في النقــرة .. !! محمد سلطان

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • محمد سلطان
    أديب وكاتب
    • 18-01-2009
    • 4442

    في النقــرة .. !! محمد سلطان

    [align=center]

    [frame="15 98"]في النقــرة


    لفيف من الأفكار السوداء حاصرتني تحت القبو , ولا أدري كيف توهمت أن كتائب الموتى يلفون المركب , بالذات في تلك الليلة , ونفس البركة ..!
    ليلتها تذكرت حديثي مع حسن البربري ـ ذات نوة ـ أخبرني أنها البركة الثانية , ولما طمعت في أصل الحدوتة شدني كعادته من ياقتي وصعد بي إلى السطح : النقرة تحتنا بالظبط .!

    دون ترددٍ كشفت القبو وآخر حدود البصر يتلألأ البر البعيد ..
    أصداء البربري تأتيني عبر نسمات الليل غير سعيدة :
    ـ مالك يا حسونة .. كأنك عيان ؟
    ـ لا أنا بخير .. لكن الفاجرة مرغت سمعتي في الطين يا صبري .. سيرتي على كل لسان في البلد .. الواحد بيفكر يموت نفسه و يرتاح ..
    ـ نصحتك كتير ياحسن وكان اصرارك أقوى من أي نصيحة .. مشيت ورا الشيخ ترباس لحد ما ضيعك و الطوبة جت في المعطوبة .. وفي يوم وليلة اتجوزت واحدة لا نعرف لها أصل ولا فصل .. لا أنت من طينتها ولا هي من طينتك وما يكسر ضهر الراجل غير ست قادرة يابن عمي !

    دومات النقرة تدور مع الريح كما قراطيس البريمة .. ونهنهاته لا تزال تتردد في البركة كلها .. تأتي من قاع النقرة وتوصيني بالبنت :
    ـ البنت .. البنت أمانة برقبتك يا صبري .. علمها يعني إيه شرف الغلابة .. يعني إيه العيش و الملح .
    ـ وعيشك وملحك يابوعلي هدور عليها .. هقلب عليها الدنيا وأجيبها من تحت طقاطيق الأرض .. لحمك لحمنا يا حسن .

    زحفتُ بالدنقل*1 المربوط على جنب المركب .. أعس الشطوط و البرور*2 .. لم أترك جونة*3 أو حافة إلا ودعستها دعساً .. ما خليت صغيراً ولا كبيراً .. حتى مراكب البطيخ والتمساحات العريضة ..
    لا أحد يعرف سكتها .. ويجزم البعض أنهم ما سمعوا عن البربري إلا من الأقاويل وحكاوي الصيادين في المياقي*4 .. !
    النقرة هي حسن وحسن هو النقرة .. وغير ذلك فبلاد الله واسعة , و الزوار ليس لهم أرضاً محددة .. اليوم عند المرشدي .. غداً عند أبي مندور , وبعده عند السيد البدوي ..
    ارجع يا بني لبركتك , انصب غزلك واشتغل والخير يقدمه ربنا .

    ليلة وصول الزوار يختل توزان البلد .. يكثر الهرج و المرج بعد العصر ويزداد بعد صلاة العشاء أمام ساحة سيدي محمد المرشدي .. المزدانة بأفرع النور الملونة و المدلاة علي الجانبين كعناقيد العنب ..
    يعتبرها الباعة المتجولين ليلة رواج لبضائعهم المركونة طول السنة تحت الأسرة وفي الأجولة فوق الدولايب ..
    الغوايش والسلاسل و الخواتم والحلقان لا تقل انتعاشاً عن الجبن والزبد والقشطة واللبن والسمك وحب العزيز ..
    أيضا فرصة لاستمتاع العجائز والشيوخ بالمداحين وفرقة الآلات الشعبية القادمة من دسوق ..
    وصلوا قرب آذان المغرب .. نسبة الحريم تفوق نسبة الرجال كالعادة .. المرأة مثل فلقة القمر .. حمرة الخدود الندية تسيل على الرقبة لتمتزج بحمرة قمصان النوم النافذة بوضوح تحت الجلابيات الشيفون .. الحاجب هلال مسترخيا فوق الرموش ومحاطاً بهالة بيضاء دليل حرفتهن العالية في صنع الحلاوة .. إن ضحكت رقص الهلال الأيمن ومال الأيسر فبانت غمازات الصدغ كسرة عيل صغير .!

