أرواح المعاني

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبد الرحيم أمزيل
    أديب وكاتب
    • 15-04-2017
    • 235

    أرواح المعاني

    ياكاتب الكلمات رفقا حين تنسجها *** إن المعاني أرواح نحييها
    حسب الفتى من حياة مايزينه *** وأعذب الناس من طابت سجاويها
    فاحرص على سقي قلب جف منبعه *** كالغيث يمسح دمع الحزن ينسيها
    لاخير في بوح من يغتال أمنية *** وفي الضفاف جراح من يواسيها
    فالمرء يفنى وإن طال البقاء به *** وطيب ذكراه بالإحسان نحييها

    عبد الرحيم أمزيل التمسلمتي.
  • فرناندز حكيم
    أديب وكاتب
    • 07-03-2014
    • 209

    #2
    في هذا النص لا تأتي القصيدة بوصفها سؤالًا مفتوحًا ، بل بوصفها جوابًا سبق أن اكتمل في ذهن قائله . و منذ العتبة الأولى : “ يا كاتب الكلمات رفقًا حين تنسجها ” ندرك أن الصوت لا يدخل التجربة ، بل يقف فوقها قليلًا ، كمن يراقب اللغة و هي تُصاغ أكثر مما يعيش ارتباكها . هناك مسافة خفيفة بين القول و ما يُقال ، تجعل النص أقرب إلى وصيّة تمشي على هيئة شعر ، أكثر مما هو حركة اكتشاف داخل اللغة نفسها .

    اللغة تتحرك هنا داخل يقينها الخاص . لا شيء يتعثر ، لا شيء يتشظّى ، و كأن المعنى لا يُولد من احتكاك داخلي أو توتر دلالي ، بل يُستدعى جاهزًا من منطقة أخلاقية هادئة . لذلك تبدو الصور - رغم جمالها التقليدي - مُصالَحة منذ البداية : الغيث لا يُفاجئ الجفاف ، بل يأتي بوظيفته المعلومة سلفًا ، و “ الدمع ” لا يُرى كاهتزاز إنساني ، بل كعنصر يحتاج إلى من يمسحه فقط ، لا إلى من يصغي إلى ارتجافه .
    في هذا السياق ، حتى الصورة المركزية في : “ كالغيث يمسح دمع الحزن ينسيها ” لا تُترك لتعمل كطاقة إيحائية مفتوحة ، بل تُغلق على معناها بسرعة ، فتتحول من احتمال شعري إلى وظيفة أخلاقية . و هنا يظهر ذلك الميل العام في النص إلى تفسير الصورة أثناء إنتاجها ، و كأن الشعر يضيء منطقه بدل أن يتركه في عتمته الضرورية .

    في المستوى البلاغي ، القافية الموحدة على ( ـيها ) تعمل كقانون خفيّ يُعيد كل شيء إلى نفس المصير الصوتي . هذا الانتظام يمنح النص سكينة داخلية ، لكنه في الوقت نفسه يُقلّص احتمالات الانزياح . فالكلمات تُساق نحو نهايات متشابهة حتى حين تحاول أن تقول أشياء مختلفة ، و كأن القافية ليست مجرد موسيقى ، بل نظام قدرٍ صغير يُعيد المعاني إلى الدائرة نفسها ، و يمنعها من التشتت خارجها .

    أما من جهة البناء الإيقاعي ، فالنص يقترب في روحه من البسيط ، لكنه لا يثبت عليه بوصفه نظامًا صارمًا . الدليل يظهر في الشطر الأول نفسه :
    “ يا كاتب الكلمات رفقًا حين تنسجها ” ، حيث تمتد الجملة بما يتجاوز انتظام التفعيلة ، فتتسع المقاطع و تضيق بحسب إيقاع العبارة لا بحسب ميزان ثابت ، فتبدو التفعيلة حاضرة كأثرٍ عام ، لا كبنية محكمة . وةهذا ما يجعل النص أقرب إلى نظم مقفّى يعتمد على الجملة و القافية أكثر من اعتماده على صرامة البحر .

