الواقع السياسى فى القصة القصيرة

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الحافظ بخيت متولى
    عضو الملتقى
    • 27-07-2008
    • 13

    الواقع السياسى فى القصة القصيرة

    الواقع السياسى فى القصةالقصيرة

    بقلم/ عبد الحافظ بخيت متولى
    مدخل
    لايمكن دراسة الانعكاسات السياسية فىالاعمال الأدبية واستجابة هذه الاعمال دون الوقوف على مفهوم الواقع السياسى, والذىيقصد به تلك المماراسات السلطوية التى تحدد المناخ التشريعى للفرد وعلاقته بالدولةوترسم حدود واجباته تجاه الوطن وحدود واجبات الوطن تجاه الفرد, ومن هنا كان لابد منتتبع هذا الواقع السياسى وتحولاته ورصد هذه التحولات وهل هى فى صالح الفرد أمضده؟
    والواقع السياسى الآنى فى مصر يشير الى عدة تحولات فى الفترة ما بين 1952إلى الآن ,وهذه الفترة تبدو للراصد أنها كانت مليئة بالتحولات السياسية فى المجالالخارجى او الداخلى,فعلى المستوى الخارجى وقعت ثلاثة حروب هى هزيمة يونيو 1967 وحربالاستنزاف وحرب اكتوبر 1973 وعلى المستوى الداخى حدث تحولات سياسية كبيرة أهمهاغياب الديمقراطية وغياب العدالة الاجتماعية والعنف السياسى
    ولم يكن الابداعالقصصى فى الجنوب بعيدا عن رصد هذه التحولات على المستوى الخارجى أو الداخلى, فلقداستطاع الإبداع القصصى أن يبلور العلاقة بين الثقافى والسياسى أو بين الابداع كفنله أدواته الخاصة وبين السياسى الذى يقدم أطروحاته الخاصة أيضا, ولكن السؤال المهمعند رصد هذه العلاقةهو: هل عبر الابداع القصصى فى الجنوب عن القضايا والتحولاتالسياسية تعبيرا جيدا يتناسب مع حجم هذه القضايا أم أنه وقف عن زواية معينة؟عندالاجابة عن هذا السؤال تطالعنا صعوبة مزدوجة .
    والصعوبة الأولى هى: "أن الإبداع لا يمكن أن يكون ترجمةحرفية للتحولات السياسية, لأنه بحكم خصوصيته وأدواته وارتباطه بذاتية المبدع لا يمكنأن يكون استنساخا أو تكرارا لما هو رائج فى عالم السياسة, والإبداع القصصى فى أشكالهاللامتناهية ومقتضيات وسائله المغايرة لطبيعة التواصل المباشر ينحو إلىإعادة خلق الاشياء والعلائق والفضاءات من خلال مسافة جمالية محددة يضعها بين المعيشالمباشر والرؤيا الفنية التى تمزج المادى بالنفسى والملموس بالمحلوم به ومشاهدالواقع "1"بمخزونات الذاكرة ,وهذا لا يعنى أن العوالم الابداعية منقطعة الصلةبالحياة وأسئلتها وإنما يعنى أن قلق أسئلة الفن يطغى على استخدام الطابع التسجيلىللقضايا السياسية داخل العمل الفنى, ومن ثم فإن كتاب القصة قد يلجأون إلى تقنياتفنية لاتبدو مباشرة فى التعبير عن الواقع السياسى, مثل استخدام الرمز أو توظيف الحلمأو غير ذلك
    والصعوبة الثانية: هى أن حجم التحولات والقضايا السياسية كبير ومتشعبولا يمكن ملاحقته واستيعابه من قبل كل المبدعين

    (1)تجارب فى الابداع العربى , كتاب العربى , 77 ,يونيو 2009,صـ 47


    ومع ذلكفإن مرحلة الثمانينيات التى يتناولها هذا البحث لا تشكل صوتاً ناشزاًعن الإيقاع العام، ولا هي منفصلة عما سبقها أو لحقها، لكنها تحمل الكثير منالخصوصيات التي ارتبطت بها لأن بدايتها تواشجت مع أحداث سياسية عربية ومحلية تركتبصماتها واضحة على الحياة الاجتماعية والفكرية والذاتية، وختمت أيضاً بأحداث سياسيةعربية وعالمية، كان لابد أن تترك آثارها فيما جاء بعدها، وخلال السنوات التي تُجسّدعمرَ هذه المرحلة مرت البلاد بظروف سياسية وفكرية واجتماعية واقتصادية عديدة أثّرتفي القصة القصيرة فى الجنوب التي غالباً ما كانت تواكب جديد المجتمع، بغضّ النظر عنإمكانيات تلك المواكبة وما يمكن أن تحققه في هذا المجال أو ذاك.
    ظروفالمرحلة:
    قد حدثت في البلاد إبان هذه المرحلة مجموعة أحداث سياسية تتعلق بحركةالتحولات السياسيةوالتفجيرات التي استمرت سنوات، وأشاعت جواً مرعباً في نفوس الناس،لأنها طالت الجميع، وقد جعلت البلاد و"أبناء الشعب يدفعون ثمناً غالياً أسهمواجميعاً فيه نتيجة لطبيعة هذه التحولات التي شغلت البنية السياسية والفكريةوالاجتماعية مدة من الزمن"1"، وجعلت الأذهان تتجه إليها، بل ربما لا يبتعد المرء عنالحقيقة إن قال: إنها أسهمت في ثبات مختلف جوانب الحياة دون أن ننسى تشويه حقيقةالبلاد، وسمعتها وسوى ذلك مما يتعلق بآلية النظرة لأمور عديدة، و لا ننسى ما وصلتإليه الأحوال الاقتصادية التي تعرضت لاهتزازات كثيرة، متعددة الأسباب من داخليةوخارجية وكان أن انصرف معظم أبناء المجتمع في سبيل تحصيل مواردهم الأولية، وهذامؤشر خطير أسهم في الإعاقة أيضاً؛ لأنه شغل أذهان الناس بأمور الحياة المعيشيةوتأمين المتطلبات، والمأساة كانت في عدم توفير ما يسعى إليه الإنسان والوصول إلىفقدان مستلزمات حياتية يومية، وهاهنا لابدّ للمرء أن يشير إلى أن هذه الأحداث شكلتخطراً حقيقياً على البلاد والحركة الاجتماعية، لأنها أسهمت في جعل أبواب الفسادمشرّعة أمام صعوبة تأمين مواد المعيشة، وجعلت كثيرين يدفعون الثمن غالباً لتحصيلضروريات حياتهم مع ما فتحته من ميادين لانتشار السوق السوداء وخلق طبقة من المرتزقةوالمستفيدين نموا في هذه الظروف التي تعد خصبةلازدهارهم.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    "1"
    دكتورحمدى حسين , الؤية السياسية فى الرواية الواقعية , مكتبة دار الادب , صـ 67
    "