    ـ يا قوة الله عليكم نسوان !!
    ـ اعقل ياشيخ ترباس هنروح في داهية .
    ـ النسوان دي بتيجي منين يا وله ؟
    ـ العلم عند الله يابو شعبان .. لكن سمعت انهم جايين من بحري .
    ـ تسلم بحري وتسلم أراضيها .. شوف يا وله رقبة الواحدة مصبوبة صب زي كوز العسل إزاي ؟!
    ـ وبعدين في ليلتك الهباب دي ؟ أنا قايم أصلي العشا قبل الوضوء ما يروح .
    ـ عارفك فقري طول عمرك زي اخوالك .. قوم صلي وادعي ربنا يجوزك تلاتة زي أبوك الفاجر ..

    تابعت السهرة مع حسن وكنت أضبطه متلبساً بغمزاته للصبية الواقفة على الجانب الآخر ..
    الميكروفونات تجلجل بصوت الريس عتمان وبين الحين والحين ترمي الفتاة زعرودة وسط الإنشاد .. فيرسلها صدى السماعات إلى البيوت والمقاهي , تستقطب العيال و تنتزع الأفخاذ الملصوقة في الكراسي .

    كل موسم أنتظر عودتهم , أقعد قدام الجامع بسلّ السمك وأذاكر في وجوه الصبايا , وآخر السهرة أفرش بأقماع الحلبة وحب العزيز .. وبعد اللف و الدوران أسلم نفسي لملك النوم ..!
    ـ الله يخرب عقلك يا صبري .. صحصح يا جدع النهار طلع .
    ـ سيبني يا شيخ ترباس اعمل معروف , كعوبي وارمة من اللف .
    ـ أنا شعبان يا صبري وأبويا في بحري من امبارح , راح يشتري غزل للمركب .

    همدت دوامات البركة .. ابتلعتها النقرة .. اختفى حسن تماما ولم تترك له أثرا ..!
    نزلت من فتحة القبو إلى بطن المركب ؛ أجهز ربطة غزل بدلاً من التي مزقتها مراكب البطيخ و الشنشلا* 5..
    تذكرت حديث ابن الترباس عن زيارة والده لسيدي يوسف والغزل ومبيته في بحري في نفس الليلة .. !!
    لم أصدق ما وسوسني به مخي .. ولا أدري كيف قفزت من بطن المركب إلى قاع النقرة كالملسوع :
    ـ اطلع ياحسن .. لقيت البنت يابوعلي .. لقيت البنت يابوعلي !!!


    [align=right]
    1: الدنقل هو القارب الصغير
    2: الشطوط حمع شط .. البرور جمع بر
    3: الجونة هي المنطقة الداخلة في بر البحيرة مكونة شبة دائرة مائية .
    4: الميَاقي جمع مقْيّة والمقْيّة الواحدة هي مجموعة من القوارب معتادة التجمع للسم بعد الانتهاء من العمل في منطقة مائية معروفة باسمهم .
    5: الشنشلا نوع من الشباك تستخدمه مراكب الصيد الكبيرة .
    [/align]
    [/frame]
    [/align]
    صفحتي على فيس بوك
    https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757
  • ربيع عقب الباب
    مستشار أدبي
    طائر النورس
    • 29-07-2008
    • 25792

