مهرجان لذكرى رياض الصالح الحسين ، تضمن سيرة له وقصائد وكلمات من أصدقائه .
19 - محاضرة بانوراما القصيدة الجديدة في سورية سبق ذكرها.
20-حوار شخصي مع الشاعر الماغوط ، أرسل الى صحيفة الحياة في ايار 1989 ولم أتأكد من نشره .
21-22 الفرح ليس مهنتي 297 الاعمال الكاملة دار العودة
بيروت 1973.
23- شارك لقمان ديركي في المنتديات والمسابقات الشعرية في جامعة حلب ، ويلاحظ التأثر والتقليد واضحا لشعر سليم بركات عند شعراء منطقة الحسكة وعامودا بلد الشاعر وفيهم (ابراهيم اليوسف _ طه خليل _ لقمان دير لحي وغيرهم ).
24- طاغوت الكلام شعر محمد فؤاد ط خاصة 1990 يقع في 128 صفحة قطع صغير.
25-وفاء الخشن - شاعرة سورية وصحفية درست الصيدلة وانحازت للشعر، أصدرت مجموعة شعرية أولى 1987 لا يحضرني اسمها.
26- 27- حسين بن حمزة وعمر قدور، ومسلم الز يبق ، وبسام حسين ، شعراء من جامعة حلب ، برزوا فيها، وحسين بن حمزة ، من مدينة الحسكة ،أما غادة السمان الصفري فهي غادة فؤاد السمان ، بدأت نشر أعمالها باسم غادة السمان ، فاثارت لغطا ، وفتقت تساؤلات وتطلعا، لأن كثيرين تعاملوا مع شعرها على أنه للروائية غادة السمان ، فمنحوه حفاوة زائدة ، وهو ما
اثار الروائية فكتبت مقالا ذكرت فيه أن صاحبة الشعر تنتحل اسمها.
28- شاعر صيني مسلم يجيد العربية ، درس في جامعة دمشق اصدر مجموعاته بالحربية عن دار الأهالي 1988- 1989.
29- عناوين مجموعات الشاعر رياض الصالح أساطير يومية خراب الدورة الدموية ، بسيط كالما، واضح كطلقة مسدس ، وعلى في الغابة ، مات مبكرا بداء الكبد 1982 .
30- قضت أعد حداد باكرا وتركت ثلاث مجموعات شعرية ، تصحيح خطأ الموت ، كسرة خبز تكفيني _شجرة تميل نحو الأرض .
31- مرام مصري ، شقيقة منذر مصري من مدينة اللاذقية ، تزوجت وتعيش في باريس ، شاركت في اصدار مجموعة شعرية مشتركة مع منذر مصري ومحمد سيدة بعنوان أنذرتك بحمامة بيضاء.
32- دعد حداد - مقابلة نشرت معها في صحيفة تشرين بعد موتها في 27/4/1991.
33- جان عثمان .. لغز الأعراس
24- محمد فؤاد.. طاغوت الكلام .
** الدراسة ثمرة متابعة طويلة ،. ومعايشة للشعراء ،وحوارات معهم وثمرة دراسات مختلفة نقدية عن الشعر والتجديد في سورية وثمرة عدة ندوات نقدية ومحاضرات قدمها الكاتب في الأندية الثقافية ، واتحاد الكتاب العرب بدمشق . نقول القصيدة العربية الجديدة في سورية ، ولا نقول القصيدة السورية الجديدة ، لأن قصيدتنا لا تنفصل عن القصيدة العربية عموما، بل تتفاعل معها ، تعطيها وتستمد منها تأثيرا وتأثرا، ولا يمكن النظر الى الخصوصية والنكهة المميزة إلا من حيث التكوين الداخلي والبيئة والرموز الخاصة .
ا - من الكتب النقدية عل سبيل المثال لا الحصر 0الأدب والأيديولوجيا في سورية (بوعلي ياسين - نبيل سليمان ) طبعة أولى دمشق 1974ص 917_ 972.
- الرومانتيكية في الشعر العربي المعاصر في سورية (جلال فاروق الشريف ) اتحاد الكتاب العرب دمشق 1980.
- النحل البري والعسل المر (حنا عبود) دراسة في الشعر السوري المعاصر وزارة الثقافة 1982 دمشق .
