وجه القمر
----------
كنت أصطاد وحدي في البحيرة و القارب يتأرجح ليبتليني بالنوم ، والمخلوقات تحتي تتسامر! قلت للقمر الذي يسبح بجواري : تعالى نشرب الشاي و نلعب الورق.
هز رأسه و غاص . فوق الماء المموج ثمة غناء ساحر، يسافر من بعيد و من قريب في آن ، هديل يبل حرارة القلب و يطلق الروح ترفرف كالحمامة حول الغمر.
أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك!
البحيرة كلها ترد : أنا الغزال .
: تعالى!
: أنا الغزال .
كيان أبيض نحيل يسعى على اللجة .
: السلام عليكم.
: و عليكم السلام تفضل .
اعتمد على قدم واحدة رافعا الثانية ، هتفت : إنها جافة .
ابتسم ، قلت :
: سأشعل الموقد .
: عذرا ، لو كان لديك حساء القمح لأكلت معك .
من خارج القارب أمسك برسغي و جس نبضي و هو يتلو أسماء البلاد: مطوبس ، ابيانه ، بنى بكار ، عزبة عمرو ، ديبى ، رشيد ، ادكو ، منية المرشد.
حين وصل إلى الاسم الأخير لاحظ ارتفاع الضربات فقال:
- تحبها ؟
: نعم !
: نعم و لا ، و بينهما تضيع الرقاب . لقد رأيتها بركة يسكنها السمك ، ثم مفازة تقطعها الذئاب !
:أكرمني بشرب الشاي.
:جهز حساء ضيافتي! وسلم لي على سيدك محمد المرشدى.
ابتعد حتى صار طيفا ، و سمعت الغناء فوق الفنار القديم :
أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك.
ورددت البحيرة كلها : أنا الغزال .
وجه بحري
------------
هو و النبي الياس اقتسما بر مصر بالحد و المصلحة ، في موسم الحج يتقابلان و يعتنقان :
: ماذا فعلت بالصعيد يا نبي الله؟
: خيرا ، الميرة كافية و القلوب آمنة ، فما بال وجه بحري؟
: تركته على ما تهوى!
سهر الليالي مع السادة، الذين غادروا الخلوات ليخفروا جسور النيل. كانوا يشيرون إلى النهر المزمجر فيهبط و يتراجع ! قالوا له : مولانا ، سئمنا الماء المهيمن ، فدعنا نقيم قرانا و مدننا و نكمل ملامح الوجه ، وزع عليهم خططهم : طنطا أسوارها حلوى و حمص و حب العزيز ، دسوق كلابها غنم ووحوشها بقر و ابل و حمر أهلية، كفر الشيخ طرحها حبوب،و سمك، دواجنها بط و إوز و ماعز، ادفينا،أحراشها نخل و أرضها بساتين للبرتقال و اليوسفي و النارنج! دمياط ، بيوتها خانات و أهلها صناع ، تصب فيها الأموال صبا و لا يدركها الخراب إلى قيام الساعة..... . منذ ذلك اليوم تعلم البحراوية تجفيف المستنقعات ، و زراعة الأرز ، و تختيم الجميز على شجره ، و صيد السمك بالجوابى ، و طحن الحبوب في القدح و فض البكارة بالأيور!
عاد كل إلى مرقده، لكن الناس يأكلون الثريد و اللحم ، و يرقصون عندهم في المواسم :
أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك.
أنا الغزال.
وجه حبيبتي
------------
وحدي في البحيرة ، و المخلوقات تتسامر، فوجئت به يريني قدميه الجافتين ، أشعلت الموقد لأطبخ حساءه قال:
-أكثر الماء فربما يأتيك ضيف!
جلس مادا قدميه في القارب ، لم يسبح القمرو كان الظلام يمرح في الفراغ الممتد ، وميض يبرق من بعيد كأن فراشة تسرع نحونا ، قال : ليلى !