    #2
    أيضا فرصة لاستمتاع العجائز والشيوخ بالمداحين وفرقة الآلات الشعبية القادمة من دسوق ..
    وصلوا قرب آذان المغرب .. نسبة الحريم تفوق نسبة الرجال كالعادة .. المرأة مثل فلقة القمر .. الوجه المليح وردة بلدي والصدغ منقوع في ماء الآرجيل لمدة سنة , تسيل حمرته على الرقبة ليمتزج بحمرة قمصان النوم النافذة بوضوح تحت الجلابيات الشيفون .. الحاجب هلال مسترخيا فوق الرموش ومحاطاً بهالة بيضاء دليل حرفتهن العالية في صنع الحلاوة .. إن ضحكت رقص الهلال الأيمن ومال الأيسر فبانت غمازات الصدغ كسرة عيل صغير .!

    الجمال هذه الليلة من منية المرشد
    و الروعة من هناك بين أنامل و أشوق سلطان و حنين المنزلاوى للزمن الجميل
    و الكرامات التى تحفر عميقا فى ذاكرة الناس ، و الدراويش أمثالى و أمثالهما
    ماهذا الذى أجد هنا ، أكان فصلا فى لحمة العمل المزمع انتاجه ؟
    ربما كان
    كان يترقرق على نبض روحك ، و حنينك .. و طيشك الجميل المفعم بروح الطيبة و التراب !!
    و كانت الدوامة تأخذ حسن منك ، و أنت هناك تتعشق الجمال فى اهتزاز الخلاخيل ، و هذه الوجوه و الرقاب التى كانت لها صدح البجع فى البحيرة

    لم يعجبنى هذا التعبير أبدا ، و لا أدرى ربما فيه خلط ، لكنى كرهته ، فهل قصدت .. لا يمكن أن تقصد !!
    الوجه المليح وردة بلدي والصدغ منقوع في ماء الآرجيل لمدة سنة

    أحبك محمد و أعجبتنى القفلة .. كانت خاطفة بشكل مغامر
    دلت على حنكتك و قدرتك على صياغة الجمال !!

    محبتى
    sigpic

    تعليق

    • محمد سلطان
      أديب وكاتب
      • 18-01-2009
      • 4442

      #3
      غيرتها ربيعي , لعلك تقصدها هكذا أم كنت تقصد الفقرة كاملة ؟!

      سأعود لحديثك الحميمي عن منية المرشد .. صباحك قشطة وحب العزيز
      صفحتي على فيس بوك
      https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

      تعليق

      • دريسي مولاي عبد الرحمان
        أديب وكاتب
        • 23-08-2008
        • 1049

        #4
        الرائع محمد ابراهيم سلطان...
        مرحة روحك الى حدود الامتاع الذي يحقق انشراحا عبر اكتشافي لعوالم الاخرين وهي تنضح بكل الحياة وتنبض بسر جمالها عبر بساطة جميلة...
        كنت هنا مكتشفا ومنصتا ومشاهدا,لأن الذي غلب على قراءتي هو استحضار الصورة التي هي غريبة عني لخلق الفة معها...
        تحققت ألفتي بها لأني كنت مع الحوار وداخله أستشف روح القصة...
        تقبل مروري مع تقديري العميق.

        تعليق

        • عائده محمد نادر
          عضو الملتقى
          • 18-10-2008
          • 12843

          #5
          الزميل القدير
          محم ابراهيم سلطان
          لم أفهم بعض المفردات
          دنقل مامعناها
          الشطوط أيضا
          أرجو أن تضع معاني الكلمات وترقمها قرب الكلمة التي تعرف بأنها صعبة لأنها محلية صرفة أي غير متعارف عليها إلا بين أهل البلد
          أعتذر منك
          لكن الحوار كان أكثره حميما يدخل عمق حياة وهموم الإنسان
          تحياتي ومودتي لك
          الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