2- بانوراما القصيدة الجديدة في سورية : محاضرة ألقاها ك تب الدراسة في اتحاد الكتاب العرب بدمشق شهر حزيران يونيو 1989.
- تتوضح الأوضاع والمناخات التي سادت بعد الحرب العالمية الثانية في سورية وهيأت لنهوض الشعر وبروز أصوات رائدة فيه ، ومعروفة على مستوى الوطن العربي. كبدوي الجبل وعمر أبي ريشة ، ونزار قباني _ ونديم محمد _ وأدونيس وغيرهم .. في دراسة من حلقتين ، نشرت في صحيفة تشرين السورية (26/7/ 89) و( ا /8/ 89).
3- تم الاستقلال الوطني في سورية برحيل آخر جندي فرنسي عن أراضيها في 17 نيسان ابريل 1946 .
4- النقد الذاتي بعد الهزيمة ، ت د. صادق جلال العظم بيروت دار الطليعة ط 4_ 1972.
5- أ _أزمة الحوار الثقافي محاضرة ألقاها الكاتب في جمعية الشعر في اتحاد الكتاب العرب في النصف الثاني من شهر أيار مايو 1990 . وفيها
كشف للوا قع الاجتماعي والمعاش ، وأسباب العطالة الثقافية والفكرية فيه ، وعوامل العجز الثقافي والاجتماعي والفردي..
ب - بدأت المجلات الثقافية العربية الرصينة بالغياب والانطفاء تباعا:
شؤون فلسطينية . مواقف -أوراق الناقد - الكومل - وقبلها غابت البلاغ _الأسبوع العربي -المستقبل _الدوحة .
6- ما كتب عن السياب مثلا، لم يكتب عن شاعر آخر في العصر الحديث ، وقياسا الى ما كتب عن المتنبي يعتبر شيئا عظيما، لم يتح لشاعر آخر، أيضا ما كتب عن الشعر الجديد المعروف بشعر التفعيلة أو الشعر الذي أطلقت عليه نازك الملائكة تسمية الشعر الحر وهذه التسمية أجدر
بقصيدة النثر الحرة المتحررة من الأوزان الشعرية والقيود التقليدية ..
يراجع كتب د. احسان عباس "بدر شاكر السياب " دار الثقافة بيروت 1969، وكتاب د. عيسى بلاطة "بدر شاكر السياب ،حياته وشعره " دار النهار بيروت ا 197 وعدد خاص من مجلة الفكر العربي المعاصر عن خليل حاوي الشاهد الشهيد عدد 26 وعشرات الكتب التي تناولت اعلام الشعر الحديث ، لفألي شكري _ الياس خوري _ يوسف اليوسف _ رجاء النقاش _ كمال خيربك _ وغيرهم كثير.
7- يمكن ملاحظة الموجات الشعرية في سورية ،وتفاعلاتها العربية عبر تجارب الشعراء العرب الذين عاشوا في سورية فترة من الزمن بدءا من السبعينات وما قبلها.. فقد عاش في سورية ما بين السبعينات والثمانينات وحتى التسعينات شعراء عرب كثيرون نكتفي بذكر : صلاح فائق .. جليل حيدر .. هاشم شفيق . . أسعد الجبوري .. كريم كاصد .. عواد الناهو .. صادق الصايغ .. آدم حاتم .. شاكر لعيبي .. مظفر النواب .. سعدي يوسف .. ومن بعدهم كريم عبد .. فايز العراقي .. محمد مظلوم . وغيرهم وقد خلق تواجد هر في الساحة السورية تفاعلا شعريا، فأعطوا وأخذوا وتفتحت تجارب بعضهم الأولى فيها، كذلك نذكر الشعراء العرب الآخرين : محمد كنائسي .. صالح العياري _ من تونس .. ربيعة الجلطي _ زينب الأعوج _ جزائريتان .. حمدة خميس (بحرا نية ) سيف الرحبي ، ناصر العلوي (من عمان ) وقد أصدر أغلب هؤلاء الشعراء مجموعاتهم الأولى في دمشق .. وستظل حركة التفاعل الشعرية قائمة ما بين دمشق وبيروت في مناخ متقارب يتداخل ويتفارق ، سيطبع أغلب الشعراء السوريين أعمالهم الشعرية في بيروت ، لكل ذلك لن نفرق كثيرا بين شاعر وآخر اقليميا ونحن نتحدث عن القصيدة الجديدة ونعتبر بعض الشعراء اللبنانيين ، أو العرب جزءا في مشهديتها..