وقفت بعيدا و خفضت رأسها قال :
تعالى ، هذا الذي اخترته لك .
تركنا و مضى ، و لم يشرب حساء القمح . جلست تعد الطعام و قالت بصوت أعذب من دعاء الكروان : سيدي أنا جاريتك ، و طوع بنانك .
تواجدت و قمت أصيح و ما ثم خبر عن نفسي ، و قفزت سمكة تقول : بالله أكملي !
أغمضت ، و اعتصمت بالصمت ، و ازداد هيامي ، و أخرجت الدواب رؤوسها و في فم كل منها جوهرة تعشى الأبصار ولا تقدر بمال .
: هذه دوطتى!
: أنت منية القلب ، فهل تخمدين النار بين جوانحي و تصفين بلسان القدرة حسنك و بهاءك ، حيث عجزت الحواس الضعيفة. اعتدلت و قالت بلسان فصيح بينما يتضوع منها أطيب ريح : أنا أترجة الندى ، و سليلة الكروم ، عيناى لؤلؤتان تتوهجان بحبك وكلما اقتربتا من الانصهار تدركهما رحمتك . وجنتاي روضتان من ورد يسقيان بماء حياتك،أنفى ثمرة سدر مسكونة بعطرك منذ خلقت الأرض. فمي ضفتان من شوق مستعر ، جسمي أدخره لك فلا تفض الخاتم إلا أن يتوسل اليك!
بدأ القمر يسبح ، لم أكلمه غيرة على ليلى ،و حتى لا ياتى ليلعب الورق . فابتسم و أدار وجهه.
قلت : متى الوصال يا عزيزة المنال ؟
قالت : لابد منه ، لكن دعنى قبل ذلك أغنى لك .
: حبا و كرمة .
انساب صوتها ، نفس الصوت الذي كان يسكرني و يسكر المحجوبين بالظلام :
أنا الغزال ذبحونى من أجل المسك.
ورددت البحيرة كلها :
أنا الغزال.
----------
كنت أصطاد وحدي في البحيرة و القارب يتأرجح ليبتليني بالنوم ، والمخلوقات تحتي تتسامر! قلت للقمر الذي يسبح بجواري : تعالى نشرب الشاي و نلعب الورق.
هز رأسه و غاص . فوق الماء المموج ثمة غناء ساحر، يسافر من بعيد و من قريب في آن ، هديل يبل حرارة القلب و يطلق الروح ترفرف كالحمامة حول الغمر.
أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك!
البحيرة كلها ترد : أنا الغزال .
: تعالى!
: أنا الغزال .
كيان أبيض نحيل يسعى على اللجة .
: السلام عليكم.
: و عليكم السلام تفضل .
اعتمد على قدم واحدة رافعا الثانية ، هتفت : إنها جافة .
ابتسم ، قلت :
: سأشعل الموقد .
: عذرا ، لو كان لديك حساء القمح لأكلت معك .
من خارج القارب أمسك برسغي و جس نبضي و هو يتلو أسماء البلاد: مطوبس ، ابيانه ، بنى بكار ، عزبة عمرو ، ديبى ، رشيد ، ادكو ، منية المرشد.
حين وصل إلى الاسم الأخير لاحظ ارتفاع الضربات فقال:
- تحبها ؟
: نعم !
: نعم و لا ، و بينهما تضيع الرقاب . لقد رأيتها بركة يسكنها السمك ، ثم مفازة تقطعها الذئاب !
:أكرمني بشرب الشاي.
:جهز حساء ضيافتي! وسلم لي على سيدك محمد المرشدى.
ابتعد حتى صار طيفا ، و سمعت الغناء فوق الفنار القديم :
أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك.
ورددت البحيرة كلها : أنا الغزال .
وجه بحري
------------
هو و النبي الياس اقتسما بر مصر بالحد و المصلحة ، في موسم الحج يتقابلان و يعتنقان :
: ماذا فعلت بالصعيد يا نبي الله؟
: خيرا ، الميرة كافية و القلوب آمنة ، فما بال وجه بحري؟
: تركته على ما تهوى!
