الشعر .. والشاعر ..

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • ياسرسالم
    أديب وكاتب
    • 09-04-2011
    • 397

    الشعر .. والشاعر ..

    أُكْرِهت على ذكر بعض ما معي من شهادات ، حين دمغني أحدهم بسيماء المتخلف المنفصم عن واقعه فلا يدري بما تدور الحياة من حوله وتمور ، وماكنت لأذكر ذلك ولا أحبه ...
    لقد كان أستاذي ومعلمي يحثنا على أن نملأ أيدينا من هذه الشهادات ما وسعنا ، حتى يُثمّن الناس أقوالنا ، ويقنعون شيئا ما بما نريده من نصح لهم ، فالناس - من أسف - قد دأبوا على المفاضلة بين الخلق على أساس هذه الأوراق الصماء التي لا تعكس في أحايين كثيرة حقيقةَ عقل من تشير إليه وتعنيه ..
    * * *


    المرء بأصغريه قلبه ولسانه.. هكذا يقولون ..
    ويقولون أيضا :

    لسان الفتى نصف ونصف فؤاده .:. فلم تبق الا صورة اللحم والدم

    وأذكر أيام الجامعة (قبل عشرين سنة تقريبا ) أنني تجولت في معرض أدبي (راق ) باحدى الكليات الراقية .. وكنت وقتها أخبط في الحياة على غير غاية..
    جعلت اتقلب في نواحي هذا المعرض الأدبي ، وأصعد النظر فيما يحوي ، فما وجدت إلا عبارات لا تستقيم على وزن ، ونثرا لا يمشي على ساق ، وقواف سمجة مهترئة ، صاخبة بالقبلات والآهات وكؤوس الهوى ، الا من النذر اليسير
    و مع تسليمي بأن الغزل الجميل الواعي لا بأس به ؛ إلا أنني قلت - بعفوية - لأحدهم ما معناه : ما ينبغي أن تكون هذه قيمتنا في قابل الأيام ، لأن من يريد أن يتعرف إلى أمة فاء إلى أدبها ..وهذا (أدب) مكشوف لا نعرفه ولا يعرفنا ولا يمثلنا ..

    وكان وجه لومي هو اعتراضي على التداعي الحسي في حمأة الهوى بين شباب وشابات بهم من النزق والفورة ما لا يحسنون معه من أمر قلوبهم إلا اجتراح الحب ونوازعه ودواعيه وما قد يفضي إليه من مأس شتي ، وإن لم يكن من سبيل لترشيد مسعاهم في تلك المرحلة العمرية الحرجة ؛ فلا أقل من أن نمسك عن مسايرة ما تمور به صدورهم من نوازع ضارة مهلكة ، تُودي بهم وبمجتعهم الذي يحملون مشاعله ..
    كانت هذه ردة فعلي على ما يمكن أن أسميه تجاوزا ( جنوحا أدبيا ) يثلم المروءة ، ويخدش الوقار ، ويثير الرغائب .. فكيف إذا كانت البلوى من الشعراء في صلب الدين والعقيدة وتراث الأجداد ؟!

    * * *


    إننا أمة لها موروث تعجب منه غيرنا ، ولنا علوم كانت وما زالت أعجوبة الدهر ، بشهادة بعض فقهاء القوانين الفرنسيين الذين استلت معظم قوانينهم العصرية من فقه مالك ..
    وحري بمن ينتصب مرتديا ثوب هذه الأمة ، ومتجلببا ببُردها أن يدرك خصائصها ، ويدري هويتها ، حتى لا يتنكب صراطها ، ولا يستدبر قبلتها ، ولا يركل بقدم باردة كل تراثها ، أدبا وفقها وعلما ونورا ؛ لينتصر لفكرة جزئية ، لن يبلغ حرصه عليها - مهما بلغ - حرص ديننا الحنيف..
    قرأت الكثير من الشعر ، وأدركت أن الشعر كثير ، والشعراء كُثُر ، ولكنهم في هذا المضمار كإبل مائة ، قلما وجدت فيها راحلة ..

    لقد وقف أكثرهم من المعاصرين عند حدود الكلمة المهيّجة حين تقاصرت هممهم عن تجاوز القول إلى العمل ، وحتى فِعْل أكثرهم ( إن كان ثمة فعل ) لا يَعْدُو أن يكون سعيا قد أُتِي بأفضل منه ممن هو دونهم قافية وثقافة وبهرجا

    * * *


    ويجدر بي أن أذكر أن للشعر - والشعر لا غيره - تأثيرا عجيبا في النفوس الوثابة إذا لم يزاحم فطرتها ، ويصبغها بكدرته ، واتسق مع مقومات الأمة وحضارتها ، ولم ينفلت من مدار شريعتها ، وليس الشعر الذي يلمع بالـ(لازورد) كبرق خالب ، وتضمخ معاقده بـ (الكولونيا) كعطر مرهف ..

    وما أروع قول أبي محجن الذي امتطى الشعر مركبا تتجاسر من فوق متنه همتُه ، قال لمن غمزته ولمزته وقد سبق الجيش منقلبا :
    إن الكرام على الجياد مقيلهم .: فدعي الحروب لأهلها وتعطري
    كان فعله يسبق قوله ، ويلتصق بآلام وآمال امته حقيقة لا ادعاء وزورا


    * * *


    كانت ثمة حروب طاحنة وأيام فواصل ، كان فيها المجد للسيف ، ليس المجد للكتب ، وما عرفت شعرا هيج المشاعر واجج الثورات إلا ما كان ممن صاغوا قلوبهم على مقاس رغبة الدين كقصيدة ابي اسحاق الألبيري رحمه الله تعالى لأهل صنهاجة يستوثبهم على حاكم جائر قرب اليهود واتخذ منهم بطانة لا تألوه خبالا، وأنزل بني جلدته المنازل الدنيا ، فأنتجت أبياته وأطفلت في القلوب ، وأشعلت ثورة مغموسة بنخوة ...

