شطحات ميتافيزيقية
كفانا ما لقينا،عبارة ظلت تتردد بداخلي باستمرار،وهي عنوان لنص إبداعي،للأستاذة جلاد يولس المنسي.أصداء هذا العنوان،إضافة لعوامل أخرى،ولدت هذا العمل المتواضع،وأتمنى أن يكون في المستوى،بالرغم مما فيه من نقصان،لأني أحتاج إلى مراجع شتى،خصوصا مؤلفات السوسيولوجي المغربي عبد الصمد الديالمي،
وأيضا، ما كتبه الدارسون حول الموضوع.
فاعذروني،فلكل حصان كبوة،وما أكثر كبوات المبتدئين أمثالي،الذين عاشوا فترات طويلة في المنفى،داخل أوطانهم،يشتغلون بالتدريس في مناطق نائية،يصعب فيها الحصول على الماء،فما أدراك بالكهرباء.
بكل وضوح،أتقبل انتقادات هذا العمل،حتى وإن كانت لاذغة...
لنبدأ،وندخل للأهمية،حسب توجيه أستاذنا الفاضل،محمد شعبان الموجي.
فاتحة الكلام
بتأثير من الفضائيات الغربية،أصبح البعض،في مجتمعاتنا العربية،يلهث بحثا عن الحبة الزرقاء السحرية،وذلك إثباتا للرجولة والفحولة.وإذا ما حاولنا الإقتراب من المحظور،لكشف المستور،في علاقة الجنس بالحرية،يمكن أن نقول:من المظاهر الأساسية للحرية،أن يتحكم المرء في مقدار تلبيته لرغباته وشهواته الجنسية،لأنه إذا بالغ في ذلك،يصبح عبدا لها أسيرا يئن تحت قيودها،ولن يجد لذة أو متعة.ومن الممكن أن يصاب بآثار سلبية وخيمة،فحتى الطعام،إن أسرفنا في تناوله،يؤدي إلى ظهور عدة أمراض،كالسمنة وما يرتبط بها،لأن شهوة الزيادة على قدر الحاجة،فيه مضرة،{والإكثار على مقدارالكفاية،فهو ممنوع منه في العقل والشرع،لأن تناول ما زاد عن الكفاية،نهم معروشره مضر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم،أنه قال:{إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين مورثة للسقم مكسلة عن العبادة}وقال علي –رضي الله عنه-:إن كنت بطنا فعد نفسك زمنا}1
إذا كان الجنس معطى طبيعي،موجود عند الإنسان والحيوان،فإن الإنسان،يقوم به،ويمارسه من خلال ثقافته،تماما كما هوالشأن،بالنسبة لباقي الأفعال الإنسانية الأخرى،كالأكل والشرب والنوم،هناك قواعد وضوابط،لا بد أن نحترمها أثناء تلبيتنا لرغباتنا وحاجاتنا الضرورية،فنحن لا نشرب كما تشرب البعير،وإنما نشرب على ثلاث دفعات،نبدأ بالتسمية،ونختم بالحمد،وأحاديث رسولنا الكريم،كثيرة في هذا المجال،منها ما رواه مسلم،عن أنس رضي الله عنه،قال:نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم،أن يشرب الرجل قائما،قالوا:فالأكل؟قال:ذلك أشر.
من جهة أخرى،يرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر إدغار موران،أن كل فعل إنساني هو فعل بيوتقافي،أي بيولوجي وتقافي في نفس الوقت،يختلط فيه ماهو طبيعي فطري ، ومشترك بين الإنسان والحيوان،مع ما هو ثقافي مكتسب،عن طريق التربية بما فيها من تلقين وتعلم،يقول:{كل فعل إنساني هو في الوقت نفسه فعل بيولوجي كلية وفعل ثقافي كلية}2
وحاصل القول أن الإنسان يقوم بإشباع شهوته الجنسية البيولوجية من خلال ثقافته.