    ونتيجة لمجمل هذه الظروف فإن حركة الأحزاب قد خفّت كثيراً، وكادت تتلاشى لأنالأحوال الموجودة كانت أقوى، وكان على الصحافة أن تأخذ دوراً متميزاً في هذه الظروفإلا أنها لم تستطع ذلك، لأن أحادية الرؤية في عدد من الأفكار كان لها ثمرات غيرحسنات على هذه الأوضاع، بخاصة أن الصوت الواحد في ظروف مثل هذه الظروف يغدو ضرورةبنظر كثيرين كي تعود الأمور إلى مجاريها، وكان أن بدأت جموع الناس تتنفس الصعداء فينهايات هذه المرحلة نتيجة الانفراج وشهدت ازدهار مجموعات من المتطفلين والمرتزقةالذين استغلوا بعض الأحداث خير استغلال، ولا ينسى المرء ما حدث نتيجة للحصار ومنعبعض المواد فيما يخص إتاحة المجال لحدوث تهريب لكثير من الممنوعات والأشياء غيرالمتوفرة في البلاد، وهذا أدى إلى نشوء مجموعات من المرتزقة، وبدأت الدوائر تتسعفيما يخص الفساد""1"، لأن هذه الأحوال الاستثنائية والصعبة تغذي ضعاف النفوس وهواةالاستغلال والإساءة لكرامات الناس وتسمح لهم بالإعلان عن أنفسهم، فكان أن عاثعديدون منهم فساداً في مقدرات جوانب كثيرة من خيرات البلاد، واستفاد عشرات من موظفيالدولة من المهمات الملقاة على عاتقهم والحيز المتاح لهم، ليحققوا ما يصبون إليه،وقد راكموا كثيراً من الإساءات التي تعرض لها كثيرون، لأن مبدأ المحاسبة في هذهالأحوال لا يشكل حضوراً قوياً، إضافة إلى اختلاط الأمور ببعضها مما ترك المجالمفتوحاً لخلط مقصود بين المصالح العامة والمآرب الشخصية بحيث يتم تحقيق المآربالشخصية بحجة المصالح العامة.
    نشأت نتيجة لمجمل الظروف السابقة آليات تفكيرعديدة بعضها يتعلق بالظلم الذي من الممكن أن يحيق بأي شخص دون أن تكون دوافعموضوعية خلف هذا الظلم، إضافة إلى ترسيخ جذور التفكير النفعي والمصلحي والمجاملي،وسوى ذلك من رؤى تفكيرية تخلط الأمور ببعضها وتكدر صفو الفكر، وتجعل الأمور مشوشةمختلطة.
    إن حالة عامة من الخوف قد شاعت لفترة من الزمان بين الناس مما جعلكثيرين يفقدون دافع المطالبة بالحقوق المهضومة لإيمانهم بعدم جدوى هذا الأمر، وإنكانت الأيام في كثير من الحالات قد كشفت غير ذاك فيما يخص بعض الذين لا يُرضى عنهم،وبات المرء يشعر أن القوانين موجودة لا لتطبق على الجميع، بل على بعض الحالاتوالشخوص وهذا كان يحزّ في النفوس كثيراً.وقد أسهمت مجمل الظروف السابقة كما قلنا منقبل في اتساع دائرة المرتزقين والطفيليين ونشوء طبقة الأغنياء الجدد بإفرازاتهاالاجتماعية والفكرية المختلفة
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    "1"
    المرجع السابق , صـ 103






    الناجمة عن التغير الطفرة، وتغير الطفرة هذا مثالبهكثيرة، وعقابيله وخيمة نتيجة لمايتطلبه، وما تفرضه بناه في مجمل أنماطالحياة التي تعيش، وقد بدا ذلك جلياً بعد انفتاح التسعينيات الذي شهدتهالبلاد.
    إن التغيرات والتحولات الداخلية التي حدثت في هذه المرحلة قد زعزعتالكثير من الثوابت، وقوّضت عشرات القيم والأخلاقيات التي ما كان للمجتمع أن يتخلىعنها بسهولة، وأسهمت في تشكيل ما يمكن أن يدعي نكوصاً وردّة في العديد من آلياتالتفكير وبناه التي اعتقد عديدون أنه تم التخلي عنها، لأن هذا التخلي لا يتم بينيومٍ وليلة، ويحتاج الكثير من الشغل المحسوب فكرياً وليس القمعي كي يتم التخلص منه،أما إن تمّ تأكيد ضرورة تغييره إجبارياً فإنه غالباً ما يخلق حالة رد فعلمعاكسة!ولقد كان لهذه المرحلة ظروفها الخاصة التي جعلت العديدين يعيدون النظربكثير من ثوابتهم، وأسهمت في تعطيل الكثير من المفاهيم والرؤى، مع ما شكلته من شرخعلى أصعدة عديدة فأفرزت هذه الأوضاع وقدمت ما قدمته، وكل ما سبق تجلى بصور عديدة فيعشرات القصص وأسهم في حدوث تغيرات رؤيوية تخص فهم القصة، وانصرف عديدون إلى الحديثعن خصوصياتهم، لأنهم وجدوا الخارج يحاول أن يستلب معظم عوامل التفردوالانمياز.
    إن مجمل التغييرات التي حدثت تحتاج إلى وقفة تكشف بعض ما جرى، فعلىصعيد التعليم مثلاً بدأت تنتشر أفكار تخص جدوى التعليم بعد أن بدأ خريجو الجامعاتيبحثون عن عمل في أي مكان، إضافة إلى بدء حصول البون الشاسع بين الدخل والمصروف،وهذه المتغيرات أدت إلى زعزعة كثير من الثوابت التي تخص هذا الميدان، وراحت شعاراتإلزامية التعليم تفقد جدواها وواقعيتها، لأنها أصبحت فارغة من محتواها في ظل انتشار "أمية المتعلمين" التي بدأت تشيع إلى أن وصلت إلى أمور لا تحمد عقباها؛ لأن هذهالأمية من الأميات غير المعلنة، وهي أكثر مأساوية، لأن آثارها تتغلغل في نسجالمجتمع، وتسهم مع غيرها في تحويل الأمور عن مساراتها؛ نتيجة حدوث شرخ بين القولوالفعل، وكونها خطوة في طريق إفراغ الأمور من محتواها والتركيز على مظاهرالأشياء.
    وعلى الرغم من محاولات كثيرة لإنصاف الريف في القطر إلا أن مئات القرىبقيت محرومة من خدمات بدائية قياساً لما يجري في العالم حولنا والمقصود بها الماءوالكهرباء، لكن المرء لا يعدم وجود إنارات كثيرة تخص أبنية التعليم وحالاتالاستبشار التي أصابت الناس نتيجةً لاكتشافات تخص ثروات البلاد الطبيعية ربما أسهمتفي إحياء بعض ما في النفوس وإن لم يلحظ أثرها في حياتهم. لكن مجمل الأحداث قد شاركتفي تحريك الكثير من الثوابت، ولفت الأنظار إلى أشياء متنوعة لا يعدمها المرء الممعنفي مجرى الحركة الثقافية التي كانت تعول على حركة الواقع أكثر مما رأته، وهنا لابدمن الإشارة إلى المستوى المعيشي المتدني الذي راحت تسيطر عليه أمور حادة دفعتكثيرين للهاث الدائم طوال اليوم لتأمين لقمة عيشهم، وراح الفكر المهرجاني والتسويغيينتشر؛ مما جعل البون شاسعاً بين ما يُعلن وماهو موجود، وقيلت دعاوى كثيرة تتعلقبضرورة العمل المتواصل لتأمين لقمة العيش، وقد تناسى أولئك المسوّغون أنه من حقالإنسان أن يعمل ساعات معينة تكفيه لتأمين احتياجاته دون أن يكون مضطراً للهاث طواليومه.
    "
    لقد بدأ حجم الأسئلة يكبر في هذه المرحلة في ظل تقويض العديد من الثوابتالقيمية والأخلاقية، كان سؤال الجدوى يلح على أذهان الناس بحرارة في ظل ما يرونهبعيونهم من أمور كانت تحولاتها بادية لأن ما تعلموه وما آمنوا به راح الواقع يحاولتكذيبه، ويسعى لإحداث شرخ بين المرء ومحمولاته الفكرية والرؤيوية خلال تقديم الكثيرمن سمات الوقائع التي تناقض أو ترفض تلك المحمولات، وكانت الشعارات قد انتشرت وراحتتتكاثر بحماس شديد، ولقيت تشجيعاً يحاول أن يغطي عثرات الواقع وعيوبه، وكلما ارتفعشأن الشعارات وازدهر، كما هو معروف، كلما كان شأن الوقائع والأعمال يخفت وبرزللجميع الفرق بين ما يقال وما يتم صنعه، وازدهت وجوه المنبريّة التي كشفت الأيامالتالية غُفلها وعدم جدواها""1".
    إن هذه المرحلة تنبه المتابع على الكثير منالقضايا الفكرية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية بحيث تضعه على المحك، ليرصدويتابع ما يجري في حركة الواقع ومدى إمكانية تعبير الفن عما يحدث بعد أن استوتالأدوات التقنية وصارت في متناول يد ثلة كبيرة من الكتاب..
    حول مرجعيات القصةوهمومها:
    تابعت القصة القصيرة فى الجنوب في هذه المرحلة رصد مختلف تجلياتالأحداث الاجتماعية والفكرية والسياسية، ويجد الباحث في هذا الميدان رؤية متميزة فيالتعامل مع عدد كبير من القضايا ذات الطابع السياسىوالاجتماعى
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    "1"
    عبدالرحمن أبو عوف , البحث عن طريق جديد للقصة القصيرة ,صـ 111
















