حاولت جاهدا أن أسلط الضوء على بعض قصائد أمين الريحاني النثرية فلاحظت في أغلب الأحيان عدم التطابق التام بين النص العربي والترجمة الإنجليزية
لكن ونتيجة استقرائي الشامل لكل مؤلفاته استنتجت أن الرجل أحيانا يكتب في العربية وأحيانا في الإنجليزية وربما في لغات أخرى لم أتابعها , وأحيانا في لغة واحدة كما في كتابه خالد The book of Khalid الذي لا توجد له ترجمة عربية , ومع ذلك ربما تجد نصوصا فيه قد نُشرت ضمن أعمال أخرى للكاتب ....
الكتاب الذي أنا بصدده هو ( هتاف الأودية Hymns of the valleys ) النص الإنجليزي قصيدته ( Two strangers ) نسخته من الكتاب المشار له
أما النص العربي فقد وجدته في كتاب ( أمين الريحاني ناشر فلسفة الشرق في بلاد الغرب من قبل توفيق سعيد الرافعي ) ولم أجده في كتاب آخر بشكل مشابه أو مقارب لحد كبير أو مقبول.
وهكذا في كل أعماله نجد فرقا بين العربية والإنجليزية فإما تضاف عبارات أو تحذف عبارات أو تصاغ بوجهة مختلفة أحيانا
فمثلا عبارة تعجبية تصاغ على شكل سؤال أو العكس , أو جملة وصفية تصاغ بصيغة سؤال أو العكس , ولا يعنيني في كل هذا اختلاف التركيب structure فنحن عموما معشر المترجمين ندأب ذا النهج أحيانا , بل الذي يهمني هو إتمام المعنى والذي أراه مفقودا أو شبه مفقود في أعمال الكاتب المرحوم أمين الريحاني .
بقي شئٌ أقوله يا حبذا لو كان شعره المنثور فيه بعض التفعيلة المعهودة في الشعر الحر ولكن هذه للأسف من النادر لمسُها
وأستطيع القول أن شعره المنثور بعيد كل البعد عن قياسات الشعر الحر أو المرسل
وما منثوره الذي بالخطأ اسموه ( نثر شعري ) إلا كتابات نثرية شبيهة بتلك المعهودة في كتابة الخواطر أو القصص القصيرة short stories
ولا يعد نثرا مرسلا في كل الأحوال ,
ومع ذلك لنسلم ونقول أنها لا تخلو من البعد الإنساني وقيم الإبداع
وهكذا أكون قد قدمت نقدا جريئا لأعماله , بيد أنني لا أنسى القول : أن المؤلفات الإنجليزية رائعة جدا وتخلو من العيوب قياسا للعربية .
اللهم وفقني ووفق الآخرين للخير والسلام
==
أمين الريحاني : الغريبان
إِنَّا غريبان ها هنا أو جمعة الآلام
كلمة همسها النسيم في أُذُنِ رُعاة الجليلِ، فسمعتْها الدُّهور وردَّدتها الأجيال
كلمةٌ من أغصان الزيتونِ في أورشليم زلزلت العروش، وأسمعت ملوك الأرض صوت ذي الجلال. كلمة زرعتها دموع المرأة تحت الصليب، فنُوَّرت في السَّماء، وكان فيها مِسك ختام النحيب.
هي كلمة الربيع في كلِّ عام، بل نشيدُ الأطيار على الدوام، بل أغنية الأزاهر في الحقول والآكام
وإنَّ أنفُس النَّاس النبيلة لتتجسَّدُ في مظاهر الربيع الجليلة
إنَّ في كلِّ نفحةٍ من نفحات الربيع روح بشرٍ عظيمٍ وديعٍ
إنَّ العام في هذه الأيَّام يحتفلُ بفوزِ أمراء الحبِّ و مُلوك السَّلام
وإنَّ أكاليل الشَّوك لأعظمُ من تيجان القياصرة، وكأس المُرِّ لأطيب من خمرة الأكاسرة، وقد يُدرِكُ هذا الإنسان فيظلُّ من عبيد الزمان، بل من أُسَراء الغرور والبهتان.
•••
جئتُ الكنيسة لأردِّد اليوم مع النَّاس ذكر أمير النَّاس، بل ذكر الحقيقة التي يعزُّ نصرها بالعذاب،
وتحلو بمُرِّ الشراب .
دخلت الكنيسة وفي نفسي من أحد النخل والزيتون ما لا يُنسيني إيَّاه يوم الجمعة الأليم
بل في نفسي من السُّرو رِ والابتهاج ما لا يُضاهيه فرح النَّاس في العيد العظيم. إنَّ في هذا اليوم
يجتمعُ القمر والشمس، فيشرق الغدُ على المستقبل، ويشر قُ على الحاضر الأمس
في مثل هذا اليوم وُ لِدَ على الصَّليب الكريم روح بشرٍ صميمٍ.
