لا أحد يفتقد الثمرات الثلاث

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • جلال داود
    نائب ملتقى فنون النثر
    • 06-02-2011
    • 3893

    لا أحد يفتقد الثمرات الثلاث

    • ذات عاصفة مباغتة ..
      و ظلامٌ دامس يحجب الرؤيا ..
      سقطت ثلاث ثمرات من على غصن الشجرة المتخم بالثمار ...

      ( الفجيعة المضاعفة .. تلجم ألْسِنة الحزانى ..
      وتجعل أفواه النواح خرساء ..فيذرفون دماً بدلاً عن الدموع )
    • إحدى الثمرات كانت قد غزتْها جحافل من أنواع النمل و العناكب..
      فتركتْها خاوية من الداخل .. بينما خديها يحتفظان بشيء من توردهما ..
      خاوية إلا من ألياف تتمسك بأهداب نواة الثمرة ... كأنها تستجديها نفْخ الروح فيها من جديد .
      تراخت عنها أصابع الشجرة الأم ..
      فما احتملت قوة الرياح العاتية ..
      بينما راحت الشجرة تناشد الأوراق و الأغصان أن تزود عن فلذاتها .. فهي بالكاد ينوء جسدها بكل هذا الحِمْل ..

      ( مَن يكون في الملمات ضعيفاً لا حول له و لا قوة .. ثم مضطراً يناشد مَن هو أضعف منه .. تتداعى إلى نفسه أمواج الإحباط في درجات متفاوتة .. وتتنازعه ومضات الأمل كبريق عيني وحش جريح في حلكة الظلام .. يروم يد المساعدة و في نفس الوقت يتحاشاهالعلمه بأن الطالب أضعف من المطلوب )

      بينما كانت الرياح تراوغ الأوراق و تمرق من بينها .. محدثة صفيراً متدرجاً..
      إستغاثت الثمرة بإخواتها ...
      و لكن الثمرات كن مشغولات عنها بإجترار الرحيق الجاري في عروقها حتى الثمالة التي أفْقدتْها الإحساس بمن حولها ..
      و لاهيات بالعبق المستشري في المكان من قشورها...
      يتمايلن في لهو طفولي مع حركة الرياح .. يحْسِبْنه مرحٌ بريء.
      فسقطتْ الثمرة و هي تنادي أمها الشجرة ...
      و لكن صوت الريح كان أعلى .. فضاع النداء كصرخة في وادٍ..
      أدركتْ الشجرة أن الثمرة قد هلكت و لا رجاء في عودتها ... فانصب اهتمامها على باقي الثمار ...

      ( لا يعرف أحد إلى يومنا هذا كيف يكون شعور الإنسان يهوى إلى قدره المحتوم ... مواجهاً الموت و الهلاك و هو ينادي مستغيثاً و كل مَن حوله لا يسمع و لا يحس أو يصطنع ذلك .. )


      و الثمرة الأخرى .. منذ أن بدأتْ برعماً عند منحنى الغصن .. كانت تعاني من مشكلة في النمو ومجاراة أخواتها في الشَب عن الطوق و التشبع بمختوم عصارتها...
      ضعيفة .. و مهددة بالسقوط بين لحظة و أخرى.
      أفزعتْها قوة الرياح ..
      إلتصقتْ بثمرة قربها كانت في عنفوان أيام قطافها ..
      فأبعدتْها بلكزة ساعدتْها الرياح على زيادة قوتها ..
      فسقطت قرب الثمرة الأولى ..
      حاولتْ أن تزحف نحوها طلباً للحماية ..
      فتدافعت جموع النمل نحوها .. مختزلة جهد الطلوع إلى الأعلى .. و غطتْها بالكامل تمتص ما تبقى من حياتها.

      ( الضعاف من بني البشر .. الضعاف فقط هم الذين يراهنون على الإستقواء بالعشيرة .. فقد إختلط حابل الحق بنابل منطق القوة ).


      الثمرة الثالثة ...

