من قصص سندريلا القصة العراقية - مروة الحساني مهداة للزميلة عائدة محمد نادر

تقليص
X
 
  • تصفية - فلترة
  • الوقت
  • عرض
إلغاء تحديد الكل
مشاركات جديدة
  • مهند التكريتي
    أديب وكاتب
    • 06-03-2010
    • 115

    من قصص سندريلا القصة العراقية - مروة الحساني مهداة للزميلة عائدة محمد نادر

    على ضفة الحلم ،
    تقف امرأة عاجزة عن الوصول إليك .
    تتوسل البحر يروي شغفها …
    لكنك تمضي من دون التفاته منك .
    خراب ما تركت …
    وسراب ما ستجني .






    الصعود إلى قاع الحلم




    في يده جواز سفر اخضر … وحقيبة صغيرة .

    صافرة الانطلاق تدوي عالياً معلنة بداية رحلة جديدة … وغامضة ، غموض الحكايا التي كانت ترويها له أمه - يوم كان صغيراً . كان كل شيء في قصصها يكتنفه الغموض، ثم هب … تنتهي القصة من دون أن يفقه منها شيئاً.

    يحس بسعادة – من نوع جديد – تباغته . وكأنه هارب من سجن ابدي إلى حيث الحرية والحياة توهب بالمجان – أو هذا ما تصوره لوهلة . حدّق في الوجوه المحتشدة حول إفريز السفينة البارد – لتودع الأهل والأحبة – بحسد . وحيداً يهرب .. ووحيداً سيعيش .. بعيداً عن كل الوجوه التي عرفها ، لكنه وقف معهم ليغرف مما يغرفون ويستجمع في ذاكرته أخر الصور للأشجار .. للسماء.. للماء الذي سيتغير مع كل شبر تتقدم فيه السفينة إلى الأمام . ستتبدل ملامحه.. طعمه.. وحتى لغته . سيصبح بحراً أخر ، وسيغرق وسط لجج لا يفقه منها شيئاً سوى انه من فصيلتها . خيط ضياع رفيع بدأ ينسج حوله.. ثم يحيله إلى شرنقة لا تبصر ما يدور خارج جدرانها الملتحمة .

    السفينة تنّين طائر يمخر عباب البحر الخرافي بأجنحة مذهبة . يمشط السماء الرمادية بعينيه.. لا اثر لنور القمر ولا للنجوم . وهذا المساء التشريني يزيد من غربته ويلبده بالأحزان . ينظر صوب الميناء . أنوار الشاطئ بدأت تخفت رويداً.. رويداً مع ابتعاد السفينة التي ابتلعتها العتمة .

    الجو يزداد برودة والركاب يتزاحمون عند بوابة المقصورات ليدخلوا وينعموا بالدفء وقدح ساخن من الشاي . وحده يتلفع بمرارته ويأسه اللذين هجما عليه بغتة . تسمر في مكانه ، وظل يرمق الشواطئ الراحلة بعيداً عنه لعله يعثر وسط العتمة على ظل امرأة منحته خصبها وكل ما اشتهاه وبالمقابل منحها حفنة وعود مجنحة . يحس بشيء يحترق في جوفه .. شيء لن ينطفئ حتى لو عب ماء المحيط بكامله . ينادي بأعلى صوته :
    - هدبا ااااااء .
    يرتسم وجهها على صفحة السماء الرمادية . تقف في شرفتها . تقطف وردة بيضاء من أصص الورد المحيطة بالشرفة ، ثم ترمي بالوردة أليه – كما كانت تفعل كل صباح . تكبر صورتها وتمحى تفصيلات وجهها .. ألا عينيها الصافيتين كبركتي عسل . يناديها مرة أخرى :
    - هدباااااااء .
    لكن صوته يضمحل … ويتلاشى وسط جلبة محركات السفينة .

    ساعات الليل طويلة وموحشة.. ومخيفة كحبل مشنقة تلتف حول عنقه .. تخنقه . فيض من حنين جارف يدفعه لكي يرمي بنفسه إلى البحر ، ثم يعود إلى بره عائماً . لكنه يجهل فن العوم – على الرغم من انه كان يجلس ساعات أمام البحر.. يحدثه تارة ويبوح له بأسراره تارة أخرى . يحلم بركوب أمواجه، لكنه لم يجرؤ يوماً على النزول فيه .

    يلقي بجسده المتعب فوق السرير الخشبي الوحيد في الحجرة الصغيرة المزروعة في ذلك الرواق الطويل والضيق . يدفن رأسه – الذي ينبض كقنبلة موقوتة – تحت الوسادة . يسمع صوتاً غريباً يفح في الحجرة . ابتلع أنفاسه ، وأصغى بترقب … لا شــيء ! فجأة انشطر السقف على نصفين ، ثم أمطره بوابل من الصور . رمى بها على الأرض ، لكن الصوت عاد لينفث سمه في أذنيه:
    - انظر … انظر …
    تتطاير الصور في فضاء الحجرة وهو يصرخ مغمض العينين :
    - لا … لا أريد … لا أريد …
    لكن الصوت يحاصره :
    - انظر … انظر إلى ما خلفت يداك .

    يشعر ان قوة غريبة تسيطر على جفنيه وتفتح عينيه على اتساعهما . يرى صوراً وخيالات وأشباحاً تلهث وراءه ، وهو يعدو هارباً منها ، لكن حبلاً – في عنقه – يسحبه كلما ابتعد ليعيده إلى نقطة انطلاقه ، ثم يعدو هارباً من جديد باتجاه أخر والحبل يسحبه مرة أخرى.. وأخرى.. والحيلة تنطلي عليه بكل خبثها.

