إِسْــــــــرَاءْ

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • علي التاجر
    أديب وكاتب
    • 21-12-2008
    • 88

    إِسْــــــــرَاءْ

    إِسْــــــــرَاءْ



    تذكرتكِ، فانفلق قلبي وأغْصَنَ أغنية.
    اندلقَ صوتي رياناً، جنّحتُ بيديّ وعدتُ يافعاً. عبرتُ الذكرى ونظرتُ للسماء البعيدة وأنشدتُ موّالاً:
    أوّاه يا طول المسافة والطريگ
    أوّاه من كثر العنا،
    كلما الخطاوي تتسع صدري يضيگ


    عمري قضيته في الدروب الممحلة، من غير زاد ولا رفيگ

    ذكرى أنا؟
    حلم او حقيقة او خيال ؟
    أفنى بثواني وارجع احيى وأستفيگ
    **


    عدتِ الآن في حلمٍ تائه.

    بعد كل تلك السنوات وجدتني أبكي كالطفل بحثاً عنكِ، لم أدع مستشفىً ولا ديرةً إلا طويتُها كي أجدكِ. شقّ عليّ البحث، فأمسكت بكل من أراه وأنا أجهشُ لأسألهم واحداً واحداً، وقد كنتُ أرجوهم وقلبي يتمزقُ فأنشجُ متضرعاً لهم:
    • أين هي ؟، لن أستطيع العيش أكثر من غير أن أراها.
    زمنٌ طويلٌ مرّ ولم أبككِ، فقد أهاضني الزمن والسنوات العجاف، فكنتُ أسقط في حُفَرِ القدَرِ ولا أتمكن من النجاة إلاّ بصبرٍ مُرٍّ. لم يمدّ لي أحدٌ حبل النجاة أبداً، وبعد أن رحل الأقربون، كان قوتي دعواتٌ قليلةٌ وصلاةٌ أخشع بها إلى الله بقلبٍ وإيمانٍ راعفيْن، ثمّ أجد يده الكريمة تتلقفني، بعد أن أيأسَ تماماً.

    عندما استيقظتُ من ذلك الحلم، علمتُ أن هناك خطباً ما قد حدث لكِ. عدتُ إليكِ ضارعاً، فاعتصر قلبي مجدداً كما لو أنني فارقتكِ بالأمس، حينها قلت إنني أحببت الحياة لأجلك، وعرفت حقيقة ما كان يدور في خلدي عندما نظرتُ لعينيكِ أول مرة. شق ضوء الشمس زجاج النافذة فعبر لعينيكِ، ثم أجهز على قلبي، حينها قلت في نفسي أنني لن أستطيع العيش بدونكِ أبداً.
    **


    كان فراقاً، طلاقاً، قهراً لأقطع وريدي فأنزف رويداً وأختبر الموت البطيء.
    لا أتذكر كم من الوقت أمضينا معاً، لكنه كان كالحلم الخافت الذي رزح عقوداً على صدري، فأحالني كهلاً على غير ميعاد.

    هربتُ من هذه الحقيقة بسرعةٍ خاطفة.
    قيل لي: أن الحياة لا يوقفها أحد، لن تموت من أجلك، وأنت كذلك لا يجب أن تموت من أجلها. هذا العشق الطفولي سيتضاءل حتى يكون ذرةً في بحر حياتك. لكنه كبر وازداد واستوسق حتى خنقني في قادم الأيام.
    اهترأت أكثر فجمعوني بفتاةٍ لم أتمكن من غرسها في قلبي. كنت أشفق عليها وعلى نفسي، ومضينا معاً وكان نصيبنا بيتٌ صغيرٌ مكتظٌ بأطفالٍ يتقافزون من كل حدب، لكنني لم أستطع أن أعبركِ، بل زدت تعلقا واشتياقا ويأسا.
    ****


    تعرق بدني واحتضرت لما رأيت بعينيّ هاتين خبر وفاتكِ.

    سرقت نفسي وقصدت مقبرة قصية في الموعد المحدد، من بعيدٍ لاح نعشٌ محمولٌ على الأكتاف، كان الجميع يتحركون كي يحظوا بحمل الجنازة. لمحت رجلاً ثاكلاً ومعه أبناؤه، كان أصغرهم فزعاً مما يراه في هذا المشهد الجنائزي. كانت الشمس تسوطنا بقيظها، فتلفعت بغترتي، وسترت عينيّ بنظارتي السوداء واقتحمت المقبرة التي تناثرت الشواهد فيها هنا وهناك، وصورٌ مغروسةُ فوقها ترفرف البيارق لشهداء وأطفال ورجال من شتى الأعمار، كلهم يرحبون بالقادمين.

    اصطففت لأتمكن من حمل النعش ووقفت حائراً، تذكرت وجهك العفيف فسحّت عيناي نداها وأغرقت غترتي، كنت أجد صعوبة في التنفس لولا أنا قدم لي الرجل الحزين بقربي مقدمة النعش، فحملتك فوق أضلاعي، خشعت لجلال روحك، أحسست بدفئها واستسلمت للذكريات، ما الذي أفعله بعد سنوات الفراق، غير أن أحملك للقبر.

    كنت موقنا أنك هنا، ترين وتسمعين بصحبة الملائكة الطيبين، ربما نظرت هناك أو هناك، ربما شغلك الحزن على أولادك، ولكنك نظرتِ لوجهي خلف اللثام، غفرتِ لي ذنب تركك وحيدةً وحزينة.
    جاء ملا جاسم، بعد أن أضجعوكِ، أمّ المصلين، فوقف عند رأسك ملقناً إياك أجوبة الأسئلة التي ستتردد في القبر، لكي يطلقوا عصفور روحك الأسيرة في فضاء الله، ثم ما لبثوا أن ألحدوكٍ وأهالوا التراب وكأنهم لا يطيقون صبراً، فكما ينطفئ القنديل، كذلك الجسد الذي يتمّ طيّهُ في لفّةٍ كي يلغوا اسمه وذكراه تحت الركام.

    ازدرت ريقا دبقاً وأشرفت على الموت، فانفلق قلبي ثانيةً واستوسق للسماء. مددت يدي إليك فتحولت ضوءا وأنا أقف عند قبركِ، كنت أنظر للتراب يهال على القطع الاسمنتية التي تضطجعين تحتها. وفيما الجميع منهمكون بالنظر إلى اللحد وهو يتقيأ من فرط ما أشبعوه تراباً، كنتُ أراكِ تصعدين كالعروس بفستانٍ أبيضٍ قشيبٍ تصاحبك غيمةٌ ناعمةُ تلاشت معكِ في أعالي السماءِ القصيّة.
يعمل...
X