      أصابتْها مخالب طائر ليلي لم يحسن الالتقاط ... فرفرف بجناحيه .. و أطلق صيحة الخيبة و أنطلق مارقاً من بين الأشجار ... يروم ثمرة أخرى تطالها مخالبه ..
      و بجرحٍ غائر على جنبها ...
      سقطتْ هي الأخرى .. تنزف رحيقاً إختزنتْه طوال الصيف ...تنتظر قدرها المحتوم

      ( وقوع المصيبة .. و لا إنتظارها ... )


      و إنقسمتْ جحافل النمل بين متسلق ساق الشجرة ..
      و بين متحلق حول الثمرة المريضة ..
      و بين مهرول إلى هذه التي تلفظ عصارتها .. بينما جرحها يغري الجحافل بالولوج إلى لب الثمرة عبر هذا الرحيق المندلق، سقطت الثمرات .. بالقرب من ساق الشجرة الأم ..
      التي تقف كأن الأمر لا يعنيها في شيء ...
      استسلام لحزن أبدي .. و ركون إلى القدر المحتوم ..
      و فجيعة تتكرر كل موسم .. حتى تحجَّر قلبها فصار أقسى من ساقها التي تغطيها طبقات لحاء خشنة ..
      فالثمار لا محالة مقطوفة عنها الواحدة تلو الأخرى ..
      تقف وسط هوج الرياح .. كجبل راسخ ...
      تنتظر إنتهاء أغصانها من الثمار ..
      تترقب خسارتها لفلذاتها .. بهلع لا يجديها نفعاً حيث لا نصير ...
      لتبدأ مخاضاً جديداً ..
      برعماً برعماً ..
      بتْلة تلو البتْلة ..
      زنبقة بعد الأخرى ..
      ثمرة إثْر ثمرة ...
      تحس بها تُثْقِل كاهل أغصانها و فروعها ..
      تستقبل أرتال الفراشات و ممالك النحل و جيوش النمل ...
      يزورها زوار الليل أنواعاً من الوحش و الطير يحتك بها دون مَنٍ منها أو أذى .. فتفقد لحاء ساقها .. طبقة من بعد طبقة ..
      لا تعرف إلى أي حدٍ وصلتْ شرايين جذورها ... و
      لكنها على يقين بأن حدود جذورها آمنة .. فتبقى سعيدة بأن جسدها يتلقى منها العرفان فيمدها بأسباب بقائها و نضارتها ....
    • تهدأ الريح .. و لكن إلى حين ..
      ثم تنجلي معركة الليل غير المتكافئة ..
      تنتشي الثمرات المتدلية مع أولى قطرات الندى المنزلقة على خدودها ..
      و تنثر الفراشات ظلالاً من الألوان من أجنحتها الزاهية ..
      و مع أهازيج العصافير..
      و أصوات هرولة الأوراق الجافة بين سيقان الأشجار ..
      لا يفتقد أحد الثمرات الثلاث...
      و كأنها لم تكن ...
      فبعد حين .. ستتدلى ثمرات و ثمرات .. لا تعرف من كان قبلها .. و من سيأتي بعدها ..
      ناموس الحياة الأزلي ...

      ***
      إضاءة خارج الغابة :

      النسيان ( نعمة كبيرة ) لا نعرف قيمته إلا حينما نجلس في وحدتنا نلوك خيوط الذكرى ..



      ***
      جلال داود
      *
    • الرياض ذات خريف
  • همس العامري
    أديب وكاتب
    • 01-01-2013
    • 909

    #2
    تحياتي أستاذ جلال
    هذا العنوان الجميل ذكرني بذات صباح جميل
    فيه نسجت حروف ثلاثة بخيوط ذهبية
    تحمل بين طياتها معاني جليلة
    سأسجل العودة باذن الله لحروفك الروعة

    الأرض لاتنسى جباه الساجدين
    والليل لاينسى دعاء العابدين


    اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين
    ارحم جميع أموات المسلمين وأغفر لهم