    ولافت للأنظار أنالقصة قد واكبت الأحداث الكبرى التي حدثت مثلما عبّرت عن هواجس الفرد وآماله، وكانتخير معبّر عن طبيعتها وجديدها خلال أساليب فنية متميزة يمكن أن نجدها في عدد كبيرمن تجليات القصّ عبّرت عن مستويات فنية متقدمة أتيح لها أن تعلن عن نفسها، ولم تكنموضوعات كثيرة مما تُنُوول في هذه المعركة كان قد أخذ الصدى نفسه بل إن عدداًكبيراً خصت به هذه المرحلة نفسها، ولا يعود ذلك فقط إلى أحداث جديدة أفرزتهاالمرحلة ووقعت إبانها بل يعود في تجليات عديدة منه إلى اجتهاد القاصين وحرصهم علىالتجديد في الأسلوبيات الفنية، لذا فإننا نجد قصصاً فنية عن القمع مثلما نجد قصصاًكثيرة حاولت أن تشرك المتلقي في كتابتها عبر توجه مباشر من القاص إلى المتلقي، وقدنجح قاصون عديدون في الاستفادة من سيرتهم الذاتية، ناقلين إلى القراء معاناتهم فيالكتابة والنشر والحياة. إضافة إلى تمكن عديد منهم في التعبير عن بيئات شعبية ذاتخصوصية. وأفرزت هذه المرحلة تقنيات عديدة وجدت لها مكانة خاصة كالسخريةوسواها.
    والمرء معني بالإشارة إلى أن مفهوم المرجعية هاهنا لم يتراجع بل نُظِرإلى المرجعية بصفتها مادة أولية للكتابة، وليست القصة محاكاة لها، بل إعادة بناءوإضافة وتخييل وشغل فني، وهذا أسهم في تحقيق مستوى فني معقول في معظم قصص هذهالمرحلة.
    رصدت قصص كثيرة جديد هذه المرحلة وظروفها السياسية والاجتماعيةوالاقتصادية، بخاصة أنّ الوعي والحركة الثقافية والفكرية والمطبوعات ووسائل الإعلامجعلت كثيراً من الأمور متاحة بين أيدي الجميع على الرغم مما بدا في المجتمع، من ذلكما يتعلق بتحوّلات راحت تعلن نفسها اجتماعياً تشير إلى أن كثيراً من التعقيدوالغموض في الآليات قد بدأ يسود، نظراً إلى تشابك الأحداث وإلى تحوّلات فكرية أسهمتفي تغيير بنى جملة من العادات والتقاليد والأمور الأخلاقية والقيميّة.
    1
    - مظاهرالقهر:
    غالباً ما يرتبط مصطلح القمع بالأسباب السياسية، على الرغم من أن المرءيمكن أن يجد له أسباباً اجتماعية وفردية، ومن الممكن أن يتعرض له المستضعفون من مثلالأطفال والنساء ويمكن أن نجد بعض تجلياته لاحقاً.
    وقد نسب القص الذي يخصّ هذاالموضوع في هذه المرحلة إلى حدّ كبير لأسباب سياسية، والقيام بأعمال من شأنها عدمموافقة توجه السلطة، لذا فإن القمع يكون عقاباً من السلطة لفئة ما أو تنظيم قامبأفعال لا تتوافق ومصلحة هذه السلطة أو تلك، ومن مظاهر القمع: السجن، والخوفالدائم، والعقوبات الأخرى المتنوعة.
    ولخصوصية وضع البلاد إبان هذه المرحلة فقدنشط هذا النمط من القصّ بصفته أحد مظاهر الرصد لما حدث، إضافة إلى محاولته تقديمتأريخ غير رسمي لهموم فردية واجتماعية، بخاصة إذا كان هذا المنع قد مورس ضدّتنظيمات بعينها لها أدباؤها، والمدافعون عما تقوم به وتصنعه، مثلما هي تحاول أنتصوّر ما حدث، مما يمكن ألا يسجله التاريخ الرسمي.
    وقد عرف غير كاتب بهذا النمطمن الكتابة وأبدى كتاب عديدون تميزاً خاصاً في هذا النمط، لأن قصصاً عديدة ابتعدتعن الصراخ والمباشرة، وحاولت توضيح آثار هذا الموضوع، وما أثاره من إشكاليات نفسيةواجتماعية تركت بصماتها على حياة الناس مثلما شكلتْ شرخاً في نفوس كثيرين أصيبوابحالة قنوط، وباتوا يتساءلون عن جدوى هذا الواقع فى ظل هذه الممارسات
    فمحمد عبدالمطلب فى مجموعته القصصية "ثرثرة رجل طموح" يرصد ذلك الفساد الأمنى, وقضايا التعذيب,وحكايات زوار الفجر ففى قصة" الجيل" يؤكد القاص على رسم ملأمح الجيل المقهور سيايساوبوليسيا فيقول" إن صلاح يحمل نفس السنوات التى نحملها على اكتافنا لكن صوته الهادئيحمل ملامح مأساتنا وافراحنا القليلة , هل ننسى صوته الهادئ وهويقول لنا, فى أحلكاللحظات وأبداننا تعوى من صفع الهروات, سيأتى يوم نعرف فيه طعم الابتسامة سيأتى يوميصير زمام الامور فى أصابعنا""1" وإذا كان محمد عبد المطلب فى هذه القصة يشير إلىالتفاؤل بمسقبل سياسى منصف ألا أنه وفى نفس القصة يكشف عن خداع السلطات للجيل الذىمر عمره ولم يفعل شئيا, فصلاح بطل القصة المفقود والمتعلق به مستقبل الجيل حين يتمالعثور عليه لم يكن صالحا بل تائها وسط جموع البشر قد كسى راسه تاج الشيب الابيض
    هنا يكتشف السارد أن الجيل كله يحمل نفس التاج, بيد أن محمد عبد المطلب لم يفقدالامل ويراهن فى مجموعته على مسقبل سياسى أفضل.
    وكأن هذا المسلك في التعبير قدأضفى على الموضوع أبعاداً خطيرة جعلت منه موضع نيل احترام وعطف وتجارب في المشاعرمن الآخر، حتى لو اختلف مع الرؤية أو تلك، وذلك بسبب الطريقة التي تنوول خلالها،وهي بلا شك طريقة ذكية ومحسوبة، وكانت معظم القصص التي عالجت هذا الموضوع ذات مستوىفني عالٍ، وهو ما يجعل المرءيستعيد
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
    "1"
    محمد عبدالمطلب , "ثرثرة رجل طموح" , الهيئة العامة لقصور الثقافة ,صـ13