8- كان الناقد محمد النويهي أول من تنبأ للشعر الجديد منذ أواسط الستينات ،أن يبلغ آفاقا من التقدم لم يبلغها الشعر من قبل ،سواء على صعيد اللغة من حيث اقترابه من لفة الكلام الحية التي تتكلمها الناس في واقع حياتهم ، أو على صعيد تجديده بعامة حيث لا يدخل على لفتنا العربية شيئا ينافي طبيعتها ولا يقحم على شعرنا العربي عنصرا يجافي عبقريته الخاصة ص 5 -6من مقدمة كتابه المهم قضية الشعر الجديد ط2 دار الفكر ، دار الخانجي 1971.
والناقد النويهي من أهم النقاد الرؤيويين الذين تصدوا لدعاوي المحافظين ، والجامدين التي رفضوا من خلالها الشعر الجديد جملة أو تفصيلا، ورأى أن أمام هذا الشعر مسافات كبيرة عليه أن يقطعها ويجدد فيها، وكتابه قضية الشعر الجديد من أهم الكتب النقدية ، الى جانب كتاب "شعرنا الحديث الى أين " للدكتور غالي شكري، وفيهما احتفاء بالشعر الجديد في مضامينه الجمالية والفنية .
9- أغاني القبة : مجموعة شعرية لخير الدين الأسدي طبعت في مطبعة الضاد بحلب 1951 طبعة أنيقة تقع في 314 صفحة قطع متوسط ،أطلق عليها الأسدي عبارة نفحات من الشعر المنثور، وكتب مقدمة لها يبين فيها ما ذهب اليه من تجديد على صعيد الموسيقى فيه ، وكان قد أذاع الكثير من قصائدها منذ الأربعينات في إذاعة طهران .
سريال : مجموعة شعرية لأورخان ميسر طبعت في أوائل الخمسينات،وأعيدت طباعتها ثانية 1989 بمقدمة للشاعر أدونيس _عن اتحاد الكتاب العرب بدمشق .
حزن في ضوء القمر ، غرفة بملايين الجدران ،محمد الماغوط مجلد الأعمال الكاملة ط دار العودة بيروت 1973وكان الشاعر الماغوط قد ألقى قصائده الأولى في خميس مجلة شعر في بيروت ، أواسط الخمسينات . القمر الشرقي على شاطيء الغرب : فاتح المدرس ، شريف خزندار _ شعر وشكل دمشق 962آ مطابع الجمهورية الراية المنكسة : على الجندي المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر بيروت 1962 .
من أغاني الرحيل _ كآبة _ التسكع والمطر مجموعات شعرية لاسماعيل عامود صدرت بين 1959 _ 1962 بدمشق سمر نار _ 1957 شتاء 57 أغاني بوهيمية 1960 مجموعات للشاعر سليمان عواد _ دمشق . 0 1 - لن ، والرأس المقطوع ، شعر انسي الحاج دار مجلة شعر بيروت 1960-1962.
11 - معلقة توفيق صايغ المؤسسة الوطنية للطباعة والنشر بيروت 1963_ انظر الأعمال الكاملة دار رياض الويس بيروت - لندن 1990.
12 - ندوة إذاعية شارك فيها كاتب الدراسة باعتباره أحد شعراء السبعينات مع ممدوح عدوان ، ومحمد ياسر شرف وبندر عبد الحميد. وعدد من كتاب قصيدة عقد السبعينات في القطر العربي السوري، أقيمت يوم 22/ 10/ 1985 . وأذيعت بعد ذلك ولمدة شهر في أربع حلقات ، أعدها الكاتب عبد الرحمن الحلبي بعنوان كاتب وموقف .
13- شهدت الستينات والسبعينات والثمانينات حملات صحفية ونقدية ضد قصيدة النثر وشعرائها في سورية ولبنان ، وشارك فيها غالبية الشعراء والمثقفين التقليديين والمحدثين ، من محمد مصطفى درويش _ سعيد فندقجي محمد منذر لطفي _ ممدوح عدوان _ شوقي بغدادي _خالد أبو خالد..