    تعليق

    • جلال داود
      نائب ملتقى فنون النثر
      • 06-02-2011
      • 3893

      #3
      الاستاذة همس
      تحياتي
      في انتظار مرورك
      دمتم بخير

      تعليق

      • همس العامري
        أديب وكاتب
        • 01-01-2013
        • 909

        #4
        معاني و معاناة كثيره وحزينه جدا حملتها كلماتك
        بعكس ماتوقعتها من خلال العنوان فقط
        هكذا هي الحياه أستاذ جلال على مر ومرور السنوات
        صورتها بأداء مميز جذاب يشد القارئ للمتابعة

        ننتظر المزيد من إبداعاتك
        دمت بكل الخير و السعادة

        الأرض لاتنسى جباه الساجدين
        والليل لاينسى دعاء العابدين


        اللهم برحمتك يا أرحم الراحمين
        ارحم جميع أموات المسلمين وأغفر لهم

        تعليق

        • جلال داود
          نائب ملتقى فنون النثر
          • 06-02-2011
          • 3893

          #5
          الاستاذة همس
          مشكورة على المرور البهي والذي يغري بالاستمرار
          دمتم

          تعليق

          • mmogy
            كاتب
            • 16-05-2007
            • 11284

            #6
            أستاذي القدير

            تحية طيبة،

            نصك الأدبي يصوّر ببراعة اللحظات الحزينة والعميقة في حياة الثمار والشجرة .
            يُظهر تأملك العميق في دور القدر والحياة ، وكيف تتعامل الطبيعة مع الظروف القاسية والمحاولات اليائسة للبقاء.

            الصور التي اخترتها تنقل بشكل فني مشاعر الفجيعة والضعف والمقاومة .
            لقد استمتعت بقراءة تفاصيلك الدقيقة التي تُجسّد التباين بين القوة والضعف، وبين الأمل واليأس في الحياة.

            شكرًا لك على هذا النص الجميل والملهم، وأتطلع إلى قراءة المزيد من إبداعاتك في المستقبل.

            بأطيب التمنيات،
            التعديل الأخير تم بواسطة mmogy; الساعة 25-07-2024, 10:30.
            إنْ أبْطـَأتْ غـَارَةُ الأرْحَامِ وابْـتـَعـَدَتْ، فـَأقـْرَبُ الشيءِ مِنـَّا غـَارَةُ اللهِ
            يا غـَارَةَ اللهِ جـِدّي السـَّيـْرَ مُسْرِعَة في حَلِّ عُـقـْدَتـِنـَا يَا غـَارَةَ اللهِ
            عَدَتِ العَادونَ وَجَارُوا، وَرَجَوْنـَا اللهَ مُجـيراً
            وَكـَفـَى باللهِ وَلـِيـَّا، وَكـَفـَى باللهِ نـَصِيراً.
            وَحَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الوكيلُ, وَلا حَوْلَ وَلا قُوَّةَ إِلاّ بِاللهِ العَلِيِّ العَظِيمِ.

            تعليق

            • جلال داود
              نائب ملتقى فنون النثر
              • 06-02-2011
              • 3893

              #7
              تحياتي استاذنا الموجي
              ولك الشكر على مرورك البهي
              مع خالص التحايا

              تعليق

              • أحمد الكاتب
                أديب وكاتب
                • 11-07-2024
                • 76

                #8
                عزيزي الأديب المتألق / جلال داود

                لقد أبدعت في رسم صورة مدهشة عن قوة الفقدان وجبروت الطبيعة في مواجهة ضعف الإنسان. النص يعكس تراجيديا عميقة تتغلغل في أعماق الروح وتكشف عن هشاشة الكائنات الصغيرة أمام القوى الطبيعية والظروف القاسية.

                كما يتضح من سردك، تتجلى الفجيعة في كل لحظة، حيث تذوب الثمرات تحت ضغط الرياح وتضيع أصواتها في زحمة الطبيعة الصاخبة. تعكس وصفك لإحدى الثمرات وقد أصبحت خاوية من الداخل، بينما الأخرى تعاني من ضعفها، ثم الثالث الذي يواجه الموت بإصابة ناتجة عن طائر ليلي، شعوراً عميقاً بالضعف والحزن الذي يرافقنا في أوقات الشدائد.

