يمر على صديقه في نهار خريف معتدل البرودة ، يراه واقفا بانتظاره كعادته كل مرة .. الا انه كان يرتدي ملابس جديدة ، سروال اسود وبلوزة بيضاء وحداء فخم تزينه جوارب قاتمة ، وعلى عينيه نظاره شمسية فاخرة... ما ان يركب السيارة حتى يعبر له عن اعجابه بثيابه الجديدة ويسأله عن سبب ارتدائها ..
- ما بالك صمت الا يروق لك كلامي؟.
- انت اليوم في اغرب اطوارك ، انك ترتدي ملابس انيقة ولكن حديثك حديث خائف من الموت والمجهول.
- الموت ليس عارا حتى اخشى منه ، انه قدر ونهاية حياة وبداية حياة.
- ( بانفعال) كفى ارجوك لقد تعبت من هذا.
- قف هنا.
- لماذا؟
- ارجوك توقف.
يوقف السيارة في طريق زراعي ..يخرج صديقه منها.. يستنشق الهواء بعمق ..
يمضي وراءه في الاتجاه الذي سلكه محاولا البحث عنه ولكنه يفقد اثره... ينادي عليه عله يسمعه ويعود اليه ولكن صديقه كان قد ابتعد عنه ..
يستقل سيارته ويبدأ البحث عنه في الطرقات المعبدة ، يسير من طريق لآخر عله يشاهده ولكنه يخفق في مسعاه ... يجد نفسه بالقرب من مقبرة الموتى .... يقف امام مدخلها ويتساءل:
واقفا في الزاوية الشرقية من المقبرة .. يتوجه اليه ، تتضح معالمه
فيعرف من هو فيمضي له دون تردد ، يشاهده واقفا وقد بدا عليه الحزن ونال منه الاسى ، يلتفت اليه وهو مقبل عليه فلا يبدي له أي درة فعل ، ما ان يقف في قباله حتى يتحدث اليه ..
- لقد توفي قبل يومين ، لقد اوصانا ان لا ننشر خبر وفاته وان لا نخبر احد ، وغدا اخر يوم في عزاءه.
يستلقي على الارض من فرط الذهول ، كأن لسانه انعقد ولم يعد قادرا على الكلام ...
- كان السرطان ينهش في جسده ولكنه كان شجاعا ، كان يتناول اقراص مسكنة بكثرة ليخفي آلامه ولكن المرض اللعين انتصر في النهاية.
- مستحيل ، ما تقوله مستحيل !
- غدا يوم عزاءه الاخير ، اراك هناك.
يمضي عنه وهو لا يزال غير قادرا على امتصاص صدمته به ...
- هذه ملابس السفر يا صديقي.
- السفر ! لم تخبرني من قبل ولكن الى اين؟
- دع ذلك مفاجأة.
- حسنا الى اين سنذهب الان؟
- فلنأخذ جولة هادئة في الديار ، لسوف اشتاق اليها كثيرا.
- يبدوا بأنك ستغيب كثيرا.
- لا اعلم ، ولكن كلنا مسافرون.
- وكيف ذلك؟
- اننا جميعا سياح وهذه الحياة عبارة عن سفر ، كل يوم ينقضي منها يقرب في الحقيقة من يوم سفرنا ، تماما عندما تذهب الى بلد ما فانه منذ اليوم الاول لإقامتك فيه يبدأ العد التنازلي ليوم مغادره ، فكل يوم ينهي من حياتك يقربك من موعد رحيلك عنها.
- انت اليوم فيلسوف.
- كلا ولكن اكتشفت الكثير من الحقائق.
- مثل ماذا؟
- ان الحياة ليست سوى حلم ، صدقني انها مجرد حلم وعندما نموت نستيقظ من حلمنا ونكشف حقيقة انها ليست الحياة التي يجب ان نعيشها لأنها مجرد حلم والحلم كالسراب والسراب كالوهم ، والحقيقة المطلقة هي ما يجب ان نعيشه بوعي تام وإدراك مطلق وعقل مستنير وهذا لا يتحقق إلا بعد التجرد من اجسادنا التي تشكل عائقا امام رؤيتنا للوجود كما هو لأنها محدودة والمحدود لا يمكنه ان ينقل لنا الحقيقة كاملة.
- انت تبالغ.
- كم مرة حلمت وعلق فيك ما رايته في الحلم؟ بينما آلاف المشاهدات في يقضتك لم تعد تذكرها؟
- وماذا يعني ذلك؟
- يعني ان الدنيا مجرد حلم عابر ستستيقظ منه وحينها ستكتشف حقيقة انك كنت نائما واستيقظت ، تماما مثلا تستيقظ من حلمك وأنت خائف ليتضح لك ان ما كان يخيفك في حلمك ليس سوى وهم.
- كلامك اليوم غريب جدا.
- هل تعلم اننا قد نعيش في مسارات زمنية مختلفة؟.
- كيف ذلك؟
- انا امشي معك الان ، قد نصطدم بقطة على الطريق وقد تنجوا او لا تنجوا.