سأستسمح القارئ الكريم لأذكره بأن الخطورة تتجلى الآن: في الهجمة الشرسة التي تعاني منها أمتنا الإسلامية،لتغيير ثقافتنا الأصيلة،والدفع بها نحو المزيد من التردي،إذ أصبح الجنس في هذا الزمن الموحش،يمارس في مناطق جغرافية،بكيفية مختلفة وبعيدة عما كانت عليه من قبل،ويتم الترويج لذلك والدعاية له،عبر وسائل الإعلام والتأطير،ربما غير رسمية،لكنها موجودة،سواء في بعض القنوات الفضائية،أو المواقع الإلكترونية الدنيئة.
تأملات
في بلاد اليونان قديما،ومع بداية القرن السادس قبل الميلاد،عرفت هذه البلاد،تطورا ملفتا للنظر،خصوصا عندما تم تقليص نفوذ،الأسر الأرستقراطية،الذي كان يعطي الأفضلية في الحكم للنبلاء،وبعد ذلك،ولظروف كثيرة،يطول حصرها في هذا المقام،ولكن تجدرالإشارة لأهمها:كإشاعة الثقافة وحرية التعبير،التي لم تعد امتيازا،أو حكرا على عائلات معينة،بسبب تبسيط الأبجدية اليونانية،حيث أصبحت القراءة والكتابة ميسورة،وفي متناول الجميع،وبفضل ذلك تم الإنتقال إلى الحكم الديموقراطي،بعيدا عن أي حكم وراثي،أوأسري.
هنا لا ينبغي أن تغيب عن ذهننا،الحكمة الأساسية،والمتمثلة في أن أول ما نزل من القرآن الكريم،هو اقرأ...
وبعد قرون مضت،وبما أننا دخلنا في سبات طويل،مازال الأميون بيننا،وحتى من أحسن التعلم منا يهاجر بعيدا عنا لظروف.
يا حسرتنا الأميون بيننا وهجرة الأدمغة من أوطاننا
إذا صبرت علي أيها القارئ الكريم،وتأملت معي وضعية المدينة اليونانية التي قال عنها المفكر محمد عابد الجابري{ما يميز المدينة هوأنها اجتماع سياسي يدير أعضاؤه شؤونهم بأنفسهم...والمواطن،بالمعنى اليوناني للكلمة،هو الذي يتكلم ويناقش الشؤون العامة التي تخص المدينة.ومن الكلام في الشؤون العامة،ومناقشتها،وإبداء الرأي فيها والحجاج حولها، نشأت الفلسفة في اليونان...هناك إذن علاقة حميمية بين الفلسفة والمدينة.كان ظهور المدينة في تاريخ الفكر اليوناني حدثا حاسما.إن العقل اليوناني،والفلسفة اليونانية كذلك،هو ابن المدينة}3
المواطن الذي كان له حق التعبير والمشاركة في نقاش كل ما يتعلق بالشؤون العامة للمدينة في تلك الساحة العمومية المسماة أغوراAgoraهذاالمواطن ينبغي أن يكون من السادة،وليس من العبيد،والسيد لا بد أن يتحكم أولا في رغباته وشهواته الجنسية،وأن لا ينصاع لها أمام الجميع.الممارسات الجنسية بالنسبة إليهم تقوم على التماس،وأي شيء خارج التماس لا يعتبرونه جنسا،هم حددوا دلالته،أما نحن فدلالته عندنا واسعة،مططناه وعومناه،وخلقنا بالتالي غموضا،وأصبح يدخل حتى في السلوكات البريئة الراقية،نفسرها على أن لها دلالة جنسية،كتبادل الهدايا،أو طريقة الكلام،بل إن أحدهم فسر انخراط شخص ما،في إحدى الجمعيات التقافية،بأنه يبحث فقط عن مجال لتلبية نزواته الجنسية.
إذا ما عدنا إلى ذلك المواطن اليوناني،الذي يمكن أن ينتخب ويفوض لتسيير شؤون البلاد،نجد بأنه لا بد أن يكون متعلما،وأن يتصف برباطة الجأش،وأن يكون بطلا،والبطل عندهم هو الذي يتغلب على الشهوة الجنسية،ويخضعها لما يمكن أن نسميه بمبدأ التقليصprincipe de rarefactionالذي نجده في علم الإقتصاد السياسي،والقائم على قانون العرض والطلب،فالذهب له قيمة ثمينة،يباع ويشترى لأنه قليل،بينما الأكسجين لا يباع ولا يشترى لأنه كثير،رغم ضرورته،مما يعني أن كل ما يفوق عرضه الطلب،لا يباع ولا يشترى.فإذا كثر عرضنا لمقدار قوتنا على الممارسات الجنسية،سننزل بها إلى الحضيض لا محالة.
