```html id="7r1mda"

🔍 البحث المتقدم في الملتقى

⚙ خيارات البحث المتقدمة

البحث يتم عبر Google داخل المنتدى

```

اعتذار طفل

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • عبدالله بن إسحاق الشريف
    أديب وكاتب
    • 11-09-2008
    • 942

    اعتذار طفل

    كنت يومئذٍ طفلًا لم يشتد عوده بعد، تمضي به البراءة حيث شاءت، وتلهو به الخطى في أزقة الحي كما تلهو الفراشات بين الأزهار.

    مررت ذات يوم أمام دكان صغير يفوح منه عبير الفاكهة، فتعلقت عيناي بحبات المشمش المتوهجة كأنها شموسٌ صغيرة تدلّت على الأغصان. امتدت يدي بعفوية، تناولت حبة، وضعتها في فمي، ثم مضيت ألعب مع الصبية، وكأن شيئًا لم يكن.

    لكن شيئًا كان قد حدث...

    ما إن أرخى المساء سدوله، وآويت إلى فراشي، حتى استيقظ في داخلي قاضٍ لم أعرفه من قبل، وأخذ يمطر قلبي بأسئلة لم يكن في وسعي الفرار منها:

    كيف تأخذ ما ليس لك؟
    أيحل لك ما أكلت؟
    أترضى أن تلقى الله وفي عنقك حق لعبد من عباده؟
    أي حاجة ألجأتك إلى ذلك؟
    ولِمَ مددت يدك أصلًا؟

    كانت تلك الأسئلة تنهش قلبًا غضًّا لم يتلوث بعد بغبار التبريرات، وكلما علا صوت المذيع وهو يرفع أكف الضراعة إلى الله قبيل الأذان، ازداد خوفي، حتى خُيّل إليّ أن السماء كلها تنظر إليّ، وأن تلك الحبة الصغيرة أصبحت جبلًا يثقل صدري.

    لم أجد سبيلًا إلى السكينة إلا أن أذهب إلى أبي، وألح عليه أن يشتري لنا مشمشًا.

    وكان أبي يخرج بعد صلاة الفجر، يسعى على رزقنا، ولا يعود إلا بعد أن يغلبني النوم. وفي كل صباح كنت أستيقظ على سؤال واحد:
    "هل جاء أبي بالمشمش؟"

    فتأتيني الإجابة التي تزيد انتظاري طولًا:
    "لا... ليس بعد."

    وفي إحدى الليالي قاومت النوم بكل ما أوتي طفل من عزيمة، أجلس أرقب الباب، وأصغي إلى وقع الأقدام، حتى دخل أبي. ارتميت في حضنه، وسألته بلهفة:
    "أين المشمش يا أبي؟"

    ابتسم، وربت على رأسي، وقال:
    "غدًا، إن شاء الله."

    ومضت الأيام، غير أن ذلك الشعور لم يمضِ. كان يكبر في صدري كل يوم، لا يخبو ولا يهدأ، وكأن الفطرة تأبى أن تسكت حتى يعود الحق إلى صاحبه.

    وفي يوم، وقعت عيناي في البيت على عذق بلح. تناولت منه حبة، ومضيت بها إلى ذلك الدكان نفسه، أنظر يمنة ويسرة، وقلبي يخفق كعصفورٍ أفلت من قفصه. ثم ألقيت البلحة داخل المحل، وعدت مسرعًا.

    ما إن ابتعدت خطوات حتى شعرت بخفة لم أعرف مثلها من قبل، وكأن حملًا ثقيلًا قد أزيح عن روحي، وكأن قلبي الصغير عاد نقيًّا كما كان.

    لم تكن البلحة تعادل حبة المشمش في القيمة، لكنها كانت بفهمي الصغير وقت ذاك اعتذارا صادقا لله تعالى، ومراعاة لتلك الفطرة التي أبت أن تدعني وشأني، ومحاولة بريئة لرد المظلمة، بقدر ما يطيقه قلب طفل لم يتعلم بعد لغة المراوغة.

    تلك هي الفطرة حين تكون حية؛ ترى الذنب وإن صغر، وتضيق به وإن خفي، وتظل تؤنب صاحبها حتى يعود إلى الحق.

    ثم تمضي السنون...

    وتتراكم على القلوب غشاوات الذنوب، حتى يصبح ما كان يؤرقنا بالأمس أمرًا عاديًّا لا يحرك فينا ساكنًا، وتتعاقب النكت السوداء على القلوب، نكتةً بعد نكتة، حتى يبهت نورها، ويضعف نبضها، فلا تعود تعرف معروفًا، ولا تنكر منكرًا، إلا ما وافق الهوى وأشربته النفس.

    فيا ليتنا احتفظنا بذلك القلب الصغير...

    ذلك القلب الذي كانت حبة مشمش تسلبه النوم، وتملأ عينيه خوفًا من الله، وتدفعه إلى البحث عن سبيل يرد به حقًا ظنه ضائعًا.

    إنها الفطرة يوم كانت نقية، والروح يوم كانت شفافة، والضمير يوم كان حيًّا، قبل أن تثقلنا الدنيا، وتعلمنا كيف نصلح أخطاءنا ونعود بسرعة إلى رحاب ربنا وعفوه ومغفرته.

    عبدالله الشريف
يعمل...
X