          تعليق

          • محمد سلطان
            أديب وكاتب
            • 18-01-2009
            • 4442

            #6
            --------------------------------------------------------------------------------

            أيضا فرصة لاستمتاع العجائز والشيوخ بالمداحين وفرقة الآلات الشعبية القادمة من دسوق ..
            وصلوا قرب آذان المغرب .. نسبة الحريم تفوق نسبة الرجال كالعادة .. المرأة مثل فلقة القمر .. الوجه المليح وردة بلدي والصدغ منقوع في ماء الآرجيل لمدة سنة , تسيل حمرته على الرقبة ليمتزج بحمرة قمصان النوم النافذة بوضوح تحت الجلابيات الشيفون .. الحاجب هلال مسترخيا فوق الرموش ومحاطاً بهالة بيضاء دليل حرفتهن العالية في صنع الحلاوة .. إن ضحكت رقص الهلال الأيمن ومال الأيسر فبانت غمازات الصدغ كسرة عيل صغير .!

            الجمال هذه الليلة من منية المرشد
            و الروعة من هناك بين أنامل و أشوق سلطان و حنين المنزلاوى للزمن الجميل
            و الكرامات التى تحفر عميقا فى ذاكرة الناس ، و الدراويش أمثالى و أمثالهما
            ماهذا الذى أجد هنا ، أكان فصلا فى لحمة العمل المزمع انتاجه ؟
            ربما كان
            كان يترقرق على نبض روحك ، و حنينك .. و طيشك الجميل المفعم بروح الطيبة و التراب !!
            و كانت الدوامة تأخذ حسن منك ، و أنت هناك تتعشق الجمال فى اهتزاز الخلاخيل ، و هذه الوجوه و الرقاب التى كانت لها صدح البجع فى البحيرة

            لم يعجبنى هذا التعبير أبدا ، و لا أدرى ربما فيه خلط ، لكنى كرهته ، فهل قصدت .. لا يمكن أن تقصد !!
            الوجه المليح وردة بلدي والصدغ منقوع في ماء الآرجيل لمدة سنة

            أحبك محمد و أعجبتنى القفلة .. كانت خاطفة بشكل مغامر
            دلت على حنكتك و قدرتك على صياغة الجمال !!

            محبتى

            روحك دائما قريبة مني .. تساندني أثناء الكتابة ,, فلا أرى إلا صوتك و لا أنصت إلا لأصداء نصائحك .. وهكذا دوما على طول الطريق .. كلما أحسست بالقرب من نفسي استشعرتك بكل جوارحي ..
            فلا عجب من حديثك عن منية المرشد وأهلها البسطاء .. كأنك تعيش معنا .. تأكل وتشرب على حوافها البحرية و في الحقول .. كدت أتشمم أنفاسك وأنفاس قريتي في هذا التعليق الذي أحببته ..
            أشكرك ربيعي شكرين : الأول لمرورك وحديثك الذي أحبه ودائما أنتظره , والثاني لأنك فتحت للعمل القادم طريق جديد .. والله كنت أفكر في ذلك وظل الشك يلاعبني حتى جاء اليقين بعد قراءة تعقيبك .. وسأعيد ترتيباتي من جديد ..

            أحب أنا أيضا واشتقت لرؤياك .. لا حرمني الله منك و رزقك بالعمر المديد وراحة البال ..

            قبلاتي
            صفحتي على فيس بوك
            https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

            تعليق

            • محمد سلطان
              أديب وكاتب
              • 18-01-2009
              • 4442

              #7
              المشاركة الأصلية بواسطة دريسي مولاي عبد الرحمان مشاهدة المشاركة
              الرائع محمد ابراهيم سلطان...
              مرحة روحك الى حدود الامتاع الذي يحقق انشراحا عبر اكتشافي لعوالم الاخرين وهي تنضح بكل الحياة وتنبض بسر جمالها عبر بساطة جميلة...
              كنت هنا مكتشفا ومنصتا ومشاهدا,لأن الذي غلب على قراءتي هو استحضار الصورة التي هي غريبة عني لخلق الفة معها...
              تحققت ألفتي بها لأني كنت مع الحوار وداخله أستشف روح القصة...
              تقبل مروري مع تقديري العميق.
              الأستاذ المبدع القدير ..