إنَّه ليوم حبور أيها الأتقياء، لا يوم حُزن وبكاء، بل لبس ورياء
وإنما نحن في جنازة المسيح، وهذا وربِّي تجديفٌ قبيح
إنَّ وراء ذاك الستار الأسود الصليب، وأمامه الآباء ووجه كل قطوب كئيب
هم يجنزون من لا يعرفون، بل يدمدمون وينعبون والناس إليهم شاخصون
ويلاه! أنا الوحيد الذي لا يرى ما يراه الآباء، ولا يشعر بما يشعر به هؤلاء الأتقياء!
ها قد مشى في الجنازة المدمدمون وهم في الكنيسة يطوفون
وهذا الصليب وقد تصاعد وراءه النحيب، وأمامه البخور والطِّيب
وصل الموكب إليَّ فما جثوت على ركبتيَّ
سرَحت في النَّاس نظري، فرأيتهم كلهم ساجدين، ورأيتُ بمقرب منِّي رجُلًا آخر من الواقفين
فقرأ تُ في وجه هذا الغريب ما خالج قلبي الكئيب، وصرخت ساكتًا: إلَهَنَا، إنَّا غريبان ها هنا.
ثم كلمت الغريب فقلت: ولِمَ الجنا زُ ومَن صُلِبَ قد فاز؟
ولِمَ هذه الصلوات المُبكية، وقد أشرقت على الأرض ابتسامة إلهية؟!
فمال بالنظر إليَّ ، ولم يُجِبني بشي ءٍ.
•••
ها قد دفنوا الصليب تحت الزهور وانجلت غيوم البخور
و طُفِئت الشموع وكفكف المدمدمون الدموع
**
خرجنا من الكنيسة أنا والغريب، ونفسي تُناجي ذاك الحبيب
فسِرنا معًا إلى بستانٍ من الزيتون خارج المدينة
وجلستُ تحت شجرةٍ هناكَ ، فجلس الغريب إلى جانبي
نظر تُ إليه ونظر إليَّ وقد استولى علينا السكوت والعي
فكأننا حبيبان فرَّق بينهما العرفان، فجمعهما الحب والحنان
وفي مثل هذه الساعة تُفصح اللحاظ عمَّا تعجز دونه الألفاظ، على أنني حِرْتُ في أمره العجيب وقُلتُ في نفسي: مَنْ يا تُرى الغريب؟
وما كاد يخطر ذلك في البال حتى وقف أمامي كالخيال
فعرفتُ الطَّيفَ في الحال، وقد أنكرته في شكل الرجال، وناديته مدهو شً ا: أخي، رفيقي، سيدي، هذا فؤادي، ها يدي، نفحة من جنانك، كلمة لإخوانك
أَسمِعت خُدَّامك ينعبون؟
ألتمثالك الناس يسجدون وهم عنك بعيدون؟
سيدي، دعني ألقي على كتفك رأسي، فيذوب ثلج فتوري ويأسي، قرِّبني من فؤادك لأتزود من الحب الذي لا يعرفه أحد من عبادك، سيدي، اسقني من الحريَّة والحق والإخاء ما لا يشوبه الخوف والرياء.
•••
وبين أنا أكلمه في البستان طلَّ البدر من شرفة لبنان
فتركني ذو الجلال مكانه كالخيال، وذاب في القمر فوق الجبال.
Two strangers Written in Freike, 1908.
A word whispered by the breeze
In Galilee in the Shepherds’ ears,
In Jerusalem, a word by olive branches uttered,
A word under the Cross planted
And by the tears of a wailing woman watered;
This word in the sky flowered,
Then all moaning halted.
It is the word of Spring repeated;
It is the immortal hymn of birds;
It is the song of flowers
In the fields and hilly bowers
Human and noble souls,
The glorified scenes of Spring enfold.
And the soul of a Messenger, great and humble,
In every breath of spring will rumble.
And greater than Caesars’ crowns is one of thorn,
And smoother than the conquerors’ wine is bitterness tone.
Today the Cross would deliver
The great soul of a great Messenger.
So you pious folk, why moan with grief
On a day of rapture and relief?
God! Am I the only one who sees not what the forefathers do
And who feels not what those pious do!
In Your funeral those praying were marching;
And in Your church, Your Cross they were holding.
It rose as moans were heard,
While incense and perfume rose unimpaired.
When the procession approached me, I stood well
As the people around me on their knees fell.
And standing close to me a Stranger I saw,
In whose face I found my deep heart’s woe;
So I whispered: “God! We are both strangers here.”
**
Have you not heard your worshipers moaning?
Have you not seen them in front of your statue kneeling?