لهذا كان المواطن اليوناني لا يعبأ بالممارسات الجنسية للعبيد،حتى وإن تمت في واضحة النهار،وأمام الملأ،وكأنه يشاهد سلوك الدجاج البلدي في القرية.
هذه بعض ملامح الحضارة اليونانية،لما كانت تعيش ربيع فكرها،قبل أفوله.
بعيدا عن ذلك،وإذا ما عدنا إلى العصر الجاهلي الذي يمكن أن نقول عن أهله{كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم ويأباها الوجدان،ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الإنسان ويفضي به إلى الدهشة والعجب}4
من هذه القيم عدم التلوت بملوثات الحضارة ومكائدها،مما أدى بهم إلى الصدق والأمانةوالكرم والنفور من الخداع والغدر،إضافة إلى عزةالنفس والإباء عن قبول الخسف والضيم.
ما نحن فيه الآن،وبعيدا عن ارتداء بناتنا لتنورات من الحجم القصير جدا،سواء في مؤسساتنا التعليمية،أو حافلاتنا،وشوارعنا وأسواقنا..ما بال بعض شبابنا ،نواراتنا،فلذات أكبادنا،نصادفهم في أزقة وبساتين مدننا الجاهلة،متلبسين بممارسات جنسية واضحة ومشينة.كيف يقبلون بذلك وقد شرفنا الله بأسمى رسالة سماوية،أخرجت الإنسانية من الظلمات إلى النور؟
هل التحرر هو الإباحية والشذوذ؟
إذا كانت الحياة الجنسية كقوة مولدة للبشر على سطح الأرض،فيظهر بأنها مازالت تشكل لغزا عصيا يصعب فك جميع رموزه،ذلك أن الرغبة لا تفتأ تجذب كلا من الجنسين نحو بعضهما البعض،وبأي حال من الأحوال،لا يجوز الإمتثال إلى ما تدعوإليه النفس الأمارة بالسوء،
ولنا في القرآن الكريم قصة يوسف الصديق،حيث أن هذه الشخصية كنموذج تاريخي،من النماذج التي نتبناها نحن المسلمون،دون أن نهتم بالأصل العبري ليوسف ابن يعقوب،هذه الشخصية أبانت مدى العفة والتسامي عن رغبات الجسد رغم الإغراءات،وذلك بتوفيق من الله عز وجل.
وانطلاقا من القول الشائع،بأن كل ممنوع مرغوب،
وباعتبار البلوغ السهل إلى الوسط الأنثوي،وبوجه أدق إلى العلاقات الجنسية،في عالمنا المعاصر،بسبب كثرة التأثيرات الخارجية،من أغاني وأفلام وقصص إباحية...التي تعزف على بعض الأوتار الدقيقة في الشخصية الإنسانية.ظني والله أعلم أن هناك حدودا حمراء لا ينبغي تجاوزها أبدا.
قيل لأعرابي ليلة تزويج محبوبته:أيسرك أن تظفر بها؟قال، نعم.قيل:فما كنت تصنع بها؟قال:أطيع الحب في لثمها،وأعصى الشيطان في إثمها.أيضا فقد قيل لأعرابي:ما تعدون العشق فيكم؟قال:القبلة والضمة والغمزة،وإذا نكح الحب فسد.
إخواني أخواتي،قال الجاحظ:من حفظ لسانه وفرجه أمن شرورالدنيا.فما علينا إلا أن نستعين على ذلك بالصبر والصلاة والرياضة والصوم، الذي هوعبادة تقوم على الإمتناع عن الأكل والشرب والمضاجعة،وأيضا حفظ اللسان.
