حفار القبور

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • أمين توكل
    أديب وكاتب
    • 12-10-2016
    • 167

    حفار القبور



    (1)

    انتهى محسن من عمله في يوم شاق وطويل وعاد الى غرفته في المقبرة ليكمل قراءة كتاب كان قد تركة لإنجاز عمل جديد
    غرفة محسن مكتظة بكتب تشمل الدين والأدب والعلوم الإنسانية والسياسة وغيرها ويقضي معظم وقت فراغه في قراءة الكتب، ويتصفح أحيانا المواقع الإجتماعية بهاتفه

    جاء ابراهيم رئيس قسم الشؤون الخارجية في احدى الصحف الكبرى الى صديقه محسن وبعد السلام والترحيب واحاديث الأنس بين الاصدقاء قال لمحسن وعلى وجهه علامات يأس وامتعاض:
    الى متى تصر على العيش بهذه الطريقة؟، تترك عملك كصحفي ناجح وموهوب لتعمل حفارا للقبور!، وانت المثقف المتعلم خريج قسم التاريخ وابن عائلة معروفة وغنية وقد ترك لك والدك رحمه الله ثروة محترمة ولست في حاجة الى العمل اصلا فضلا عن العمل في هذه المهنة التي لا تناسبك، ثم قال ساخرا: اقول مهنة مجازا فانت لا تتقاضى حتى اجرا على عملك التطوعي هذا، لقد مللت وانا ادعوك للعمل معي في الصحيفة التي لا تستحق فيها سوى رئاسة التحرير فأنت اكثر ثقافة من رئيس التحرير نفسه
    قال محسن مبتسما: قلت لك مرارا لا اريد ولا احب الذهاب الى السجن، وكنت قد قررت أنني لو كتبت فلن أكتب الا ما يقود الى السجن أما أنت فلو كنت صحفيا صادقا وحقيقيا لكان من المفترض ان تكون قابعا في السجن الآن يا عزيزي،
    ابراهيم - يبدو ان لا فائدة من نصحك
    محسن - كل من يشتغل في الشأن العام وكل المثقفون والأدباء والفنانون الحقيقيون الشرفاء مكانهم الطبيعي هو السجن في أي بلد مستبد قمعي ووجودهم على الساحة دون تضييق من الاجهزة الأمنية دليل ادانة ضدهم فهم مجرد ادوات وكومبارس في مسرحية النظام التي تتبنى وجود حرية للرأي وحقوق للانسان في هذا البلد وإن انتقدوا النظام انتقاد الابن البار والديه، تريدني ان اعود للصحافة؟ حسنا ولكن سأكتب في أول مقال وباختصار شديد ( اطالب بانتخابات حرة نزيهة وتداول سلمي للسلطة في ظل ديمقراطية حقيقية)
    قال ابراهيم وهو ينفض سيجارته على منفضة السجائر - سيتم اعتقالك فورا
    محسن - ولأنني لا احب السجن ولا مضايقات الامن ولا ان اكون مثقفا مزيفا وأصر على الصدق مع نفسي ومع الآخرين اخترت مهنة حفار القبور فهي الاكثر صدقا في هذا البلد (أيها الناس موتوا فالموت أعز وأكرم لكم) وتطوعي فيها تكفير عن سنوات عملت بها في الصحافة دون ان أسجن
    ابراهيم - لقد اضاعتك تلك الافكار البالية فقد كان امامك مستقبل عظيم في الصحافة ولكنك اخترت طريق العار وشوهت سمعة عائلتك واكتفيت بنصيبك من ارباح شركة والدك التي يديرها شقيقك علي المسكين الذي يحرج عندما تأتي سيرتك في الأوساط الراقية
    محسن - الثمرة السليمة منبوذة في سلة الفاكهة المتعفنة…
    واستمر جدال لا يفضي الى شيء في كل مرة يتناولان فيها هذا الموضوع، حتى قال إبراهيم..
    - كما تشاء يا محسن هذا قرارك وهذه حياتك، أستأذن الآن وسترني الله من صحبتك التي ستقودني حتما يوما ما اما الى السجن او الموت

    (2)

    استحم محسن وارتدى اجمل الثياب وتأنق في احدى عطلاته التي حل زميله فيها محله في المقبرة وذهب في زيارة الى شقة استاذة في كلية الآداب الدكتور محمود حسن الذي يحبه محسن ومتأثر به كثيرا فلطالما ردد الدكتور في محاضراته كلام مثل (انتم حملة الراية ومسؤولو المستقبل، اياكم ان تركنوا الى الراحة والطمأنينة بدل العمل على الارتقاء بفكر وأخلاق ومعيشة من حولكم، ولا تسعوا الى المجد والشهرة على حساب قيمكم ومبادئكم ولا تنزووا عن المجتمع وتنكفئوا على انفسكم بعيدا عنه، فمن يصلحه ان لم تصلحوه، ومن يرشده ان لم ترشدوه)