Though their distance from you they are keeping.
O God! Send to your children a breath from your soul,
Send your word to all.
لكن ونتيجة استقرائي الشامل لكل مؤلفاته استنتجت أن الرجل أحيانا يكتب في العربية وأحيانا في الإنجليزية وربما في لغات أخرى لم أتابعها , وأحيانا في لغة واحدة كما في كتابه خالد The book of Khalid الذي لا توجد له ترجمة عربية , ومع ذلك ربما تجد نصوصا فيه قد نُشرت ضمن أعمال أخرى للكاتب ....
الكتاب الذي أنا بصدده هو ( هتاف الأودية Hymns of the valleys ) النص الإنجليزي قصيدته ( Two strangers ) نسخته من الكتاب المشار له
أما النص العربي فقد وجدته في كتاب ( أمين الريحاني ناشر فلسفة الشرق في بلاد الغرب من قبل توفيق سعيد الرافعي ) ولم أجده في كتاب آخر بشكل مشابه أو مقارب لحد كبير أو مقبول.
وهكذا في كل أعماله نجد فرقا بين العربية والإنجليزية فإما تضاف عبارات أو تحذف عبارات أو تصاغ بوجهة مختلفة أحيانا
فمثلا عبارة تعجبية تصاغ على شكل سؤال أو العكس , أو جملة وصفية تصاغ بصيغة سؤال أو العكس , ولا يعنيني في كل هذا اختلاف التركيب structure فنحن عموما معشر المترجمين ندأب ذا النهج أحيانا , بل الذي يهمني هو إتمام المعنى والذي أراه مفقودا أو شبه مفقود في أعمال الكاتب المرحوم أمين الريحاني .
بقي شئٌ أقوله يا حبذا لو كان شعره المنثور فيه بعض التفعيلة المعهودة في الشعر الحر ولكن هذه للأسف من النادر لمسُها
وأستطيع القول أن شعره المنثور بعيد كل البعد عن قياسات الشعر الحر أو المرسل
وما منثوره الذي بالخطأ اسموه ( نثر شعري ) إلا كتابات نثرية شبيهة بتلك المعهودة في كتابة الخواطر أو القصص القصيرة short stories
ولا يعد نثرا مرسلا في كل الأحوال ,
ومع ذلك لنسلم ونقول أنها لا تخلو من البعد الإنساني وقيم الإبداع
وهكذا أكون قد قدمت نقدا جريئا لأعماله , بيد أنني لا أنسى القول : أن المؤلفات الإنجليزية رائعة جدا وتخلو من العيوب قياسا للعربية .
اللهم وفقني ووفق الآخرين للخير والسلام
==
أمين الريحاني : الغريبان
إِنَّا غريبان ها هنا أو جمعة الآلام
كلمة همسها النسيم في أُذُنِ رُعاة الجليلِ، فسمعتْها الدُّهور وردَّدتها الأجيال
كلمةٌ من أغصان الزيتونِ في أورشليم زلزلت العروش، وأسمعت ملوك الأرض صوت ذي الجلال. كلمة زرعتها دموع المرأة تحت الصليب، فنُوَّرت في السَّماء، وكان فيها مِسك ختام النحيب.
هي كلمة الربيع في كلِّ عام، بل نشيدُ الأطيار على الدوام، بل أغنية الأزاهر في الحقول والآكام
وإنَّ أنفُس النَّاس النبيلة لتتجسَّدُ في مظاهر الربيع الجليلة
إنَّ في كلِّ نفحةٍ من نفحات الربيع روح بشرٍ عظيمٍ وديعٍ
إنَّ العام في هذه الأيَّام يحتفلُ بفوزِ أمراء الحبِّ و مُلوك السَّلام
وإنَّ أكاليل الشَّوك لأعظمُ من تيجان القياصرة، وكأس المُرِّ لأطيب من خمرة الأكاسرة، وقد يُدرِكُ هذا الإنسان فيظلُّ من عبيد الزمان، بل من أُسَراء الغرور والبهتان.
•••
جئتُ الكنيسة لأردِّد اليوم مع النَّاس ذكر أمير النَّاس، بل ذكر الحقيقة التي يعزُّ نصرها بالعذاب،
وتحلو بمُرِّ الشراب .
دخلت الكنيسة وفي نفسي من أحد النخل والزيتون ما لا يُنسيني إيَّاه يوم الجمعة الأليم
بل في نفسي من السُّرو رِ والابتهاج ما لا يُضاهيه فرح النَّاس في العيد العظيم. إنَّ في هذا اليوم
يجتمعُ القمر والشمس، فيشرق الغدُ على المستقبل، ويشر قُ على الحاضر الأمس
في مثل هذا اليوم وُ لِدَ على الصَّليب الكريم روح بشرٍ صميمٍ.