    ألا قل لصنهاجة أجمعين .:. بدور الندي وأسد العرين
    لقد زل سيدكم زلة .:. تقر بها أعين الشامتين
    تخير كاتبه كافرا .:. ولو شاء كان من المسلمين
    فعز اليهود به وانتخوا .:. وتاهوا وكانوا من الأرذلين
    إلى ان قال ...
    وقد نكثوا عهدنا عندهم .:. فكيف تلام على الناكثين
    وكيف تكون لهم ذمة .:. ونحن خمول وهم ظاهرون
    ونحن الأذلة من بينهم .:. كأنا أسأنا وهم محسنون
    فلا ترض فينا بأفعالهم .:. فأنت رهين بما يفعلون
    وراقب إلهك في حزبه .:. فحزب الإله هم الغالبون


    * * *

    لقد كانت المعركة التي راعت اليهود ، ومزقت جلودهم ، هي معركة اكتوبر ، وكان ابي رحمه ممن أكرمهم الله بالعبور بعد ان قتل صديقه الذي كان يعبر معه، ولا ضير ، فقد كان - عليه سحائب الرحمات تترى - أحد عشرة أفذاذ هم أبطال الرماية على مستوى الجيش الثالث الميداني ، وكان يحكي لنا كيف كانت صيحات التكبير دليلهم إلى النصر.. وهذه الصيحات لم تكن لتولد في القلوب بكلمات الشعراء المنمقة مهما طن بها المغنيون والمغنيات ، وقد فعلوا مرارا... بل كانت نتاجا فطريا منسجما مع ما كان يتلوه علماء الأمة على مسامعهم في جبهات القتال من آثار رحمة الله بالأرض ، وسنة الدفع التى خلفت لنا إرثا بطوليا رائدا يعبق به سفر البطولة والرجولة والوفاء ....

    * * *

    ألا فلا سلام على كل شاعر أثيم ، تتنـزل عليه الشياطين ، ينتحى من دينه مكانا قصيا ، ويبكى بدمع مستعار على وطن مسلوب ، ويغفل أنه هو وأمثاله هم من سلبوه عزته ،ولعنوا دينه ، وادعوا محبته ، وتمنوا لو ظل الوطن مسلوبا أبدا ، حتى لايتوقف سيل بكائهم (الأثيم )...
  • سليمى السرايري
    مدير عام/رئيس ق.أدب وفنون
    • 08-01-2010
    • 13572

    #2
    ما زلتُ أتعلّم من ورقاتك الأدبيّة والعلمية والتحليلية والفنيّة أيضا الكثير الكثير أستاذي المبدع ياسر سالم
    شكرا لهذه الوجبة الدسمة التي يجب أن يطول المكوث أمامها، لندرك فعلا قيمة هذا القلم الكبير.
    -
    فائق التحية والتقدير
    لا تلمني لو صار جسدي فاكهة للفصول

    تعليق

    • ياسرسالم
      أديب وكاتب
      • 09-04-2011
      • 397

      #3
      والله يا أستاذة انه لكرم فيّاض منك ان تصبري على قراءة هذه المقالة ..
      ولكم يسعدني ان تكون بالوصف التي تصفين،
      شكرا استاذة سليمى على مكوثك الجميل، وتناولك الحسن لها..
      دمت والجمال رديفين ..
      تحياتي ..

      تعليق

      • أحمد الكاتب
        أديب وكاتب
        • 11-07-2024
        • 76

        #4
        لقد أثريتَ كلماتك بمزيجٍ من الحكمة والوعي العميق، وجعلتَ من تأملاتك نقطة انطلاق لفهم أعمق للواقع الأدبي والحضاري الذي نعيشه. إنَّ تأكيدك على ضرورة أن يلتزم الأدب بقيم الأمة وهويتها هو دعوة للعودة إلى الجذور، وعدم الانسياق وراء الانفعالات السطحية التي تضر بأمتنا وتاريخنا.

        ما ذكرته عن الشعر وأثره في النفوس هو بالفعل صواب، فالشعر الذي ينبض بحقيقة الشعور ويتناغم مع قيم الأمة يكون له التأثير العميق والمستمر. لقد أحسنت في التنبيه إلى ضرورة أن يتجاوز الأدب حدود الكلمات إلى الأفعال، وأن يكون للشاعر دورٌ في إشعال الروح الوطنية والإنسانية، لا في تحفيز الغرائز والميول العابرة.

        إن إشادتك بمعركة أكتوبر وتأكيدك على أن الانتصار لم يكن نتيجة كلمات الشعراء المنمقة، بل من إرث الأبطال والتضحية، هو تذكير مهم بأن الأفعال الحقيقية هي ما تصنع الفرق، وأن الشجاعة لا تقتصر على السطور بل تنبع من الروح الجماعية التي تجمع الأمة في لحظات الاختبار.

        أنتَ بالفعل تمثل صورة للأديب الذي لا يساوم على مبادئه، ويضع المصلحة العامة فوق كل شيء، متسلحًا بمعرفة عميقة وشجاعة في القول والعمل.

        تعليق

        يعمل...
        X