    جلس محسن مع أرملة الدكتور محمود حسن التي مازال يكسوها الحزن والأسى بعد موت الدكتور في المعتقل الذي دخله قبل سنوات لكتابته عدة مقالات يدعو فيها الى اطلاق سراح المعتقلين السياسيين وفتح باب الحريات السياسية والاقتصادية
    تحدث معها محسن عن الاحوال وشاركتهما ابنة الدكتور نهى التي شكرت محسن على مجيئه وسؤاله واغرورقت عيناها بالدموع متحدثة عن خذلان كثير من اصدقاء الدكتور وزملائه له والذين اتهمه بعضهم حيا وميتا باتهامات شنيعة يعلمون تماما انها بعيدة عنه كل البعد، تأثر محسن ولم يستطع البقاء طويلا فاستأذن واعدا بتكرار الزيارة، وذهب الى شقة صديق طفولته المهندس خالد مروان

    استقبلت سعاد زوجة المهندس خالد - المنفي اختياريا بعد أن حكمت عليه محكمة عسكرية في قضية سياسية بالسجن لعشر سنوات - محسنا بحفاوة واخبرته ان خالد كثيرا ما يسأل عنه في المكالمات بينهما..
    داعب محسن طفلي خالد ندى ويحيي اللذين حرما من حنان والدهما في هذه السن الصغيرة واهداهما بعض الهدايا واللعب واوصى سعاد بابلاغ خالد تحياته وسلامه وخرج ليذهب الى شقة زميلته السابقة في صحيفة آراء آلاء عيسى التي تسكن مع والدتها وأخت تدرس في المرحلة الثانوية، ولها أخ متزوج ويسكن في شقة خاصة

    بارك محسن لآلاء - التي اعتقلت لثلاثة أعوام لاعتراضها على تغيير بعض بنود الدستور ومشاركتها في احدى التظاهرات - الافراج عنها مؤخرا واستاء عند علمه انها ممنوعه من العمل في الصحافة بقرار الحكومة وممنوعة من العمل في أي مجال آخر بقرار الخوف وقالت انها اتخذت قرارا بالهجرة

    كانت المحطة الاخيرة لمحسن فيلا شقيقه علي التاجر خريج ادارة الاعمال وهو الوحيد من اخوته المتبقي في البلد فله أخ يعمل طبيبا في لندن وأخت متزوجة وتقيم في استراليا وهي أستاذة جامعية هناك، وعلاقة علي بمحسن علاقة أخوية فاترة ومجرد تأدية واجب بعد ان أيس علي من نصح شقيقه، إلا أن علاقة محسن بابني شقيقه سمير وهدى في أحسن الأحوال

    كان محسن يعلم ثلاثة من أطفال سكان المقبرة القراءة والكتابة لما ورده اتصال من آلاء عيسى تقول فيه باكية انها اكتشفت انها ممنوعة من السفر، وبعد انتهاء المكالمة سرح محسن بخياله قليلا حتى قاطعه أحد الاطفال معلنا انهاء المهمة التي كلف بها
    أقبل محسن على الاطفال وهم أحمد وعمر وعبدالله، أحمد الابن الأصغر لعم جابر أحد عمال المقبرة، وعمر ابن أحد سكان المقبرة والذي يعمل في جمع الكراتين والعبوات البلاستيكية لبيعها لشركات التدوير، أما عبدالله فلقيط تبنته أسرة تسد جوعها بعطايا المحسنين وصدقات بعض أهالي المتوفين خاصة إذا ما قدمت لهم اليتيم عبدالله، وصار محسن الآن يتكفل بغالبية احتياجات المعدومين من سكان المقبرة
    قال أحمد: هل يمكنني يا أستاذ ان تعلمت ان اكون صحفيا يوما ما لأدافع عن المظلومين كما أحلم؟
    قال عمر: أما أنا فأريد ان اكون مهندسا لأبني بيتا كبيرا لأسرتنا
    قال عبدالله: أما أنا فأريد أن اكون شرطيا لأقبض عليكما
    ضحك الثلاثة ولم يضحك محسن بل شعر بالحزن والأسى فقد لامس الحديث جرحا عميقا في نفسه لسببين
    السبب الاول عطفه وشفقته على حال هؤلاء الاطفال الذين يحلمون بأكبر مما يقدر والديهم على تحقيقه ويرون فيه أي محسن المحبط اليائس الهارب من المجتمع الأمل والخلاص
    والسبب الثاني شعوره بكارثية ان يرسخ في اذهان الاطفال ان للشرطي الحق في ان يقبض على الصحفي والمهندس دونما جرم ارتكباه عوض القبض على المجرمين واللصوص، فقد ضحك الاطفال ضحك استحسان لا ضحك استغراب واستهجان
    وهم بالحديث عن معاني الحرية والعدالة والمساواة فتذكر انهم بالكاد يجدون قوت يومهم واستمر في الدرس

    (3)

    وفر منصور يونس وظيفة غير رسمية لآلاء عيسى براتب تقبضه نقدا في شركة الاستيراد والتصدير التي يملكها، ومنصور هذا كان صديقا مقربا لوالد محسن سليمان وهو من القلائل الذين ينتمون الى المجتمع المخملي واحتفظ محسن بعلاقته معهم منذ ان غير مسار حياته فقد كان محسن احب ابناء سليمان الى منصور الذي لم يتردد عندما توسط محسن لتوظيف آلاء عنده

