الكذبة
لم أدر لم ولا كيف ساقتني قدماي إلى ذاك المكان؟ إذ من عادتي قتل وقتي في المقهى : الغيبة والنميمة والنكات الخليعة.......
ـــ وما يكون هذا المكان ؟
ـــ الحديقة العمومية...
ـــ ومالك شكون بحالك...الهواء النقي والظل........
ـــ معك حق...حديقة لم يتبق منها إلا الاسم.....دخان السيارات...هدير المحركات وصفير الأبواق...حديقة ما سلم منها من أغراس من عبث العابثين الليليين بدأ اليبس يدب في أوصالها ...لا طيور تزقزق ولا نحل يطــــن ولا فراش يرقص (هكذا تعلمنا نعبر في مدارسنا )
ـــ وشجيرة الورد هذه التي تجلس قبالتها...كاع ما عمرت ليك عينيك ؟
ـــ من سمعك تذكر الورد ظن أننا في قلعة مكونة....
اقتعدت واحدة من تلك الدكات الإسمنتية التي نبتت في إحدى فترات الانتخابات في كل أرجاء الحديقة... أشعلت سيجارة من النوع الرخيص وراحت عيناي تتصيدان المارة الذين جعلوا من هذا الممر الذي يشطــــــــــــر الحديقة إلى شطرين غير متساويين على طول الشارع طريقا لغدوهم ورواحهم هربا من طيش وتهور أصحــــــاب الدراجات النارية الذين صاروا يسيرون حتى على الطوار...لم أدر لم كانت عيناي تسقط فقط عــــــــــــــلى أرداف ومؤخرات المدبرات وعلى صدر وأسفل بطن المقبلات...
ـــ الله يلعنها صنعة فيكم...
ـــ آش ماشي تعمل؟...كلشي يجري على هذاك الشي.........
مرت أمامي امرأة في متوسط عمرها ...كانت تدفع عربة بها وليد...كانت صغيرتها تتقدمها تركب دراجة عجلتها الخلفية ثلاثية...الصغيرة اسمها ريم...شدت ريم انتباهي...قد تكون ذكرتني بمريم أو زينب في صغرهما...في شغبهما وشقاوتهما...
بدأ أطفال المدارس يغمرون المكان بصخبهم وعبثهم..لقد اقترب موعد آذان صلاة المغرب...لن أذهب إلــــــى الزاوية...سأصلي المغرب في أول مسجد أصادفه في طريق عودتي إلى البيت...حتى المقهى غادي ندير منو اليوم مناقص...واحد رفقة واحدة قادمان...متعانقان...يضحكان...يقفان برهة ثم يستأنفان السير...
ـــ العفريت...كان يحكي لها النكات...
اقتربا من شجيرة الورد الوحيدة في الحديقة ذات الزهرة اليتيمة التي تزين رأسها...هو مد يده بحذر شديد إلى الزهرة اليتيمة...نتفها...شمها...مدها لصديقته...هي لم تشمها...تباوسا...تعانقا ومالا نحو الرصيف يريدان عبور الشارع إلى الضفة الأخرى...هي لوت ذراعها خلف ظهرها...كانت تشد على الزهرة اليتيمة في قبضتها...دعكتها بأصابعها...فتتتها...رمت بها خلفها...عبرا الشارع...ركبا سيارة أجرة صغيرة وغابا...
ـــ بالتأكيد سيلحظ غياب الوردة...هل سيسأل عنها ؟
ـــ هو لا يهمه أمر غياب أو حضور الوردة...ما يهمه بالأساس هو عدم غياب الصديقة....
ـــ لو كان نفحها ورقة مالية...هل كانت ستفتتها ؟
ـــ أكيد أنه لم يتعرف إليها إلا اللحظة...وإلا لكان جنب يده وخز شوك شجيرة الورد الوحيدة اليتيمة في هذه الحديقة التي لم يتبق منها من أوصاف الحدائق إلا الاسم...
ـــ وانت ما باليك غير هو ؟ وهي مالها ؟
ـــ هي لها عذرها...لم تترب على الورد...على ثقافة الورد...هي تربت على ثقافة الجيب...على ما يجود به الجيب
ـــ اممممم.......زعما................
ـــ ها هو المغرب تكلم...نوض جدد الوضوء...... زمان الدولار هذا يا عزيزي..............
ـــ يالله آراسي...الى ما عندك سوق ادخل سوق راسك...........
************************************************
في احد الاماسي وانا برفقة ابنتي الصغرى صادفتها.
ـــ لكم بحثت عنك ....
ـــ اعرف...لم ارد احراجك...
ها انت تحرجيني الآن ...تكلمي.....
ـــ لم يسبق لأحد أن سأل عن مصير الوردة ...أنت الوحيد يومها من انتبه لذلك...لاحظت أنك كنت تراقبني...رأيتك تجري إلى المكان الذي رميتها فيه...رايتك تلملم شتاتها...وضعته في منديل ودفنته...
ـــ عساها تنبت.
ـــ ستنبت...لن يخيب أملك...سمعت ما قاله رأسك لرأسك البارحة...مرة حملت الوردة معي...أهديتها لأمي...رمتها...صفعتني وقالت : ( أ لأجل هذا غبت النهار كله) سمعها والدي...من غير أن يسألها أخبرته...أكمل لي
ثلاث صفعات وقال لها : (أنا ذاهب إلى المسجد...اعطها النوار تتعشى به)
افترقنا...سألتني ابنتي :
ـــ بابا ؟ شكون هاذي ؟
تظاهرت بانشغالي بإشعال سيجارة...
ليلتها لم أدق طعم النوم...أرقت...ما إن أطل الصبح حتى جريت إلى قبر الوردة...رأيتها...أجل رأيتها تطل
من بين الحشائش...فرحت ؟ طبعا فرحت...جلست أزيل عنها الأعشاب التي كانت تغطيها...شيخ عجوز يقف على رأسي...
يحمل سطل ماء...قال :
ـــ لم هذه الغيبة يا بني ؟ من النهار اللي دفنوه ما زاروه ؟
لم أشعر إلا وهي تقف بيننا...
ـــ من ؟
ـــ هي
ـــ من هي ؟
ـــ صاحبة الوردة...
قالت للعجوز : لم لم تنتظرني ؟
سألتها : ما أتى بك ؟
أجابت : هذا (وأشارت إلى الشيخ) سبقني فخفت عليه
قالت وهي تمسك السطل من جانب والعجوز من جانب يصبان الماء على الوردة :
ـــ آتي وإياه كل صباح نسقيها...اليوم سبقني...خفت عليه...جئت جارية...
ـــ يقربك ؟
ـــ مسكين...مقطوع من شجرة...نزيل بملجأ الأيتام ...لقد اشتغلت بالملجأ............
تعليق