سهر الليالي مع السادة، الذين غادروا الخلوات ليخفروا جسور النيل. كانوا يشيرون إلى النهر المزمجر فيهبط و يتراجع ! قالوا له : مولانا ، سئمنا الماء المهيمن ، فدعنا نقيم قرانا و مدننا و نكمل ملامح الوجه ، وزع عليهم خططهم : طنطا أسوارها حلوى و حمص و حب العزيز ، دسوق كلابها غنم ووحوشها بقر و ابل و حمر أهلية، كفر الشيخ طرحها حبوب،و سمك، دواجنها بط و إوز و ماعز، ادفينا،أحراشها نخل و أرضها بساتين للبرتقال و اليوسفي و النارنج! دمياط ، بيوتها خانات و أهلها صناع ، تصب فيها الأموال صبا و لا يدركها الخراب إلى قيام الساعة..... . منذ ذلك اليوم تعلم البحراوية تجفيف المستنقعات ، و زراعة الأرز ، و تختيم الجميز على شجره ، و صيد السمك بالجوابى ، و طحن الحبوب في القدح و فض البكارة بالأيور!
عاد كل إلى مرقده، لكن الناس يأكلون الثريد و اللحم ، و يرقصون عندهم في المواسم :
أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك.
أنا الغزال.
وجه حبيبتي
------------
وحدي في البحيرة ، و المخلوقات تتسامر، فوجئت به يريني قدميه الجافتين ، أشعلت الموقد لأطبخ حساءه قال:
-أكثر الماء فربما يأتيك ضيف!
جلس مادا قدميه في القارب ، لم يسبح القمرو كان الظلام يمرح في الفراغ الممتد ، وميض يبرق من بعيد كأن فراشة تسرع نحونا ، قال : ليلى !
وقفت بعيدا و خفضت رأسها قال :
تعالى ، هذا الذي اخترته لك .
تركنا و مضى ، و لم يشرب حساء القمح . جلست تعد الطعام و قالت بصوت أعذب من دعاء الكروان : سيدي أنا جاريتك ، و طوع بنانك .
تواجدت و قمت أصيح و ما ثم خبر عن نفسي ، و قفزت سمكة تقول : بالله أكملي !
أغمضت ، و اعتصمت بالصمت ، و ازداد هيامي ، و أخرجت الدواب رؤوسها و في فم كل منها جوهرة تعشى الأبصار ولا تقدر بمال .
: هذه دوطتى!
: أنت منية القلب ، فهل تخمدين النار بين جوانحي و تصفين بلسان القدرة حسنك و بهاءك ، حيث عجزت الحواس الضعيفة. اعتدلت و قالت بلسان فصيح بينما يتضوع منها أطيب ريح : أنا أترجة الندى ، و سليلة الكروم ، عيناى لؤلؤتان تتوهجان بحبك وكلما اقتربتا من الانصهار تدركهما رحمتك . وجنتاي روضتان من ورد يسقيان بماء حياتك،أنفى ثمرة سدر مسكونة بعطرك منذ خلقت الأرض. فمي ضفتان من شوق مستعر ، جسمي أدخره لك فلا تفض الخاتم إلا أن يتوسل اليك!
بدأ القمر يسبح ، لم أكلمه غيرة على ليلى ،و حتى لا ياتى ليلعب الورق . فابتسم و أدار وجهه.
قلت : متى الوصال يا عزيزة المنال ؟
قالت : لابد منه ، لكن دعنى قبل ذلك أغنى لك .
: حبا و كرمة .
انساب صوتها ، نفس الصوت الذي كان يسكرني و يسكر المحجوبين بالظلام :
أنا الغزال ذبحونى من أجل المسك.
ورددت البحيرة كلها :
أنا الغزال.
تعليق