    لا أفهم في التجارة،والهجرة غير واردة في ذهني مطلقا فأنا عاشق لتراب هذا البلد ولا أطيق العيش في أي مكان آخر، أما التدريس فهو أول ما فكرت فيه لعظمة وسمو هذه المهنة الا انه بعد اطلاعي على مناهج التاريخ في المدارس لم ترق لي ولا أؤمن بمعظمها فأنا مع التاريخ الحقيقي لا التاريخ الذي يطوعه المنتصرون لصالحهم
    هذا ما قاله محسن لجمال عبدالسلام المعرفة القديمة وصاحب محل الملابس في السوق الذي اعتاد محسن الشراء منه وهو الآن برفقة أحمد وعمر وعبدالله ليشتري لهم بعض الملابس واللعب في يوم حافل شمل ملاه وحديقة جميلة تناولوا فيها الطعام والأيس كريم وانتهى بارتياد السوق
    المعلن عن محسن انه ترك الصحافة كرها للمجال وعمل في المقبرة رغبة في التقرب الى الله متطوعا بلا مقابل ولا يعلم سوى القليل ان افكاره السياسية التي لا يستطيع البوح بها واحباطه من الواقع وفلسفته الخاصة بالعمل المناسب في هذا البلد الذي يملؤه الرعب هو ما دفعه لذلك، ما جعل جمال يظن ان محدودية فرص العمل لخريج التاريخ السبب فاستغرب عدم عمله في شركة العائلة أو حقل التدريس او الهجرة إن شاء، وقال في نهاية الحوار بينهما لو كنت مكانك ما تركت الصحافة أبدا لأستغل مهنتي في نشر دعاية يومية لمحلي هذا بشكل مجاني عوض نشر المقالات (يضحون)

    عاد محسن سليمان الى غرفته بعد ان قام بعمله تجاه احدى الجنائز وبدأ في تصفح هاتفه الذي يتركه دوما في الغرفة لكثرة الاتصالات والايميلات التي تصله من زملاء صحفيين فهذا يطلب ملاحظاته على مقال كتبه وهذا يطلب تقييمه وهذا يطلب مصادر ومراجع للكتابة عن موضوع ما وهذا يطلب اسرارا عن شخصية ما يخبره بها محسن ليتفوق على زملائه في الكتابة، ويتجاوب محسن مع زملائه متى ما أسعفه الوقت
    ووجد يوما ايميلا مرسلا من زميل صحفي يطلب فيه رأي محسن في مقال كتبه مستاء حزينا من الحرج الذي يقع فيه وزير الأشغال كلما زاره أحد الضيوف المهمين بسبب الشارع المهترئ الخرب والقريب من بيت الوزير وغاضبا من عدم تقدير الناس للمسؤولين وعدم تبجيلهم والاحتفاء بهم مقترحا تسمية الشوارع الجميلة فقط بأسماء من يقضي خمس سنوات فأكثر في منصبه من الوزراء
    فما كان من محسن الا أن حظر هذا الشخص وقذف بالهاتف ليصطدم بالحائط وكان سينكسر لولا متانة غطائه

    استيقظ محسن في أحد الايام على صراخ وعويل في المقبرة وحاول العودة الى النوم مرة اخرى فهذا وقت نوبة عم جابر واصغى الى صوت فإذا به صوت عم جابر نفسه يهلل ويحوقل بصوت ناحب فخرج مسرعا واكتشف ان ابن عم جابر الاصغر أحمد قد اختطف بينما كان يلعب في ساحة ترابية قرب المقبرة وهو الطفل الذي كان يحلم أن يكون صحفيا يوما ما
    أخذ عم جابر يدعو على أناس لا يعرفهم محسن الذي مازال في هول الصدمة ولما استفسر منه عنهم علم ان هناك من حاول اغراء عم جابر بمبلغ من المال قبل عدة اسابيع مقابل ان يتبنى الطفل احمد فرفض عم جابر
    الأخساء الأنذال لقد اختاروا من لا ناصر له او معين مطمئنين إلى ان ليس هناك من سيسأل عن هؤلاء المساكين أو يسعى لرد حقوقهم والاقتصاص من المجرمين قال محسن ذلك صارخا وهو يضرب بقبضته على الحائط حتى دميت يده

    أتى محسن بأحد العمال ليحل محله في المقبرة لفترة وبعد عدة أيام تفاجأ عصام الصحفي بقسم الجرائم والحوادث في صحيفة آراء بصديقه محسن واقفا أمام باب شقته بعينين محمرتين من طول السهر ولباس غير مهندم وفي يده مجموعة كبيرة من الصور والمقالات والتحقيقات الصحفية معنونة ب (أحلام الصحفي أحمد)
    وكا قد رافقه - في رحلة الذهاب الى الأحياء الفقيرة والعشوائية للبحث عمن فقد ابنا في ظروف غامضة وتسليط الضوء على ظروفهم المعيشية الصعبة - ابن شقيقه سمير محترف التصوير والذي يطمح لأن يدرس التصوير السينمائي بعد تخرجه في الثانوية العامة