وآخرون ، وكلما خمدت تعود للظهور من جديد على يد أحد هواة الشهرة والفضائح ، أو على يد شعراء مرموقين مثل نزار قباني _ومحمود درويش ، والصحافة اليومية والثقافية تحفل بمثل تلك الحملات يراجع في ذلك صحف البعث ، الثورة ، تشرين بين سنوات 1957 و1997_ كذلك مجلة الطليعة السورية ، ومجلة المعرفة ، وملحق الثورة الذي أصدره الشاعر ادونيس في دمشق أواسط السبعينات بين 1975- 1976.
14 - القمر الشرقي المدرس ، خزندار صفحاته غير مرقمة .
15-محاضرة لكاتب الدراسة في جمعية الشعر باتحاد الكتاب العربي بعنوان "الأزمة الثقافية "
26 حزيران يونيو 1988.
16- الشاعر عبد الباسط الصوفي .. الشاعر الرومانسي ممدوح اسكاف دمشق اتحاد الكتاب العرب ط 1983.
17 - آثار عبد الباسط الصوفي الشعرية والنثرية طبع وزارة الثقافة بمقدمة للدكتور ابراهيم كيلاني بدون تاريخ .
18- مهرجان لذكرى رياض الصالح الحسين ، تضمن سيرة له وقصائد وكلمات من أصدقائه .
19 - محاضرة بانوراما القصيدة الجديدة في سورية سبق ذكرها.
20-حوار شخصي مع الشاعر الماغوط ، أرسل الى صحيفة الحياة في ايار 1989 ولم أتأكد من نشره .
21-22 الفرح ليس مهنتي 297 الاعمال الكاملة دار العودة
بيروت 1973.
23- شارك لقمان ديركي في المنتديات والمسابقات الشعرية في جامعة حلب ، ويلاحظ التأثر والتقليد واضحا لشعر سليم بركات عند شعراء منطقة الحسكة وعامودا بلد الشاعر وفيهم (ابراهيم اليوسف _ طه خليل _ لقمان دير لحي وغيرهم ).
24- طاغوت الكلام شعر محمد فؤاد ط خاصة 1990 يقع في 128 صفحة قطع صغير.
25-وفاء الخشن - شاعرة سورية وصحفية درست الصيدلة وانحازت للشعر، أصدرت مجموعة شعرية أولى 1987 لا يحضرني اسمها.
26- 27- حسين بن حمزة وعمر قدور، ومسلم الز يبق ، وبسام حسين ، شعراء من جامعة حلب ، برزوا فيها، وحسين بن حمزة ، من مدينة الحسكة ،أما غادة السمان الصفري فهي غادة فؤاد السمان ، بدأت نشر أعمالها باسم غادة السمان ، فاثارت لغطا ، وفتقت تساؤلات وتطلعا، لأن كثيرين تعاملوا مع شعرها على أنه للروائية غادة السمان ، فمنحوه حفاوة زائدة ، وهو ما
اثار الروائية فكتبت مقالا ذكرت فيه أن صاحبة الشعر تنتحل اسمها.
28- شاعر صيني مسلم يجيد العربية ، درس في جامعة دمشق اصدر مجموعاته بالحربية عن دار الأهالي 1988- 1989.
29- عناوين مجموعات الشاعر رياض الصالح أساطير يومية خراب الدورة الدموية ، بسيط كالما، واضح كطلقة مسدس ، وعلى في الغابة ، مات مبكرا بداء الكبد 1982 .
30- قضت أعد حداد باكرا وتركت ثلاث مجموعات شعرية ، تصحيح خطأ الموت ، كسرة خبز تكفيني _شجرة تميل نحو الأرض .
31- مرام مصري ، شقيقة منذر مصري من مدينة اللاذقية ، تزوجت وتعيش في باريس ، شاركت في اصدار مجموعة شعرية مشتركة مع منذر مصري ومحمد سيدة بعنوان أنذرتك بحمامة بيضاء.
32- دعد حداد - مقابلة نشرت معها في صحيفة تشرين بعد موتها في 27/4/1991.
33- جان عثمان .. لغز الأعراس
24- محمد فؤاد.. طاغوت الكلام .
منقول من :– مجلةنزوى – العمانية – 26/6/2009م
تعليق