    الأمل فيإمكانية كتابة قصص ذات موضوعات سياسية ضاغطة إنما بأسلوب فني ملفت بتقنياتهوتجلياته.
    ويأتى فاروق حسان فى مجموعته " الجرذان" كاشفا عن هذا العنف السياسىويرصد فاروق حسان فى قصصه ذلك التطور إلى الاسوأ فى الدولة البولسية التى تخلت عنالهراوت إلى وسائل سياسية أكثر خبثا, منها الرعب النفسى, ففى قصة " التحقيق" يكشففاروق حسان عن وسائل الأمن الحديثة فى التعامل مع المتهمين السياسيين والأجهزةالحديثة التى تستخدم فى التحقيق " ألقوا بى أمامه ورفعوا العصابة مضيت فترة قبل أنأجمع ما تبقى منى وأتبين ما حولى, سألنى عن الحال قلت إننى مررت بكل أجهزة الألمالوحشى ,سألنى عما إذا كانت لى ملاحظات عليها, قلت إن بعضها بدائى لكن غالبيتها حديثةوجميهعا وبشكل عام تؤدى مهمتها بدرجة لا توصف""1"
    والقصّ الذي حمل تجليات القمعالذي يتعرض له الانسان ، لم يُعبر عنه فقط بصورة مباشرة وإنما يمكن للمرء أن يلمسهفي هذه النبرة الحزينة عند كثير من أبطال القصص المقهورين نفسيا, ومن خلال أحلامهبالخاص من أوضاع القهر
    فزكريا عبد الغنى يهرب إلى الحلم للتعبير عن سطوة الحاكممتخذا منه قناعا يطل من خلاله على القهر وتلسط الحكام وغياب الديقراطية واحترامأدمية الانسان واللعب بمقدرات الشعوب ويبدو ذلك فى مجموعة" الغرف البنفسجية"
    ففىقصة "حلم السلطان "يستخدم زكريا عبد الغنى شكلا ساخرا فى السرد القصصى, وهو شكل ذوحدين يعبر عن واقع قهر السلطات للشعوب ويكشف عن خوف السلطات أيضا من الشعوب, ولقدعمق زكريا عبد الغنى قصته بذلك الوعى الحاد الذى ربط بين الواقع والحلم فى قصة فنيةرائعة, فالسلطان يحلم ذات ليلة حلما مزعجا مؤداه أنه رأى شخصا طويلا هزيلا محنىالظهرفى لحيته شعيرات بيضاء قليلة متناثرة مجعد الجبهة غائر الوجنتين حاسر الرأسمهلهل الجلباب أسمر الوجه حافى القدمين يقتله ""2" هنا يعمد القاص إلى نحت شخصية القاتلنحتا ,ويؤكد على هذه الاوصاف ليسقطها على هذا الشعب الهزيل الجائع الذى يُفزع السلطانثم يعمد القاص إلى رد فعل السلطان تجاه هذا الحلم فيصف لحرسه أوصاف هذا القاتلفينطلقون فى الطرقات, يخربون ويحطمون ولكنهم لا يجدون من يبحثون عنه فيكف السلطانويتحول الحلم مجرد طرفة يُتندر بها لكن القاص لم يقف عند هذا الحد بل عبر عن ذاته هوفى نهاية القصة أو
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    فاروق حسان, " الجرذان" " أصوات ادبية" الهيئة العامة لثصور الثقافة , صـ 185
    "2"
    زكريا عبدالغنى, الغرف البنفسجية, دار الكتب العلمية,صـ 103





