على ضفة الحلم ،
تقف امرأة عاجزة عن الوصول إليك .
تتوسل البحر يروي شغفها …
لكنك تمضي من دون التفاته منك .
خراب ما تركت …
وسراب ما ستجني .
تقف امرأة عاجزة عن الوصول إليك .
تتوسل البحر يروي شغفها …
لكنك تمضي من دون التفاته منك .
خراب ما تركت …
وسراب ما ستجني .

الصعود إلى قاع الحلم
في يده جواز سفر اخضر … وحقيبة صغيرة .
صافرة الانطلاق تدوي عالياً معلنة بداية رحلة جديدة … وغامضة ، غموض الحكايا التي كانت ترويها له أمه - يوم كان صغيراً . كان كل شيء في قصصها يكتنفه الغموض، ثم هب … تنتهي القصة من دون أن يفقه منها شيئاً.
يحس بسعادة – من نوع جديد – تباغته . وكأنه هارب من سجن ابدي إلى حيث الحرية والحياة توهب بالمجان – أو هذا ما تصوره لوهلة . حدّق في الوجوه المحتشدة حول إفريز السفينة البارد – لتودع الأهل والأحبة – بحسد . وحيداً يهرب .. ووحيداً سيعيش .. بعيداً عن كل الوجوه التي عرفها ، لكنه وقف معهم ليغرف مما يغرفون ويستجمع في ذاكرته أخر الصور للأشجار .. للسماء.. للماء الذي سيتغير مع كل شبر تتقدم فيه السفينة إلى الأمام . ستتبدل ملامحه.. طعمه.. وحتى لغته . سيصبح بحراً أخر ، وسيغرق وسط لجج لا يفقه منها شيئاً سوى انه من فصيلتها . خيط ضياع رفيع بدأ ينسج حوله.. ثم يحيله إلى شرنقة لا تبصر ما يدور خارج جدرانها الملتحمة .
السفينة تنّين طائر يمخر عباب البحر الخرافي بأجنحة مذهبة . يمشط السماء الرمادية بعينيه.. لا اثر لنور القمر ولا للنجوم . وهذا المساء التشريني يزيد من غربته ويلبده بالأحزان . ينظر صوب الميناء . أنوار الشاطئ بدأت تخفت رويداً.. رويداً مع ابتعاد السفينة التي ابتلعتها العتمة .
الجو يزداد برودة والركاب يتزاحمون عند بوابة المقصورات ليدخلوا وينعموا بالدفء وقدح ساخن من الشاي . وحده يتلفع بمرارته ويأسه اللذين هجما عليه بغتة . تسمر في مكانه ، وظل يرمق الشواطئ الراحلة بعيداً عنه لعله يعثر وسط العتمة على ظل امرأة منحته خصبها وكل ما اشتهاه وبالمقابل منحها حفنة وعود مجنحة . يحس بشيء يحترق في جوفه .. شيء لن ينطفئ حتى لو عب ماء المحيط بكامله . ينادي بأعلى صوته :
- هدبا ااااااء .
يرتسم وجهها على صفحة السماء الرمادية . تقف في شرفتها . تقطف وردة بيضاء من أصص الورد المحيطة بالشرفة ، ثم ترمي بالوردة أليه – كما كانت تفعل كل صباح . تكبر صورتها وتمحى تفصيلات وجهها .. ألا عينيها الصافيتين كبركتي عسل . يناديها مرة أخرى :
- هدباااااااء .
لكن صوته يضمحل … ويتلاشى وسط جلبة محركات السفينة .
ساعات الليل طويلة وموحشة.. ومخيفة كحبل مشنقة تلتف حول عنقه .. تخنقه . فيض من حنين جارف يدفعه لكي يرمي بنفسه إلى البحر ، ثم يعود إلى بره عائماً . لكنه يجهل فن العوم – على الرغم من انه كان يجلس ساعات أمام البحر.. يحدثه تارة ويبوح له بأسراره تارة أخرى . يحلم بركوب أمواجه، لكنه لم يجرؤ يوماً على النزول فيه .