إنَّه ليوم حبور أيها الأتقياء، لا يوم حُزن وبكاء، بل لبس ورياء
وإنما نحن في جنازة المسيح، وهذا وربِّي تجديفٌ قبيح
إنَّ وراء ذاك الستار الأسود الصليب، وأمامه الآباء ووجه كل قطوب كئيب
هم يجنزون من لا يعرفون، بل يدمدمون وينعبون والناس إليهم شاخصون
ويلاه! أنا الوحيد الذي لا يرى ما يراه الآباء، ولا يشعر بما يشعر به هؤلاء الأتقياء!
ها قد مشى في الجنازة المدمدمون وهم في الكنيسة يطوفون
وهذا الصليب وقد تصاعد وراءه النحيب، وأمامه البخور والطِّيب
وصل الموكب إليَّ فما جثوت على ركبتيَّ
سرَحت في النَّاس نظري، فرأيتهم كلهم ساجدين، ورأيتُ بمقرب منِّي رجُلًا آخر من الواقفين
فقرأ تُ في وجه هذا الغريب ما خالج قلبي الكئيب، وصرخت ساكتًا: إلَهَنَا، إنَّا غريبان ها هنا.
ثم كلمت الغريب فقلت: ولِمَ الجنا زُ ومَن صُلِبَ قد فاز؟
ولِمَ هذه الصلوات المُبكية، وقد أشرقت على الأرض ابتسامة إلهية؟!
فمال بالنظر إليَّ ، ولم يُجِبني بشي ءٍ.
•••
ها قد دفنوا الصليب تحت الزهور وانجلت غيوم البخور
و طُفِئت الشموع وكفكف المدمدمون الدموع
**
خرجنا من الكنيسة أنا والغريب، ونفسي تُناجي ذاك الحبيب
فسِرنا معًا إلى بستانٍ من الزيتون خارج المدينة
وجلستُ تحت شجرةٍ هناكَ ، فجلس الغريب إلى جانبي
نظر تُ إليه ونظر إليَّ وقد استولى علينا السكوت والعي
فكأننا حبيبان فرَّق بينهما العرفان، فجمعهما الحب والحنان
وفي مثل هذه الساعة تُفصح اللحاظ عمَّا تعجز دونه الألفاظ، على أنني حِرْتُ في أمره العجيب وقُلتُ في نفسي: مَنْ يا تُرى الغريب؟
وما كاد يخطر ذلك في البال حتى وقف أمامي كالخيال
فعرفتُ الطَّيفَ في الحال، وقد أنكرته في شكل الرجال، وناديته مدهو شً ا: أخي، رفيقي، سيدي، هذا فؤادي، ها يدي، نفحة من جنانك، كلمة لإخوانك
أَسمِعت خُدَّامك ينعبون؟
ألتمثالك الناس يسجدون وهم عنك بعيدون؟
سيدي، دعني ألقي على كتفك رأسي، فيذوب ثلج فتوري ويأسي، قرِّبني من فؤادك لأتزود من الحب الذي لا يعرفه أحد من عبادك، سيدي، اسقني من الحريَّة والحق والإخاء ما لا يشوبه الخوف والرياء.
•••
وبين أنا أكلمه في البستان طلَّ البدر من شرفة لبنان
فتركني ذو الجلال مكانه كالخيال، وذاب في القمر فوق الجبال.
Two strangers Written in Freike, 1908.
A word whispered by the breeze
In Galilee in the Shepherds’ ears,
In Jerusalem, a word by olive branches uttered,
A word under the Cross planted
And by the tears of a wailing woman watered;
This word in the sky flowered,
Then all moaning halted.
It is the word of Spring repeated;
It is the immortal hymn of birds;
It is the song of flowers
In the fields and hilly bowers
Human and noble souls,
The glorified scenes of Spring enfold.
And the soul of a Messenger, great and humble,
In every breath of spring will rumble.
And greater than Caesars’ crowns is one of thorn,
And smoother than the conquerors’ wine is bitterness tone.
Today the Cross would deliver
The great soul of a great Messenger.
So you pious folk, why moan with grief
On a day of rapture and relief?
God! Am I the only one who sees not what the forefathers do
And who feels not what those pious do!
In Your funeral those praying were marching;
And in Your church, Your Cross they were holding.
It rose as moans were heard,
While incense and perfume rose unimpaired.
When the procession approached me, I stood well
As the people around me on their knees fell.
And standing close to me a Stranger I saw,
In whose face I found my deep heart’s woe;
So I whispered: “God! We are both strangers here.”
**
Have you not heard your worshipers moaning?
Have you not seen them in front of your statue kneeling?
Though their distance from you they are keeping.
O God! Send to your children a breath from your soul,
Send your word to all.