    أحلامه تجاه السلطان, حيثيصحو السلطان ذات ليلة فيجد بشرا لا حصر لهم شاهرى سيوفهم حاسرى وجوههم وجميعهم كانأسمر الوجه حافى القدمين" وقبل أن ينطق بالشهادتين صاروا جميعا ذلك الرجل الذى رآهفى حلمه ذات ليلة وتبدو سخريته ونبرته الحزينة مغلفة لهذا الحلم
    إن ظلامات السجنوأجواء الاعتقال لا يمكن أن تجعل المرء ينسى بعض تفصيلاته الحياتية اليومية التيتحجز لنفسها أبعاداً نفسية محفورة بعمق في جدران النفس الإبداعية التي آلمها الظلموالاعتقال، وقد نجح القاصون في تنبيه المتلقي إلى خصوصية ظروفهم لأنهم قدموا رؤاهمضمن بيئات متنوّعة ومزجوا اعتقالهم بحالات فقدٍ لأشياء حميمية في حياتهم.
    ففىقصة " مأوى " يكشف فاروق حسان عن حالة أخرى من التعذيب تصيب بطل قصته بالرعبلدرجةأنه يخشى لو تحدث لقطعوا لسانه" فى المساء عدت الى جحرى, أنّ الباب وأنا أخرجالمفتاح, أكف قصيرة طرقتنى طوال النهار لم أقل شيئا, فقد برزت فى العتمة المنتشرةقفازات كثيرة أنشبت مخالبها فى عنقى, ساقى, ذراعى, كتفى, فخذى, شعرى, أصابعى ,أطبقت فمىجيدا حتى لا يتبينوا لسانى" "1"وتظل هذه الاشياء محفورة فى ذاكرته وتكسبه قيم الصمتوالخوف فى واقعه بعد ذلك
    وتغدو بعض الأسئلة مشروعة في ضوء ما حدث، فحجم ما حدثلم يكن هيناً ولا سهلاً، ويتساءل شخوص عديدون عن جدوى البحث عن الحرية ومعانيها فيظروف كظروفهم يبدو فيها أن لا جدوى من شيء, فهذا الشيء بقي جسداً دون روح، اسماً دوندلالته الأصلية التي جرّد منها تجريداً تاماً ففى قصة "الجيل "يصور محمد عبد المطلبذلك فى رد زوجة صلاح عليه حين ذهب يسأل عنه" فتحت لى الباب زوجته ولما سألتها عنهكانت هى أول من تفحصنى بعينين زجاجتين وواحهتنى بوجه أصم ولم ترد على ,إنما أغلقتالباب فى وجهى وأطلقت على سيلا من الشتائم "
    هذا الجزء يعبر عن رؤيتين فكريتينفيهما الكثير من الطرافة المرّة التي تكشف أبعاد الظالم والمظلوم، إذ يحرص القاصعلى نقل أبعاد الموقف مصورا عدم إيمان الزوجة بجدوى ما يفعله زوجهاورفاقه
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ـــ
    "1"
    الجرزان , صـ 184









    وقد استجاب القاصون لحالة الرعب التي تسيّدت المواقف آنئذ, بحيث صارالانسان ينظر الى نفسه وإلى الآخرين بضآلة بل يصلون عنده إلى الحشرات ويصور ذلكزكريا عبد الغنى فى قصة " النوم فوق حبل غسيل" مؤنسنا الحشرات فى محاولة للتأكيدعلى ضآلة عالم الانسان فى ظل القهر والقمع " حانت ساعة الانصراف, شردت من المبنىألوف الحشرات الزاحفة والضفادع والزواحف الصغيرة, سرعان ما انتشرت فوق أرض الشارع المزدحمبالعربات الزاعقة وتلاميذ المدارس, ولما كان الشارع مكتظا فقد فكر الخارجون فى طريقللسير, تسلقت الحشرات العربات وقفزت الضفادع فوقها , ولما كنت حيوانا زاحفا وذكيا فكرتأن أصل إلى بيتى زاحفا تحت العربات, وكنت أخرج لسانى الطويل من أسفلها متهكما منالواقفين المحتشدين الذين لا يستطيعون المشى خلال الزحام""1" ويبدو طريفاً مثلهذا التخييل الذي استفاد منه القاص، ومع أنه يميل إلى فكرة محددة، إلا أن القاصأضفى بهذا التخيل على الفكرة شيئاً من الحيوية خلال الحكى الذي يحيل إلى وقائعمريرةويصور عبد السلام ابراهيم فى قصة " بيت الثعابين" ذلك الهرج الناتج عنالصراع بين الحاوى والخالة حليمة ,وكلاهما يمارس قهره على الثعبان الكبير الذى ادعىالحاوى أنه موجود فى بيت الخالة حليمة, وما إن يخرج الثعبان مستجيبا لأمر الحاوى حتىتتلو عليه الخالة حليمة تعويذتها فيرتد إلى جحرة مرة أخرى, ويستمر الصراع بين الحاوىوالخالة حليمة حتى ينهزم الحاوى فيخرج من جعبته كل الحيات التى جمعها من القريةوتتسلل فى طريق السيطرة على النجع ولكنه يقرأ عليها تعويذة الخالة حليمة فتعود فىوقار إلى حجورها, إنها سلطة القهر والحكمة ,فالحاوى ذلك النموذج للنصب لا يفلح أمامخبرة الخالة حليمة رمز الحنكة الزمنية ,وما هذه الحيات الا معادل فنى للمقهورينالواقعين بين فكى الحيلة والخبرة فى القهر بالحيلة والنصب
    وتقول هيام صالح فى قصة " ورود":على مكتبي مشمّعأنيق تسكنه الورود .. بعض الوريقات داكنة، والأخرى فاتحة اللون, أسدد إليها نظراتيفتتفتّح الوردات عن طفلات يرقصن في فساتين واسعة قصيرة، وشعورهن تنعقد بفيونكات فيذيول أحصنة، وأطفال يرقصون بوجوه مبتسمة وخصلات ناعمة تبدو من تحت الطواقي الجميل.يتوقف رقص الورود الأطفال والطفلات فجأة حين يلمحون وردة ضخمة تنشق عن سلطانالحواديت بوجهه الجهم وكرشه الضخم خلفه حاشيته. يأتي يبتلع كل الحلوى .. كل الضحكات .. كل نغم الموسيقى. تنغلق بعض الوردات وتتوارى بعيداً .. بينما يقف بعضهم في صفواحد ووجههم للجدار»
    فهذه القصة تستدعى صورة القهر حتى فى عالم البراءة وهو عالمالاطفال فسلطان الحواديت هو الرمز القابع فى واعية القاصة للشر الذى يقهر كل شيئويفسد الحياة حتى إننا نرى الحياة لونا واحدا علينا ان نحياه مقهورين, وهذا ما عبرتعنهالقاصة أيضا في قصة «بالألوان»: حيث
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    "1"
    زكريا عبد الغنى , بقع الضوء الملونة.دار المنار للطباعة,صـ84