    تناول محسن في كتاباته ظاهرة الإتجار بالأعضاء البشرية وطلب من عصام نشر هذه الكتابات تباعا في الصحيفة، تردد عصام في البداية لقوة وخطورة المقالات فقال له محسن أن هذا الموضوع من المناطق الآمنة بالنسبة للصحافة وان الحكومة ترحب ضمنا بتناول الجرائم والقضايا الداخلية طالما لم نستهدف النظام السياسي بشكل مباشر وهذا نوع من انواع الهاء الشعب عن قضاياه الكبرى كما يرون وان نقول يا وزير أنقذني من فلان أرحم لهم من أن نقول يا فلان أنقذني من الوزير وما كنت لأتدنى الى هذا المستوى لولا معزة الصغير أحمد عندي

    اقتنع عصام فطلب محسن ألا يذكر اسمه البته وان يوضع على المقالات اسم وهمي وهو أحمد جابر واستحلفه ان يكون الأمر سرا بينهما

    (4)

    (لقد قبض عليه المجرمون قبل أن تقبض عليه الشرطة) تلك هي أول عبارة قرأها رئيس التحرير في مقالة من مقالات محسن سليمان وبدأ يتبسم وهو يقرأ لمعرفته جيدا بإسلوب محسن فادرك عصام الجالس أمامه ان السر قد كشف وأن رئيس التحرير عرف أن الكاتب ليس شخصا مجهولا يعرف نفسه باسم الطفل أحمد جابر كما ادعى فاستأذن متحججا بضغط العمل وخرج تاركا رئيس التحرير يقرأ

    اتصل رئيس التحرير بعد ذلك بعصام معطيا موافقته على النشر وبإسم أحمد جابر

    أحدثت المقالات والتحقيقات الصحفية ضجة في البلد وتحولت القضية الى قضية رأي عام ما دفع باقي الصحف الى تناول ظاهرة الاتجار بالأعضاء البشرية وقضية الطفل أحمد بكثافة فزاد اهتمام الاجهزة الأمنية واستنفرت حتى تم القبض على المختطفين والعثور على ما تبقى من جثة الطفل أحمد جابر

    جلس عم جابر في المقبرة باكيا يواسيه بعض اقاربه وبعض المهتمين بالقضية بينما كان محسن يعد الجثمان للدفن منهمرة من عينيه الدموع وأكثر ما كان يؤلمه ان هذا الطفل لم يعرف في حياته سوى المقبرة فقد ولد وعاش ومات فيها

    كان الطفلان عمر وعبدالله يقفان واجمين على مسافة ليست ببعيدة من محسن ويراقبان عمله والجثمان الصغير الذي كان من الممكن أن يكون أحدهما مكانه وقد يكون يوما ما، التفت اليهما محسن واستغرب عدم بكائهما رغم ان الجميع يبكون ثم ادرك ان الموت هنا هو الصديق الرابع لهم فلا داعي للحزن او الخوف منه

    في زحمة المكان تقدم محسن نحو الطفلين واحتضنهما وقال ستكون مهندسا يا عمر وستكون…أكمل عبدالله وقال محاميا فلم اعد اريد ان اكون شرطيا فالمجرمون ارتكبوا عدة جرائم خطف دون ان تقبض عليهم الشرطة حتى خطفوا أحمد كما انهم قبضوا على عم خليل صاحب الكشك واتهموه بأنه هو من خطف أحمد بعد أن أغراه ببعض الحلوى وتغير طبعه الآن وصار ينهرنا ويصرخ علينا كل ما رآنا مقتربين من كشكه لأخذ الحلوى وقد كان يهدينا إياها بود ومحبة، وأخبرنا عم جابر عن عظمة المحامي الذي وكلته في القضية وكيف كان يدافع عن المظلومين وعنا نحن سكان المقابر وقال بأن الجناة سينالون أشد العقاب بإذن الله
    قال محسن: لقد كبرت قبل الأوان يا صغيري
    وبعد ثوان من الصمت نظر كل من عمر وعبدالله الى بعضهما البعض ثم اجهشا بالبكاء فلم يسمعا محسن يقول ستكون صحفيا يا أحمد..
    احتضنهما محسن باكيا ومهدئا لهما

    يهرع عمر وعبدالله الى غرفة محسن كل ما جاءا من المدرسة ليخبراه فرحين عن يومهما الدراسي فقد تكفل بمصاريفها ووعد بالاستمرار في ذلك حتى يتخرجا في الجامعة

    (القبض على الهارب خالد مروان في احدى الدول الشقيقة عند نزوله بها في رحلة ترانزيت، ووصل البلاد في الأمس وهو محتجز الآن)
    وقع هذا الخبر وقع الصاعقة على محسن الذي قرأه في أحد المواقع الاجتماعية متصفحا الهاتف بينما كان يسقي بعض الشجر والمزروعات في المقبرة
    جلس مصدوما وهو يردد لماذا يا خالد لقد حذرتك يا خالد لقد حذرتك

