ثلاثة وجوه من مقام دنا

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • سمير المنزلاوي
    عضو الملتقى
    • 26-09-2009
    • 44

    ثلاثة وجوه من مقام دنا

    وجه القمر
    ----------
    كنت أصطاد وحدي في البحيرة و القارب يتأرجح ليبتليني بالنوم ، والمخلوقات تحتي تتسامر! قلت للقمر الذي يسبح بجواري : تعالى نشرب الشاي و نلعب الورق.
    هز رأسه و غاص . فوق الماء المموج ثمة غناء ساحر، يسافر من بعيد و من قريب في آن ، هديل يبل حرارة القلب و يطلق الروح ترفرف كالحمامة حول الغمر.
    أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك!
    البحيرة كلها ترد : أنا الغزال .
    : تعالى!
    : أنا الغزال .
    كيان أبيض نحيل يسعى على اللجة .
    : السلام عليكم.
    : و عليكم السلام تفضل .
    اعتمد على قدم واحدة رافعا الثانية ، هتفت : إنها جافة .
    ابتسم ، قلت :
    : سأشعل الموقد .
    : عذرا ، لو كان لديك حساء القمح لأكلت معك .
    من خارج القارب أمسك برسغي و جس نبضي و هو يتلو أسماء البلاد: مطوبس ، ابيانه ، بنى بكار ، عزبة عمرو ، ديبى ، رشيد ، ادكو ، منية المرشد.
    حين وصل إلى الاسم الأخير لاحظ ارتفاع الضربات فقال:
    - تحبها ؟
    : نعم !
    : نعم و لا ، و بينهما تضيع الرقاب . لقد رأيتها بركة يسكنها السمك ، ثم مفازة تقطعها الذئاب !
    :أكرمني بشرب الشاي.
    :جهز حساء ضيافتي! وسلم لي على سيدك محمد المرشدى.
    ابتعد حتى صار طيفا ، و سمعت الغناء فوق الفنار القديم :
    أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك.
    ورددت البحيرة كلها : أنا الغزال .



    وجه بحري
    ------------
    هو و النبي الياس اقتسما بر مصر بالحد و المصلحة ، في موسم الحج يتقابلان و يعتنقان :
    : ماذا فعلت بالصعيد يا نبي الله؟
    : خيرا ، الميرة كافية و القلوب آمنة ، فما بال وجه بحري؟
    : تركته على ما تهوى!
    سهر الليالي مع السادة، الذين غادروا الخلوات ليخفروا جسور النيل. كانوا يشيرون إلى النهر المزمجر فيهبط و يتراجع ! قالوا له : مولانا ، سئمنا الماء المهيمن ، فدعنا نقيم قرانا و مدننا و نكمل ملامح الوجه ، وزع عليهم خططهم : طنطا أسوارها حلوى و حمص و حب العزيز ، دسوق كلابها غنم ووحوشها بقر و ابل و حمر أهلية، كفر الشيخ طرحها حبوب،و سمك، دواجنها بط و إوز و ماعز، ادفينا،أحراشها نخل و أرضها بساتين للبرتقال و اليوسفي و النارنج! دمياط ، بيوتها خانات و أهلها صناع ، تصب فيها الأموال صبا و لا يدركها الخراب إلى قيام الساعة..... . منذ ذلك اليوم تعلم البحراوية تجفيف المستنقعات ، و زراعة الأرز ، و تختيم الجميز على شجره ، و صيد السمك بالجوابى ، و طحن الحبوب في القدح و فض البكارة بالأيور!

    عاد كل إلى مرقده، لكن الناس يأكلون الثريد و اللحم ، و يرقصون عندهم في المواسم :
    أنا الغزال ذبحوني من أجل المسك.
    أنا الغزال.