يتبع
كفانا ما لقينا،عبارة ظلت تتردد بداخلي باستمرار،وهي عنوان لنص إبداعي،للأستاذة جلاد يولس المنسي.أصداء هذا العنوان،إضافة لعوامل أخرى،ولدت هذا العمل المتواضع،وأتمنى أن يكون في المستوى،بالرغم مما فيه من نقصان،لأني أحتاج إلى مراجع شتى،خصوصا مؤلفات السوسيولوجي المغربي عبد الصمد الديالمي،
وأيضا، ما كتبه الدارسون حول الموضوع.
فاعذروني،فلكل حصان كبوة،وما أكثر كبوات المبتدئين أمثالي،الذين عاشوا فترات طويلة في المنفى،داخل أوطانهم،يشتغلون بالتدريس في مناطق نائية،يصعب فيها الحصول على الماء،فما أدراك بالكهرباء.
بكل وضوح،أتقبل انتقادات هذا العمل،حتى وإن كانت لاذغة...
لنبدأ،وندخل للأهمية،حسب توجيه أستاذنا الفاضل،محمد شعبان الموجي.
فاتحة الكلام
بتأثير من الفضائيات الغربية،أصبح البعض،في مجتمعاتنا العربية،يلهث بحثا عن الحبة الزرقاء السحرية،وذلك إثباتا للرجولة والفحولة.وإذا ما حاولنا الإقتراب من المحظور،لكشف المستور،في علاقة الجنس بالحرية،يمكن أن نقول:من المظاهر الأساسية للحرية،أن يتحكم المرء في مقدار تلبيته لرغباته وشهواته الجنسية،لأنه إذا بالغ في ذلك،يصبح عبدا لها أسيرا يئن تحت قيودها،ولن يجد لذة أو متعة.ومن الممكن أن يصاب بآثار سلبية وخيمة،فحتى الطعام،إن أسرفنا في تناوله،يؤدي إلى ظهور عدة أمراض،كالسمنة وما يرتبط بها،لأن شهوة الزيادة على قدر الحاجة،فيه مضرة،{والإكثار على مقدارالكفاية،فهو ممنوع منه في العقل والشرع،لأن تناول ما زاد عن الكفاية،نهم معروشره مضر.
وقد روي عن النبي صلى الله عليه وسلم،أنه قال:{إياكم والبطنة فإنها مفسدة للدين مورثة للسقم مكسلة عن العبادة}وقال علي –رضي الله عنه-:إن كنت بطنا فعد نفسك زمنا}1
إذا كان الجنس معطى طبيعي،موجود عند الإنسان والحيوان،فإن الإنسان،يقوم به،ويمارسه من خلال ثقافته،تماما كما هوالشأن،بالنسبة لباقي الأفعال الإنسانية الأخرى،كالأكل والشرب والنوم،هناك قواعد وضوابط،لا بد أن نحترمها أثناء تلبيتنا لرغباتنا وحاجاتنا الضرورية،فنحن لا نشرب كما تشرب البعير،وإنما نشرب على ثلاث دفعات،نبدأ بالتسمية،ونختم بالحمد،وأحاديث رسولنا الكريم،كثيرة في هذا المجال،منها ما رواه مسلم،عن أنس رضي الله عنه،قال:نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم،أن يشرب الرجل قائما،قالوا:فالأكل؟قال:ذلك أشر.
من جهة أخرى،يرى الفيلسوف الفرنسي المعاصر إدغار موران،أن كل فعل إنساني هو فعل بيوتقافي،أي بيولوجي وتقافي في نفس الوقت،يختلط فيه ماهو طبيعي فطري ، ومشترك بين الإنسان والحيوان،مع ما هو ثقافي مكتسب،عن طريق التربية بما فيها من تلقين وتعلم،يقول:{كل فعل إنساني هو في الوقت نفسه فعل بيولوجي كلية وفعل ثقافي كلية}2
وحاصل القول أن الإنسان يقوم بإشباع شهوته الجنسية البيولوجية من خلال ثقافته.