يلقي بجسده المتعب فوق السرير الخشبي الوحيد في الحجرة الصغيرة المزروعة في ذلك الرواق الطويل والضيق . يدفن رأسه – الذي ينبض كقنبلة موقوتة – تحت الوسادة . يسمع صوتاً غريباً يفح في الحجرة . ابتلع أنفاسه ، وأصغى بترقب … لا شــيء ! فجأة انشطر السقف على نصفين ، ثم أمطره بوابل من الصور . رمى بها على الأرض ، لكن الصوت عاد لينفث سمه في أذنيه:
- انظر … انظر …
تتطاير الصور في فضاء الحجرة وهو يصرخ مغمض العينين :
- لا … لا أريد … لا أريد …
لكن الصوت يحاصره :
- انظر … انظر إلى ما خلفت يداك .
يشعر ان قوة غريبة تسيطر على جفنيه وتفتح عينيه على اتساعهما . يرى صوراً وخيالات وأشباحاً تلهث وراءه ، وهو يعدو هارباً منها ، لكن حبلاً – في عنقه – يسحبه كلما ابتعد ليعيده إلى نقطة انطلاقه ، ثم يعدو هارباً من جديد باتجاه أخر والحبل يسحبه مرة أخرى.. وأخرى.. والحيلة تنطلي عليه بكل خبثها.
يتعثر بعلبة صغيرة . يحملها ويحشر جسده في إحدى الزوايا . يفتح العلبة، والعرق يتصبب من جبينه . لا شيء فيها سوى الصور. يقلب.. ويقلب والصور لا تنتهي . أطفال.. صبيان.. امرأة تقف في شرفة محاطة بأصص ورد ابيض .
- هدباء ! حبيبة القلب …
ينتحب ، ثم يتابع تقليب الصور . رجل عجوز يمسك بيد امرأة عجوز ويقفان أمام حفرتين.. وشاهدين .
يقفل العلبة . يأخذها بين ذراعيه ويخرج من حجرته . يتلفت في الممر الضيق . لا أحد فيه . وكمن يخفي جثة قتيل أخفى العلبة تحت سترته وراح يعدو في الممر حافياً والممر يزداد طولاً أمامه وهو يعدو حتى وصل إلى السطح. رمى العلبة الصغيرة إلى عرض البحر . عامت الجثة لثوانٍ ، ثم غاصت بهدوء نحو الأعماق . فجأة هاج البحر ، ثم تمخض عن وحش مرعب . امسك برقبته وحزها.. وهمس بصوت مبحوح :
- انظر … انظر …
ارتسمت الصور أمامه حية بكل تفاصيلها . وجه أمه.. أبيه.. اخوته.. منزله . وفي باحة المنزل شجرة وارفة الظلال.. تعرت في ثوانٍ . استحالت الوجوه إلى رماد . بقايا مقابر تلوح في الأفق وهو يقف هناك وحيداً وعاجزاً.. ويد امرأة تربت على كتفه .
دار فوق السفينة بلا وعي .. تائهاً يبحث عن أرضه ، عن منزله ، عن كتلة مشاعر أودعها في مكان ما .. ولم يعد بإمكانه استعادتها . مازالت المرأة في مكانها . يدها أصبحت في أحضان كفه .. وهي تتمتم بأسى :
- لماذا نداوي أوجاعنا بالرحيل ؟ لماذا يكون السفر اسهل الحلول ؟
- من أجلك يا هدباء أنا ذاهب للبحث عن وطن .
- وطنك هنا …
وأشارت إلى صدرها ثم أردفت :
- وطنك أنا .
وبذعر جريح يحاول التشبث بروحه - التي أدرك أنها ستفارقه لا محالة - ضمها إلى صدره وهمس في أذنها :
- انتظريني . سأعود لك بأزهار اللوز والتفاح .. واقداح عسل – بلون عينيك - تسكر الناظر أليها . سأعود لنكمل معاً حلماً بدأنا بأول خطوة
فيه .
وهو يعلم – كما تعلم هي – أن الخطوة الثانية للهرب هي الإيغال في
البعد .. والنسيان .
يفح الصوت المتحشرج في أذنيه :
- حطام ما تركت وسراب ما ستجني .
يد ما تنتزع هدباء من أحضانه . تتلاشى صورتها . تعود ذات اليد لتصفعه.
يفيق فزعاً . وجهه يتفصد عرقاً . نافذة حجرته تطل على بحر عملاق .. وسماء ستكشف النقاب عن فجر جديد . يخرج من حجرته . يصعد إلى سطح السفينة . الغيوم بدأت تنقشع وتظهر خلفها سماء زجاجية براقة تلألأ النجوم فيها.
الجو مازال بارداً … والسفينة تواصل حفر أخدود لها بين الأمواج المتلاطمة .
marwa7sami@yahoo.com
تعليق