    بعد مرور أسبوعين اتصلت سعاد زوجة المهندس خالد مروان بمحسن وهي منهارة تماما قائلة: أنت لم تفعل شيئا كما كنت تعد مواساة وتطمينا لي، أليس صديقك؟، ألست صحفيا ماهرا؟، لم لا تكتب عنه وعن كل المضطهدين؟، ما الذي تفعله بين الاموات والأحياء يعانون؟، لقد منعوني من زيارته وهو مريض ومحتاج للأدوية، كلكم جبناء كلكم جبناء وأغلقت الهاتف
    خرج محسن من غرفته وتجول هائما بين القبور في ليل هادئ موحش وهو يردد..
    ما الذي تفعله بين الأموات والأحياء يعانون؟
    وما الذي سأفعله للأحياء والأموات وانا في السجن؟
    الأحياء يعانون لأنهم ليسوا بين الأموات الذين لا يزيفون الحقائق ولا ينافقون ولا يطغون ولا يغدرون ويعتقلون
    وحفار القبور لا يكذب ولا يزين أو يجمل الحقائق، هو يقول أنا احفر لأدفن الأموات ولا يقول أحفر لأعثر على الماء أو أستخرج البترول كما يفعل المثقفون البارزون فيسير خلفهم الاموات حتى يتساقطوا في الحفر واحدا تلو الآخر دون وعي أو تفكير واثقين بعلمهم وامانتهم ونزاهتهم، وجدت الصدق في عملي هذا فالقبر هو أفضل ما ينصح به ويدعى اليه في هذه البلاد ولا أريد ان اكون كاذبا او مثقفا خادعا
    ولا اريد ان ادخل السجن ولا اريد أي شيء آخر سوى مجاورة أول منازل الآخرة فما أجمل أن أكون في آخر أطراف هذه الدنيا الظالمة البائسة وقريبا جدا من الآخرة، أحرض من يراني على التقوى والصلاح وفعل الخيرات ولا أملك شيئا أفيد أو أضر به الأحياء
    أنا آسف يا خالد
    كان الله بعونكم

    (5)

    شن محسن وعمال المقبرة حملة لتنظيفها من العقد والتمائم السحرية بعد ان رأى عمر وعبدالله يتفحصان احداها دون دراية منهما بماهيتها واكتشف الكثير منها وتم اتلافها بالاستعانة بشيخ الجامع الذي أوصى بتفحص الجثمان جيدا قبل الدفن والابلاغ عن كل من يشكون بتصرفاته من مشيعي الجنائز
    (يا أيها الاحياء كفوا أذاكم عن الاموات) قالها محسن منشرحا لإنجازه الكبير وهو يرش الماء في المقبرة

    سمع محسن اصوات دوريات الشرطة تحيط بالمقبرة في احدى الليالي بعد منتصف الليل فخرج ليجد افراد الشرطة يحملون جثة لتدفن، سمع محسن الضابط يتحدث في الهاتف ويقول: نعم يا سيدي، نحن ندفن الجثة الآن ولن يعلم أي أحد بالأمر بإذن الله
    استغرب محسن وظن ان الجثة لأحد المجرمين أو الارهابين وفي اثناء الاعداد للدفن شعر انه يعرف هذا الشخص الا ان تشوه الملامح لم يمكنه من الجزم فكشف عن ساق الجثة ليجد الوحمة.. وحمة خالد
    انهار محسن واصابته حاله هستيرية وهو يصرخ..
    الكل يجب ان يكون في السجن حتى حفار القبور
    الكل يجب ان يكون في السجن حتى حفار القبور
    ظن الضابط انه مجنون او ملبوس وأمر بإبعاده
    أخذه أحد العمال بعيدا واجلسه وجعل يهدئه
    هدأ قليلا ثم عاد وانفعل قائلا..الكل يجب ان يكون في السجن حتى حفار القبور الذي من الواجب أن ينزه مهنته ويصدق مع نفسه ومع الآخرين فيتحدث عن المقتولين تعذيبا،
    رددها مرارا حتى سقط مغشيا عليه
    ولولا بعده عن الشرطة واستماتة العامل في كتم الصوت واضعا يده على فم محسن لكان في خبر كان

    أخبر الطبيب عليا ان محسن يعاني من انهيار عصبي حاد ويحتاج للمكوث لبعض الوقت في المستشفى