              دريسي مولاي عبد الرحمن

              كان لإطرائك وقع نديّ على قلبي .. أثلج صدري هذا الحس الأدبي الذي استشعرته ذائقتك وأدركته حواسه الفطينة ..
              فشكرا لك كل الشكر على مداخلتك التي تعيد لمهجتي العمر الجميل

              و وافر التحية لكم
              صفحتي على فيس بوك
              https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

              تعليق

              • د. سعد العتابي
                عضو أساسي
                • 24-04-2009
                • 665

                #8
                نص مميز
                اخر لكاتب مميز
                الله اكبر وعاشت العروبة
                [url]http://www.facebook.com/home.php?sk=group_164791896910336&ap=1[/url]

                تعليق

                • محمد سلطان
                  أديب وكاتب
                  • 18-01-2009
                  • 4442

                  #9
                  المشاركة الأصلية بواسطة عائده محمد نادر مشاهدة المشاركة
                  الزميل القدير
                  محم ابراهيم سلطان
                  لم أفهم بعض المفردات
                  دنقل مامعناها
                  الشطوط أيضا
                  أرجو أن تضع معاني الكلمات وترقمها قرب الكلمة التي تعرف بأنها صعبة لأنها محلية صرفة أي غير متعارف عليها إلا بين أهل البلد
                  أعتذر منك
                  لكن الحوار كان أكثره حميما يدخل عمق حياة وهموم الإنسان
                  تحياتي ومودتي لك
                  الرائعة المبدعة عائدة محمد نادر

                  أضفت التعريفات المطلوبة فضلا عن بعض المصطلحات التي قد تكون مغهومة للجميع .. ليتها تكون الآن راقت لكم ..
                  خالص الشكر و التقدير على المرور و القراءة و الإطراء الجميل ..
                  النقرة لها حكاية كبيرة عائدة .. تحتاج لصفاحت مستقلة كي أفردها .. الله المعين و المستعان ..
                  وتحياتي لك يا ست الكل ..
                  صفحتي على فيس بوك
                  https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                  تعليق

                  • مها راجح
                    حرف عميق من فم الصمت
                    • 22-10-2008
                    • 10970

                    #10
                    المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
                    [align=center]

                    [frame="15 98"]في النقــرة


                    لفيف من الأفكار السوداء حاصرتني تحت القبو , ولا أدري كيف توهمت أن كتائب الموتى يلفون المركب , بالذات في تلك الليلة , ونفس البركة ..!
                    ليلتها تذكرت حديثي مع حسن البربري ـ ذات نوة ـ أخبرني أنها البركة الثانية , ولما طمعت في أصل الحدوتة شدني كعادته من ياقتي وصعد بي إلى السطح : النقرة تحتنا بالظبط .!

                    دون ترددٍ كشفت القبو وآخر حدود البصر يتلألأ البر البعيد ..
                    أصداء البربري تأتيني عبر نسمات الليل غير سعيدة :
                    ـ مالك يا حسونة .. كأنك عيان ؟
                    ـ لا أنا بخير .. لكن الفاجرة مرغت سمعتي في الطين يا صبري .. سيرتي على كل لسان في البلد .. الواحد بيفكر يموت نفسه و يرتاح ..
                    ـ نصحتك كتير ياحسن وكان اصرارك أقوى من أي نصيحة .. مشيت ورا الشيخ ترباس لحد ما ضيعك و الطوبة جت في المعطوبة .. وفي يوم وليلة اتجوزت واحدة لا نعرف لها أصل ولا فصل .. لا أنت من طينتها ولا هي من طينتك وما يكسر ضهر الراجل غير ست قادرة يابن عمي !