    وجه حبيبتي
    ------------
    وحدي في البحيرة ، و المخلوقات تتسامر، فوجئت به يريني قدميه الجافتين ، أشعلت الموقد لأطبخ حساءه قال:
    -أكثر الماء فربما يأتيك ضيف!
    جلس مادا قدميه في القارب ، لم يسبح القمرو كان الظلام يمرح في الفراغ الممتد ، وميض يبرق من بعيد كأن فراشة تسرع نحونا ، قال : ليلى !
    وقفت بعيدا و خفضت رأسها قال :
    تعالى ، هذا الذي اخترته لك .
    تركنا و مضى ، و لم يشرب حساء القمح . جلست تعد الطعام و قالت بصوت أعذب من دعاء الكروان : سيدي أنا جاريتك ، و طوع بنانك .
    تواجدت و قمت أصيح و ما ثم خبر عن نفسي ، و قفزت سمكة تقول : بالله أكملي !
    أغمضت ، و اعتصمت بالصمت ، و ازداد هيامي ، و أخرجت الدواب رؤوسها و في فم كل منها جوهرة تعشى الأبصار ولا تقدر بمال .
    : هذه دوطتى!
    : أنت منية القلب ، فهل تخمدين النار بين جوانحي و تصفين بلسان القدرة حسنك و بهاءك ، حيث عجزت الحواس الضعيفة. اعتدلت و قالت بلسان فصيح بينما يتضوع منها أطيب ريح : أنا أترجة الندى ، و سليلة الكروم ، عيناى لؤلؤتان تتوهجان بحبك وكلما اقتربتا من الانصهار تدركهما رحمتك . وجنتاي روضتان من ورد يسقيان بماء حياتك،أنفى ثمرة سدر مسكونة بعطرك منذ خلقت الأرض. فمي ضفتان من شوق مستعر ، جسمي أدخره لك فلا تفض الخاتم إلا أن يتوسل اليك!
    بدأ القمر يسبح ، لم أكلمه غيرة على ليلى ،و حتى لا ياتى ليلعب الورق . فابتسم و أدار وجهه.
    قلت : متى الوصال يا عزيزة المنال ؟
    قالت : لابد منه ، لكن دعنى قبل ذلك أغنى لك .
    : حبا و كرمة .
    انساب صوتها ، نفس الصوت الذي كان يسكرني و يسكر المحجوبين بالظلام :
    أنا الغزال ذبحونى من أجل المسك.
    ورددت البحيرة كلها :
    أنا الغزال.
    التعديل الأخير تم بواسطة سمير المنزلاوي; الساعة 28-04-2010, 07:06.
  • العربي الثابت
    أديب وكاتب
    • 19-09-2009
    • 815

    #2
    من حسن حظي أن أكون أول من يعانق هذا الجمال الآسر..
    ثلاثية رائعة جمعت بين سحر الطبيعة وفن الكلمة ،فكانت أقرب إلى البوح من أي شيء آخر..
    لم تكفيني قراءة واحدة لسبر أغوارها لكن قد أعود حين تطلق المشاغل اليومية سراحي...
    أجمل التحايا الصادقة لك أستاذ سمير..
    ودمت متألقا كعهدي بك..
    التعديل الأخير تم بواسطة العربي الثابت; الساعة 25-04-2010, 12:00.
    اذا كان العبور الزاميا ....
    فمن الاجمل ان تعبر باسما....

    تعليق

    • سمير المنزلاوي
      عضو الملتقى
      • 26-09-2009
      • 44

      #3
      وكذا من حسن حظى

      أن أستفتح بك تشترى منى ، فسيكون يومنا موفور الرزق ، و لأن التاجر يقبل أول نقود يلمسها فدعنى أقبل كلماتك ثم أرفعها الى جبهتى أمسحها بها تعميدا و بركة منك سيدى الذى أرهقت بدنك لكتابة عبارات تجبر خاطرى .و ما الجمال صديقى سوى نفسك تنعكس و تشع فأنت الذى ابدعت و عانيت و ما أنا الاشفافيتك و بعض أريحيتك و لطفك وكم من ناظر يرى التمثال حجرا و المها بقرا و افتقار الذوق حول أبا الحكم الى أبى جهل . لون الماء لون اناه.
      أنتظرك .
      التعديل الأخير تم بواسطة سمير المنزلاوي; الساعة 25-04-2010, 12:14.

      تعليق

      • إيمان الدرع
        نائب ملتقى القصة
        • 09-02-2010
        • 3576

        #4
        نتابعك سيدي ..نتابعك...لا نملّ حروفك الرائعة ..
        سنطارد السطورالمزدانة بهذا الجمال أينما حلّتْ..
        وننتظر المزيد ..لم نرتوِ بعد من هذا المذاق الأدبيّ المميّز..
        أستاذي الفاضل سمير المنزلاوي:
        أضفتَ الكثير من الألق لهذا الملتقى، بتواجدك بيننا..
        دُمتَ بسعادةٍ....تحيّاتي...

        تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

        تعليق

        • سمير المنزلاوي
          عضو الملتقى
          • 26-09-2009
          • 44

          #5
          شكرا أختى الكريمة

          انتم أصحاب الفضل ، بالفم السليم الذوق ترتشفون اعمالى ، و لو كان به مرارة أو سقم لاختلف الطعم !
          أتخيلكم جميعا و أرسم لكم صورا أحملها فى حافظتى و صدقونى لو قابلتكم عرضا فى الطريق سأناديكم : ايمان و آمنه و عائده وا لعربى و عبد اللطيف وووووو
          كلكم .
          جاءوا للمجنون بحبيبته ليلى و قالوا : هاك من دنفتك و خربت عقلك . نظر اليها متعجبا فقالت : لبيك قيسى و حبيبى !
          قال بحزم : اذهبى فانى مشغول بليلى عنك!أنا خادم فى زاوية سيدى الشيخ ربيع عقب الباب .
          التعديل الأخير تم بواسطة سمير المنزلاوي; الساعة 25-04-2010, 13:12.

          تعليق

          • محمد سلطان
            أديب وكاتب
            • 18-01-2009
            • 4442

            #6
            ثلاثية .. "وجه القمر وجه من بحري وجه حبيبتي !!"