    تقول «حينأدرتُ تلفاز أحلامي جاء العرض باللونين الأبيض والأسود .. ظللتُ أتململ. فجأةاصطبغت الشاشة بلون واحد: الأسود فقط! .. كانت الأيدي تكبلني لمقعدي لأستمر حتىنهاية العرض‍ الحزين»"1"
    وفى رؤية أخرى يقدم حشمت يوسف نوذجا أخر من القهرالشعبى تحت سلطة المعتقدات الشعبية فى قصة "ضريح الشيخ عيد فانوس" فبطل القصة الشيخعيد فانوس الذى هبط إلى المدينة دون مبرر يحتل مكانة عالية بين أفراد المدينة, ويصبحقديسا ووليا ,وفى نفس الوقت تحت وطأة القهر الشعبى لكن الاعيب السياسية أرادت أن توظفهذا القهر لصالح السياسة, وذلك حين يستغله مرشح مجلس الشعب فى الدعاية ويلبس بنطلوناجينز "وتى شيرت" رسم عليه الفانوس رمز مرشح المدينة, ويطوف الشيخ عيد أرجاء المدينة فىمظاهرات تأييد المرشح ,وهويتحدث بحديث غير مفهوم, وتهلل الجماهير للشيخ المؤيد للمرشحوالكل يسمع, والكل يفسر ما ينطق به الشيخ عيد حسب مكنون نفسه,
    ولعل فى مثل هذهالانماط من القصص التى التقطت ذلك القهر السياسى والاجتماعى ما يعطى صورة حقيقةليقظة كتاب القصة فى الجنوب ومسايرتهم لهذه المرحلة والتعبير عما يمور فيها من واقع سياسى طاحن للشخصية المصرية فى انتهازية تسعى الى تحقيق مصالح فئة معينة من الناسفقط
    2-
    منظومة القيم
    حين تفقد الأنظمة والقوانين وتغدو الرغائب هي القوانينلابدّ من أن يكون لذلك ثمرات على الأوضاع، وبالتأكيد ثمرات بائسات نظراً إلىالطبيعة المتأصلة في نفوس كثيرين يحاولون استغلال هذه الظروف ليحققوا السيّئ منرغباتهم وأهدافهم، وحين تغدو القيم والمبادئ ميداناً للهزء والسخرية فإن كلّ شيءيفقد أهميته وأحقيته بالوجود لانعدام كل مبررات هذا الوجود إذ تستمد المبررات جلّجدواها خلال اتكائها على منظومة المثل السامية التى انعدمتوحلت محلها القيمالمادية البشعة الامر الذى خلف صراعا مريرا بين الاجيال وهذا ماعبر عنه احمد ربيعالاسوانى فى قصة "التبلور" حيث ذلك الحوار بيت نوال وماريا والام فنوال ترى اناباها عاش زمنا يرفل فى الصدأ ولا شئ فيه يدعو الى التفكير بينما الام تدافع عنجيلها وسيادته فى حين ان ماريا ترى انه على الانسان ان يتصالح مع الزمن كى يستطيعان يعبر فوق كتفيه مفازة الحياة وان الاشقياء هم الذين يكتفون بترجمة
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    "1"
    هيام صالح , للجبل أغان أخرى،سلسلة «أصوات معاصرة»، العدد (69) صـ 36






    أفكارهم إلى أسئلة فى زمن يتأذر بالضبابويتكئ على حد الدولار, فلم يعد هناك مجال للقيم والاخلاق, فالتفسخ الاجتماعى الذىأحدثه الفساد السياسى أفرز الفردية والأنانية والتصالح مع الزمن أى زمن بما يحمل منقيم مهما كانت هذه القيم
    ومحمد عبد المطلب فى قصة" المنفى" يصور ما آلت إليهالأحوال من حيث تغيير الحق إلى باطل، وكيف أصبحت الأحوال والإمكانات التي جعلت منيملك السلطة والمال قادراً على إزاحة كل من يقف في طريقه, بحيث صار المجتمع تيارين،أحدهما صحيح والآخر خاطئ، ومطلوب من المنضوين تحت كل تيار أن يعيش مهما كان الثمن،وعلى الرغم من الأرق الذي يستولي على بعض الشخوص إلا أنهم في النهاية ينتصرونلقيمهم ويرفضون الانكسار، بخاصة إذا كان الثمن غاليا ً فبطل القصة الذى يمثل التيارالفقير حين يقترب من احد المطاعم الراقية التى تضم الفئة الاخرى الغنية من المجتمعيستنكرعليه الأغنياء ذلك, ويصرخ الرجل بصوته الخشن "كيف تسمحون لهؤلاء بالمجئ إلى هنا؟واستخدام اسم الاشارة الجمعى "هؤلاء" يشير إلى وحدة شعور البطل بفئته فى مقابلالفئة الأخرى
    ثم يأمر هذا الرجل الحراس بالقاء بطل القصة خارج المكان
    ويصورعبد الرحمن الشريف فى مجموعته" مسافر نحو الداخل""1" الكثير من مظاهر انهيار القيموتسلط الاغنياء على الفقراء وارتفاع صوت الفرد المالك على صوت الفقير المقهور, فسكرافندى فى قصة " حكاية سكر افندى " مقهور من قِبل ذلك المدير المتسلط والذى يعلو صوتهعليه حين وجد بقايا سكر على مكتبه الأمر الذى دفع سكر أفندى يسعد كثيرا لموت المدير,وهى سعادة للتخلص من التسلط والقهر, وذلك المسافر الذى يستغل عدم وجود ثمن التذكرةمع السيدة التى حاصرها الكمسارى فيدفع ثمن التذكرة فى مقابل أن يوقعها فى شركالفساد
    3-
    الهموم القومية
    لم يغب عن ذهن كتاب القصة فى الجنوب ذلك الهمالعربى فلم تقتصر مخيلة السرد لديهم على مجتمهعم الداخلى بل تجاوزت ذلك إلى الهمومالعربية والاشتغال على القضايا العربية, بعيداً عن دعاوى الالتزام والشعارات الصارخةمما أدى إلى أن يغدو هذا المحور من البؤر الرئيسية فيالكتابة.
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    عبد الحمن الشريف , مسافر نحو الداخل ,سلسلة اشراقات , الهيئة العامة للكتاب,صـ54