                إن الصورة التي تخلقها شجرة الأم وهي تصارع الرياح وتترقب خسائرها، تعكس حالة من الاستسلام الحزين وعدم القدرة على تغيير مصيرها. هذه الصورة تبرز الصراع بين الأمل والواقع، وتطرح تساؤلاً مؤلماً حول معنى الصمود في مواجهة المصير المحتوم.

                وما أعجبني بشكل خاص هو المقطع الذي يتناول النسيان كنعمة قد لا نقدرها إلا في لحظات الوحدة. إن تذكيرك بأن الحياة تستمر بغض النظر عن الخسائر، وأن النسيان يمكن أن يكون بركة، يعيد لنا الأمل في استمرار الحياة رغم كل ما نواجهه من تحديات.

                شكراً لك على هذه الإضافة الثاقبة والرؤية العميقة. إن قدرتك على تصوير المعاناة وتداخلات القوى الطبيعية في سردك تجعل النص مؤثراً وملامساً لأعماق القلب.

                مع خالص التحية،
                أحمد الكاتب

                تعليق

                • سامي جميل
                  أديب وفنان
                  • 11-09-2010
                  • 424

                  #9


                  °ˆ~*¤®§(*)§®¤*~ˆ°

                  ماذا لو !
                  كنت أحد الثمرات اليافعة …
                  فبمن سأضحي لألا ينتهي بي المطاف للتهاوي ثم التآكل … ثم الاندثار ظاهراً …
                  أريد النضوج حد الرغبة … وجبة نهمة للمستلقي الدافيء الأول … يمنحني الانتماء لمسيرة النهم … نقطة •

                  ماذا لو … !
                  كنت أحد الثمرات الثلاثة … انتاب حلم نضوجها نخر النمل وشراك عنكبوت فتباهى العفن … فتهاوى حلم البريق وخرت لمسة الرغبة …
                  ولكنني ثمرة حملت بذرة … استنطقت من النقطة جملة الحكمة …
                  أنعمت على النمل بغذاء والعنكبوت بخيوط للبقاء وتهاوت وسقطت حتى تعرت ثم اندثرت في جوف تراب الأزل …. وطين البعث …
                  حتى التحم اندثارها بجذور جوهر البقاء …
                  في لب نقطة الثمرة بذرة …
                  وفي قلب البذرة نبتة …
                  ربما هي الان … الشجرة …

                  °ˆ~*¤®§(*)§®¤*~ˆ°

                  الاستاذ القدير والأديب الراقي / جلال داوود

                  عمت صباحاً بكل خير سيدي وأدام الله علينا وعليك يافع نبض ثمار حرفك ونقي بذوره ويانع نبته

                  نص يسوقنا لنظرة الظاهر والظواهر …
                  والجوهر وأناقة استيعاب الحكمة للمضمون …
                  تذكرني بعض فقرات المشهد بمثل :( قال : هل وقعت أم أوقعك الجمل ؟ رد : مالفرق فقد وصلت الارض )…

                  أنيق الشكر والتقدير لحضرتك وأنيق نصك …

                  تحياتي،،،


                  بداخلي متناقضين
                  أحدهما دوماً يكسب
                  والآخر
                  أبداً لا يخسر …

                  تعليق

                  • جلال داود
                    نائب ملتقى فنون النثر
                    • 06-02-2011
                    • 3893

                    #10
                    الاستاذ الأديب احمد الكاتب
                    تحياتي وتقديري
                    لك الشكر والامتنان على مرورك البهي وتعليقك الذي اضاف للنص اطارا انيقا
                    اكرر الشكر

                    تعليق

                    • جلال داود
                      نائب ملتقى فنون النثر
                      • 06-02-2011
                      • 3893

                      #11
                      الاستاذ الاديب سامي جميل
                      تحياتي وتقديري
                      لك الشكر والامتنان على مرورك الانيق الذي اضاف للنص رونقا وجمالا
                      دمتم ابدا

                      تعليق

                      يعمل...
                      X