            سمير الطيب القلب النقي الأبيض .. الذي لم يمسه تلوث الحضارة , فأطعمته البيئة طعمة البساطة و القرب من القلوب ..
            كانت ثلاث قصائد من التراث الجميل .. من طنطا وحتى كوم دميس مرورا بمنية المرشد !!
            جميل سيدنا المعلم القدير .. جميل وأكثر والله ..

            حبي الأكيد
            صفحتي على فيس بوك
            https://www.facebook.com/profile.php?id=100080678197757

            تعليق

            • سمير المنزلاوي
              عضو الملتقى
              • 26-09-2009
              • 44

              #7
              وانت ايضا

              ان كنت طيبا فانت اطيب . اتمنى ان نتناقش حول الثلاثية باسهاب اكثر ودعك من المجاملة
              وشكرا
              التعديل الأخير تم بواسطة سمير المنزلاوي; الساعة 26-04-2010, 06:24.

              تعليق

              • عائده محمد نادر
                عضو الملتقى
                • 18-10-2008
                • 12843

                #8
                الزميل القدير
                سمير المنزلاوي
                لك أسلوب مغاير في القص
                بصمة متفردة
                أحببت الوصف في جزء وجه حبيبتي فقد جاء انسيابيا وحميميا
                أما أنا الغزال فقد كانت رائعة ومؤثرة
                مامعنى كلمة/دوطتي
                تحياتي ومودتي لك
                الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

                تعليق

                • ربيع عقب الباب
                  مستشار أدبي
                  طائر النورس
                  • 29-07-2008
                  • 25792

                  #9
                  أحالتنى تلك أخى و أستاذى إلى رواية التاريخ السرى لنعمان عبد الحافظ
                  أحالنى المضمون و شكل الكتابة ، لأبحث عن الجاذب ، و المتحقق فى الفن
                  فيها ، نعم كانت فتحا فى الأدب العربى من حيث الشكل الذى علا و غلا ، و أطاح بالمضمون جانبا ، كانت المتعة فى هذا الملبس ، و هذه الألوان التى لا تعنى من قريب أو بعيدا قارئا عاديا ، بقدر ما تغنى القارىء المهتم بالكتابة و الأدب !!
                  هنا أيضا كانت الكتابة و تحقق الفن فى هذه عاليا جدا ، ربما حد الدهشة ، و لكن يظل الدرس غير واضح ، حتى وإن قصدت إرساله ، و كان فى وضوح ما عند الأذكياء ، فالدرس اذكاء لميتافريقا لا تعنينى ، لا تعنى سوى الجانب الروحى ، فى الكائن ، و هى بالضرورة متغلغلة ، و مدعاة للاتكال و التواكل
                  حد الموت أو حد تقبيل يد المجرم ، و الهتاف للقتلة ، و الركوع أمام الجبروت

                  لا أدرى ربما كنت مستثارا هنا إلى حد بعيد
                  و ربما أكون متخبطا ، لا أدرى ما أقول !!

                  تحياتى أستاذى منكم نتعلم كيف نكتب !
                  sigpic

                  تعليق

                  • سمير المنزلاوي
                    عضو الملتقى
                    • 26-09-2009
                    • 44

                    #10
                    أيها السبع مرحبا

                    دائما اهدأ و أعترف بالقصة بعد دخولك و تعليقك. أنت الذى تمنحنى شهادات الميلاد و تختمها ، عندئذ تعيش و تتحرك وسط عالم الفن.الدرس لا أعرفه أما الفن فقد اعترفت به وهذا يكفى.لكن لنجرب اتجاها آخر .لم لا نقول ان ما حدث كله كان ذوقا و وجدا لشخص متوحد مع الكون فرآه يتكلم و يتحرك و تخرج الأرواح من مكامنها لتسامره و تغنى له . و فى وجه بحرى كان الأولياء بنائين و صانعى حضارة و ليسوا من عتاة المجرمين . و فى وجه حبيبتى كان الخيال الى درجة الحقيقة و المناجاة و الغناء بديل اللحم و الدم . قال لى أحد الادباء انه حضر ندوة للراحل نجيب محفوظ فكان المتحدثون يخرجون أشياء من النص و لم يكن هو يزيد على كلمة (يجوز ) المهم نورتنى يا عم ربيع ، و للأخت الكريمة عائدة كلمة دوطه معناها مهر مع الشكر.أنا الغزال ذبحونى من أجل المسك!
                    التعديل الأخير تم بواسطة سمير المنزلاوي; الساعة 27-04-2010, 18:47.

                    تعليق

                    • إيمان الدرع
                      نائب ملتقى القصة
                      • 09-02-2010
                      • 3576

                      #11
                      من ذاكرة عام 2010
                      تحيّاتي أستاذ سمير ...نفتقدك...
                      وكلّ عامٍ وأنتم بخيرٍ

                      تعيش وتسلم يا ااااااوطني ...يا حبّ فاق كلّ الحدود

                      تعليق

                      يعمل...
                      X