                    دومات النقرة تدور مع الريح كما قراطيس البريمة .. ونهنهاته لا تزال تتردد في البركة كلها .. تأتي من قاع النقرة وتوصيني بالبنت :
                    ـ البنت .. البنت أمانة برقبتك يا صبري .. علمها يعني إيه شرف الغلابة .. يعني إيه العيش و الملح .
                    ـ وعيشك وملحك يابوعلي هدور عليها .. هقلب عليها الدنيا وأجيبها من تحت طقاطيق الأرض .. لحمك لحمنا يا حسن .

                    زحفتُ بالدنقل*1 المربوط على جنب المركب .. أعس الشطوط و البرور*2 .. لم أترك جونة*3 أو حافة إلا ودعستها دعساً .. ما خليت صغيراً ولا كبيراً .. حتى مراكب البطيخ والتمساحات العريضة ..
                    لا أحد يعرف سكتها .. ويجزم البعض أنهم ما سمعوا عن البربري إلا من الأقاويل وحكاوي الصيادين في المياقي*4 .. !
                    النقرة هي حسن وحسن هو النقرة .. وغير ذلك فبلاد الله واسعة , و الزوار ليس لهم أرضاً محددة .. اليوم عند المرشدي .. غداً عند أبي مندور , وبعده عند السيد البدوي ..
                    ارجع يا بني لبركتك , انصب غزلك واشتغل والخير يقدمه ربنا .

                    ليلة وصول الزوار يختل توزان البلد .. يكثر الهرج و المرج بعد العصر ويزداد بعد صلاة العشاء أمام ساحة سيدي محمد المرشدي .. المزدانة بأفرع النور الملونة و المدلاة علي الجانبين كعناقيد العنب ..
                    يعتبرها الباعة المتجولين ليلة رواج لبضائعهم المركونة طول السنة تحت الأسرة وفي الأجولة فوق الدولايب ..
                    الغوايش والسلاسل و الخواتم والحلقان لا تقل انتعاشاً عن الجبن والزبد والقشطة واللبن والسمك وحب العزيز ..
                    أيضا فرصة لاستمتاع العجائز والشيوخ بالمداحين وفرقة الآلات الشعبية القادمة من دسوق ..
                    وصلوا قرب آذان المغرب .. نسبة الحريم تفوق نسبة الرجال كالعادة .. المرأة مثل فلقة القمر .. حمرة الخدود الندية تسيل على الرقبة لتمتزج بحمرة قمصان النوم النافذة بوضوح تحت الجلابيات الشيفون .. الحاجب هلال مسترخيا فوق الرموش ومحاطاً بهالة بيضاء دليل حرفتهن العالية في صنع الحلاوة .. إن ضحكت رقص الهلال الأيمن ومال الأيسر فبانت غمازات الصدغ كسرة عيل صغير .!

                    ـ يا قوة الله عليكم نسوان !!
                    ـ اعقل ياشيخ ترباس هنروح في داهية .
                    ـ النسوان دي بتيجي منين يا وله ؟
                    ـ العلم عند الله يابو شعبان .. لكن سمعت انهم جايين من بحري .
                    ـ تسلم بحري وتسلم أراضيها .. شوف يا وله رقبة الواحدة مصبوبة صب زي كوز العسل إزاي ؟!
                    ـ وبعدين في ليلتك الهباب دي ؟ أنا قايم أصلي العشا قبل الوضوء ما يروح .
                    ـ عارفك فقري طول عمرك زي اخوالك .. قوم صلي وادعي ربنا يجوزك تلاتة زي أبوك الفاجر ..

