كّحــل ذاكــرة الشــمس بــي

مروة سامي الحساني
marwa7sami@yahoo.com
حبيبة قلبي .. أنتِ
- هو:
على مائدة الفجر استفاق .. على أعتاب جمرها المستعر دوماً .. على تراتيل عطرها الذي يخضب جيّدا صقيلاً , تفتقت شرانق الحرير .. وتناثر كحل الفراشات مع عبير صمتها المدهش ، الذي بدأ يأخذ ألف شكل للكلام . صمتها الإلهي يشده لحدود البوح .. ولعينيها هذا المداد الشاسع من عسل الغابات المطرية .. بهما تعتلي صهوة الريح .. وتفترش عمره وسادة انتظار. لها يزيح ستارة النهار لتغتسل بالشمس وزقزقة العصافير.. وحفيف أوراق اليوكاليبتوز, وليمعن النظر في طهر وجهها البريء المؤطر بسواد شعرها.. لكأنه القمر ليلة البدر . لطالما تأملها مذهولاً ..
بالنسبة له
هي الفرح .. تلبس الربيع بعمرها وتتساقط بتلات الورد من ثيابها.... توقد نيران الغسق حلما لازوردياً ينبض بالوجد ويودعه تحت عرش الشمس ملكاً أسطورياً .. هي بحار اللهفة تقود أعاصيرها نحو خلجانه ثم ترفو أشرعة جنونه بشرايينها . تهزه برعودها تارةً ، وتشرع له صواري القلب تارةً أخرى ليكتسح خلجان المرجان نزقاً همجياً...
هي المطر .. ينحت وجهها على الريح .. ويعزف سيمفونيتها الأثيرة على مزامير القزح.. هي جوعُ سنواتهِ الثلاثين، ولحظة العمر المنتظر على شواطئ الحلم .. والحقيقة الوحيدة في كل لحظات الوهم والوهن .... معها لا طعم للشبع .. ولا أحساس بالوقت. كل اللحظات معها ارتحال للبدايات .. لأزمنة أفرغت جعابها من الملل .
هي ترنيمة المطر في صحراء أرهقها ذل العطش.. وشجرة لوز تكسوها السناجب.. والحد الفاصل بين العقل والجنون .
وهي ...
لا نهاية تحُدها .. ولا فراغ يملؤها .. قبلها كان الوجع.. والجرح واليتم .. وشمس تموز تسحق كل غلال الرؤى ..مجرد حصاد لأيام خاوية .
ثم أتت بتشرين .. تحمل منجلاً من لهب .. به قطعت كل حيل الخوف ومجون الأعماق المسكونة بالوحشة والمغسولة بالشك .. عمدته بوابل من غمامها الذي لا ينقطع . حفرت له أخاديد الشوق .. ورسمت له سماءً بوسع حنينه وحنانها .
حبيب قلبي .. أنت
- هي :
قادتني ذات عشق يداي ..لأصب لك الحروف بناً معتقاً .. ومعطراً برائحة الهال .. وأنا أعانق صمت حكاياك الأثيرة. ثلاثون عاما وعام .. تشرنقت بخيوط الحرير ثم تأرجحت بين الروح و حبل الوريد للقاء أشبه بالمستحيل حين فاجأتني ذات صيف بصوتك العذب وهو يحيل الأرض تحت قدمي على غمامة من البنفسج .
أتذكر ؟
يوم احتضنت بغداد خطانا و تزنّر خصري بذراعك وهمس كل من رآنا :
يا الله .. كم يحبها ! أخبرتك يومها إن في بلدي يُفضح العشاق من عطرهم..
مازال طعم تلك الشهقة يكسو روحي .. كم كنت جميلاً ونقياً وكم كنتُ مغسولةً بالدهشة !
بالنسبة لي
أنت نصل سكين ينغرز في أوردتي .. يمزقها لتفترع سواقي الدم المدى .. أتنفسك ... أريجاً يملأ الهواء بالهواء ..
وارسم لك وسط العين قارات ومنارات تشعل الليل قنديلاً .. شطآنه يداك .. وإذ التمس درب المحبة بخطاك .. تعربد بي الرغبات المجنونة .. وتنتفض كل مدن الوجع الميممة برحيلك .. دفاترَ .. أقلاماً.. ومحبرةً جف قطرها .. ورسائل فاح عبيرها وغسلها دخان الانتظار . أيها الوجع الغافي بين أحداقي.. رنم معي تعاويذ الغياب .. رنمها على مسامع من حرير .. وأهدر بها للبحر حتى يعمدني بملحه امرأة من رخام .. رنم معي لتستعر غابات النخيل بجمر تمرها .. ولتغرد بلابل قلبي على أغصان البرتقال حلماً بعينيك .. بصدى ضحكة أودعتها ذاكرة تأبى أن تخدش . تعال وطهر هذه الروح من كل وعود الانتظار .. ألهمها صبراً لم يعد قادراً على الحلم إلا بك .. والطواف حول ظلال رؤاك .. قم من سبات جبنك .. انتفض على نفسك وعانق بروحك نصري .. أطلق حنانك للريح .. داوي جراح نزفك بدمعي.. اروي ذاكرتك من عطشي .. ثم رمم قلبك من فتات حبي .
وكأن الرب زرعك برحمي .. ثم أطلقك منه إلى العراء.
تعليق