- وماذا في هذا؟
- اصطدامنا بالقطة سينتج عنها احداث ، وعدم اصطدامنا بها ستؤدي الى احداث مغايرة.
- ونحن في أي الحالين نكون نحن؟
- انت تسلك احدهما ولكن المسار الزمني الاخر موجود بالتوازي مع مسارك وقد يلتقيان في نقطة ما ليعودا مسارا واحدا.
- انت اليوم تهذي يا صديقي.
- كلا انها الحقيقة في اغرب تجلياتها.
- هذا هراء!
- لماذا في الحلم تعيش واقعا مختلفا عن واقعك ويكون كل حياتك ، وعندما تعود الى جسدك تكون قد عدت الى حياتك لتستكمل احداثها ، ايهما الحقيقة ؟ ذلك الحلم او هذه الحياة ، اذا كانت الحياة هي الحقيقة فانت عندما تموت تكون حياتك تماما كالحلم الذي استيقظت منه ولم يعد بمقدورك العودة اليه واستكمال احداثه بعد ان كانت حياتك فيه كل شي بالنسبة لك.
- قد تكون الحياة بعد الموت كذبة وكل ما نعتقده فيها مجرد اوهام.
- قل لي هل الموت هو نهاية حياتنا هذه؟
- بالتأكيد.
- وهل نعيش الان حياة ما قبل الموت؟
- اذن قبل الموت حياة بعدها موت ! فلماذا لا يكون بعد الموت حياة؟
- ما بالك صمت الا يروق لك كلامي؟.
- انت اليوم في اغرب اطوارك ، انك ترتدي ملابس انيقة ولكن حديثك حديث خائف من الموت والمجهول.
- الموت ليس عارا حتى اخشى منه ، انه قدر ونهاية حياة وبداية حياة.
- ( بانفعال) كفى ارجوك لقد تعبت من هذا.
- قف هنا.
- لماذا؟
- ارجوك توقف.
يوقف السيارة في طريق زراعي ..يخرج صديقه منها.. يستنشق الهواء بعمق ..
- اننا لا نرى الهواء ولكننا نشعر به ، حياتنا تقوم على الطول والعرض والارتفاع والزمن وجميعها لا وجود ملموس لها ابدا.
- ( بانفعال ) لا يمكنني تحملك اكثر من هذا .
- قف الى اين تذهب في هذه البساتين؟
- ذعني وشاني.
- سأعيدك الى منزلك.
- لست بحاجة الى العودة.
يمضي وراءه في الاتجاه الذي سلكه محاولا البحث عنه ولكنه يفقد اثره... ينادي عليه عله يسمعه ويعود اليه ولكن صديقه كان قد ابتعد عنه ..
يستقل سيارته ويبدأ البحث عنه في الطرقات المعبدة ، يسير من طريق لآخر عله يشاهده ولكنه يخفق في مسعاه ... يجد نفسه بالقرب من مقبرة الموتى .... يقف امام مدخلها ويتساءل:
- عله دخل المقبرة ليزور قبر والدته.
واقفا في الزاوية الشرقية من المقبرة .. يتوجه اليه ، تتضح معالمه
فيعرف من هو فيمضي له دون تردد ، يشاهده واقفا وقد بدا عليه الحزن ونال منه الاسى ، يلتفت اليه وهو مقبل عليه فلا يبدي له أي درة فعل ، ما ان يقف في قباله حتى يتحدث اليه ..
- جئت اخيرا ؟ ما كان يريد لأحد ان يعلم برحيله.
- عمن تتحدث؟
- لقد توفي قبل يومين ، لقد اوصانا ان لا ننشر خبر وفاته وان لا نخبر احد ، وغدا اخر يوم في عزاءه.
يستلقي على الارض من فرط الذهول ، كأن لسانه انعقد ولم يعد قادرا على الكلام ...
- اعرف انك مصدوم ، اظن ان اخر مرة التقيته فيها قبل شهر وكان بصحة جيدة ، اليس كذلك؟.
- كان السرطان ينهش في جسده ولكنه كان شجاعا ، كان يتناول اقراص مسكنة بكثرة ليخفي آلامه ولكن المرض اللعين انتصر في النهاية.
- مستحيل ، ما تقوله مستحيل !
- غدا يوم عزاءه الاخير ، اراك هناك.
يمضي عنه وهو لا يزال غير قادرا على امتصاص صدمته به ...
- غير معقول ، هذا محال!
- لقد كنت معي قبل ساعات فكيف تكون ميتا قبل يومين؟
- لقد كنا نتشاجر قبل قليل فكيف تكون في عداد الاموات؟
- لقد كنت معي حيا ومع غيري ميتا!
- ينظر الى المقبرة تارة والى مسعفيه تارة اخرى ويقول :
- صديقي اذا كانت الحياة قبل الموت حلم فالحياة بعده حلم اخر ، وسنظل ننتقل من حلم لآخر حتى نستيقظ الى الابد.
تعليق