    استرد محسن خلال عدة ايام صحته وعافيته الى حد ما وكتب وهو في المستشفى مقالا طويلا يتحدث فيه عن كل شيء بصراحة وختم المقال بعبارة (الكل يجب ان يكون في السجن حتى حفار القبور) وقبل ان يضغط على زر الادخال لنشر المقال في احد المواقع الاجتماعية دخلت عليه آلاء عيسى ومعها عمر وعبدالله
    قام محسن واحتضنهما وآلاء تقول لقد أصرا على زيارتك بعد ما ذهبت الى المقبرة لإحضار بعض الكتب التي طلبتها، سر محسن كثيرا لتفوقهما في المدرسة وبعد احاديث الود اللطيفة بين الجميع طلب عمر وعبدالله هاتف محسن ليلعبا فيه فقد كان قد حمل فيه الكثير من الالعاب التي كانا يلعبانها في المقبرة
    حذف محسن المقال الذي كتبه في ساعات طويلة وسلمهما الهاتف
    انشغل الطفلان باللعب والتفتت آلاء الى محسن قائلة عد يا محسن
    عد يا محسن الى عملك في الصحافة وليس من الضروري مجاوزة السقف فهناك متسع للعديد من القضايا المهمة كالتي كنت تكتب عنها سابقا وكالتي كتبت عنها مؤخرا في قضية الاتجار بالاعضاء البشرية واخفيت انك انت الكاتب ولو خفي اسلوبك عن الجميع لن يخفى عني..
    كل ميسر لما خلق له وانت لم تخلق لهذا العمل الذي لا يناسبك مطلقا وان وضعنا الملح في الشاي والسكر في الطعام فلن نستفيد من كليهما
    محسن - لن نستفيد من الملح ولا السكر ان كانا مغشوشين
    آلاء - كن سكرا حقيقيا ومعقولا لا يزيد في الشراب فينتبهون لك ويطاردونك
    تدرك آلاء ان محسن يبادلها نفس مشاعر الحب التي تكنها له وتعلم ان من اهم اسباب تحوله الدرامي هو دخولها السجن بعد ان دخله أستاذه المقرب الدكتور محمود حسن الذي مات فيه فكان موته القشة التي قصمت ظهر البعير، وكانت قد شعرت بألمه العميق حين اخبرته بقرار هجرتها ولم تستغرب تأمينه لوظيفة لها لانتشالها من مستنقع المرارة والحزن، ولكن اشتغالها بالسياسة صرفها عن الحب وعن كل شيء وهي ترى الأن ان الفرصة مواتية لتحقيق أمليهما وان محسن لن يعود ابدا الى عمل المقبرة بعد ازمته الصحية هذه
    قال محسن بعد أن باحت عينا آلاء بمشاعر الحب اثناء حديثها: لقد كنت شجاعة يا آلاء ودفعت ثمن شجاعتك وأريد ان اكون شجاعا وادفع الثمن لأكون….دخلت الممرضة لتعلن انتهاء موعد الزيارة
    أكمل محسن جملته بعد أن خرجوا قائلا…لأكون أهلا لك

    خرج محسن من المستشفى بعد ان قضى فيها عدة اسابيع وعاد الى شقته ثم ذهب لاحقا الى اخيه علي في شركة الأجهزة الكهربائية والإليكترونية التي تملكها العائلة وطلب منه ان يشتري نصيبه في الشركة كاملا
    قال علي: كنت اتوقع هذا في اي وقت فبعد اضاعتك لعقلك وعلمك وعملك وتاريخ وسمعة عائلتك تريد الآن اضاعة مالك
    وبعد جدال عنيف وافق علي مضطرا على شراء نصيب محسن خشية ان يبيعه لشخص غريب

    (6)

    بعد انتهائه من الدعاء بالرحمة والمغفرة لخالد التفت محسن الى أرملة خالد سعاد التي كانت تبكي جالسة بجوار قبر زوجها، بدأ في مواساتها لتهدأ دون جدوى فأخذ طفلي خالد وعمر وعبدالله واستأذن للذهاب الى كشك عم خليل لشراء بعض العصائر والحلوى
    كانت علاقة الصداقة والمودة قد عادت بين عم خليل وعمر وعبدالله بعد ان تحدث معه محسن واعطاه مبلغا ماليا لم يقبله عم خليل الا بعد ادعاء محسن أنه من ابن أحد المتوفين وأمانة ينبغي ايصاله
    عاد الجميع الى المقبرة فوجدوا سعاد تقرأ القرآن عند القبر، لاعب محسن الاطفال ومازحهم بعيدا عن سعاد وما ان رآها تنهض وتتجه الى باب المقبرة حتى ودع عمر وعبدالله وأخذ طفلي خالد ولحق بأمهما
    كان الصمت يعم السيارة في طريق الذهاب الى بيت المرحوم خالد، وعند الاقتراب من الوجهة تكلمت سعاد بصوت منتحب عن قيمة وأهمية ان يعرف المرء مصير أحبائه فذلك أهون من الوقوع فريسة عذاب الحيرة لسنوات ثم نزلوا
    شعر محسن وهو يقود السيارة تجاه شقته ان حديث سعاد الأخير نوع من الشكر والامتنان لإخباره لها بالحقيقة وارشادها الى مكان قبر خالد وربما كان اعتذارا عن قسوتها معه، قسوة تظن انها ساهمت في انهياره العصبي الذي أرقده في المستشفى لمدة
    غفر الله لك يا خالد
    وغفر لي…
    سامحيني يا سعاد فزوجك مات تحت التعذيب ولم يمت ميتة طبيعية

