```html id="7r1mda"

🔍 البحث المتقدم في الملتقى

⚙ خيارات البحث المتقدمة

البحث يتم عبر Google داخل المنتدى

```

ما لا يقوله المطر

تقليص
X
تقليص
  •  

  • ما لا يقوله المطر

    كان الغيمُ ذاتَ مساءٍ يحمل في صدره حكايا الماء، يمضي مثقلًا بأسرار السماء، كأنما اختزن من أنفاس الأرض ما يكفي ليعيد إليها نبضها الأول. ثم أقبل في صمتٍ مهيب، لا يطرق الأبواب، بل يوقظ النوافذ من غفوتها، وينثر على وجه التراب رسائلَ لا تقرؤها إلا القلوب التي ما زالت تُصغي لحديث الأشياء. هبطت القطرة الأولى، فارتعش وجه الأرض كأنها عرفت صوتًا غاب عنها طويلًا. لم تكن قطرةً عابرة، بل كانت قبلةً من السماء على جبينٍ أرهقه الانتظار، وهمسةً خفية تقول للتراب: ما زالت فيك أسرارٌ لم تولد بعد. هناك، بين شقوق اليابس، كانت بذورٌ صامتة تحمل في أعماقها مواسمَ من الخضرة، تنتظر يد الغيث لتزيح عنها ستار الغياب. فما الموت الذي نراه في الأشياء إلا سكونٌ طويل قبل انبثاق الحياة، وما الصمت إلا لغةٌ أخرى لا يسمعها إلا من ألف التأمل. كان المطر ينسج على وجه الطريق وشاحًا من اللمعان، ويوقظ في الحقول ذاكرةً قديمة؛ فهذه شجرةٌ تفتح ذراعيها للريح، وهذه زهرةٌ ترفع رأسها كأنها تستقبل زائرًا طال غيابه، وهذا جدولٌ صغير خرج من مخبئه ليحكي للصخر أن للحياة دائمًا طريقًا، وإن طال الاحتباس. وللمطر قلبٌ يشبه قلوب العارفين؛ يعطي دون سؤال، ويهطل على الجميع دون أن يختار لونًا أو مكانًا. يلامس القصر كما يلامس الكوخ، ويصافح الوردة كما يعانق العشب الصغير، وكأنه يقول للكون كله: إن الرحمة لا تعرف إلا طريق العطاء. كنت أرقب انسكابه على الزجاج، فأرى فيه حروفًا لا تشبه الحروف، وأسمع نغمًا لا تصنعه الآلات. كأن القطرات أصابع خفية تعزف على أوتار الروح، فتستخرج من أعماقها ألحانًا كانت مختبئة تحت ركام الأيام. وكم يشبه الإنسان غيمةً بعيدة؛ يحمل في داخله ما لا يراه الآخرون، وقد يثقل صدره بما ادخر من أحزان، حتى إذا جاءته لحظة صدقٍ أو رحمةٍ أو دعاء، انفرجت مغاليقه، وانهمر ما فيه حياةً على من حوله. إن بعض الدموع ليست انكسارًا، كما أن بكاء السماء ليس حزنًا؛ فرب دمعةٍ أحيت قلبًا، ورب مطرةٍ أحيت وطنًا من الجدب. وما كل ما يخرج من العين ألمًا، فقد تكون الدموع أحيانًا غسلًا للروح، كما يكون المطر غسلًا لوجه الأرض. ثم مضى الغيم، وخفت صوت القطرات، وبقيت الحكاية معلقةً في الهواء؛ شجرٌ أكثر اخضرارًا، وترابٌ أكثر عطرًا، وقلوبٌ خرجت من عزلتها وهي تحمل شيئًا من صفاء السماء. وهكذا يمضي المطر... لا يترك اسمه على الأشياء، لكنه يترك أثره فيها. لا يطالب الأرض بأن تتذكره، فهي تعرفه حين تُخرج من أعماقها ربيعًا جديدًا. وكذا أصحاب الرحمة والجمال؛ يمرون في الحياة كالغيث، لا يطلبون تصفيقًا، لكنهم يتركون وراءهم مواسم لا تنتهي من النور.
      لا يمكن إضافة تعليقات.

    المنتديات

    تقليص

    article_tags

    تقليص

    لا توجد كلمات دلالية.

    Latest Articles

    تقليص

    • ما لا يقوله المطر
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      ...
      اليوم, 08:14
    • كرمٌ وفضل
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      ما أكرمَ الله! يعطي قبل أن يُسأل، ويفتح الأبواب قبل أن تُطرَق، ويهيئ للعبد من أسباب الخير ما لم يخطر له على بال.كم من نعمةٍ نعيشها ولم نطلبها، وكم من بلاءٍ صرفه عنا ولم نشعر به، وكم من أمنيةٍ تأخرت لأنه كان يدخر لنا ما هو أجمل منها.
      في تأخيرٍ ينقذنا، وفي منعٍ يحمينا، وفي ضيقٍ...
      20-07-2026, 17:17
    • بين عبرة الفناء وبشارة الأمل
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      تسيرُ إلى الفِنا زمرُ
      وتتبـعُ إثـرها أخَـرُ لكم أفنى الردى أمما
      بها ولكم هوت عُصرُ
      هنا كانوا هنا ساروا
      هنا مروا هنا عبروا
      أعند رحليهم أخذوا
      ما شادوا وما عمروا؟
      وهل بكتِ الدُنا أحدا
      أم انّ فؤادَها حجَرُ؟
      هي الدنيا وما زالت
      تراوغُ من بها سُحروا...
      15-07-2026, 21:58
    • علمتني سورة يوسف
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      علمتني سورة يوسف
      من بين صفحات القرآن الكريم تشرق سورٌ تحمل في آياتها دروسًا لا تنتهي، وتفتح للقلب نوافذ من الحكمة والصبر والأمل.
      سورة يوسف... قصةٌ لم تكن مجرد أحداثٍ مضت، بل كانت مدرسةً إيمانيةً وإنسانيةً تعلّمنا كيف يكون الصبر عند البلاء، والعفو عند المقدرة، والثقة...
      09-07-2026, 22:04
    • خواطر
      بواسطة عبدالحافظ أحمد الجندي
      أجمل شيء أن تعيش هذه الحياة من أجل إسعاد الآخرين ولو كان ذلك على حسابك فلا تندم على خير أسديته لغيرك ولو لم تلق حتى كلمة طيبة وأجمل ما في الماضي أنه انقضى وذهب ولم يعد منه إلا الذكرى
      وأجمل ما في الحاضر أننا لا نشعر بقيمته إلا إذا انقضى و صار ماضيا
      وأجمل ما في المستقبل أننا لا نعلم ما هو مكتوب لنا فيه
      لذلك عش باليقين وبالأمل وبالحب والتوكل والتفاؤل
      وليكن شعارك دائما " ربي لا أعلم ما تحمله الأيام لي ولكن ثقتي بأنك معي تكفيني "...
      08-07-2026, 09:46
    • الرواية بين الفن والعبث
      بواسطة MOHAMMED ALMRHABI
      في السنوات الأخيرة بدأت تطفو على السطح ظاهرة تستحق التوقف عندها طويلاْ وهي موجة متسارعة من الأشخاص الذين اقتحموا عالم الرواية دون امتلاك الحد الأدنى من أدوات هذا الفن حتى أصبحت كلمة روائي تُستخدم أحياناْ بخفة تثير الاستغراب وكأن كتابة الرواية أمر يمكن ممارسته بمجرد الرغبة...
      25-05-2026, 00:32
    يعمل...
    X