سأستسمح القارئ الكريم لأذكره بأن الخطورة تتجلى الآن: في الهجمة الشرسة التي تعاني منها أمتنا الإسلامية،لتغيير ثقافتنا الأصيلة،والدفع بها نحو المزيد من التردي،إذ أصبح الجنس في هذا الزمن الموحش،يمارس في مناطق جغرافية،بكيفية مختلفة وبعيدة عما كانت عليه من قبل،ويتم الترويج لذلك والدعاية له،عبر وسائل الإعلام والتأطير،ربما غير رسمية،لكنها موجودة،سواء في بعض القنوات الفضائية،أو المواقع الإلكترونية الدنيئة.
تأملات
في بلاد اليونان قديما،ومع بداية القرن السادس قبل الميلاد،عرفت هذه البلاد،تطورا ملفتا للنظر،خصوصا عندما تم تقليص نفوذ،الأسر الأرستقراطية،الذي كان يعطي الأفضلية في الحكم للنبلاء،وبعد ذلك،ولظروف كثيرة،يطول حصرها في هذا المقام،ولكن تجدرالإشارة لأهمها:كإشاعة الثقافة وحرية التعبير،التي لم تعد امتيازا،أو حكرا على عائلات معينة،بسبب تبسيط الأبجدية اليونانية،حيث أصبحت القراءة والكتابة ميسورة،وفي متناول الجميع،وبفضل ذلك تم الإنتقال إلى الحكم الديموقراطي،بعيدا عن أي حكم وراثي،أوأسري.
هنا لا ينبغي أن تغيب عن ذهننا،الحكمة الأساسية،والمتمثلة في أن أول ما نزل من القرآن الكريم،هو اقرأ...
وبعد قرون مضت،وبما أننا دخلنا في سبات طويل،مازال الأميون بيننا،وحتى من أحسن التعلم منا يهاجر بعيدا عنا لظروف.
يا حسرتنا الأميون بيننا وهجرة الأدمغة من أوطاننا
إذا صبرت علي أيها القارئ الكريم،وتأملت معي وضعية المدينة اليونانية التي قال عنها المفكر محمد عابد الجابري{ما يميز المدينة هوأنها اجتماع سياسي يدير أعضاؤه شؤونهم بأنفسهم...والمواطن،بالمعنى اليوناني للكلمة،هو الذي يتكلم ويناقش الشؤون العامة التي تخص المدينة.ومن الكلام في الشؤون العامة،ومناقشتها،وإبداء الرأي فيها والحجاج حولها، نشأت الفلسفة في اليونان...هناك إذن علاقة حميمية بين الفلسفة والمدينة.كان ظهور المدينة في تاريخ الفكر اليوناني حدثا حاسما.إن العقل اليوناني،والفلسفة اليونانية كذلك،هو ابن المدينة}3
المواطن الذي كان له حق التعبير والمشاركة في نقاش كل ما يتعلق بالشؤون العامة للمدينة في تلك الساحة العمومية المسماة أغوراAgoraهذاالمواطن ينبغي أن يكون من السادة،وليس من العبيد،والسيد لا بد أن يتحكم أولا في رغباته وشهواته الجنسية،وأن لا ينصاع لها أمام الجميع.الممارسات الجنسية بالنسبة إليهم تقوم على التماس،وأي شيء خارج التماس لا يعتبرونه جنسا،هم حددوا دلالته،أما نحن فدلالته عندنا واسعة،مططناه وعومناه،وخلقنا بالتالي غموضا،وأصبح يدخل حتى في السلوكات البريئة الراقية،نفسرها على أن لها دلالة جنسية،كتبادل الهدايا،أو طريقة الكلام،بل إن أحدهم فسر انخراط شخص ما،في إحدى الجمعيات التقافية،بأنه يبحث فقط عن مجال لتلبية نزواته الجنسية.
إذا ما عدنا إلى ذلك المواطن اليوناني،الذي يمكن أن ينتخب ويفوض لتسيير شؤون البلاد،نجد بأنه لا بد أن يكون متعلما،وأن يتصف برباطة الجأش،وأن يكون بطلا،والبطل عندهم هو الذي يتغلب على الشهوة الجنسية،ويخضعها لما يمكن أن نسميه بمبدأ التقليصprincipe de rarefactionالذي نجده في علم الإقتصاد السياسي،والقائم على قانون العرض والطلب،فالذهب له قيمة ثمينة،يباع ويشترى لأنه قليل،بينما الأكسجين لا يباع ولا يشترى لأنه كثير،رغم ضرورته،مما يعني أن كل ما يفوق عرضه الطلب،لا يباع ولا يشترى.فإذا كثر عرضنا لمقدار قوتنا على الممارسات الجنسية،سننزل بها إلى الحضيض لا محالة.