    في ساعة متأخرة من الليل وصل محسن الى المقبرة وقبل كلا من عمر وعبدالله وهما نائمان واخبر والديهما انه ترك العمل هنا بشكل نهائي وانه مازال عند وعده بالتكفل بتعليم عمر وعبدالله حتى التخرج في الجامعة دون ان يخوض في التفاصيل ثم ودعهما وودع عم جابر وكل من كان مستيقظا من سكان المقبرة وذهب..
    وعند اقترابه من الباب لحقت به امرأة مسنة وأعطته بعض الحلوى قائلة: فليحفظك الله، أخذها محسن مبتسما وقبل يدها ورأسها ثم غادر

    أرسل محسن رسالة بالهاتف الى آلاء وهو في المطار يقول فيها ( اريد ان اكون شجاعا وادفع الثمن لأكون أهلا لك، اهتمي بالطفلين، سأخبرك بكل شيء لاحقا)

    وفيما بعد ختم محسن جواز سفره وسار حتى كاد يختفي من صالة المطار، رن هاتفه فلم يرد ولكنه استدار ليتفاجأ بآلاء تلوح له من بعيد وترفع علامة النصر
    لوح لها محسن مودعا لمدة وفي وجهه ابتسامة ما ان تحولت الى حزن عميق حتى استدار وسار ثم اختفى،
    تماسكت آلاء حتى غاب عنها محسن ثم عادت باكية إلى منزلها واستلقت على السرير دامعة العينين ومسترجعة ذكرياتها مع محسن وأول نظرة بينهما وأول حوار وأول ضحكة ومحاولاته التودد والتقرب منها وفكرتها السلبية تجاه هذا المتردد الذي لا يريد الصعود الى سفينة الكفاح رغم نداءات قلبها الحثيثة، وما كانت تعلم عن الهم العظيم في صدره والنضال الدفين في روحه بدافع الحب الشديد للوطن والخوف منه وعليه
    كم خسرتك يا محسن..
    وما بين الندم على حب فات والخوف من شوق آت راحت آلاء في نوم عميق

    انضم محسن لصحيفة اجنبية كبرى ولم يجد صعوبة في ذلك فهو يتقن اللغتين الانجليزية والفرنسية تمام الاتقان وملم بالشؤون العربية وثقافته عالية هذا بالاضافة الى علاقاته الواسعة في اوروبا فكثيرا ما كان يسافر لإجراء حوارات صحفية أو ليكون مراسلا
    ومع مرور الوقت زاد عدد الصحف التي يكتب فيها محسن ويكتب ايضا في العديد من المواقع الاجتماعية على الشبكة العنكبوتية وعندما وجد ان الوقت قد حان للحديث في الشأن السياسي لبلاده كتب مقالا طويلا يتحدث فيه عن كل شيء بصراحة مع اخفائه تفاصيل قد تضر أحباءه وأقرباءه، ونشر المقال في كل مكان مختوما بعبارة ( الكل يجب ان يخرج من السجن حتى حفار القبور) واستمر يكتب حتى كتب المقال السياسي الرابع فتم وضع اسمه مباشرة على قوائم "ترقب الوصول"
    وعانى كل من اسمه محسن عند وصوله المطار عائدا من الخارج من تفتيش دقيق وانتظار طويل حتى تم القبض في أحد الأيام على رجل مسن قارب الثمانين عرف نفسه لضابط الجوازات بالحاج محسن عبدالكريم وهو فرح ومسرور لعودته الى أرض الوطن، وما تركوه إلا بعد أن انفعل مستنكرا غاضبا ولم عليهم المطار قائلا أنه لم يدخل مبنى صحيفة في حياته، ولا يقرأ الصحف منذ عشر سنوات لضعف في بصره، وسيتبرأ من حفيده الذي يدرس في كلية الإعلام إن لم يحول إلى المعهد العالي للفنون المسرحية، واتضح فيما بعد ان هناك مجرد تطابق في الاسم الثلاثي لوالدتي محسن سليمان محمد والحاج محسن عبدالكريم حمدان رحمهما الله، وفي احدى المرات تم القبض على امرأة في المطار تدعى محسنة سليمان محمد وقام الذي يلقبه زملاؤه بشارلوك هولمز المطار بشد شعرها اعتقادا منه أنه شعر مستعار فصفعته فخطف الملقب بجيمس بوند شنطة يدها وركض وهو يفتش الشنطة بحثا عن أي أسلحة على هيئة قلم أو أحمر شفاه، أو أجهزة يتم التواصل من خلالها مع المخابرات الإكوادورية حتى اصطدم بعمود في المطار وسقط فأمسك به الناس الذين كانوا يطاردونه بعد أن صرخت محسنة (حرامي) وكانت فضيحة تحدثت عنها الصحف العالمية ونشرات الأخبار في حينها

    (7)