                    تابعت السهرة مع حسن وكنت أضبطه متلبساً بغمزاته للصبية الواقفة على الجانب الآخر ..
                    الميكروفونات تجلجل بصوت الريس عتمان وبين الحين والحين ترمي الفتاة زعرودة وسط الإنشاد .. فيرسلها صدى السماعات إلى البيوت والمقاهي , تستقطب العيال و تنتزع الأفخاذ الملصوقة في الكراسي .

                    كل موسم أنتظر عودتهم , أقعد قدام الجامع بسلّ السمك وأذاكر في وجوه الصبايا , وآخر السهرة أفرش بأقماع الحلبة وحب العزيز .. وبعد اللف و الدوران أسلم نفسي لملك النوم ..!
                    ـ الله يخرب عقلك يا صبري .. صحصح يا جدع النهار طلع .
                    ـ سيبني يا شيخ ترباس اعمل معروف , كعوبي وارمة من اللف .
                    ـ أنا شعبان يا صبري وأبويا في بحري من امبارح , راح يشتري غزل للمركب .

                    همدت دوامات البركة .. ابتلعتها النقرة .. اختفى حسن تماما ولم تترك له أثرا ..!
                    نزلت من فتحة القبو إلى بطن المركب ؛ أجهز ربطة غزل بدلاً من التي مزقتها مراكب البطيخ و الشنشلا* 5..
                    تذكرت حديث ابن الترباس عن زيارة والده لسيدي يوسف والغزل ومبيته في بحري في نفس الليلة .. !!
                    لم أصدق ما وسوسني به مخي .. ولا أدري كيف قفزت من بطن المركب إلى قاع النقرة كالملسوع :
                    ـ اطلع ياحسن .. لقيت البنت يابوعلي .. لقيت البنت يابوعلي !!!


                    [align=right]
                    1: الدنقل هو القارب الصغير
                    2: الشطوط حمع شط .. البرور جمع بر
                    3: الجونة هي المنطقة الداخلة في بر البحيرة مكونة شبة دائرة مائية .
                    4: الميَاقي جمع مقْيّة والمقْيّة الواحدة هي مجموعة من القوارب معتادة التجمع للسم بعد الانتهاء من العمل في منطقة مائية معروفة باسمهم .
                    5: الشنشلا نوع من الشباك تستخدمه مراكب الصيد الكبيرة .

                    [/align][/frame]
                    [/align]

                    مرحبا استاذ سلطان

                    وها انت تبدع في أعماق المكان وحكاياته الشعبية
                    نص جميل واضح كالشمس
                    بورك القلم


                    هل النقرة اسم المكان؟


                    تحيتي
                    رحمك الله يا أمي الغالية

                    تعليق

                    • فواز أبوخالد
                      أديب وكاتب
                      • 14-03-2010
                      • 974

                      #11
                      قرأت وأستمتعت بما قرأته

                      كل الشكر لك أخي محمد سلطان
                      [align=center]

                      ما إن رآني حتى هاجمني , ضربته بقدمي على فمه , عوى من شدة
                      الألم , حرك ذيله وولى هاربا , بعد أن ترك نجاسته على باب سيده .
                      http://www.almolltaqa.com/vb/showthread.php?t=67924

                      ..............
                      [/align]

                      تعليق

                      • إيمان الدرع
                        نائب ملتقى القصة
                        • 09-02-2010
                        • 3576

                        #12
                        بوركت أناملك ياسلطان الكلمة :
                        والله سررْت بما قرأت...
                        لقد جُلت بروحي وعبر وصفك المبدع، هذه الأماكن بألفةٍ غريبةٍ وكأنّي أعرفها..
                        كنتَ رائعاً عفويّا ،كما هي عادتك .
                        لاأملّ من متابعة نتاجك المميّز...
                        دُمتَ بسعادةٍ ...تحيّاتي ....

                        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                        تعليق

                        • محمد سلطان
                          أديب وكاتب
                          • 18-01-2009
                          • 4442

                          #13
                          المشاركة الأصلية بواسطة د. سعد العتابي مشاهدة المشاركة
                          نص مميز
                          اخر لكاتب مميز
                          دكتورنا وأستاذنا المعلم ..