لهذا كان المواطن اليوناني لا يعبأ بالممارسات الجنسية للعبيد،حتى وإن تمت في واضحة النهار،وأمام الملأ،وكأنه يشاهد سلوك الدجاج البلدي في القرية.
هذه بعض ملامح الحضارة اليونانية،لما كانت تعيش ربيع فكرها،قبل أفوله.
بعيدا عن ذلك،وإذا ما عدنا إلى العصر الجاهلي الذي يمكن أن نقول عن أهله{كانت فيهم دنايا ورذائل وأمور ينكرها العقل السليم ويأباها الوجدان،ولكن كانت فيهم من الأخلاق الفاضلة المحمودة ما يروع الإنسان ويفضي به إلى الدهشة والعجب}4
من هذه القيم عدم التلوت بملوثات الحضارة ومكائدها،مما أدى بهم إلى الصدق والأمانةوالكرم والنفور من الخداع والغدر،إضافة إلى عزةالنفس والإباء عن قبول الخسف والضيم.
ما نحن فيه الآن،وبعيدا عن ارتداء بناتنا لتنورات من الحجم القصير جدا،سواء في مؤسساتنا التعليمية،أو حافلاتنا،وشوارعنا وأسواقنا..ما بال بعض شبابنا ،نواراتنا،فلذات أكبادنا،نصادفهم في أزقة وبساتين مدننا الجاهلة،متلبسين بممارسات جنسية واضحة ومشينة.كيف يقبلون بذلك وقد شرفنا الله بأسمى رسالة سماوية،أخرجت الإنسانية من الظلمات إلى النور؟
هل التحرر هو الإباحية والشذوذ؟
إذا كانت الحياة الجنسية كقوة مولدة للبشر على سطح الأرض،فيظهر بأنها مازالت تشكل لغزا عصيا يصعب فك جميع رموزه،ذلك أن الرغبة لا تفتأ تجذب كلا من الجنسين نحو بعضهما البعض،وبأي حال من الأحوال،لا يجوز الإمتثال إلى ما تدعوإليه النفس الأمارة بالسوء،
ولنا في القرآن الكريم قصة يوسف الصديق،حيث أن هذه الشخصية كنموذج تاريخي،من النماذج التي نتبناها نحن المسلمون،دون أن نهتم بالأصل العبري ليوسف ابن يعقوب،هذه الشخصية أبانت مدى العفة والتسامي عن رغبات الجسد رغم الإغراءات،وذلك بتوفيق من الله عز وجل.
وانطلاقا من القول الشائع،بأن كل ممنوع مرغوب،
وباعتبار البلوغ السهل إلى الوسط الأنثوي،وبوجه أدق إلى العلاقات الجنسية،في عالمنا المعاصر،بسبب كثرة التأثيرات الخارجية،من أغاني وأفلام وقصص إباحية...التي تعزف على بعض الأوتار الدقيقة في الشخصية الإنسانية.ظني والله أعلم أن هناك حدودا حمراء لا ينبغي تجاوزها أبدا.
قيل لأعرابي ليلة تزويج محبوبته:أيسرك أن تظفر بها؟قال، نعم.قيل:فما كنت تصنع بها؟قال:أطيع الحب في لثمها،وأعصى الشيطان في إثمها.أيضا فقد قيل لأعرابي:ما تعدون العشق فيكم؟قال:القبلة والضمة والغمزة،وإذا نكح الحب فسد.
إخواني أخواتي،قال الجاحظ:من حفظ لسانه وفرجه أمن شرورالدنيا.فما علينا إلا أن نستعين على ذلك بالصبر والصلاة والرياضة والصوم، الذي هوعبادة تقوم على الإمتناع عن الأكل والشرب والمضاجعة،وأيضا حفظ اللسان.
يتبع
تعليق