    ولعل منتجليات التطور في تناول الموضوع القومي ما يلحظه المرء في آلية تناول ما حدث فىالانتفاضة الفلسطينية مع حماس الذى كان لاف للنظر في التناول القصصى, وربما أدت إليه حرارة الحدث واضطرامهاليومي ومفاجأته، ولأنه يعيد شيئاً من الأمل المهدور ويشكل عودة للروح، بخاصة أنهكان سبباً مهماً في إعادة رأب بعض صدوع النفس العربية المكسورة الخاطر لكثرة ماتعرضت له من انتكاسات وارتكاسات على مدى ثلاثين عاماً وأكثر.
    ولم تكن قصص كثيرةابنة لهذه المرحلة، إذ من الواضح أن عدداً منها قد كتب في مرحلة سابقة إلا أنها لمتنشر إلا في هذا العقد وهذا من المعتاد أن يحدث في كل مرحلة.وقد تقاسمت القصصذات الطابع القومي والوطني همومٌ معينة، بعضها يتعلق بالموضوع الفلسطيني في تجلياتهالمختلفه, وبعضها عرج على صورة الاخر الامريكى أو الاسرائيلى, ولعل تناول كل هذهالموضوعات السابقة يعطي أدلة وثيقة على أن حقوق الشعوب تبقى راسخة في ذاكرةالتاريخ، وما تتعرض له هذه الشعوب لا ينسى بين ليلة وضحاها، بل إن الأحداث التي تمسالوطن لا يمكن أن تدخل في دفاتر النسيان، لأنها تبقى لمدة غير محدودة تمد أبناءالشعب بأسباب القوة والاندفاع؛ بخاصة إذا غدت رمزاً وطنياً. ومن الممكن أن يعطي مثلهذا الأمر درساً لا يُنْسى للمستغلين مهما كانت البراقع التي يختفون خلفها.
    أولا: القضية الفلسطينية
    ونقف فى هذا الجزء عند نموذجين يبدو بينهما تباين فى عرضالانتفاضة الفلسطينية, الأول يقتصر على مجرد التسجيل فقط وانما كان للانتفاضة حضورخاص فى قصته وكأنه واحد من أهل فلسطين ويتجسد ذلك فى قصة احمد الليثى الشرونى " فىحقيبتى حجر" حيث تصور القصة ذلك الطفل الذى مات أخوه ماجد من قبل فى الانتافضة< والذى حين يخرج إلى المدرسة مع رفيقته سلمى تضع أمه فى حقيبته حجرا, وهو يرى كلالاطفال يضعون فى حقائبهم أحجارا إلا سلمى التى تضع لوحة, ويتناول القاص مشاعرالانتفاضة من خلال أحداث القصة معكسوة على الكبار والصغار, ونبرة الحزن البادية فىمعاملة الأباء للابناء لكن تظل صورة الانتفاضة والجندى الاسرائيلى تسيطر على ذهنبطل القصة, ذلك الطفل البرئ. ومن ناحية أخرى صورة الأخ ماجد فهى القيمة التى يسعىإليها البطل, ولعل هذا الاقتباس يختزل تلك الرؤية"اشياء كثيرة تذكرنى بأخى ماجد حتىالقمر عندما يكون بدرا أحدق فيه كثيرا واخاف السماء بلونها الأسود عندما يهجرهاالقمر ويترك النجوم تائهة..أبى أحب الذهاب إلى أخى ماجدعنمدا تكبر سيكونمصيرك مثل .....ولم يكمل أبى حديثه وراح ياخذنى فى حضنه حتى شعرت أنى تلاشيت,بعد الظهيرة ونحن عائدون من المدرسة فتحوا علينا النار, توارينا خلف ساتر ورحنا نفتححقئبنا, أمطرناهم بوابل من الحجارة,فروا هاربين, تعجبت سلمى وفى اليوم التالى أخرجتاللوحة ووضعت مكانها حجرا""1"
    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    احمدالليثى الشارونى , عنما نغنى رغم الوحع, الهيئة العمة لقصور الثقافة , 64
    إنالقاص يكرس جهوده فى هذه القصة للإشارة إلى أهمية النضال أو لتصوير بعض ما قام بهالعدو، أو تسجيل بعض ما حدث من بطولات, وبمشاعر المعايشة من الداخل والتعمق فى بروزحالة القاص وكأنه واحد من أفراد الانتفاضة, رغم أنه لم يكن كذلك, ولكن استغراقة فىالتأثر بها جعله جزءا منها حتى أنه كان حريصا على استخدام مفردات خاصة بالشعبالفلسطينى مثل مفردة " الناطورة" وهى آلة رمى الحجارة
    والنموذج الثانى لاحمدراشد البطل فى قصة " الرن .. روبى" وهى قصة اعمتدت على فن الكولاج فى ربط الداخلبالخارج ,الداخل العابث اللاهى الفوضوى بالخارج المنظم المقبل على الموت, فالقاص يربطالشهيد الفسلطينى الرنتيسى وبين مغنية الاغراء الجنسى روبى فيما يشبه تترات السينماالتى تعرض مشاهد مختلطة لكنها تشير إلى مغزى المعروض, واحمد راشد بخلقه هذااللون الكولاجى أوقعه فى براثن التسجيلية ,لكنه عبر من خلاله عن موقفه تجاه الخارجوالداخل وفضحه, وعبر من خلاله عن تحمسه للقضية الفلسطينية وكراهيته للأوضاع الداخليةالتى يشيع فيها الفساد
    "هل سأخرج للناس عارية
    لكنك سترتدين فستانك هكذا كىيبقى جسدك ثائرا, ارتديه, بدأت الطقوس, احتكاك الفستان الحريرى بجسدى الخالص يشعل فىداخلى قشعريرة يتبعها تيار كهربائى يليه دغدغة تنتهى بحالة من النشوى والهستيرياتبعث إلى الجميع كل مقومات الرغبة فى الانتقام فبعد انتهاء مراسم الدفن جلست معشيخى نتابع سويا الإعداد لاستكمال المسيرة, كانت تلك الصواريخ تزلزل بيوتهم, امتلأتبمشاعر الفرحة استقبالا لذلك الرفيق الذى أفقدهم أحد جنودهم, فى الشهر التالى كانالقائد الجديد بجوارى يستطلع أنباء الاستعداد لتلك الحفلة تحت سفحالاهرامات"
    ويبدو أن القاص أراد تأكيد مقولته القصصية من خلال الاتكاء بكثير منالمباشرة على مرجعياتها وأصولها من مثل ما يُسمع في الأخبار أو بعض الأغاني أو سوىذلك من المقولات، وهذا مقصود منه ليسخر من الواقع السياسى الذى يترك القضيةالفلسطينية ويهتم بحفلات تقام تحت سفح الهرم مما يؤثر فى تراجع دورهاقليميا
    ثانيا: صورة الاخر
    التقط كثير من القصص صورة الاخر المتمثل فىالامريكى او اليهودى مصورا الموقف الشعبى الكاره لهذا الاخر, مخالفا بذلك الموقفالرسمى للحكومات العربية ففى قصة " اتفاق" يصور محمد عبد المطلب كم مشاعر الكراهيةلهذا الرجل اليهودى الذى كان يجلس على المقهى, وفى اشارة فنية جميلة يصور القاص عدمرغبة الوعى الشعبى فى الاحتفاظ بصورة اليهودى رغم أنه يصدمه كل يوم فى وسائل الاعلامالمختلفة حيث يذكر
    "
    كنت بالمقهى فى مدخلها شاب أجنبى, شعره يسقط على كتفيه وأنفهمعقوف ولافت للنظر, تساءلت أين رأيت هذه الملامح؟ ومضت الإجابة فى ذهنى كالبرق فمثلهذه الملامح رأيتها فى سنوات سابقة لكن فى بذلتها العسكرية"
    ثم يعمد إلى تصويركراهية كل فئات الشعب لهذا اليهودى, وحساسية حتى الطبقات الدنيا تجاهه, فحين يشيرهذا الأجنبى إلى ماسح الأحذية بالمقهى وبمجرد ان يقترب منه وينحنى ليلتقط الحذاء صاحالجرسون هذا كوهين يهودى اعتدلت قامة ماسح الاحذية بسرعة وتلقائية واكتست ملامحهبالازدراء, رددت بصرى بين الجرسون وماسح الأحذية واكتشفت أن ملامحى أيضا اكتست بنفسالازدراء""1"
    وابتسام الدمشاوى فى قصة "تمثال""1" تكشف زيف الادعاء الأمريكىللحرية وكراهيتها للعرب, فبطل قصتها الذى ضل الطريق فى أمريكا ولم يعثر على من يبحثعنهم تقوده قدماه إلى تمثال الحرية الذى تساءل ما اسمها لينام, نام وقتاغير قليل تحتقدميها ثم يوقظه الجندى ويقتاده إلى قسم الشرطة, وسأله لماذا نمت تحت تمثال الحرية؟ألا تعرف أن هذا ممنوع؟ هنا وجد الإجابة على تساؤله ما اسمها ولكن حيره سؤال آخرلماذا سموها بهذا الاسم؟
    إن هذا الإستفهام الاستنكارى من بطل القصة يختزل دلالاترؤية العربى لأمريكا ومعرفته كنه خديعتها وزيفها وإنها أبعد كثيرا عن الحرية, مخالفبذلك المقولات التى تروجها أمريكا بين العرب من أنها بلد الحرية ,ومخالفا وجهة النظرالرسمية التى تعطى انطباعا آخر عن أمريكا وتحاول ان ترسخة فى واعية الذاكرة الجمعية للعرب.
    وبعد فهذه نماذج قليلة من إبداعات كثيرةلكتاب القصة الجنوبية, والذين استطاعوا أن يجعلوا من الواقع العيني مدارات لها ,فتخرجقصصهم متسكعة في الشوارع وتدخل الحانات والمساجد والحمامات والبيوت والأفرانوالأسواق، فتكون أحداثها وشخصياتها من تلك الفضاءات… و إذا كان من الأدب ما يرحلإلى الماضي والماضي السحيق فيجعل من التاريخ مناخاته التي تعلن عن أسئلتها الخاصة. بينما يجنح بعض الأدب نحو المستقبل لاستشراف الممكن فإننا لم نعثر خلال ما وقع فىأيدينا من قصص الجنوب على قصص تستشرف المستقبل وتستشفه بل كلها أو معظمها اتكأ على الماضىكمرجعية أساسية للقص والحكى الفنى, بيد أن هذا لا يقلل من قيمة النماذج القصصية فىالجنوب على المستوى الفنىالجيد
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