    سلمت آلاء عيسى مبلغا ماليا كان قد أرسله محسن بطريقة ما لوالدي عمر وعبدالله كل على حدة كما تفعل كل أول شهر مع تفقد ومتابعة احوالهما الدراسية باستمرار كما أوصاها محسن
    تعلقت آلاء بالطفلين واحبتهما كما أحبهما محسن وصارت تكثر من زياراتها الى المقبرة لمتابعة ومراجعة دروسهما احيانا، وفي أحيان أخرى لقراءة بعض المقالات التي يكتبها محسن وسط اصغاء وانتباه شديد منهما واستحسان وإشادة بكل ما كان يستوعبه عقلاهما الصغيران
    تحجب آلاء ما يصعب عليهما فهمه من مقالات سياسية وتركز على ان تقرأ لهما كتابات محسن في الدين والأخلاق والعلوم الانسانية والأدب خاصة قصص الأطفال التي لا ينساها ولا يهملها محسن وسط انشغاله بالكتابات السياسية، وعند سؤالهما لها عن موعد عودة عم محسن فقد اشتاقا له تحكي لهما عنه كبطل من أبطال الأساطير و بأنه لابد وأن يعود يوما ما على حصان أبيض فارسا نبيلا…وشجاعا ليحرر الأميرة من حراس القصر

    في احدى زيارات آلاء للمقبرة وجدت أن هناك حالة وفاة لامرأة مسنة كانت تسكن فيها، لم تتردد آلاء في المشاركة بتغسيلها وتكفينها وتجهيزها للدفن، والغريب انها كانت الاكثر علما ودراية بهذا العمل من النساء ذوات الخبرة وكأنها تعمل لسنوات في هذا المجال..
    من الواضح انها تعلمت، ومن غير المعلوم هل تعلمت لأن العمل في المقابر كان آخر عهد محسن بهذه البلاد أم لغرض ما في نفسها
    تم الانتهاء من مراسم دفن المرأة المسنة، ولكم شعرت آلاء بالحزن والأسى العميق عليها بعد أن أخبرها عمر فيما بعد أن المتوفاة كثيرا ما كانت تدعو لمحسن بالتوفيق والسداد لما كانت تراه منه من أعمال خير في المقبرة، بكت آلاء ثم ضحكت ثم بكت ثم ضحكت ثم طوت القصة وبدأت تقرأ للطفلين مقالا سياسيا قويا كتبه محسن..
    ولم تحجب منه شيئا هذه المرة.
  • أحمد الكاتب
    أديب وكاتب
    • 11-07-2024
    • 76

    #2
    عزيز الكاتب،

    إن قصتك تجسد بحق التناقضات الصارخة التي تعيشها مجتمعاتنا اليوم ...
    محسن الذي بدأ يومه المرهق وعاد إلى غرفته في المقبرة ليكمل قراءة كتابه ، هو نموذج للإنسان الذي يجد في العزلة مهربًا من زيف الحياة الخارجية .
    لقد وصفت الغرفة المكتظة بالكتب من مختلف المجالات بدقة ، مشيرًا إلى غنى محسن الثقافي والفكري ، رغم محيطه الذي يبدو مليئًا بالموت. هذا التناقض بين المعرفة والموت ، بين الحياة في الكتاب والموت في الواقع ، يشكل محورًا مهمًا في سردك .

    إبراهيم، الذي جاء لزيارة صديقه محسن، يمثل الصوت الخارجي الذي يعكس المجتمع ورفضه لفهم اختيارات الأفراد الشخصية، حتى لو كانت تلك الاختيارات مبررة منطقياً ووجدانيًا. تطرقت إلى مواضيع سياسية حساسة، مثل قمع حرية التعبير وواقع الصحفيين، بأسلوب مباشر وصريح يعبر عن الغضب والإحباط.

    الحوارات بين محسن وإبراهيم، ثم محسن والآخرين، مثل أرملة الدكتور محمود وابنة خالد، تكشف عن صراع داخلي عميق حول معنى العمل الحقيقي والفعل الأخلاقي في مجتمع مستبد. تجلت مأساتنا الجماعية في تفاصيل حياة محسن اليومية وعلاقاته مع الآخرين.

    إبرازك لحياة الأطفال في المقبرة، وأحلامهم البسيطة التي تعكس تعقيدات حياتهم القاسية، أعطى للقصة بعدًا إنسانيًا مؤثرًا. يظهر محسن كشخصية معقدة، يتأرجح بين رغبته في العزلة وهروبه من المجتمع، وبين التزامه الأخلاقي تجاه الأضعف والمهمشين.

    النهاية التي وضعتها لقصة محسن، حيث يكتب مقاله الأخير ويتردد في نشره، تجسد الصراع المستمر بين الأمل واليأس، بين الرغبة في التغيير والخوف من العواقب. تبقى النهاية مفتوحة، تعكس واقعًا مليئًا بالتناقضات والصراعات التي نعيشها جميعًا.

    شكراً لك على هذه القصة العميقة والمؤثرة. لقد نجحت في تصوير حياة مليئة بالمعاني والصراعات، وعبرت بصدق عن الإحباط والأمل في مجتمع يعاني من القمع وعدم العدل.

    تحياتي،
    أحمد الكاتب

    تعليق

    يعمل...
    X