    يتعثر بعلبة صغيرة . يحملها ويحشر جسده في إحدى الزوايا . يفتح العلبة، والعرق يتصبب من جبينه . لا شيء فيها سوى الصور. يقلب.. ويقلب والصور لا تنتهي . أطفال.. صبيان.. امرأة تقف في شرفة محاطة بأصص ورد ابيض .
    - هدباء ! حبيبة القلب …
    ينتحب ، ثم يتابع تقليب الصور . رجل عجوز يمسك بيد امرأة عجوز ويقفان أمام حفرتين.. وشاهدين .

    يقفل العلبة . يأخذها بين ذراعيه ويخرج من حجرته . يتلفت في الممر الضيق . لا أحد فيه . وكمن يخفي جثة قتيل أخفى العلبة تحت سترته وراح يعدو في الممر حافياً والممر يزداد طولاً أمامه وهو يعدو حتى وصل إلى السطح. رمى العلبة الصغيرة إلى عرض البحر . عامت الجثة لثوانٍ ، ثم غاصت بهدوء نحو الأعماق . فجأة هاج البحر ، ثم تمخض عن وحش مرعب . امسك برقبته وحزها.. وهمس بصوت مبحوح :
    - انظر … انظر …
    ارتسمت الصور أمامه حية بكل تفاصيلها . وجه أمه.. أبيه.. اخوته.. منزله . وفي باحة المنزل شجرة وارفة الظلال.. تعرت في ثوانٍ . استحالت الوجوه إلى رماد . بقايا مقابر تلوح في الأفق وهو يقف هناك وحيداً وعاجزاً.. ويد امرأة تربت على كتفه .

    دار فوق السفينة بلا وعي .. تائهاً يبحث عن أرضه ، عن منزله ، عن كتلة مشاعر أودعها في مكان ما .. ولم يعد بإمكانه استعادتها . مازالت المرأة في مكانها . يدها أصبحت في أحضان كفه .. وهي تتمتم بأسى :
    - لماذا نداوي أوجاعنا بالرحيل ؟ لماذا يكون السفر اسهل الحلول ؟
    - من أجلك يا هدباء أنا ذاهب للبحث عن وطن .
    - وطنك هنا …
    وأشارت إلى صدرها ثم أردفت :
    - وطنك أنا .
    وبذعر جريح يحاول التشبث بروحه - التي أدرك أنها ستفارقه لا محالة - ضمها إلى صدره وهمس في أذنها :
    - انتظريني . سأعود لك بأزهار اللوز والتفاح .. واقداح عسل – بلون عينيك - تسكر الناظر أليها . سأعود لنكمل معاً حلماً بدأنا بأول خطوة
    فيه .
    وهو يعلم – كما تعلم هي – أن الخطوة الثانية للهرب هي الإيغال في
    البعد .. والنسيان .

    يفح الصوت المتحشرج في أذنيه :
    - حطام ما تركت وسراب ما ستجني .

    يد ما تنتزع هدباء من أحضانه . تتلاشى صورتها . تعود ذات اليد لتصفعه.

    يفيق فزعاً . وجهه يتفصد عرقاً . نافذة حجرته تطل على بحر عملاق .. وسماء ستكشف النقاب عن فجر جديد . يخرج من حجرته . يصعد إلى سطح السفينة . الغيوم بدأت تنقشع وتظهر خلفها سماء زجاجية براقة تلألأ النجوم فيها.

    الجو مازال بارداً … والسفينة تواصل حفر أخدود لها بين الأمواج المتلاطمة .

    marwa7sami@yahoo.com


    التعديل الأخير تم بواسطة مهند التكريتي; الساعة 29-04-2010, 11:15. سبب آخر: خطأ طباعي
  • عائده محمد نادر
    عضو الملتقى
    • 18-10-2008
    • 12843

    #2
    الزميل القدير
    مهند التكريتي
    نص أوجع وجعي الكبير وندا عيني النديتين أصلا
    رائع
    متقن
    موجع
    شجي
    آسر
    بودي أن تدعو الأدبية مروة الحساني كي تنضم إلينا لأنها مبدعة حقيقية ولها بصمة كبيرة
    أشكرك على الإهداء زميلي
    تحياتي لك ومودتي
    الشمس شمسي والعراق عراقي ..ماغير الدخلاء من أخلاقي .. الشمس شمسي والعراق عراق

    تعليق

    • مهند التكريتي
      أديب وكاتب
      • 06-03-2010
      • 115

      #3
      ما أيسر نهر الحياة وهو يسرق من جيب شفقنا المحروق آخر عصفور محتمل .. للأمل والحب

      فعلا ً أيتها الرائعة هذا نص جميل ومتميز لسندريلتنا المحبوبة أجادت نسجه باصابعها الرقيقة وهي تناغي أميرها الحاضر الغائب الذي تسنم الكثير من نصوصها الجميلة .. بطريقتها التي امتازت بغرائبية التأمل وفنتازية الأنتظار
      اتمنى أن يكون اعجبك كما أعجبني حال قراءته للوهلة الأولى كما أتمنى أن تدعيها بنفسك فأيملها مثبت في جميع النصوص المنشورة من على ملتقانا الرائع والجميل .. ملتقى الأدباء والمبدعين العرب
      تحياتي لك ايتها الرائعة .. والى مزيد من دوام التألق

      تعليق

      يعمل...
      X