                          اشتقتك سيدي واشتقت مرورك بنصوصي .. فأين أنت مني بالله عليك ..؟؟

                          هل تذكر أيام الذهبية ؟؟ أيام كنا نتراسل بشأنها مطلع كل شهر ..!! هل تذكر قبل فوزي بأول ذهبية "الدرويش" ماذا قلت لك قبلها بشهر .. أتذكر يومها قلت لك هناك عمل قادم في الطريق على لسان شخصية عراقية وساشرفك فبهذا العمل وأتمنى أن يخرج من بين يديك آية أخرى حينما تتناوله الكريمتان بالنقد ؟؟

                          ااااااااااااااااااااااالله ما أجملها من أيام وما أروعها وأروعك .. أمساها الله بكل خير وفاء عبد الرازق صاحبة أول حفلة و "الجثث تشرب العصير" ..

                          قبلاتي لك د.سعد وأرجوك لا تبعد عني .. فكل حرف بحاجة لك .. حتى ولو كان مرورا كهذا .. المهم أن أستحضر روحك معي ..

                          قبلاتي لجبينك الطاهر .. ولأرض العراق ألف تحية
                          صفحتي على فيس بوك
                          https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

                          تعليق

                          • العربي الثابت
                            أديب وكاتب
                            • 19-09-2009
                            • 815

                            #14
                            [align=center]صديقي محمد...
                            انغمست في هذا الحكي الصاعد من شعبية المكان والزمان،
                            انتشيت بكل الصور التي رصدتها بقلم صادق يسيل ابداعا وجمالا،
                            لا تكفيني قراءة واحدة لكل هذا الجمال ..سأعود بكل تأكيد
                            تقبل صادق المحبة وعاطر التحايا..
                            [/align]
                            اذا كان العبور الزاميا ....
                            فمن الاجمل ان تعبر باسما....

                            تعليق

                            • د. سعد العتابي
                              عضو أساسي
                              • 24-04-2009
                              • 665

                              #15
                              المشاركة الأصلية بواسطة محمد ابراهيم سلطان مشاهدة المشاركة
                              دكتورنا وأستاذنا المعلم ..

                              اشتقتك سيدي واشتقت مرورك بنصوصي .. فأين أنت مني بالله عليك ..؟؟

                              هل تذكر أيام الذهبية ؟؟ أيام كنا نتراسل بشأنها مطلع كل شهر ..!! هل تذكر قبل فوزي بأول ذهبية "الدرويش" ماذا قلت لك قبلها بشهر .. أتذكر يومها قلت لك هناك عمل قادم في الطريق على لسان شخصية عراقية وساشرفك فبهذا العمل وأتمنى أن يخرج من بين يديك آية أخرى حينما تتناوله الكريمتان بالنقد ؟؟

                              ااااااااااااااااااااااالله ما أجملها من أيام وما أروعها وأروعك .. أمساها الله بكل خير وفاء عبد الرازق صاحبة أول حفلة و "الجثث تشرب العصير" ..

                              قبلاتي لك د.سعد وأرجوك لا تبعد عني .. فكل حرف بحاجة لك .. حتى ولو كان مرورا كهذا .. المهم أن أستحضر روحك معي ..

                              قبلاتي لجبينك الطاهر .. ولأرض العراق ألف تحية

                              اخي محمد
                              والله لم اتعمد الغياب
                              واتابعك وقرات لك كثيرا
                              وعلقت هنا وهناك غير اني اجدك ابتعدت
                              فلم نعد نتراسل شهريا كما قلت
                              خيط الود موصول بك
                              اخي الغالي
                              الله اكبر وعاشت العروبة
                              [url]http://www.facebook.com/home.php?sk=group_164791896910336&ap=1[/url]

                              تعليق

                              يعمل...
                              X