    "1"
    ثرثة رجلطموح,صـ 79, 80
    "2"
    ابتسام الدمشاوى , موعد مع أبى الهول ,صـ 61



  • صادق حمزة منذر
    الأخطل الأخير
    مدير لجنة التنظيم والإدارة
    • 12-11-2009
    • 2944

    #2

    لا شك أن الواقع الاجتماعي السياسي يلقي بظلاله على كل الفعاليات الثقافية للمجتمع وبالطبع ينسحب ذلك على النخب المجتمعية والمبدعين عموما ..
    ولقد اخترت القصة القصيرة فنا معاصرا ومصر ميدانا لهذا البحث
    وأظن أن الأمر يكاد ينسحب على كامل منطقة الشرق الأوسط العربي
    إذا أن الدث السياسي كان واحدا ومشابها في جميع أرجاء الوطن العربي وخاصة سوريا
    الشريك السياسي والقومي لمصر في حروبها الثلاث واستمرت هذه الشراكة حتى ما قبل توقيع معاهدة الاستسلام مع العدو الصهيوني ..

    ولذلك بقي المجتمع العربي عموما يعكس تأثرا واحدا في الحدث السياسي الذي كان يمسه بكليته ..
    ولهذا لم يختلف المشهد الثقافي بين دفتي الوطن الكبير وحتى بعد السادات لم يختلف كثيرا لأن المقومات الثقافية القومية للمجتمع العربي بقيت متقاربة جدا وشكل القرآن والثقافة الإسلامية جسد هذه الوحدة و ضامن تأصلها وثباتها
    عموما سعدت بقراءة هذا البحث المطول والمفيد في رسم خارطة أكثر دقة للمناخ السياسي العربي خلال الفترة المعاصرة ..

    الأستاذ الباحث عبد الحافظ بخيت متولى

    تحيتي وتقديري لك




    تعليق

    • محمد القبيصى
      عضو الملتقى
      • 01-08-2009
      • 415

      #3
      [align=center]
      أستاذنا عبد الحافظ بخيت

      لقد أبعت وأروعت وشفيت الغليل من هذا العلم الغزير

      ومع أنى لست مغرما بقراءة القصة القصيرة ولا الطويلة

      إلا أننى أحبها من أجلك أنت

      فأنت "تفك الخط وتقول كلام يمس القلب"

      [/align]

      تعليق

      • حورية إبراهيم
        أديب وكاتب
        • 25-03-2009
        • 1413

        #4
        القصة القصيرة والحمولة السياسية في وقتنا الراهن ،تعتبر معبرا لولوج عالم الرأي الآخر " الكاتب ومن حوله " ،ق ق ثورة على الموروث السردي الكلاسيكي النثري .
        القصة القصيرة الملتزمة منتوج سياسي في مرحلة تاريخية صعبة .اتسمت بالسرعة والانقضاض على مظاهر يرفضها المجتمع رفضا مجهورا عن طريق سردية القصة وخاصة تلك الومضة التي تطورت عن القصة الأم .
        من أصعب الكتابات القصصية اليوم " القصة القصيروق ج " على اعتبار توفرها على جميع تقنيات القصة الأم من بداية وعرض تنويري ثم خاتمة مقفلة أو مفتوحة . والجميل في القصة ق هو أنها تمتح من الرمز والانزياح وهذا ما يميز القصة الق وق ج عن القصة الأم ..وتكاد تزاحم شاعرية القصيدة النثرية في مستواها العجائبي .الهادف ,
        القصة ق تمخض عنها ق ق ج وذلك تماهيا مع إكراهات عصر السرعة .ولي عودة للمزيد حين يسنح الوقت .. تحياتي وتقديري على المجهود أستاذ عبد الحفيظ.
        التعديل الأخير تم بواسطة حورية إبراهيم; الساعة 12-06-2010, 21:31.
        إذا رأيت نيوب الليـث بارزة <> فلا تظنـــن ان الليث يبتســم

        تعليق

        يعمل...
        X