    و مع ذلك ، لا يمكن فصل هذا الجانب العروضي عن طبيعة الرؤية نفسها ؛ فكما أن المعنى في النص يميل إلى الاستقرار ، كذلك الإيقاع يميل إلى التهدئة لا إلى التوتر ، وةكأن الشكل يوازي الفكرة في ميلها إلى الطمأنينة بدل الاضطراب .

    و مع ذلك ، لا يمكن تجاهل نبرة الصفاء الأخلاقي التي تحكم النص . هناك رغبة واضحة في تطهير اللغة من القسوة ، و في إعادة ترتيب العلاقة بين القول و الإنسان : أن يكون الكلام أقل إيلامًا و أكثر إنقاذًا . هذا الخيار الجمالي/الأخلاقي يمنح النص اتساقه الداخلي ، حتى و إن حدّ من اضطرابه الضروري الذي يُنتج عادةً شرارة الشعر .

    في البيت الأخير : “ فالمرء يفنى و إن طال البقاء به” يتكثف المعنى في صورة حكمة نهائية، و كأن النص يُغلق على نفسه بهدوء محسوب . النهاية لا تفاجئ ، لأنها كانت تعمل بصمت منذ البداية ؛ كل بيت كان يقترب منها دون أن يخرج عن ظلّها ، و كأن القصيدة تعرف خاتمتها أكثر مما تبحث عنها .
    يمكن القول في النهاية إن هذه القصيدة لا تُغامر بالمعنى بقدر ما تُحافظ عليه . لا تتركه يتكسر ليُعاد تشكيله ، بل تمسكه و هو مكتمل مسبقًا ، ثم تُقدّمه في صيغة ناصحة ، نظيفة ، مستقرة . وبين هذا الاستقرار ، يظل الشعر ممكنًا .. لكنه هنا احتمال لم يُسمح له أن يضطرب بما يكفي ليكشف كل طاقته .

    تقديري ...

    حكيم فرناندز
    لـا تلمني يا ( أنا ) فالحرفـ على دين الحالـ
    .. كلما هبّــ الضيق ريحا بأغصاني مالـ ،،،

    تعليق

    • فرناندز حكيم
      أديب وكاتب
      • 07-03-2014
      • 209

      #3
      في هذا النص لا تأتي القصيدة بوصفها سؤالًا مفتوحًا ، بل بوصفها جوابًا سبق أن اكتمل في ذهن قائله . و منذ العتبة الأولى : “ يا كاتب الكلمات رفقًا حين تنسجها ” ندرك أن الصوت لا يدخل التجربة ، بل يقف فوقها قليلًا ، كمن يراقب اللغة و هي تُصاغ أكثر مما يعيش ارتباكها . هناك مسافة خفيفة بين القول و ما يُقال ، تجعل النص أقرب إلى وصيّة تمشي على هيئة شعر ، أكثر مما هو حركة اكتشاف داخل اللغة نفسها .

      اللغة تتحرك هنا داخل يقينها الخاص . لا شيء يتعثر ، لا شيء يتشظّى ، و كأن المعنى لا يُولد من احتكاك داخلي أو توتر دلالي ، بل يُستدعى جاهزًا من منطقة أخلاقية هادئة . لذلك تبدو الصور - رغم جمالها التقليدي - مُصالَحة منذ البداية : الغيث لا يُفاجئ الجفاف ، بل يأتي بوظيفته المعلومة سلفًا ، و “ الدمع ” لا يُرى كاهتزاز إنساني ، بل كعنصر يحتاج إلى من يمسحه فقط ، لا إلى من يصغي إلى ارتجافه .
      في هذا السياق ، حتى الصورة المركزية في : “ كالغيث يمسح دمع الحزن ينسيها ” لا تُترك لتعمل كطاقة إيحائية مفتوحة ، بل تُغلق على معناها بسرعة ، فتتحول من احتمال شعري إلى وظيفة أخلاقية . و هنا يظهر ذلك الميل العام في النص إلى تفسير الصورة أثناء إنتاجها ، و كأن الشعر يضيء منطقه بدل أن يتركه في عتمته الضرورية .

