كان بوسعي أن أكون إمرأة أخرى , مختلفة عني تماما , عادية جدا و تافهة جدا و ..سعيدة جدا.
كان بوسعي أن تكون هوايتي الوحيدة هي عشق المرايا و الأصباغ و غوايات أنثرها على درب الرجال ليسقطوا عند أبواب أنوثتي ..صرعى غبائي .كان بوسعي أن أضحك ببلاهة لكل ما لا يُضحك , أن أرتشف قهوتي ,و أنا واقفة, نصف جسدي خارج الشرفة,و عيناي تجوبان الشارع الطويل جيئة وذهابا, ببلادة سمكة .
كان بوسعي أن أجعل يومي مرتّبا جدا و رتيبا جدا و.. فارغا جدا , أوزّع فيه مهمّاتي بالتساوي بين صباح للمطبخ و ظهر للتلفزة و مساء للثرثرة و ليلٍ.. لللاّشيء !
نعم.. الليل.. كنت أستطيع أن أراه بعيون امراة أخرى مرادفا للسّواد و بعض الموت , لا موعدا لأن ألعق أحزاني و أحرّر آلامي من قيد الضياء ثم أسكبها على الورق أحرفا من نار و جليد .
نعم ..الليل ..كان يمكن أن لا يعني لي أكثر من ظلمة مريحة و وسادة ألقي فوقها بحمل النهار ..لا حبيبا أترقبه بشغف لألتقي فيه مع نفسي , أنزع عنها الأقنعة .. أمارس طقوس صمتي الهادر و أغرق الدفاتر في فوضى الخطوط و الحروف و كثير من الهراء .
كان يمكن أن تكون رأسي يقطينة جافة فلا أسقط كل لحظة في فوّهة التفكير , و قلبي عضلة تضخ الدماء و تدق بانتظام مثل ساعة خشبية في معرض ' أنتيكات '.. و عيناي ..عيناي ..كان يمكن أن لا تريا في القمر سوى كرة مضيئة مستقرّة في السماء لا كائنا أسطوريا أجدني كلما أنظر فيه معلّقة على حبال الدهشة والحلم و الخيال .
كان بوسعي- لو أني امرأة أخرى - أن لا أرى في البحر تربة لزرع السنابل أو مجمرة تحترق فيها أفئدة العشاق و لا في وشوشات العصافير عزفا على أوتار الروح .. أن لا تهزّني قطرات المطر حين تدق زجاج النافذة , ولا حدود الأفق البعيد ساعة السحر أين تلتقي الأرض و السماء في قبلة سرمدية ..لو أني إمرأة أخرى ما رأيت في الورد أكثر من تعريفاته في القواميس : نبات شوكي متعدّد الألوان !
لماذا الأشياء ذاتها و الأسماء و الأشكال تأخذ عندي أشكالا أخرى و معانٍ أخرى..فيحدث أن أرى المستطيل مربّعاً , و المستقيم دائرة , و الدائرة خيطا رفيعا ممتداّ بين نقطتين لا وجود لهما سوى في خيالي !
كان بوسعي أن أكون إمراة سعيدة جدا غير أن الحزن اصطفاني منذ آلاف السنين سماءً لغربانه الشاردة..و الأبجدية اختارتني لتجلدني بسحر الكلمات سرا و علانية..
تعليق