      في المستوى البلاغي ، القافية الموحدة على ( ـيها ) تعمل كقانون خفيّ يُعيد كل شيء إلى نفس المصير الصوتي . هذا الانتظام يمنح النص سكينة داخلية ، لكنه في الوقت نفسه يُقلّص احتمالات الانزياح . فالكلمات تُساق نحو نهايات متشابهة حتى حين تحاول أن تقول أشياء مختلفة ، و كأن القافية ليست مجرد موسيقى ، بل نظام قدرٍ صغير يُعيد المعاني إلى الدائرة نفسها ، و يمنعها من التشتت خارجها .

      أما من جهة البناء الإيقاعي ، فالنص يقترب في روحه من البسيط ، لكنه لا يثبت عليه بوصفه نظامًا صارمًا . الدليل يظهر في الشطر الأول نفسه :
      “ يا كاتب الكلمات رفقًا حين تنسجها ” ، حيث تمتد الجملة بما يتجاوز انتظام التفعيلة ، فتتسع المقاطع و تضيق بحسب إيقاع العبارة لا بحسب ميزان ثابت ، فتبدو التفعيلة حاضرة كأثرٍ عام ، لا كبنية محكمة . وةهذا ما يجعل النص أقرب إلى نظم مقفّى يعتمد على الجملة و القافية أكثر من اعتماده على صرامة البحر .

      و مع ذلك ، لا يمكن فصل هذا الجانب العروضي عن طبيعة الرؤية نفسها ؛ فكما أن المعنى في النص يميل إلى الاستقرار ، كذلك الإيقاع يميل إلى التهدئة لا إلى التوتر ، وةكأن الشكل يوازي الفكرة في ميلها إلى الطمأنينة بدل الاضطراب .

      و مع ذلك ، لا يمكن تجاهل نبرة الصفاء الأخلاقي التي تحكم النص . هناك رغبة واضحة في تطهير اللغة من القسوة ، و في إعادة ترتيب العلاقة بين القول و الإنسان : أن يكون الكلام أقل إيلامًا و أكثر إنقاذًا . هذا الخيار الجمالي/الأخلاقي يمنح النص اتساقه الداخلي ، حتى و إن حدّ من اضطرابه الضروري الذي يُنتج عادةً شرارة الشعر .

      في البيت الأخير : “ فالمرء يفنى و إن طال البقاء به” يتكثف المعنى في صورة حكمة نهائية، و كأن النص يُغلق على نفسه بهدوء محسوب . النهاية لا تفاجئ ، لأنها كانت تعمل بصمت منذ البداية ؛ كل بيت كان يقترب منها دون أن يخرج عن ظلّها ، و كأن القصيدة تعرف خاتمتها أكثر مما تبحث عنها .
      يمكن القول في النهاية إن هذه القصيدة لا تُغامر بالمعنى بقدر ما تُحافظ عليه . لا تتركه يتكسر ليُعاد تشكيله ، بل تمسكه و هو مكتمل مسبقًا ، ثم تُقدّمه في صيغة ناصحة ، نظيفة ، مستقرة . وبين هذا الاستقرار ، يظل الشعر ممكنًا .. لكنه هنا احتمال لم يُسمح له أن يضطرب بما يكفي ليكشف كل طاقته .

      تقديري ...

      حكيم فرناندز
      لـا تلمني يا ( أنا ) فالحرفـ على دين الحالـ
      .. كلما هبّــ الضيق ريحا بأغصاني مالـ ،،،

      تعليق

      يعمل...
      X